ما المقصود بالضياع؟
نتكلّم اليوم إن شاء الله عن «الضياع». والمقصود به: فقدانُ الإنسان للإيمان، أو تحوّله من حال الطاعة والقرب من الله سبحانه وتعالى إلى حال المعصية واستهواء الشيطان له — وما يُعافي الله الإنسان منه من ذلك.
لماذا نتكلّم في هذا الآن؟
أولًا: لأن أخطر ما ينبغي أن يخافه الإنسان أن يُختم له بسوء، أو أن يتوفّاه الله وهو ساخطٌ عليه. فهذه أهمّ قضيةٍ في حياة العبد.
ثانيًا: لأن الأوضاع والأزمنة تؤثّر. فعلاقة الإنسان الشخصية بربه أمرٌ يشغله عمومًا، وخصوصًا حين تكون الظروف والأحوال غير مهيّئة للخير ولا معينةٍ عليه، بل ربما كانت مُحبِطةً مثبِّطة، تدفع الإنسان باتجاه الاضطراب أو الانتكاس. ففي هذه الظروف نحتاج أن نفكّر في الأمر من جديد.
ازدواجية المنهج: لماذا نتعامل مع الدين بأسلوبٍ آخر؟
وقد تكلّمنا كثيرًا في قضية أسلوب التناول للدين. وحاولنا في فترةٍ مضت أن نعرض أشياء ممّا يُسمّى بعلم الإدارة، فلم تلقَ اهتمامًا. وهذه في ذاتها ظاهرةٌ تحتاج تفكيرًا: لماذا؟
ربما لأننا نرى أن هذا ليس دينًا، أو أن مكانه ليس هنا. ويقول قائل: لو أردتُ إدارة أزمات أو إدارة وقت فسآخذها في مكانٍ متخصّص، بمدرّبين معتمدين وكرّاسات، لا أن أجلس في المسجد فيأتيني من يكلّمني فيها.
لكن لماذا تكلّمنا في هذه الأشياء أصلًا؟ لأن الإنسان عندنا انقسم قسمين:
الحالة العملية: وهي ممارساته في حياته الوظيفية. وهذه تفرض عليه الأوضاع أن يكون معه فيها قدرٌ من المعارف والخبرات والشهادات، وهو يتعامل معها بجدّيةٍ واحتمال.
وخارج ذلك: الوضع الديني، والعلاقة الشخصية بالله، والحياة الأسرية والإنسانية — وهذه غالبًا تعاني من الضمور.
والأصعب من ذلك أن يخرج الشخص بمنظرين: يتعامل في العمل بأسلوبٍ ومنهجيةٍ واضحة — يعرف ماذا يريد، وبأيّ مراحل يمرّ، وكيف يحلّل المشكلة — ثم يتعامل في دينه وفي علاقته بربه وفي صفاته السلوكية بأسلوبٍ آخر تمامًا: بلا منهج ولا تحليل ولا خطوات.
ولا نتكلّم عن الواقع فحسب، وإنما عمّا ينبغي؛ فثمّة أناس عندهم الأمران سواء، لكن الغالب غير ذلك. فأيّ سلوكٍ يسلكه الإنسان لا بدّ أن يكون له تعليلٌ في تفكيره؛ فإذا وجدتَ تباينًا فلا بدّ من سبب.
فهل يعكس هذا أننا نضع علاقتنا بالله والدين في المرتبة الثانية، وأنه لا يستحقّ من التركيز والاهتمام ما يستحقّه النجاح العملي والوظيفي؟
هل الدين يعطينا وسائل معالجة؟
والسؤال: هل من وظيفة الدين أن يعلّمني كيف أتعامل مع هذه القضايا، أم أن وظيفته أقلّ من ذلك؟ هل يقول لي: «اجعل علاقتك بالله حسنة» ككلامٍ مُجمَل ثم لا ندري كيف نطبّقه؟ أم أنه يعطي الإنسان وسائل التطبيق ومعالجة المشكلات إذا عرضت؟
وإذا أراد المسلم حقًّا أن يُعلي من شأن الدين في الحياة، فأول خطوةٍ أن يُعلي شأنه في نفسه. وكيف؟ بأن يتعامل معه بالصورة التي تتناسب مع قيمته، وأن يتقبّل نعمة الله التي أسداها إليه — وهي الدين — بالقبول الحسن، ويحسن استقبالها والتعامل معها بشكلٍ صحيح.
