الخطبة الأولى
بسم الله، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. ذكرنا المرة الأخيرة قصة الرجل اليهودي المحسن، وكيف كان الإحسان طريقه إلى الهداية. واليوم نتحدث عن معنى قريب من هذا: أن نفس الإنسان إذا كانت تميل إلى الخير والرحمة والبذل، فذلك علامة على أن ربنا سبحانه وتعالى يريد به خيرًا، وأن هذا الميل القلبي هو ما يُبنى عليه استحقاق الهداية.
رؤيا رجل من أهل بغداد
يُحكى أن رجلًا نام، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فقال له: امضِ إلى المجوسي الذي في بغداد، وقل له: قد أُجيبت الدعوة. وقد ثبت أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حق، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي»، على أن يراه الرائي بصفته وهيئته الحقيقية التي عُرف بها، لا بصورة يخترعها خياله. فلما رأى هذا الرجل الرؤيا كررها في الليلة الثانية، ثم الثالثة، فأيقن أن لها شأنًا، فسأل بعض أهل العلم والمشورة، فاستخفّوا بأمره وقالوا له: إن كثرة السهر بالليل تُورث مثل هذه الأحلام، ولم يعيروه اهتمامًا.
ومع ذلك، لما أصبح، شدّ الرحال إلى بغداد، فوجد المجوسي في نعمة عريضة ودنيا واسعة، ذا نفوذ ومال كبير. فدخل عليه وطلب أن يخلو به، فلما خلا الناس عنه قال له: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك، وقد رآه في المنام يقول: قل له قد أُجيبت الدعوة. فقال المجوسي: أتعرفني؟ قال: نعم، أنت عزّر المجوسي، عابد النور. قال: أفأنكر الإسلام ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال الرجل: كذلك، لكن ربي أرسلني إليك بهذه الكلمة.
إسلام المجوسي وابنه وابنته وأصحابه
فقال الرجل عندئذ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ثم دعا أصحابه وقال لهم: قد كنت في ضلال وقد رجعت، فمن شاء منكم فَلْيُسلم، ومن لم يُسلم فلينزع عن ملازمتي. فأسلم القوم إلا قليلًا منهم. ثم دعا ابنه فقال: يا بني، إني كنت في ضلال وقد أسلمت، فما أنت صانع؟ فقال: يا أبت، أسلم. فأسلم. ثم دعا ابنته وقالت له عن رضاها: يا أبت، لقد كنت كارهة للاجتماع بمن كان يريد أن يزوّجني به، فأسلم.
سرّ إجابة الدعوة: إكرام الجارة الفقيرة
ثم سأله الرجل عن سرّ هذه الرؤيا وعن قوله “قد أُجيبت الدعوة”، فقال المجوسي: أتعرفين الأمر؟ قلت: لا. قال: لمّا زوّجت ابنتي صنعت طعامًا ودعوت الناس جميعًا فأجابوا، فلما أكل الناس وتعِبتُ، أمرت أن يُفرش لي حصير في أعلى الدار لأستريح. وكان بجوارنا قوم من الأشراف قد أصابهم الفقر، فسمعت صبيّة صغيرة تقول لأمها: يا أمّاه، قد آذانا هذا المجوسي برائحة طعامه! فنزلتُ، وحملتُ إليهم طعامًا كثيرًا ودنانير كثيرة، وكسوتُ كل من في الدار. فقالت الأم لابنتها: حشرك الله مع جدّي، وقال الباقون: آمين. فكان ذلك سبب إجابة تلك الدعوة، وإن كنت لا أعلم بها.
الفطرة والإحسان
وفي كلام ابنة المجوسي “لقد كنت كارهة” دلالة على أن الله سبحانه وتعالى فطر الناس على المعاني التي أمرهم بها في الدين، فالفطرة السليمة لا تستريح إلى ما يخالف الحق، وإن نشأ الإنسان في بيئة تخالفه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ومن كان في نفسه ميل صادق إلى الإحسان والرحمة، فذلك من آثار هذه الفطرة الباقية، وهو من علامات إرادة الله بصاحبه الخير.
الإحسان طريق إلى محبة الله
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في هذا الخُلق، فحين نزل عليه الوحي أول مرة وخاف على نفسه، قالت له خديجة رضي الله عنها: «كلا والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق»، فجعلت هذه الخصال من الإحسان دليلًا على أن الله لن يُخزيه. وقال تعالى في وصفه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَالأنبياء: ١٠٧، وقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌالتوبة: ١٢٨. ومن رحمته صلى الله عليه وسلم قوله: «مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمَثَل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى»، وقوله: «من فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».
عبرة قارون: المال وحده لا يدل على المحبة
ولئلا يُظن أن سعة المال وحدها دليل رضا الله، نذكّر بقصة قارون، إذ قال تعالى: فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَالقصص: ٧٩-٨١. فالمال والنفوذ قد يكونان فتنة يُبتلى بها الإنسان، قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًاالفرقان: ٢٠. وقد قرن الله بين قارون وفرعون وهامان في قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌغافر: ٢٣-٢٤.
حديث عمر وحصير النبي صلى الله عليه وسلم
وفي المقابل، دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده نائمًا على حصير قد أثّر في جنبه، وحوله قليل من القرظ معلّق، فبكى عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك؟» فقال: يا رسول الله، فارس والروم يتنعمون بالدنيا وأنت رسول الله على هذه الحال! فقال صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» قال: بلى. قال: فاحمد الله. وقد قال تعالى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِآل عمران: ١٩٦-١٩٨. فالمال في ذاته لا يدل على المحبة ولا على المقت، وإنما مدار الأمر على الشكر والإحسان فيما آتى الله.
خاتمة: الإحسان شعور قبل أن يكون فعلًا
وأختم بأن الإحسان في أصله إحساس يسكن القلب قبل أن يظهر عملًا، وهو يزداد بازدياد معرفة الإنسان بربه سبحانه وتعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم، وكل نعمة ينعم الله بها على عبد فهي دعوة له إلى الشكر، قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْالضحى: ١١، وقال: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰالضحى: ٥. فمن غرس في قلبه الرحمة بالخلق، ورعاية جاره ولو كان مخالفًا له في الدين، فذلك من أسباب الهداية التي قد لا يعلم الإنسان أنها سبب رحمة له عند ربه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.