جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

لا يفرك مؤمن مؤمنة

الخطبة الأولى

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضاه. وأشهد أن لا إله إلا الله، لا ربّ غيره ولا معبود بحقٍّ سواه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، أشرفُ عباده وأطهرُهم وأزكاهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه. أما بعد:

دلالة اللفظ النبوي: مؤمنٌ ومؤمنة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» رواه مسلم

لم يقل صلى الله عليه وسلم «لا يفرك رجلٌ امرأةً»، ولم يقل «لا يفرك زوجٌ زوجةً»، وإنما قال: مؤمنٌ مؤمنةً. والفَرْك هو البُغض الشديد والنفرة التي تحمل على المقت. فهو صلى الله عليه وسلم يقول: إن المؤمن لا يفعل ذلك، والمؤمنة كذلك.

إذن فالإيمان له أثرٌ في الخُلق، وفي الواقع، وفي السلوك. الإيمان يجتاز بالإنسان قدرًا لا يجتازه غيره. فالمؤمنة تتّقي ربها عز وجل، والمؤمن كذلك يتّقي ربه في الحياة والخُلق والتعامل.

فإذا اجتزنا هذه المرحلة، فما بقي بعد ذلك من الاختلاف في الطباع، أو وجود بعض الصفات التي فيها صعوبة، أو الاختلاف بسبب اختلاف بعض العادات أو اختلاف البيئة — فهذا لا يصل إلى مستوى البُغض والمنافرة. فقد ينشأ أحدهما في بيئةٍ لها عاداتها، والآخر في بيئةٍ أخرى، فيقع شيءٌ من التباين؛ لكنه تباينٌ لا يبلغ ذلك المبلغ.

الأولويات الأربع: وفاظفر بذات الدين

ولذلك كانت وصيته صلى الله عليه وسلم حين الاختلاف: النظرُ إلى هذا الجانب. فذكر أن للناس مواصفات وأولويات، فذكر منها صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنواع من التفضيلات: التفضيلُ بالشكل والاهتمامُ بمستوى الجمال، أو التفضيلُ المالي، أو التفضيلُ المتعلّق بالنسب والحسب:

«تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» متفق عليه

هذه الأنواع التي يفكّر الإنسان فيها: إمّا أن يفكّر في الجمال، وإمّا أن يفكّر أن يقوم بعملٍ على أساسٍ معيّن فيُطوّر المجال الذي يعمل فيه ويُكبّر تجارته — فهو يفكّر بالأساس في المال، وإمّا أن يريد أن ينتقل إلى مرتبةٍ اجتماعية معيّنة، أو يريد أن يكون له سندٌ يدعمه في مجالاتٍ معيّنة، فهو يبحث عن الحسب والعشيرة والقوة والنفوذ.

ثم عقّب صلى الله عليه وسلم بالعنصر الرابع، فجعله آخِرًا: ولدينها، ثم جعل الوصية أن يُنظَر إلى جانب الدين — لأن جانب الدين هو الذي يحفظه ويحفظ ما بعده. فالإنسان الذي لديه دينٌ بالأساس يتعامل مع ربّه سبحانه وتعالى أوّلًا؛ يريد أن يُرضي ربه ولا يُسخطه، فهو يتّقي الله في تعاملاته مع الآخرين طلبًا لمرضاة الله تبارك وتعالى، بقطع النظر عن أفعال الناس. ليست معاملةً على قدر ما يُقدَّم له، لأنه في النهاية يفكّر في رضا ربه، ويفكّر في السؤال بين يدي الله سبحانه وتعالى.

فصاحبُ الدين لو سألتَه: ماذا ستفعل بالدين؟ فالجواب: سيبحث عن البيت الطيّب، وسيبحث عن الخُلق، وسيبحث عن خَلْق الله. هذه الأشياء التي تنتج من هذا الأصل. وحينئذٍ نفهم قوله صلى الله عليه وسلم «لا يفرك مؤمن مؤمنة» — لأن هناك أشياء كثيرة طيبة تَربُو على الأشياء السلبية التي قد تسبّب نوعًا من النفرة.

تضخيم الشيطان للصغائر

لكن يُحذَّر الإنسان حينئذٍ — وعمومًا — من وسوسة الشيطان. فالشيطان أحيانًا عَبْرَ وسوسته يُضخّم للإنسان أشياء معيّنة: تكون هناك مشكلةٌ حجمها في مسار الحياة كلّه ليس بالشيء الكبير، لكن الشيطان يظلّ يضغط فيها ويضغط، فيبقى الإنسان يركّز عليها حتى يصل إلى مرحلةٍ لا يرى فيها إلا هذا الجانب السلبي. فتضيق عليه الحياة — لا بسبب الواقع والحقيقة، بل بسبب ضغط الشيطان الذي يجعله يركّز دائمًا على ما يُوقعه في حالةٍ من الضيق أو النفرة.

وهذه مشكلةٌ في كل شيء: أحيانًا يكون تفكير الإنسان منصبًّا دائمًا على النقص. والإنسان عليه من نِعَم ربنا سبحانه وتعالى كثيرٌ ربما لا يستشعره إلا إذا حصل فيها شيءٌ من الخلل أو شيءٌ من الفقد؛ فحينئذٍ يدرك أنه كان في نعمةٍ سابقة من الله تبارك وتعالى، لكنه لم يكن يستشعر قيمتها ولا قدرها. وربما كان يمرّ عليها سريعًا ولا يُلقي لها بالًا، فإذا حدث فيها أدنى خلل استشعر الإنسان أنه كان في فضلٍ عظيم من الله سبحانه وتعالى، ولم يكن مستشعرًا لهذا الفضل.