ما الفقه؟ حديث عليٍّ وأبي جُحيفة
وعندنا علمٌ اسمه «أصول الفقه»، وهو القواعد التي على أساسها تُستنبط الأحكام. لكن قبل ذلك: ما معنى «الفقه» في الدين؟
سأل أبو جُحيفة وهبُ بن عبد الله السُّوائي عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه: هل خصّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟
ولماذا سأل هذا السؤال؟ ومعنى «خصّكم بشيء»: هل أعطاكم — أهلَ البيت — من العلم ما لم يُعطِه عموم الناس؟ أو وصايا خاصة؟ أو حَباكم بعلمٍ لم يُعطِه لغيركم؟
والأصل في النبوة أنها رسالةٌ للكافّة، وأنه لا يُخصّ بالعلم أحدٌ دون أحد. فمعنى السؤال أنه قد شاع أن ثمّة وصايا خاصة خُصّ بها عليٌّ أو فاطمة أو العباس أو الحسن والحسين — وربما تعلّق ذلك بقضية الخلافة، وهل نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على أحدٍ بعينه؛ وقد تكلّمنا في هذا حين تكلّمنا في السياسة.
فقال عليٌّ رضي الله عنه: «لا، والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله رجلًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة». قال: وما في الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وألّا يُقتل مسلمٌ بكافر» (رواه البخاري).
و«العقل» هو الدية — أي أن من قَتَل خطأً تشترك عاقلته من عصبته وإخوته وأولاد عمّه في دفع الدية. و«فكاك الأسير» أحكامه. و«ألّا يُقتل مسلمٌ بكافر» حكمٌ حكم به صلى الله عليه وسلم، فكُتب حتى يُحفظ ولا يُنسى.
الاستثناء المنقطع
والشاهد قوله: «إلا فهمًا يؤتيه الله رجلًا في كتابه». وهذا في اللغة يُسمّى الاستثناء المنقطع.
فالاستثناء المتّصل أن يكون المذكور بعد «إلا» جزءًا ممّا قبلها؛ كأن تقول: الحاضرون في المسجد عقلاء إلا فلانًا — فأنت تُخرِج فردًا من مجموعة. وأما الاستثناء المنقطع فأن يكون ما بعد «إلا» ليس جزءًا ممّا قبلها، ومعناها حينئذٍ «لكن».
فالمعنى: لا، لم نُخصّ بشيء؛ لكنّ الله سبحانه قد يخصّ بعض عباده بمزيد معرفةٍ أو فهمٍ في قضايا معيّنة.
ومثاله قوله تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًاالأنبياء: ٧٩. فقد رزق الله سليمان في عين هذه القضية من الفهم والإدراك الأعمق ما لم يرزقه داود عليهما السلام؛ ومع ذلك قال: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا.
فقد تكون على مستوًى عالٍ من العقل والفهم، ثم يغيب عنك في قضيةٍ جزئية إدراكُ الموقف الأصوب. ولذلك كانت الاستشارة والاستنصاح أمرًا مهمًّا؛ فالإنسان مهما كان عقله تغيب عنه أشياء، ومهما كان إدراكه قد تلتبس عليه الأمور.
وخاصةً لارتباط الفكر بالحالة النفسية؛ فقد يكون المرء على قدرٍ كبير من الخبرة والفهم والذكاء والدراية، لكن إن كانت نفسيّته غير مستقرّة لم يستطع أن يتّخذ قرارًا صحيحًا — لا لنقصٍ في عقله، بل لأن قدرته على التركيز وإحضار الذهن مضطربة.
الفقه اصطلاحًا واللفظ في النصّ
فهذا «الفهم» هو الفقه. لكنّ الفقهاء والعلماء اصطلحوا على تسمية الأحكام المتعلّقة بكيفية أداء العبادة، وتبيان الحلال والحرام والمشتبهات في أمور المعاملات — أسريةً كانت أو ماليةً أو قضائية — بـ«الفقه».
وقد قلنا قبل ذلك: إن خطورة ألّا نفهم اللفظ الموجود في النصّ أن ينصرف ذهننا إلى غير المراد. فحين يقول صلى الله عليه وسلم: «من يُرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين» — إن لم أفهم المعنى انصرف ذهني إلى أنه لا بدّ أن أدرس «الفقه» بالمعنى الاصطلاحي؛ وليس ذلك مراده، لأن هذا المعنى اصطلاحٌ متأخّر، وليس هو أصل المعنى اللغوي للكلمة.
