صلاةٌ تدعو لصاحبها وصلاةٌ تدعو عليه
قال رحمه الله: فمن جُعلت قرّة عينه في الصلاة، كيف تقرّ عينه بدونها؟ وكيف يَسوغ له الصبر عنها؟
فصلاة هذا الحاضرِ قلبُه، الذي قرّة عينه في الصلاة، هي التي تُرفع ولها نورٌ وبرهان، حتى يُستقبَل بها الرحمن عز وجل، فتقول: حفظك الله كما حفظتني.
وأما صلاة المضيّع لحقوقها وحدودها وخشوعها، فإنها تُلفّ كما يُلفّ الثوب الخَلِق ويُضرب بها وجهُ صاحبها، وتقول: ضيّعك الله كما ضيّعتني.
وقد رُوي: «ما من عبدٍ يُتمّ الوضوء إلى أماكنه، ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤدّيها لله عز وجل، لم يَنقُص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالِمها شيئًا، إلا رُفعت له إلى الله عز وجل بيضاءَ مُسفِرة يستضيء من نورها، حتى يُنتهى بها إلى الرحمن عز وجل. ومن قام إلى الصلاة فلم يُكمل وضوءها، وأخرجها عن وقتها، واسترق ركوعها وسجودها ومعالِمها، رُفعت عنه سوداءَ مظلمة، ثم لا تُجاوز شعر رأسه، وتقول: ضيّعك الله كما ضيّعتني».
الفرق بين قبولين
والمقبول من العمل نوعان:
أحدهما: أن يصلّي العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلّقٌ بالله عز وجل، ذاكرًا له على الدوام. فأعمال هذا العبد تُعرض على الله عز وجل حتى تقف قُبالته، فينظر إليها، فإذا رآها خالصةً لوجهه مرضيّةً قد صدرت عن قلبٍ سليمٍ مخلصٍ محبٍّ لله متقرّبٍ إليه، أحبّها ورضيها وقبلها.
والثاني: أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة، وإنما يريد بها الطاعة والتقرّب إلى الله؛ فأركانه مشغولةٌ بالطاعة وقلبه لاهٍ عن ذكر الله. فإذا رُفعت أعمال هذا لم تقف تجاهه، ولا يقع نظره عليها، ولكن تُوضع حيث تُوضع سائر الأعمال، حتى تُعرض عليه يوم القيامة فتُميَّز، فيُثيبه على ما كان له منها، ويردّ عليه ما لم يُرد وجهه به.
فهذا قبولُه لهذا العمل وإثابتُه عليه بمخلوقٍ من مخلوقاته: من القصور والأكل والشرب والحور العين. وإثابةُ الأول رضاه العملَ لنفسه، ورضاه عن معاملة عامله، وتقريبُه منه وإعلاءُ درجاته ومنزلته؛ فهذا يُعطيه بغير حساب.
وهو يقسّم نعيم الجنة إلى نعيمٍ للروح ونعيمٍ للبدن؛ فأهل السبق نصيبهم قبولُ الحبّ والرضا والقرب، ومن دونهم يُمتَّعون بأشياءَ حسّية.
مراتب الناس في الصلاة خمس
الأولى: مرتبة الظالم لنفسه المفرِّط، الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.
الثانية: من يحافظ على المواقيت والحدود والأركان الظاهرة والوضوء، لكنه ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.
الثالثة: من حافظ على الحدود والأركان وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغولٌ بمجاهدة عدوّه لئلّا يسرق صلاته؛ فهو في صلاةٍ وجهاد.
الرابعة: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبَه مراعاةُ حدودها وحقوقها لئلّا يُضيّع شيئًا منها؛ بل همّه كلّه مصروفٌ إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبَه شأنُ الصلاة وعبوديةُ ربه فيها.
الخامسة: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكنه مع هذا قد أخذ قلبه فوضعه بين يدي ربه عز وجل، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده؛ قد اضمحلّت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حُجُبها بينه وبين ربه.
فهذا القسم في الصلاة أعظمُ مما بين السماء والأرض، وهو في صلاته مشغولٌ بربه قريرُ العين بها.
