الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضاه. وأشهد أن لا إله إلا الله، لا ربّ غيره ولا معبود بحقٍّ سواه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشرفُ عباده وأطهرُهم وأزكاهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هديه واهتدى بهداه. أما بعد:
قصّة المرأة المرضعة وابنها
يحكي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن امرأةٍ من بني إسرائيل، بينما كانت تُرضع صبيًّا لها، إذ مرّ رجلٌ على دابّةٍ فارهةٍ في شارةٍ حسنة، فلمّا نظرت إليه قالت: اللهم اجعل ابني مثله. فترك الرضيع ثديَها والتفت إلى الرجل، فلمّا نظر إليه قال: اللهم لا تجعلني مثله.
ثم لم يمضِ إلا قليل حتى مرّ قومٌ بجاريةٍ وهم يضربونها ويقولون: زنيتِ، سرقتِ. وهي تقول: حسبي الله ونِعم الوكيل. فقالت المرأة: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فالتفت الرضيع إليها ثم قال: اللهم اجعلني مثلها.
فقالت المرأة: «حَلْقَى» — وهي كلمةٌ تقولها الأمّ عند العرب في موضع الدعاء على نفسها من شدّة المصيبة، أصلُها أن يُصيب حلقَها داءٌ أو مرض، أو من شدّة الصراخ والعويل. ثم قالت: مرّ الرجلُ ذو الشارة الحسنة فقلتُ: اللهم اجعل ابني مثله، فقلتَ: اللهم لا تجعلني مثله. ثم مرّت هذه الجارية وهم يضربونها فقلتُ: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلتَ: اللهم اجعلني مثلها!
ثم بيّن لها الصبيّ.
هذه المعجزات إنما تكون في الأمور العظيمة
وأوّل ما يُلحَظ أنّ مثل هذه المعجزات العظيمة إنما يجعلها الله تبارك وتعالى في الأمور العظيمة. فمريم عليها السلام أشارت إليه فقالوا:
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّامريم: ٢٩
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّامريم: ٣٠
موقفٌ بالغ الخطورة والعظمة: أراد الله سبحانه وتعالى أن يُبرّئ هذه المرأة الطاهرة من ألسن هؤلاء القوم اللئام، وأن يُثبت للمسيح عليه السلام من أوّل لحظةٍ النبوّةَ والعبودية.
وكذا في قصّة الرجل الصالح العابد في بني إسرائيل — جُرَيج — الذي اتُّهم بالزنا وسِيق ليُقتَل، وهو لا يدري على ما يضربونه وعلامَ يسوقونه. فلمّا تبيّن له قال: ائتوني بالصبيّ. فأُتي به، فقال: «يا غلام، من أبوك؟» قال: فلانٌ الراعي. فالله سبحانه وتعالى بفضله ومنّه أنقذ هذا العبد من القتل والهَلَك.
وكذا فيما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر ماشطة بنت فرعون، حينما أبت أن تُشرك وتترك دينها، فأوقد فرعون زيتًا في بقرةٍ من نحاس، وجعل يُلقي أبناءها الواحدَ تلو الواحد؛ فلمّا أتى إلى صبيّها الرضيع تلكّأت الأمّ خوفًا عليه، فقال: يا أمّه تقحَّمي، فإنّ عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة.
وكذا في قصّة أصحاب الأخدود التي علّمنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ المرأة حينما تقاعست عن الدخول في النار خشيةً على الصبيّ، قال: يا أمّه اصبري، فإنّكِ على الحقّ.
كلُّها أحداثٌ عظيمة وأمورٌ كبيرة جليلة. أمّا في قصّتنا هذه فيبدو أنه لا يوجد موضوع، وليس هناك شيءٌ عظيم يستحقّ هذه المعجزة وهذه الآية الباهرة المُبهِرة. لكن لله تبارك وتعالى في كل ما يُقدّره ويقضيه الحكمةُ البالغة.
فطرة الأبوّة وسؤالُ المعيار
ها هنا هذه الأمّ — بفطرة الأمّ وفطرة الأب — يريدون لأبنائهم أن يكونوا في أحسن حال، وفي أحسن وضعٍ يمكن أن يرتقوا إليه، بل يريدون لهم أن يكونوا أحسنَ منهم حالًا. فهذه الأمّ لم تَدعُ لنفسها، وإنما خصّت الدعوة بهذا الرضيع: أن يورّثه الله تبارك وتعالى هذا الشأن العظيم، ولا يكون كهذه المستضعفة التي استضعفها هؤلاء القوم. وهذه فطرة.
