جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

إن الإنسان لربه لكنود

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليُظهره على الدين كلّه، وكفى بالله شهيدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد:

الكَنود وصفٌ أصيل في الجِبِلّة

إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌالعاديات: ٦–٧

والكَنود هو الجاحد الكَفور للنِّعَم. ولم يقل سبحانه وتعالى «إنّ الإنسان لَكَنود»، وإنما قال «لربِّه لكنود» — فخصّ جحوده ونكرانه وكفره بنِعَم ربّه تبارك وتعالى عليه، التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

ووصفُ الإنسان بهذا يدلّ على أنه وصفٌ أصيل في الجِبِلّة الإنسانية، كما عهدنا في كتاب الله تبارك وتعالى حينما يصف الإنسان إنما يصفه بوصفٍ ثابتٍ راسخٍ فيه، كما قال تعالى:

إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًاالمعارج: ١٩

خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍالأنبياء: ٣٧

وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًاالإسراء: ١١

وهذا الإنسان الكنود الجاحد لنعمة ربه هو — كما قال الحسن رحمه الله مفسِّرًا — اللوّام لربّه، الذي يُعدِّد المصائب ويَنسى النِّعَم؛ فهو كثير التشكّي. وإنه على ذلك لشهيد: كلُّ أحواله وأقواله وأفعاله شاهدةٌ عليه بنكرانه وجحوده لفضل الله عليه.

ولا خروج للعبد من هذا الوصف إلا بكثرة الحمد، وتذكُّرِ نِعَم الله تبارك وتعالى، والعملِ على شكرها لكي يحفظها الله عليه.

الإدراك قبل الحمد

ولا شكّ أنّ أكرم الخلق على الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ أكرم الخلق وأبرَّهم وأتقاهم وأرضاهم لله تبارك وتعالى بعد النبيّين هم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أجمعين. ولقد كان في حياتهم عِبَرٌ تُذكِّر بنِعَمٍ من نِعَم الله التي لا نفطن لها أصلًا.

فالإنسان لكي يكون حامدًا شاكرًا ينبغي أوّلًا أن يُدرك النعمة، وأن يَعيَها، وأن يستشعر فضل الله تبارك وتعالى فيها؛ فيحمد بلسانه ويشكر بفعاله.

نعمةٌ لا نلتفت إليها: موضع قضاء الحاجة

فمن هذه النِّعَم التي ربما تمرّ ولا نلتفت إليها، ما وقع في مسامعنا كثيرًا حين ذُكرت حادثة الإفك، وما تعرّض له عِرضُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تَلوكه ألسنةُ الناس، وما وقع على عائشة رضي الله عنها والصدِّيق رضي الله عنه من أثر ذلك — حتى أنزل الله تبارك وتعالى من عليائه البراءةَ والشهادةَ بالطُّهر والعفاف والنقاء الكامل الذي لا يُسامى.

فهي تحكي رضي الله عنها اللحظة التي علمت فيها بما يتناقله الناس، فتقول إنها خرجت مع أمّ مِسطح إلى المناصع — وهو مكانٌ خارج العمران على مشارف الصحراء يخرج إليه الناس ليقضوا حاجتهم. وتقول: «ولا نخرج إلا من ليلٍ إلى ليل» — أي مرّةً كلَّ أربعٍ وعشرين ساعة، للمشقّة والبُعد؛ ويخرج الرجال نهارًا، وأمّا النساء فطلبًا للسِّتر لا يخرجن إلا ليلًا.

وتقول: «ولم نكن نتّخذ الكُنُف» — وهي الحمّامات المعروفة القريبة من البيوت، وكانت عند الأعاجم من الفرس والروم وغيرهم؛ فلم يكن العرب يحبّون ذلك لِما لها من رائحةٍ قد تؤذي، فيختارون أن يخرجوا إلى خارج العمران.

فتعثّرت أمُّ مِسطح فقالت: «تَعِسَ مِسطح» — ومِسطح ابنُ خالة أبي بكر رضي الله عنه، وكان أبوه قد مات قديمًا، فكان أبو بكر يكفله حتى كبر ويُنفق عليه وعلى أمّه. وكان مِسطح ممّن تكلّم في عِرض ابنته، فأنزل الله تبارك وتعالى في شأنه لئلا يقطع أبو بكرٍ خيرَه عمّن جحد فضله:

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْالنور: ٢٢

فحنّنه الله تبارك وتعالى عليه مع شدّة الجُرم الذي ارتُكب.