فالأول مُعاقَب، والثاني مُحاسَب، والثالث مُكفَّرٌ عنه، والرابع مُثاب، والخامس مُقرَّب من ربه؛ لأن له نصيبًا ممن جُعلت قرّة عينه في الصلاة. فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا قرّت عينه بقربه من ربه في الآخرة، وقرّت عينه به في الدنيا أيضًا. ومن قرّت عينه بالله قرّت به كلُّ عين، ومن لم تقرّ عينه بالله تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات.
الحجاب والالتفات
ورُوي أن العبد إذا قام يصلّي قال الله عز وجل: «ارفعوا الحجاب بيني وبين عبدي»، فإذا التفت قال: «أخنِسوه».
وقد فُسّر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله عز وجل إلى غيره؛ فإذا التفت إلى غيره أُرخي الحجاب بينه وبين العبد، فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياها في صورةٍ لا تليق.
وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت، لم يقدر الشيطان على أن يتوسّط بين الله تعالى وبين ذلك القلب؛ وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب. فإن فرّ إلى الله تعالى وأحضر قلبه فرّ الشيطان، فإن غفل حضر الشيطان؛ وهكذا شأنه وشأن عدوّه في الصلاة.
وقفة: كم نحن بعيدون عن هذا؟
وهذا الكلام — بالنسبة لما نعمله فعلًا — بعيدٌ جدًّا جدًّا. فهو يتحدّث عن إنسانٍ إذا صلّى لا ينشغل بشيءٍ من حين يُكبّر إلى أن يُسلّم.
وتخيّل: لو جلستَ بين يدي شخصٍ مهيبٍ عظيم القدر يكلّمك في أمرٍ خطيرٍ يعنيك، وأنت طوال ذلك تنظر إلى الحائط، أو إلى حذائك، أو إلى جوربك، أو تتفقّد ساعتك، أو ترى ماذا في هاتفك — لعُدَّ ذلك مصيبة. ونحن ننشغل في الصلاة بما هو أتفه من ذلك بكثير.
ترصّد الشيطان للعبد في الصلاة
ثم ذكر رحمه الله ترصّد الشيطان للعبد في الصلاة خاصةً؛ لأن الشيطان إنما استوجب السخط برفضه السجود، فإذا سجد العبد أراد الشيطان بكل وسيلةٍ أن يمنعه من الاستجابة.
فهو يجتهد كلّ اجتهادٍ ألّا يقيمه إليها؛ بل لا يزال به يُعَوِّقه ويُمنّيه ويُنسيه حتى يهون عليه شأن الصلاة. فإذا قام وصلّى شغله بالفضول فيها، فذكّره في الصلاة ما لم يكن يخطر له بال. حتى ربما كان قد نسي الشيء وأيِس منه، فيذكّره إياه في الصلاة ليشغل قلبه به ويأخذه عن الله عز وجل؛ فينصرف من صلاته كما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله.
وهذه تجربةٌ يعرفها كلّ أحد: أن يقع في الحيلة نفسها مرّةً بعد مرّة.
وظائف الصلاة ومعيار قبولها
والمفروض من الصلاة أن تُذكّر الإنسان بعظمة الله، وأن تُذهب الهمّ والغمّ عن القلب، وأن تجدّد الإيمان فيه حتى يستطيع أن يقاوم ضغوط الحياة والفتن والشهوات بصورةٍ أفضل، وأن تكون من المكفّرات التي تكفّر الخطايا والذنوب.
وأثر تكفير الذنوب ينبغي أن يظهر حتى في إحساس الإنسان؛ فالخطايا كأنها أثقالٌ على الظهر، قال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَالشرح: ١–٣. فإذا صلّى العبد انزاح عنه ذلك.
قال رحمه الله: فإن الصلاة إنما تكفّر إذا أدّى حقّها وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه؛ فهذا إذا انصرف منها وجد خفّةً من نفسه، وأحسّ بأثقالٍ قد وُضعت عنه، فوجد نشاطًا وراحةً وروحًا، حتى يتمنّى أنه لم يكن خارجًا منها؛ لأنها قرّة عينه ونعيم روحه وجنّة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجنٍ وضيقٍ حتى يدخل فيها فيستريح بها.
وهذا معيارٌ مهمّ للتقييم؛ فكثيرٌ من الناس ليس عنده معيارٌ يعرف به هل أدّى العبادة على وجهها أو لا. فإن كان الإنسان تعتريه الهموم والضيق، فدخل في الصلاة فاستشعر الراحة وانزاح عنه ذلك — فهو في الاتجاه الصحيح.