لماذا نشأ علم الأصول؟
وأحكام العبادات الأساسية علّمنا إيّاها النبي صلى الله عليه وسلم. لكن مع استمرار الحياة تتجدّد أمور؛ فالرجل اليوم قد يُطلّق امرأته بجملةٍ مخترعة لم تكن موجودة، فما حكمها؟
وأصعب من ذلك: أساليب الاقتصاد والمعاملات المالية المتجدّدة، وصور العقود التي لم تكن موجودة. فالمعاملات المصرفية طائفةٌ من المعاملات المعقّدة، معظمها مركّبٌ لا بسيط؛ فما أحكامها؟ وهل لها كلّها حكمٌ واحد أم تختلف من صورةٍ لصورة؟ وإذا اضطُرّ إنسانٌ إلى معاملةٍ معيّنة فماذا يصنع؟
فهذه كلّها تحتاج إجابات. وحتى نُجيب، لا بدّ أن يكون عند العلماء آلياتٌ يستنبطون بها أحكام ما لم يكن موجودًا في الزمان الأول؛ وإلا وقف الدين عند زمنٍ معيّن ولم يستطع مواكبة ما يحدث.
فتكلّم العلماء عن «أصول الفقه»: القواعد التي على أساسها تُستنبط أحكام المسائل المستجدّة.
المقاصد الشرعية
ومن الأشياء التي درسوها فيه: علم المقاصد الشرعية؛ أي أن الشريعة وُضعت لحِكَمٍ وغاياتٍ عالية جاءت لتحفظها: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل والعِرض، والمال. وأولها وأعلاها حفظ الدين.
ومن أين استنبطوا هذه المقاصد؟ من الحدود. فقالوا: هذه أحكامٌ مشدّدة في قضايا معيّنة؛ فلماذا شُدِّد فيها بالذات؟ لأنها الأمور الأخطر. فحفظ الدين استُنبط من أحكام الردّة والتعزيرات، وحفظ النفس من القصاص والجنايات، وحفظ العقل من حدّ المسكر، وحفظ العِرض من حدّ الزنا، وحفظ المال من حدّ السرقة.
والأصل أن الله سبحانه واسع الرحمة؛ فما دام سيشرّع حكمًا يبدو شديدًا — تُزهق فيه أنفس وتُقطع أيدٍ ويقع إيلامٌ شديد — فلا بدّ أن يكون في مقابل أمرٍ عظيم الخطورة.
ملاحظة: الحياطة بلا بناء
لكنّ التركيز في باب المقاصد انصبّ على جانب الحياطة مع إغفال جانب البناء — وهذا لا يكفي.
فحفظ الدين ينبغي أن يكون: إقامةً ثم حياطة. وكذلك حفظ النفس، وحفظ العقل. فأنت أولًا تبني شيئًا، ثم تصنع سورًا يحافظ عليه لئلّا يُنتهك. أما أن نصنع الإطار وحده فالإطار لا يبني شيئًا.
فكلمة «الحفظ» مبنيّةٌ على أن الشيء قد وُجد أصلًا ثم خفنا عليه من الضياع. وهم يتكلّمون عن شيءٍ افتُرض وجوده. ونحن نتكلّم عن شيءٍ نريد أن نوجده أولًا؛ فالترتيب المنطقي: الإيجاد ثم المحافظة.
فنحن إذًا نريد أن نتكلّم عن بناءٍ وحماية في الجانب الشخصي أولًا، ثم بناءٍ وحماية في الجانب المجتمعي العام.
المرحلة الأولى: استشعار قيمة النعمة
فأول مرحلة: استشعار الإنسان لأهمية هذه النعمة، وأهمية المحافظة عليها، وخطورة ضياعها أو زوالها عن العبد.
فما الذي يُشعر الإنسان بقيمة نعمة الإيمان حتى يحرص عليها ويخاف أن تضيع منه؟
القلق والتوتر: هل هما شرٌّ محض؟
وهنا نتكلّم عن القلق والتوتّر. فالمعروف أنهما شيءٌ سلبي؛ فإن شعر الإنسان بشيءٍ منهما صارت الحياة صعبةً وصار في عذابٍ نفسيّ شديد.
لكنّ الحقيقة أن فيهما جزءًا محمودًا — وإن كنّا قد نعبّر عنه بعبارةٍ أخرى. فاستشعار الطمأنينة تجاه المستقبل والآخرة، وشعور الإنسان باليقين بأنه ممّن كُتب له ميراث الجنة — هذه سكينةٌ وطمأنينةٌ حسنة. لكن هل جاء الدين لينفي عن الإنسان القلق تجاه المآل بالكلّية، أم ليُقيم فيه قدرًا منه يدفعه؟
ونظيره تذكّر الموت. فأحيانًا يكون مهمًّا أن يبقى في ذاكرة الإنسان؛ لكن لو تفاقم وزاد عن مستوًى معيّن لحوّل حياته إلى جحيم. تخيّل من لا تفارق فكرة الموت مخيّلته: لن يستطيع أن يعمل، ولا أن يفكّر، ولا أن ينام — لأنه خائفٌ أن ينام فلا يستيقظ. ولو تخيّل في كلّ لحظةٍ أنه سيموت الآن، فماذا سيصنع؟
وفي المقابل: لو غفل عن ذكر الموت بالكلّية، فكيف يؤثّر ذلك في حياته؟
طول الأمل
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلًا حين خطّ خطوطًا فقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به، وهذا الذي هو خارجٌ أملُه، وهذه الخطوط الصغار الأعراض؛ فإن أخطأه هذا نهشه هذا» (رواه البخاري بنحوه).