حتى إنّ الحبّ ربما يحمل على أشياء تبدو منافيةً للحبّ. فنجد في كتاب الله تنبيهًا لأناسٍ في حالة الفقر الشديد والفاقة وعدم القدرة على إيجاد أدنى درجات الكفاية في الحياة، فيُرزقون بصبيّ، والأمّ من شدّة الفاقة لا تجد لبنًا تُرضعه، فيُؤثِر أبوه القتلَ على هذا البقاء الذي فيه الشقاء والعذاب. فيقول الله تبارك وتعالى:
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْالأنعام: ١٥١
و«الإملاق» شدّة الفقر. هذه حالة. وهناك حالةٌ أخرى: وضعُنا دون الكفاية، لكننا نعيش — إلا أنّ المستقبل مظلم، فنحن خائفون على الأبناء من المستقبل. فيقول الله تبارك وتعالى:
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْالإسراء: ٣١
فهناك «من إملاق» — من الحالة التي نحن فيها، و«خشية إملاق» — أخافه غدًا.
لكن أحيانًا المعايير التي نفكّر فيها وبناءً عليها ننظر إلى الأمور ربما تكون محتاجةً إلى تصحيح. نريد أبناءنا في أحسن وضع — لكن ما هو أحسن وضع؟ وما هي أحسن صورة؟ وما هي الصورة التي من المفترض أن نبحث عنها؟ وما الواجب لها؟
فهنا الأمّ — وهي امرأةٌ مؤمنة — ترى أنّ هذه الصورة هي الصورة المثالية، وأنّ الصورة الثانية صورةٌ مُستذَلّة، ربنا يُعيذنا منها. أمّا الصبيّ فقال لها: أمّا هذا الرجل فهو جبّارٌ من الجبابرة؛ ليس الأمرُ وضعَه الآن، بل ما بعده: هذا الرجل ذو الشارة الذي أمامك، كيف سيكون حاله لمّا يقف بين يدي الله؟ أتريدينني أن أعيش الحياة الدنيوية بهذه الصورة، ثم بعد ذلك إلى أين نمضي؟ فهي تريد الخير فعلًا — لكن ما هو الخير؟ وما مفهوم الخير؟
وأمّا هذه فهم يتّهمونها بالباطل وهي لم تفعل، وتقول: حسبي الله ونِعم الوكيل. فهي امرأةٌ مؤمنة تتعرّض لظلم، وهو شيءٌ مرذول لا يحبّه أحدٌ لنفسه — ولكن حالها عند الله ومآلها عند الله ممّا يستدعي أن يقول هذا الرضيع: اللهم اجعلني مثلها.
والأمّ التي كانت مستغربةً وداعيةً، لمّا سمعت هذا الكلام: هل اعترضت؟ لا. فالمعايير الأساسية عندها صحيحة، لكنها لم تكن ترى الدنيا على حقيقتها.
إذن هؤلاء هم المؤمنون في مجتمعٍ تبدّلت فيه المفاهيم؛ هم كغيرهم يتأثّرون بالوسط العام، فيحتاجون آيةً من الله سبحانه وتعالى يُنطِق بها هذا الصبيّ الرضيع لتصحيح المفهوم: إلى أين نحن ذاهبون؟ وماذا نعمل؟ وما الذي نحتاجه؟ وما الذي نريد أن نصل إليه، وأن نُوصِل إليه أبناءنا؟ هذا هو الذي نحتاج أن نفكّر فيه.
أعظم ما يورّثه الوالد
ولذلك جاء في الرواية: ما نَحَلَ والدٌ ولدًا أحسنَ من أدبٍ حسن
وأصل كلمة «النُّحْلة» العطيّةُ والهِبة، وهي غالبًا تكون شيئًا ماديًّا: يعطيه مالًا، يجيء له بشقّة، بسيارة، يُخرِج له شهادات — هذه هي النُّحلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أعظمُ نُحلةٍ وأعظمُ مِنّةٍ وأعظمُ شيءٍ تورّثه لابنك هو الأدبُ الحسن، والخلقُ الفاضل، وتقوى الله تبارك وتعالى. هذا هو الذي يبقى، وهو أيضًا الذي ينفع في الدنيا قبل الآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين.
بين أيدي مَن نضع أبناءنا
ونحن في سبيلنا لتحقيق ما ننشده لأبنائنا، ربما نضعهم بين أيدي أناسٍ لا يُؤتَمنون عليهم، فيفقدون تعظيمهم لدينهم، ويفقدون انتماءهم.