معنى «قرّة العين»
وقوله صلى الله عليه وسلم: «وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» — وقرّة العين أن تستقرّ العين على الشيء فلا تريد أن تنصرف عنه. وتُطلق في حقّ الشيء الذي هو أحبّ الأشياء إلى الإنسان وأشدّها تعلّقًا بقلبه، بحيث يجد فيه أعظم المتعة، فلا يريد أن يصرف بصره عنه.
الغربة تُضاعف المجهود المطلوب
ولو قلنا هذا الكلام وقارنّاه بالحياة التي نعيشها، لوجدنا أن أصله لا يكاد يوجد في الخريطة أصلًا. فغاية الإنسان أن يقوم فيصلّي بقدر الصلاة وينتهي؛ أما فكرة أن يقدّر الصلاة، أو أن يجاهد فيها، أو أن يريد أن يفتح قلبه لله — فلا وجود لها. بل ربما لو تكلّم أحدٌ بهذا لنُظر إليه كأنه من كوكبٍ آخر.
ومن هنا نقول: كلّما ازدادت غربة المعاني الإيمانية في المجتمع، ازداد المجهود المطلوب من الإنسان ليقترب من المعايير الإيمانية. فالإنسان إذا فقد المعين، وصار أكثر من حوله يصرفونه، وهو أصلًا ليست لديه القوة الذاتية الكافية — فإنه يُجرّ حيث يُجرّون.
ولذلك صار عندنا اسمٌ إيماني لا حقيقةٌ إيمانية؛ فالاسم أن يكون الإنسان مدركًا لمعانٍ معيّنة وعارفًا للحق، والحقيقة أن يعيش هذه المعاني.
بمن نقارن أنفسنا؟
ومن أخطر ما نقع فيه أن يقيس الإنسان نفسه بمن حوله من الناس، فيشعر أنه ليس ثمّة أفضل من حاله، وأننا خيرٌ من غيرنا بكثير. وقد يكون هذا صحيحًا في نفسه — وهي نعمةٌ تُشكر — لكنه ليس المعيار.
وأضرب مثالًا: امتحن ابني في اللغة الفرنسية فكان الثاني على الفصل؛ والأول أخذ سبعًا، وهو أخذ ستًّا — من ثلاثين! فالترتيب ممتاز، والنتيجة كارثة. فالمقارنة بمن حولك قد تعطيك ترتيبًا مريحًا وأنت في الحقيقة راسب.
فالواجب أن يقيس الإنسان نفسه بما ينبغي أن يكون عليه، وبالنموذج الذي طُلب منه أن يحقّقه، وبالصورة التي سيسأله الله عنها.
القلوب ثلاثة
قال رحمه الله: وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه عز وجل إذا قهر شهوته وهواه؛ وإلا فقلبٌ قد قهرته الشهوة وأسره الهوى ووجد الشيطان فيه مقعدًا تمكّن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟
فالقلوب ثلاثة:
قلبٌ خلا من الإيمان وجميع الخير — فذلك قلبٌ مظلم، قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنه قد اتّخذه بيتًا ووطنًا، وتحكّم فيه بما يريد، وتمكّن منه غاية التمكّن.
وقلبٌ قد استنار بنور الإيمان وأُوقد فيه مصباحه، لكن عليه ظُلمة الشهوة وعواصفُ الأهواء؛ فللشيطان هناك إقبالٌ وإدبار، ومجاولاتٌ ومطاردات، والحرب بينهما سِجال. وتختلف أحوال هذا الصنف قلّةً وكثرة: فمنهم من أوقات غلبته لعدوّه أكثر، ومنهم من أوقات غلبة عدوّه له أكثر، ومنهم من هو تارةً وتارة.
وقلبٌ محشوٌّ بالإيمان قد استنار بنوره، وانقشعت عنه حُجُب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات؛ فلنوره في القلب إشراق، ولذلك الإشراق إيقاد؛ لو دنا منه الوسواس احترق به. فهو كالسماء التي حُرست بالنجوم، لو دنا منها الشيطان رَجَمه الشهاب.