فطول الأمل معناه أن يؤمّل الإنسان في البقاء — «لسه، لسه» — بلا تحديدٍ ولا تقدير. وهو في النهاية يدفع عنه الفكرة المؤرِّقة: فكرةَ أنه سيموت، وأنه سيُضطرّ أن يفكّر فيما بعد الموت.
الموت من عالم الشهادة
ونقطةٌ مهمّة: الموت ليس حقيقةً غيبية، بل هو من عالم الشهادة. فهو ظاهرةٌ حسّية نراها ونرصد أثرها. وإنما الغيب هو ما وراء الموت؛ وهذا هو الذي يتباين فيه الناس في الفكر والثقافة.
فأحدهم يقول لك: بعد الموت تدخل الروح في دورة تناسخ، فتنتقل من صورةٍ إلى صورةٍ بشكلٍ عشوائي. فهذه فكرةٌ غيبية، ونوعٌ من الإيمان.
فما من إنسانٍ يعيش بلا فكرة — مهما بدا بسيطًا أو قليل التعليم. وقد تظنّ أن الجمل البسيطة التي يقولها ليست فكرة، وليس الأمر كذلك؛ فكلّ أحدٍ عنده نظريةٌ يبني عليها.
نظريةٌ تُريح الضمير: «أيامًا معدودات»
قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَآل عمران: ٢٣–٢٤.
فتأمّل: كيف يؤمن قومٌ بكتابٍ ثم لا يتّبعون ما فيه؟ الجواب في الآية: لأن عندهم نظريةً تقول إن العذاب أيامٌ معدودة محسوبةٌ بدقّة، وبعدها ينتهي كلّ شيء. فما دام لا ضرر عليه من عدم الاتباع، فمن المنطقي — بحسب نظريته — أن يُعرض.
وتأمّل الدقّة: ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فعلٌ يدلّ على حدثٍ عارض عند الدعوة؛ ثم وَهُم مُّعْرِضُونَ اسمٌ يدلّ على أن الإعراض هو حالُهم المستقرّة أصلًا. فهم في دائرة الإعراض ابتداءً، والتولّي إنما هو ردّةُ فعلٍ على من يقطع عليهم ذلك.
ومن هذا الباب قولهم: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌآل عمران: ٧٥. فاليهودي يرى أن عليه أن يلتزم أحكام التوراة في إطار قومه فقط؛ وأما من سواهم فمُباحون له بالنصّ — كما يزعم. فلو اعتدى على غير يهوديّ أو أخذ ماله فذلك عنده عادي، بل قد يتديّن به ويتقرّب. فيكون ضميره مطمئنًّا وهو يفعل ذلك، ويترجم هذا في سلوكه بلا أيّ وخزةٍ من ضمير.
مثالٌ على انشغالنا بالإطار عن المضمون
ومن أظهر الأمثلة على مشكلتنا: باب الأسماء والصفات.
فأصل الإيمان أن يؤمن الإنسان بصفات ربّه سبحانه. فلمّا وقعت عند كثيرٍ من الناس انحرافاتٌ فكرية في فهم هذه المسائل — فمنهم من شبّه صفات الله بصفات المخلوقين ليُقرّبها، ومنهم من كيّفها فأعطاها صورةً محدّدة في ذهنه، ومنهم من أوّل فقال إن المعاني الظاهرة غير مرادة، ومنهم من عطّل فألغى الدلالة أصلًا (فقال: هو «العليم» لكن لا علم، و«البصير» لكن لا بصر) —
فلمّا وُجد هذا كلّه، تكلّم العلماء عن الإطار: لا تشبيه، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تعطيل. وهذا إطارٌ صحيح؛ صُنع حتى إذا حاولتُ أن أفهم وأتدبّر وأتحقّق بهذه المعاني لا أخرج عنه.