فانظر إلى هذه النعمة التي لا نلتفت إليها ولا ننتبه: مكانُ قضاء الحاجة على بُعد سنتيمترات منّا، وأكثرنا في بيته أكثرُ من موضع. أمّا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يتكلّفون إذا أرادوا قضاء حاجتهم أن يخرجوا إلى خارج المدينة.

يقول المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب المَذهب أبعَد — فالنبي صلى الله عليه وسلم لشدّة حيائه وتستُّره يخرج أبعدَ ممّا يخرج إليه الناس. ويقول جابر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد البَراز أبعَد حتى يتغيّب فلا يُرى

ثم إنه لا يخلو أحدٌ من أن تضطرب عليه أمعاؤه أو يَسهُل عليه بطنُه — فماذا يصنع في ظلّ هذا الوضع؟ فهذه نعمةٌ من أعظم النِّعَم التي لا نلتفت إليها ولا ندركها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبُه يُعانون فيها أشدّ العناء.

حتى إنّ الأسماء تُخبرك بالحقائق: «أو جاء أحدٌ منكم من الغائط» — وهو المكان المتّسع المنخفض؛ و«البَراز» — وهو المكان الذي يَبرُز إليه الإنسان بعدما يخرج من البيوت والبساتين وما يُظلّه من أشجار. وكذلك نحن نقول «التبرُّز»، وأصله خروج الإنسان إلى البَراز، وإنما عُبِّر به بعد ذلك عمّا يخرج من الإنسان.

نعمة الماء

وإذا أراد الإنسان أن يستنجي، فإنما كان يستجمر بالأحجار، أو يتكلّف أن يأخذ معه إداوةً أو قِربةً من ماءٍ ليستنجي بالماء في هذا البَراز.

والمياه نفسها إنما تُستسقى من الآبار؛ والمدينة فيها ثمانيةُ آبارٍ أو تسعة، وعلى أقصى تقديرٍ أحدَ عشر بئرًا، يُستسقى منها الماء ويُؤتى به إلى البيوت فيوضع في الجِرار. فإذا نفدت، فالموعد نهايةُ اليوم أو صبيحةُ اليوم التالي.

يقول عثمان رضي الله عنه وهو يُحدِّث بنعمة الله عليه: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء إلى المدينة لم يكن بها بئرٌ يُستعذَب ماؤها — فالمياه في المدينة يغلب عليها المُلوحة حتى ماء الآبار — والبئرُ التي كان فيها ماءٌ عذب هي بئر رُومة، وكان يملكها رجلٌ يهوديّ يبيع الماء للناس: القِربة بدرهم. وربما أغلق عليها، فالبئر داخل بستان، فيمنع منها ويمضي؛ فقد تذهب فلا تجد ماءً.

فقال صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ دَلْوَهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ»

فساوم عثمان رضي الله عنه اليهوديَّ فاشترى منه نصف البئر باثني عشر ألف درهم، ثم أباحها للناس. فاقتسموها يومًا بيوم: ففي يوم عثمان يأخذ مَن أراد الماءَ بلا ثمن، فلا يعود الناس في اليوم التالي — يأخذون ليومين. فصار اليهوديّ يقعد ولا يأتيه أحد، فأتى عثمان فقال: إنك قد أفسدتَ عليّ بئري فاشترِها منّي. فاشترى بقيّتها بثمانية آلاف درهم، واشترى بها خيرًا منها في الجنة.

بل إننا نقرأ في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنه قيل: يا رسول الله، إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ يُلقى فيها الحِيَض ولحومُ الكلاب والنَّتْن — فالبئر في مجرى السيل، فإذا نزلت الأمطار الغزيرة جرفت هذه الأشياء الملقاة بجوار البيوت أو في أماكن القمامة، فيأخذها السيل بقوّة انجرافه ويرميها في البئر. وهو صلى الله عليه وسلم يُستقى له منها ويشرب ويتوضّأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رواه أبو داود والترمذي والنسائي

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين.