وليست السماء بأعظم حُرمةً من المؤمن، وحراسة الله تعالى له أتمّ من حراسة السماء. والسماء متعبَّد الملائكة ومستقرّ الوحي وفيها أنوار الطاعة، وقلب المؤمن مستقرّ التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان وفيه أنوارها؛ فهو حقيقٌ أن يُحرس ويُحفظ من كيد العدو، فلا ينال منه شيئًا إلا على غِرّةٍ وغفلة.
مثال البيوت الثلاثة
وقد مُثّل ذلك بمثالٍ حسن: وهو ثلاثة بيوت؛ بيتُ ملِكٍ فيه كنوزه وذخائره وجواهره، وبيتُ عبدٍ فيه كنوز العبد وذخائره — وليس فيه جواهر الملك وذخائره، وبيتٌ خالٍ صِفرٌ لا شيء فيه.
فجاء اللصّ ليسرق من أحد البيوت؛ فمن أيّها يسرق؟ فإن قلتَ: من البيت الخالي، كان مُحالًا؛ لأنه ليس فيه شيءٌ يُسرق، وليس مطمعًا. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لمن قال له: إن اليهود تزعم أنها لا تُوسوَس في صلاتها: «وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب؟»
وكيف يستطيع اللصّ أن يسرق من بيت الملك وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبقَ للصّ إلا البيت الثالث؛ فهو الذي يشنّ عليه الغارة.
فليتأمّل اللبيب هذا المثال حقّ التأمّل، ولْيُنزِله على القلوب؛ فإنها على منواله.
فقلبٌ خلا من الخير كلّه — وهو قلب الكافر والمنافق — فذلك بيت الشيطان قد أخرجه لنفسه واستوطنه واتّخذه مسكنًا ومستقرًّا؛ فأيّ شيءٍ يسرق منه وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟
وقلبٌ قد امتلأ من جلال الله وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه؛ فأيّ شيطانٍ يجترئ على هذا القلب؟ وإن أراد سرقة شيءٍ منه فماذا يسرق غير أن يغفل في الأحايين، فينال منه بخطفةٍ ونهبة.
فإن أسلحته هي: الشهوات، والشبهات، والخيالات، والأماني الكاذبة؛ وهي في القلب. فيأتي الشيطان فيجدها عتيدةً فيأخذها ويصول بها على القلب. فإن كان عند العبد عُدّةٌ من الإيمان تقاوم تلك العُدّة وتزيد عليها، انصرف عنه الشيطان؛ وإلا فالدولة لعدوّه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
فإذا أعان العبدُ عدوَّه وفتح له باب بيته وأدخله عليه ومكّنه من سلاحه ليقاتله به — فهو الملوم.
السلاح الأول: الشهوات
فالمشكلة أن الإنسان قد يهيّئ للشيطان مستودعًا في قلبه؛ فلو لم يكن ثمّة مستودع لَما وجد العدوّ ما يأخذه. وهذا السلاح موجودٌ عنده من سنين، وهو قادرٌ على استخدامه هنا وهناك.
والشهوة أن يميل الإنسان إلى ما نهاه الله عنه. والواجب أن يحول بينه وبين أن يُغوى؛ وذلك بأن يُحبَّب إليه الخيرُ ويُبغَّض إليه الشرّ.
مثال: رجلٌ لا يحبّ المذاكرة، ونفسه تميل إلى معاصٍ معيّنة أو إلى رفقةٍ مفسدة. فالمذاكرة عنده ثقلٌ وضريبة، والمعصية مع أولئك محبّبة. فما دام الأمر كذلك فالمشكلة صعبة جدًّا. وإنما يحتاج أولًا أن يقتنع أن المذاكرة ضروريةٌ له ونافعةٌ في مستقبله، وأنها طريق المصلحة الحقيقية، وأن يتبيّن له مغبّة الطريق الآخر.
فالنفس في أصلها مجبولةٌ على محبة ما ينفعها وبُغض ما يضرّها؛ فإذا اقتنعت حقًّا أن هذا ينفع وذاك يضرّ مالت. أما إذا كان لا يرى في المذاكرة إلا الجهد وتضييع الوقت، ويرى في الرفقة المفسدة أنهم يحبّونه وينفعونه، فالصورة عنده مقلوبة.