فالنمط الحديث يركّز على التربية المتعلّقة بتعظيم الفرد، فيُنتج شخصًا أنانيًّا لا يريد إلا نفسه، ولا يفكّر إلا في مصلحته الشخصية، وربما يدوس على أيّ أحد. أمّا التربية المجتمعية فهو ينتمي إلى مجتمعٍ وينتمي إلى أمّة — وهذا لا بدّ أن يكون له دينٌ ولغةٌ وتاريخٌ وعاداتٌ اجتماعية منبثقةٌ عن هذا الدين وهذه اللغة وهذا التاريخ. فيُنتج شخصًا عنده أمانة.
الأمانة والإحسان والإتقان
والعملةُ النادرة اليوم أن تجد شخصًا أمينًا موثوقًا. ومع الأمانة الإحسان — فالدين يورّث الإحسان:
«إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» رواه مسلم
وجاء أيضًا: إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدُكم عملًا أن يُتقِنه
فهذا هو الموروث: الأمانة، والشعور بالمسؤولية، ومراقبةُ الله تبارك وتعالى، والإتقانُ والإجادة — لأنها مسؤوليةٌ أمام الله، لا أمام أحدٍ من الناس. هذه هي القيم الحقيقية.
وأمّا غير ذلك فربنا سبحانه وتعالى لا يُضيع عباده الصالحين. نحن لا نرزق أحدًا، ولسنا نحن الذين نكفل المستقبل الطيّب للأبناء؛ نحن وأبناؤنا مكفولون بكفالة الله تبارك وتعالى.
موعظة مقاتل بن سليمان
دخل مقاتلُ بن سليمان على أبي جعفر المنصور وقد بويع له بالخلافة، فقال: يا مقاتل، عِظني. قال: ممّا رأيتُ أم ممّا سمعتُ؟ قال: بل ممّا رأيتَ. قال:
رأيتُ عمر بن عبد العزيز وقد حانت وفاته وله أحدَ عشرَ ولدًا، وقد ترك ثمانيةَ عشرَ دينارًا: كُفِّن منها بخمسة، واشتُري له قبرٌ بأربعة، وبقيت تسعة وُزِّعت على بنيه الأحدَ عشر.
ورأيتُ هشام بن عبد الملك وقد حانت وفاته وله أحدَ عشرَ ولدًا، قد أورث كلَّ واحدٍ منهم ألفَ ألفِ دينار، فضلًا عن الدور والضياع والبساتين والخدم.
ثم رأيتُ في يومٍ واحدٍ مشهدين: رأيتُ أحدَ أبناء عمر بن عبد العزيز وهو يحمل على مئة فرسٍ مجهَّزةٍ في سبيل الله — كلُّ غازٍ يخرج في سبيل الله يوفّر له آلة القتال والفرس والعُدّة التي يحتاجها، كلُّه على حسابه. ورأيتُ ابنًا لهشام بن عبد الملك في السوق يتكفّف الناس.
والذين لم يكن الواحد منهم يُكمل دينارًا من الميراث — صار هذا حالُهم، والذين أُورثوا ألفَ ألفِ دينار صار ابنُهم يسأل بكفّه.
وكان أبوهما صالحًا
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًاالكهف: ٨٢
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًاالنساء: ٩
و«الأب» لا يلزم أن يكون أبًا مباشرًا؛ قال جمعٌ من أهل العلم: هو أحدُ أجدادهم — كما في قول الله تبارك وتعالى:
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِيوسف: ٣٧–٣٨
فإبراهيم أبو جدّه، وإسحاق جدّه، ويعقوب أبوه — وسمّاهم جميعًا آباءً.
ما الذي يفنى وما الذي يبقى
فنحن نحتاج أن يَنطِق هذا الرضيع، لأننا نحتاج أن نُعيد النظر، ونحتاج أن نفكّر: ماذا نريد أن نعمل؟ وإلى أين نريد أن نمضي؟ وما الذي يفنى وما الذي يبقى؟
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىالأعلى: ١٦–١٧
الدعاء
اللهم خُذ بأيدينا إليك أخذَ الكرام عليك، ولا تفضحنا بين خلقك ولا بين يديك.
اللهم تُبْ علينا، اللهم تُبْ علينا.
اللهم كُنْ لنا ولا تكن علينا، وأعِنّا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسِّر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك ذكّارين، اجعلنا لك شكّارين، اجعلنا لك رهّابين، اجعلنا لك مطواعين، اجعلنا لك مُخبِتين، إليك أوّاهين مُنيبين.
اللهم تقبَّل توبتنا، واغسل حَوبتنا، وامحُ خطيئتنا، وثبِّت قلوبنا، وسدِّد ألسنتنا، واسلُل سخيمةَ صدورنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.