نعمة الثياب

ثم إذا أراد المصلّي أن يصلّي — وكلُّنا بفضل الله تبارك وتعالى نملك خزائن للثياب نتخيّر منها ما نشاء، ولكلّ مناسبةٍ زِيٌّ يناسبها — أمّا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان كثيرٌ منهم ربما لا يملك إلا ثوبًا واحدًا.

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال:

«أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟» متفق عليه

ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا كان واسعًا فالتحِفْ به، وإذا كان ضيّقًا فاتّزِرْ به — فإن كانت القطعة كبيرةً تلفّف بها، وإن كانت صغيرةً شدّها على وسطه يستر بها عورته.

ولذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساءَ حينما كُنّ يصلّين معه ألّا يرفعن رؤوسهنّ حتى يستويَ الرجال قعودًا؛ لأنّ كثيرًا منهم لباسُهم ضيّقٌ قصير، فربما إذا سجد أو تحرّك بدا شيءٌ من عورته.

وجاءت امرأةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل فتقول: يا رسول الله، إحدانا يُصيب ثوبَها من دم الحيضة، كيف تصنع؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

«تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» متفق عليه

أي تُزيل المتجمّد منه بالأظافر، ثم تدعكه بالماء، ثم تغمره بالماء، ثم تصلّي فيه.

ولذلك لمّا كان عمر رضي الله عنه واتّسعت الدنيا قال: «قد أوسع الله عليكم فأوسِعوا: فليُصلِّ رجلٌ في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميص، في إزارٍ وقَباء، في سراويلَ ورداء، في سراويلَ وقميص، في تُبّانٍ وقَباء، في تُبّانٍ ورداء». والقَباء عباءةٌ أقصرُ قليلًا، والتُّبّان سراويلُ قصيرة. فهو يقول: إنّ ما ضاق عليكم زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم قد اتّسعت به الدنيا، فتوسّعوا — حتى اللباسُ الذي يُحتاج إليه للصلاة ربما لم يكن يتوافر.

أمّةُ الحمّادين

فهذه النِّعَم التي لم تكن متاحةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكرمِ الخلق على الله، ولا لأصحابه أكرمِ الخلق بعد النبيّين — قد غمرنا الله عز وجل بها وامتنّ علينا. فهل تخطر لأحدٍ منّا على بال؟ أم نحسبها أمورًا مسلَّمة؟ لا، بل إنها من النِّعَم، وممّا ينبغي أن يُشكَر. وإنما ذكرناها لأنها أمورٌ ربما لا تخطر على ذهن إنسان.

ومع ذلك كانوا هم الحمّادين:

وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُالصف: ٦

و«أحمد» أي أكثرُ الخلق حمدًا لربّه تبارك وتعالى. وقال كعب الأحبار في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: «أمّتُه الحمّادون، يحمدون الله تبارك وتعالى في السرّاء والضرّاء، ويحمدونه في كلّ منزلة، ويُكبِّرونه على كلّ شَرَف، يُراعون الشمس فيُصلّون الصلاة إذا جاء ميقاتُها، يأتزرون على أوساطهم، ويتوضّؤون على أطرافهم، مناديهم يُنادي في جَوّ السماء، صفُّهم في القتال وصفُّهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دَويٌّ كدَويّ النحل بكتاب الله تبارك وتعالى».

الشكر حافظُ النِّعَم

فنحن نحتاج لكي نخرج من هذا الوصف القبيح — «إنّ الإنسان لربّه لكنود» — أن نكون دائمي الذكر لنِعَم الله تبارك وتعالى، ما أدركنا منها وما لم نُدرك، وأن نكون شاكرين حتى نكون للنِّعَم حافظين:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌإبراهيم: ٧

الدعاء

ربّنا أوزِعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمتَ علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحًا ترضاه، وأدخِلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحوُّل عافيتك، ومن فُجاءة نقمتك، ومن جميع سخطك.

اللهم إنا نعوذ بك من جَهد البلاء، ومن دَرَك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، ومن عُضال الداء، ومن خيبة الرجاء.

اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، ونعوذ بك منك؛ لا نُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.