فرؤيةُ الأمور على حقيقتها جزءٌ كبيرٌ من علاج الشهوة. ويبقى بعد ذلك أصل الضعف البشري — وهو طبيعي — لكنه لن يُبقي الإنسان مستقرًّا في المخالفة.
السلاح الثاني: الشبهات
والشبهات هي الأفكار غير الصحيحة. ومنها:
خللٌ في فهم القدر: أن يقع للإنسان مصيبةٌ فيظنّ أن الله لا يحبّه، وأنه كان ينبغي أن يُصنع به خيرٌ من هذا.
وشكٌّ في الآخرة، أو ضعفُ يقينٍ بها.
وشكٌّ في صلاحية الدين للحياة؛ فيُخيَّل إليه أنه لو تحلّل قليلًا من أمر الله لسارت أموره، أو أن الأوامر الإلهية قيودٌ تضيّق عليه، أو أنه لا يمكن أن يُعاش هذا الدين اليوم — وأنه إنما كان صالحًا للزمان القديم.
وتأمّل كيف دخل الشيطان على آدم عليه السلام؛ فقد جمع الأمرين معًا: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰطه: ١٢٠ — وهذا إغراءٌ بالشهوة؛ ثم قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَالأعراف: ٢٠ — وهذا تصويرٌ بأن الفعل هو الصواب. ثم كانت النتيجة: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَاالبقرة: ٣٦.
السلاح الثالث: الخيالات والأماني
وهي أن يعيش الإنسان أحلام يقظةٍ وأمجادًا وهمية؛ فيقضي وقته يتخيّل أنه فعل ما كان يتمنّى أن يفعله، أو يتخيّل مستقبلًا زاهرًا صنعه في ذهنه.
وأخطر صورها أن يبني عالمًا افتراضيًّا بديلًا يتخيّل فيه أنه حقّق ما يريد؛ لأنه لا يقدر على مواجهة واقعه الصعب. فيتخيّل أنه اشترى وامتلك وسافر، ثم ينقطع الخيال فيعود إلى واقعه فيسارع إلى الرجوع إليه مرة أخرى.
وقد يأخذ ذلك صورةً دينية: أن يهرب الإنسان من واقعه إلى انتظار عودة الحياة الإسلامية كما يحبّ، أو عودة الخلافة، أو ظهور علامةٍ من العلامات — لا على وجه الأمل الباعث على العمل، بل على وجه الهروب من الواقع.
وشرّ من ذلك أن يتمنّى أذًى لمن يكرهه فيريح نفسه بهذا التخيّل؛ فيعيش على وهمٍ يُعفيه من مواجهة حياته.
والصواب الذي أرشدنا الله إليه: أن يواجه الإنسان المشكلات؛ فما استطاع حلّه سعى في حلّه بعون الله، وما لم يستطع صبر عليه وسأل الله أن يعينه. وليعلم أن القلوب بيد الله؛ فيدعو الله أن يهدي القلوب النافرة وأن يُصلح الأحوال التي فسدت — فكلّ شيءٍ بيده سبحانه، وكلّ شيءٍ له حلّ.
مدخلٌ عملي: ضغط مستوى الإنفاق
ومن أوضح ما يفتح للشيطان بابًا: أن يُلزم الإنسانُ نفسه مستوًى من الإنفاق يفرضه المحيط الاجتماعي. فكلّ واحدٍ يعيش في دائرةٍ من الأقران: الأخ والأخت والخالة وأهل الزوجة، ثم الزوجة والأولاد الذين يطمحون ألّا يقلّوا عن أولئك.
وقد لا يكون هذا منطقيًّا؛ فإن ألزمتُ نفسي بتحقيقه فقد لا أقدر، أو يضطرّني إلى الانتقال من دائرة الحلال إلى دائرة الحرام — فأخسر في الدنيا وأُلام في الآخرة.
والعاقل يُحرّك نفقاته على حسب إيراده، لا العكس. أما من ثبّت مستوى إنفاقٍ ثم صار مطالَبًا بتغطيته، فقد وضع نفسه في مأزق. ومن أمثلته: من له أرضٌ فتراجعت إيراداتها، فيستدين ليغطّي الفرق ويُبقي مستوى معيشته، ثم يستدين ليسدّد ويغطّي، حتى يصير في دوّامةٍ لا مخرج منها في سنوات.