لكن ماذا فعلنا نحن؟ صنعنا الإطار ثم تركناه فارغًا ومضينا! انشغلنا بأنّ هؤلاء غلطوا وهؤلاء أخطؤوا: هذه المعتزلة، وهذه الأشعرية، وهذه المجسّمة، وهذه الجهمية — ثم نقعد نحصي من بقي منهم ومن انقرض ومن اندثر. وفي وسط هذه الضجّة نسينا الموضوع أصلًا: فأين الأسماء؟ وأين الصفات؟ وأين الحقيقة الإيمانية التي كان ينبغي أن تُبنى داخل الإطار؟
ونظيره: أن نتكلّم عن الإسلام فنبدأ بنواقض الإيمان ونواقض الإسلام وأحكام الردّة وأحكام المرتدّين — وأين البناء نفسه؟ وأين الإيمان الذي هذه كلّها نواقضُ له؟
وقد يُقال: إن الله يقول: فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰالبقرة: ٢٥٦ — فالرفض قبل الإيمان. وهذا حقّ في ترتيب الجملة، لكنّ المقصود أن يُبنى الشيء ثم تُنفى أضدادُه؛ فمن تحقّق بمعاني التوحيد وعرف ما يختصّ بالله عرف تلقائيًّا أن ذلك لا يُصرف لغيره.
مرور الوقت ليس إنجازًا
ومع طول الممارسة قد نتوهّم أننا أنجزنا؛ لأننا قضينا مساحةً من الزمن كان ينبغي أن نُنجز فيها. وهذا كمن يضع جدولًا للمذاكرة فيقول: من الساعة كذا إلى كذا الملزمة الفلانية. فمضى الوقت، فافترض أنه أنجز، وانتقل إلى ما بعدها!
ومرور الوقت بحدّ ذاته ليس علامةً على أنّي عملتُ شيئًا.
لا بدّ أن نعرف حقيقة الشيء قبل أن نقيسه
فالإنسان قد يفترض أنه حقّق أشياء لأنه لا يعرف ما ينبغي عليه حقيقةً.
مثال: أدركنا ضرورة بناء مستشفًى في هذا المكان — جميل. لكن إن لم أكن أعرف ما المستشفى، فستكون ثمّة مشكلةٌ في تقييم البناء الذي سأصنعه. بل إن لم أُدرك الفارق بوضوحٍ بين المخبز الإفرنجي والمستشفى، فقد أبني كِيانًا وأعتقد أنه مستشفى!
فكيف نتحقّق من وجود الإيمان؟ لا بدّ أولًا أن ندرك حقيقته، ثم ينظر الإنسان: هل هو متمثّلٌ فيه فعلًا؟ وبأيّ نسبة؟ ثم ماذا يعمل ليحافظ عليه؟
البناء يحتاج تصميمًا
وأيّ مشروعٍ بنائي يحتاج: تصوّرًا للمبنى وما ينبغي أن يتوفّر فيه، ورسوماتٍ ومقايسات، ونظامًا للمواصفات والكميات وطبيعة المواد، ثم إسناد التنفيذ إلى متخصّصٍ قادر، ثم معايير استلامٍ أتأكّد بها أنني استلمتُ عملًا صحيحًا — بل استشاريًّا يستلم عني.
فأين هذا كلّه في بنائنا الإيماني؟
كيف بدأنا؟
ولو راجع كلٌّ منّا تاريخه الشخصي مع التديّن لوجد قواسم مشتركة:
واحدٌ سقطت بجواره شرفة فأحسّ أن الموت أقرب إليه من شراك نعله، فقال: أريد أن أصلّي وأحافظ على الصلاة. وواحدٌ كان في وقت امتحانات فقرّر أن يصلّي، ثم — أول ما أكرمه الله — ترك الصلاة. وواحدٌ كان في أزمةٍ فأحسّ أنه يحتاج أن يقترب من ربه أكثر، فأراد أن يصلّي ويقرأ القرآن. وواحدٌ قابل في حياته من نصحه ووجّهه. وواحدٌ رأى صاحبًا له تغيّر فرآه أحسن حالًا بعد أن سلك هذا الطريق، فبدأ يفكّر في التحوّل. وواحدٌ قرأ شيئًا أو سمع كلمةً في مواصلةٍ أو من عابر سبيل.
فأبواب الهداية التي يفتحها الله للإنسان كثيرة. لكنّ السؤال بعد ذلك: ماذا صنع؟ وإلى أيّ حالٍ انتقل؟ وما هي الصورة التي ينبغي أن يصل إليها؟ وكيف يعرفها؟
الدين يُسر — لكن مع بذل الجهد
قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِالقمر: ١٧، وقال: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰالأعلى: ٨، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يُسر» (رواه البخاري).
فهذه المضامين تقول إن الله جعل الدين في دائرة البساطة والسهولة في التناول والتطبيق — سهولةً تنافي التعقيد. لكن هل معنى «الدين يُسر» أن يبلغ الإنسان فيه صورةً من الفهم والإدراك بغير أن يبذل جهدًا؟ لا؛ وإنما إذا بذل الجهد أوصله الله إلى الأمر إدراكًا وتطبيقًا.