الدين وحده هو القابل للاكتساب

إذن النبي صلى الله عليه وسلم يوجّه: إذا كنّا في دائرة الإيمان، فحينئذٍ ما كان خارج هذه الدائرة فهو ممّا يُحتمَل.

فإن قيل: هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يُدرَك بعد فوات الأوان؟ فلو افترضنا أنه لم يكن ثَمّ تقوى ولا تديّنٌ في السابق حين اخترتَ — فإنه اليوم يمكن أن يُكتسَب الإيمان، ويمكن أن يُكتسَب في كل لحظة، ما لم تبلغ الروحُ الحلقوم.

أمّا الجمال فلا يتغيّر، وكذلك المال، وكذلك الحسب. أمّا الدين فيمكن تحصيله إذا كانت عند الإنسان الرغبة، وإذا أقبل على الله تبارك وتعالى وكان صادقًا في إرادة مرضاته، وتشبّث بالدعاء. فأعظم ما في مِنّة الدين أنه قابلٌ للاكتساب، قابلٌ للتحصيل.

وبالتالي فشكل الحياة عند كلٍّ منّا، إذا أُضيف إليه عاملُ الإيمان وعاملُ التقوى، فلن يبقى شكل الحياة كما هو. الإنسان إذا تاب الله عليه وأناب إلى الله تبارك وتعالى تتغيّر نفسه، وينشرح صدره، ويرى الخير والنعمة من ربنا سبحانه وتعالى في كل شيء، وتَحسُن معاملته مع الناس — إذا كانت توبةً حقيقية. فإذن هذا العنصر قابلٌ للتحصيل، وبالتالي يمكن بفضل الله سبحانه وتعالى أن تتغيّر حياة الإنسان كلُّها: على مستوى الشخص، أو الأسرة، أو الاتجاه الاجتماعي — بمجرّد أن يُقبل العبد على الله تبارك وتعالى إقبالًا صادقًا.

أقول قولي هذا، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين. فما المطلوب؟ المطلوب أن تقع من الإنسان الإرادةُ الحقيقية لكي يُقبل على الله، وأن يتقبّل الرسائل التي تأتيه من الله، وأن يستقبل النِّعم التي يُهديها الله تبارك وتعالى إليه.

حَزْن بن أبي وهب ورفضُ الهدية

لمّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بفضل ربه تبارك وتعالى، أقبل إليه رجلٌ من كبار بني مخزوم ليبايعه على الإسلام — رجلٌ كبير من أهل مكة، والرسول صلى الله عليه وسلم يعرفه. فسأله عن اسمه:

أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «مَا اسْمُكَ؟» قال: حَزْنٌ. قال: «بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ». قال: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي. قال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ» رواه البخاري

و«حَزْن» فيه معنى الحَزْن والصعوبة والشدّة. وسعيد بن المسيّب بن حَزْن حفيدُه، وهو من أئمة التابعين ومن كبار فقهاء أهل المدينة — يقول: فما زالت فينا الحُزونة بعدُ. فالتابعون كانوا يقولون: نحن على ذلك إلى اليوم، لأنه رفض هذه الهدية من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فما الذي منعه؟ قيل في تعليل ذلك: السَّهْلُ يُوطَأ — أي أن السهل يُداس ويُستخفّ به ولا يُقدَّر. فهو متشبّثٌ بأن يكون «حَزْنًا»: يريد الجِدّة والشدّة وشيئًا من القسوة، لكي يهابه الناس ويحترموه ويقدّروه، ولا يدوسه أحدٌ بقدمه.

تغيير الاسم مقدّمةُ تغيير النفس

وتغييرُ التسمية هو أوّلُ أنواع التغيير: أن يغيّر المرء رؤيته، ويغيّر فكره، ويغيّر نظرته إلى نفسه — لتكون هذه مقدّمةً لأن يتغيّر عمليًّا. فهو حين يتحوّل من «حَزْن» إلى «سَهْل»، ولكلّ امرئٍ من اسمه نصيب، يبدأ حينها يتبنّى السهولة في التعامل.

وهذا أيضًا هو الكلام عن أصعب شيء: فإذا كان هذا ينفع أن يتغيّر، فأيّ شيءٍ آخر ينفع أن يتغيّر من باب أولى. إذا كانت الشدّة والصعوبة في الشخصية يمكن أن تتغيّر، فالأشياء الأخرى أسهل. فهو حين يبدأ يغيّر اسمه، ويغيّر رؤيته، ويغيّر تفكيره، ويستعين بالله سبحانه وتعالى — فإن ربنا سبحانه وتعالى يُعينه، ويمنّ عليه بأن يتغيّر.

قال صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ»

فالعلم يُدرَك بالتعلّم، والحِلم يُدرَك بالتحلّم؛ وهي صفةٌ من الصفات التي يصعب اكتسابها، لكن إذا حاول الإنسان وتكلّف، فإن الله سبحانه وتعالى يوفّقه.

الدعاء

اللهم إنا نسألك مُوجِباتِ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك.

اللهم اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائبَ الدنيا.

اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارثَ منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبرَ همّنا ولا مبلغَ علمنا.

اللهم إنا نسألك فعلَ الخيرات، وتركَ المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا وتتوب علينا، وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين.

اللهم إنا نسألك حبَّك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ عملٍ يُبلِّغنا إلى حبك.

اللهم يا مقلّب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك.

اللهم أعِنّا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسِّر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا.

أقول قولي هذا، والسلام عليكم.