وأخطر ما فيه أن الإنسان قد يمتنع عن أداء دوره التربوي في أسرته وبيته؛ لأنه هو أوّل من سيُلام، وهو الذي سيتحمّل النتيجة. ولذلك كان التأسيس المبكّر مهمًّا للغاية.
فهذه المداخل التي ذكرها ابن القيم، إن تركتُها ولم أعالجها، صارت فرصة الشيطان في السيطرة عليّ سهلة. فعلى الإنسان أن يضبط هذه الأمور بقدر استطاعته، وأن يقوّي الجانب الإيماني الذي يعالج بها مشكلاته.
لماذا لجأنا إلى غير الوحي في فهم النفس؟
وما الذي ألجأنا إلى البحث في العلوم البشرية لفهم النفس، إلا التقصير في فهم وإدراك ما قدّمه لنا الدين؟ ففهم النفس البشرية لا يكون على وجهه إلا من خالقها سبحانه.
ومن مشكلات هذه العلوم أن صاحب النظرية قد يبني تصوّره على عيّنةٍ مريضة كلّها، ثم يعمّم النتيجة على البشر جميعًا — وهذا خللٌ منهجي ظاهر.
ومنها أن التقسيم التاريخي الذي دُرّسنا إيّاه يجعل الإسلام مجرّد مرحلةٍ من مراحل تطوّر الفكر البشري: العصور القديمة، ثم «العصور الوسطى» — وهي عندهم عصر الظلام وسيطرة الكنيسة، ثم عصر النهضة والعصر الحديث. فمن دعا إلى الإسلام صار في هذا الإطار داعيًا إلى الرجعية والوراء. وقد دُرّسنا هذا في كل شيء، حتى استقرّ في الأذهان.
وحتى في الإدارة — وهي في حقيقتها تعاملٌ مع النفس البشرية — تجد أن الإدارة إن كانت مادّيةً صِرفًا بلا رُوحٍ إنسانية لم تنجح؛ ولذلك يحاولون تطعيمها بشيءٍ من ذلك، والغاية عندهم في النهاية ماديّة: استمرار المؤسسة واستخراج أكبر قدرٍ من الجهد بأقلّ كلفة.
«أنتم أعلم بأمور دنياكم»
ومن أعظم ما يُساء فهمه قوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقوله: «إذا حدّثتكم عن الله بشيءٍ فخذوا به» (رواه مسلم بنحوه).
فالقصة أنه مرّ بقومٍ يُلقّحون النخل فقال كلمةً بصيغة الظنّ، فتركوا التأبير فخرج التمر شِيصًا، فقال ذلك. فهو صلى الله عليه وسلم لم يكن يتكلّم في التقنيات المتخصّصة على أنها وحي، وإنما قال كلمةً من باب الرأي؛ والصحابة من شدّة تعظيمهم له كانوا يأخذون كلّ جملةٍ تخرج منه على أنها تشريع، فبيّن لهم الفرق.
فالمقصود: أن الوحي لم يأتِ ليضع لنا أصول التقنيات، وإنما ليرسم لها الحدود التي تُوظَّف بها في الخير لا في الشر، وألّا تُستخدم فيما لا يرضاه الله. أما أن يُتّخذ الحديث ذريعةً لإخراج كلّ ما هو خارج المسجد من دائرة الدين — فهذا هو الخطأ.
خاتمة: في إطار أيّ سؤالٍ نحاسب أنفسنا؟
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه: هل نُقيّم أنفسنا في إطار ما كان يمكن للدين أن يعطيه لنا من الإمكانيات، أم في إطار رؤيتنا الضيّقة نحن؟
فنحن لا نستشعر أن هذا الدين يسعنا في كلّ هذه المجالات؛ وذلك لأننا لم نتعامل معه على هذا الأساس. والصحابة رضي الله عنهم إنما كانوا قومًا عاديين، فقادهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بهم ما بلغوا. والفرق بين من يُدير ومن يقود: أن المدير يأخذ الموجود ليحافظ عليه، وأما القائد فيأخذ الناس فينطلق بهم ليصنع ما هو أعظم من الموجود.
فإن كنّا موقنين أن الله قد أعطانا في هذا الدين كلّ ما نحتاج إليه، فالواجب أن ندور عليه وننقّب عنه. وللأسف فإن هذا المعنى غائبٌ عند كثيرين.