الفَقاهة والفَكاكة
ونحن للأسف نعاني قدرًا كبيرًا من العشوائية والسطحية في تناول كلّ شيء. وقد تكلّمنا في خطبةٍ عن الفرق بين الفَقاهة والفَكاكة، وأنه الفرق بين العلم وبين ما دونه.
فالفقاهة أن يسلك الإنسان مسلكًا مبنيًّا على علمٍ مصدَّق يوصله إلى النتيجة التي يبتغيها. وأما الفكاكة فهي الوصول إلى النتيجة نفسها بلا قواعد ولا دراسة ولا معرفةٍ بخصائص الشيء الذي يتعامل معه؛ فـ«الفَكِّيك» يقول: دعني أتأمّل دقيقتين ثم أخبرك ما فيه.
وهذا الفكّيك إن فشل في إصلاح العطب وزاد الجهاز خرابًا، فماذا يحدث؟ لا شيء! فهو رجلٌ اجتهد ولم يُحالفه التوفيق، وقد فعل ما عليه — بل ينبغي أن تشكره؛ لأنه اقتطع من وقته وفكره وجهده وحاول أن يساعدك، وهو صاحب نيّةٍ حسنة. أما أن يُسأل أو يُحاسب فلا؛ فهذه ليست مشكلته.
ونحن نتعامل مع الدين على هذا النحو تمامًا.
هل الدين معقّد؟
ويقال أحيانًا: الدين بسيط، لا يحتاج كلّ هذه الفلسفة والكلام الكثير؛ وإنما الذين عقّدوه هم الذين وضعوا فيه هذه التركيبات.
وقد يكون في هذا نقدٌ صحيح لمبالغةٍ عند بعض الناس. لكن ليس معنى ذلك أنه لا أصول ولا قواعد. فوجود القرآن نفسه معنًى، ووجود نموذج النبوة ومنهج السيرة والمنهج التربوي النبوي معنًى.
وتأمّل: تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة كان بصورةٍ محدّدة معروفة، والفرق واضحٌ بين شكل الصحابي قبل الإسلام وشكله بعد أن هداه الله؛ وذلك بشكلٍ متدرّج ظاهرٍ في القرآن وفي السيرة: مراحل واضحة، ومشاكل محدّدة عولجت عبر الوقت بشكلٍ متسلسل متتابع، من الأكبر إلى الأصغر.
فالسطحية والعشوائية مشكلتان في بنيتنا لا بدّ أن نصلحهما.
ليس «العقل والعاطفة» بل «العقل والانفعال»
ونحن نُعبّر تعبيرًا خاطئًا حين نتكلّم عن العلاقة بين «العقل والعاطفة»؛ فليس ثمّة تعارضٌ بينهما. وإنما التعارض بين العقل والانفعال.
فالعاطفة شيءٌ أساسيّ في تكوين الإنسان، هي التي تميّزه، وهي التي تستقبل الإيمان — وهي الأحاسيس والمشاعر الموجودة عنده. وأما الانفعال فهو طريقة مواجهة الإنسان للمثيرات والمواقف: هل يُحكِّم فيها عقله أم يتعامل بمقتضى الهوى؟
فالعقل والعاطفة هما مركّب الإنسان، لا ضدّان.
عظمة الخطاب القرآني
ومن عظمة القرآن أنه يخاطب الكينونة الإنسانية كاملةً في وقتٍ واحد.
فمن الناس من يغلب عليه أن يخاطب العاطفة، فتتأثّر بكلامه وأنت لم تفهم شيئًا محدّدًا — بل قد لا يقول كلامًا يُفهم، لكنك تتفاعل معه، فإذا انتهى انصرفتَ بلا شيء. ومنهم من يغلب عليه المنطق فيخاطب العقل، فيسخن ذهنك بسرعة وتودّ لو تتوقّف.
أما خطاب القرآن وخطاب النبوّة فيجمع الاثنين معًا. ولذلك حين يتلقّى الإنسان القرآن تستقرّ نفسيّته وينضج عقله معًا؛ فيشعر أنه واقفٌ على أرضٍ صلبة — وهو ما يسمّيه الله الرسوخ — ومعه في الوقت نفسه الطمأنينةُ والسكينة.
وخطاب العقل هو الذي يعطي الإنسان الثبات، وخطاب العاطفة هو الذي يعطيه الحركة. فقد تفهم وتستقرّ وتصير راسخًا لا يهزّك أحدٌ ولا تؤثّر فيك الشبهات — لكنك تتحوّل في النهاية إلى فيلسوف. وأما العاطفة فهي التي تهزّ الإنسان من داخله وتجعله يتحرّك — لكنه قد يتحرّك بلا دراية أو على غير بصيرة، وقد يُهَزّ بسهولة أو يتحرّك في طريقٍ خاطئ.
التكامل بين الناس
فتجد رجلًا عنده عقلٌ ولا عنده عزمٌ ولا همّة، وتجد آخر عنده همّةٌ وعزيمة ولا عنده رؤيةٌ ولا بصيرةٌ نافذة. وأما أن تجد من اجتمع له الأمران فقليل.
ومن هنا كانت قضية الاجتماع في الإسلام عظيمة الخطر؛ فالناس يتكاملون: رِجلٌ قويّة تحمل رأسًا مبصرًا، وواحدٌ يجري وواحدٌ يرى بعيدًا. فالمرء يحتاج أن يُكمِل نفسه بغيره: إمّا بتدعيمه وإمّا ببيانه.
فإذا أردنا أن نبني شيئًا، وأن نحقّق فعّالية، وأن نعطي الدين قدره — فمجرّد ولاء الإنسان للدين أو محبّته له أو وجود مشاعر تجاهه لا يكفي لإقامته، لا شخصيًّا ولا على مستوى الأمّة، ولا يكفي لاستنقاذ المسلمين ممّا هم فيه. فثمّة أشياء في البنية تغيّرت لا بدّ أن تُصلَح.
آفةٌ أولى: البحث عن الأسهل
ونحن دائمًا نبحث عن الطرق الأسهل والعلاجات السريعة التي توصل إلى النتائج بسرعةٍ وبلا جهدٍ كبير.
آفةٌ ثانية: اختزال الدين في الجيل
والمشكلة الثانية — وقد تكلّمنا عنها كثيرًا — هي اختزال الدين في الجيل: أن يريد الإنسان أن يوجّه القدر الإلهي لتحقيق عودة الدين إلى ما ينبغي أن يكون عليه في المدى الزمني القصير لعمره الشخصي.
وهذا هو الذي يقضي على تراكمية العمل والجهد. فأنت تريد أن تصل إلى نقطة النهاية في مساحةٍ زمنية ضيّقة؛ فلا بدّ أن تقفز، أو تبحث عن مساراتٍ أسرع أو بديلة. وهذا في الآخر لا يصنع شيئًا، بل يضيّع الفرصة.
فهل ينفع أن تعمل شيئًا تُتقنه ثم يأتي من يُكمل عليه؟ نحن لا نتقبّل هذا نظريًّا ولا واقعيًّا. ومهمّة كلّ جيلٍ أن يسلّم الإسلام في نقطةٍ أحسن من التي استلمه فيها. لكنّ المسارات البديلة توصلنا للأسف إلى العكس: أن نُسلّمه في نقطةٍ أسوأ ممّا استلمناه — وهذا هو الواقع؛ بل لا نُسلّمه في النقطة نفسها، وإنما في نقطةٍ إلى الوراء، وكنّا نظنّ أننا نقطع شوطًا كبيرًا إلى الأمام.
وقد قلنا إن الصورة كصورة رجل السيرك الذي يمشي على حبلٍ ممدودٍ بين شرفتين. فالمشي على الحبل عملٌ طبيعي منطقي: واحد، اثنان، ثلاثة، حتى تنتهي هناك. لكننا نحن نمشي خطوتين ثم نستغرب جدًّا حين نجد أنفسنا في الأسفل والعصافير تدور فوق رؤوسنا! ونقول: هذا غير منطقي؛ فالمفروض بقوّة الدفع التي عندنا أن نستمرّ ونصل. ثم يُقال: هذه الحبال لا تنفع، فلنبحث عن حبلٍ آخر يوصلنا بسرعة.
ومن رأى غير ذلك اتُّهم بأن عنده نقصًا في اليقين أو في الثقة بموعود الله.
وحتى لو وصلتَ إلى القمّة
ولنفترض أنك وصلت إلى القمّة التي تبتغيها؛ فماذا بعد؟
لمّا نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْالمائدة: ٣ بكى عمر رضي الله عنه؛ لأنه أدرك سنّة الله: أن أيّ بناءٍ يصل إلى كماله يبدأ بعدها في النقصان.
ولذلك كان بلوغ الغاية أصعب نقطةٍ يمرّ بها الإنسان؛ فالمحافظة على ما بلغه، ومنع نفسه من التنقّص أو الانهيار، أمرٌ شديد.
وقد كنّا نتكلّم بالأمس عن هذا: فبطل العالم في الملاكمة، أن يحصل على اللقب أوّل مرة أسهل من أن يحافظ عليه في الموسم التالي. لماذا؟ لأن المتحدّي يدخل مسترخيًا: إن ضربه فقد فاز، وإن لم يضربه فلم يخسر شيئًا. أما صاحب الحزام فيخاف على حزامه، ويتأثّر نفسيًّا تأثّرًا شديدًا لو فقده.
ولذلك قد يكون من رحمة الله بك ألّا يوصلك النقطة؛ لأنك لو وصلتَ ولم تكن أخذتَ مقوّمات حقيقية تحافظ بها عليها، لكان الفقد أشدّ عليك.
خداع النفس
ونحن أحيانًا لا نستطيع أن نسيطر على تفاعلاتنا؛ فيقود الإنسانَ ميلُه — وهو الذي يُسمّى في لغة الدين «الهوى». فأنا أحبّ شيئًا فأُشكّل الفكرة على وفقه. وهذه صورةٌ من صور خداع النفس، وهي خطيرة: أن أهوى شيئًا أو أتمنّاه، ثم أُشكّل الفكرة بصورةٍ تجعله منطقيًّا وصحيحًا.
قال تعالى: بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُالقيامة: ١٤–١٥.
ومعنى عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ: أنه في داخله بصيرٌ بنفسه وأغراضها وميولها وشهواتها؛ يعلم أنّ هذا هوًى وليس اقتناعًا. لكنّه — إن كان ممّن أوتي جدلًا — يقدر أن يُقنعك أن هذا هو المنطق وهذه هي الحقيقة. قال تعالى: وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًاالكهف: ٥٤.
وتأمّل: وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُالقيامة: ١٥ — من الإلقاء؛ فهو ينوّع أوجه الردّ والدفاع ويرمي بها قنبلةً بعد قنبلة، لا ليصل إلى الحقّ، بل ليُشوّش الصورة أو يضع نفسه في دائرة الحقّ.
وقال قبلها: بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِالقيامة: ٥–٦. فـلِيَفْجُرَ أَمَامَهُ أي على امتداد عمره؛ ولكي يستطيع ذلك يشكّك في الآخرة ويطعن فيها، ليصنع لنفسه المسوّغ النفسي.
وهذه من عظمة القرآن: أنه يشرح لك ما في عمق نفس الإنسان — نفسِك ونفسِ من تتعامل معه. فأنت تحسّ أن هذا الشخص غير منطقي، وأن الذي في داخله غير الذي يقوله، حتى لو بدا منطقيًّا في ظاهر كلامه. ولولا أن الله بيّن ذلك لما أدركته.
المرض والعَرَض
وكلّ مشاكلنا مشاكلٌ أصولية لا مشاكل ممارسة. فالعقبات التي نواجهها في التمسّك بالدين، وحالات الاضطراب والانتكاس — هذه كلّها مظاهر لأشياء في الرؤية والفكر، وأشياء في الطبائع والنفسيات. وهذا ما ينبغي أن نضع أيدينا عليه أولًا. ونحن دائمًا نعتقد أن المشاكل مشاكل ممارسةٍ وسلوك — وليست كذلك.
ولا بدّ أن نفرّق بين المرض والعَرَض. فمن عنده صداعٌ مزمن، قد يكون سببه مشكلةً أخرى؛ فإن ظلّ يأخذ المسكّنات طول عمره فلن يحدث شيء. وارتفاع الحرارة عَرَضٌ لمجموعةٍ من الأمراض، أيٍّ منها.
وانظر إلى ما نراه أحيانًا في الممارسة الطبية: تذهب فلا يُدرَك ما عندك، فتُطلب تحاليل بكلّ الاحتمالات المعروفة، ويُكتب دواءٌ لكلّ احتمال. ثم أول ما يُقال لك: «أنت متعبٌ نفسيًّا» — وهل في مصر من ليس متعبًا نفسيًّا؟! «عندك مشاكل في البيت؟ في الشغل؟» — ومن ليست عنده مشاكل في بيته أو شغله؟ ثم يُضاف فيتامينٌ ليكتمل الشكل، وأهمّ شيءٍ مسكّنٌ قويّ حتى تشعر بعد خروجك أنك صرت أحسن، وأنه قد صنع لك شيئًا. ثم يعود الأمر بعد أسبوعين. وهذه ممارسةٌ فيها خلل.
فأين الموضع الذي يسبّب كلّ مشاكل الممارسة والسلوك؟ إنه راجعٌ إلى شيءٍ وراءه. فما هو؟ وكيف نتعامل معه؟
شفاء القرآن: علاجٌ بلا حاجةٍ إلى تشخيصٍ مسبق
ومن أعظم النعم في القرآن أن كلام الله يعالج دون الحاجة إلى تشخيصٍ مصدَّق. قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَالإسراء: ٨٢، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَيونس: ٥٧، وقال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌفصلت: ٤٤.
فالشفاء القرآني لا يحتاج بدايةً أن أضع يدي على أسباب المشاكل؛ وهذا من فضل الله ورحمته.
ومثاله أن تُنزِّل برنامج مكافحة فيروسات على جهازك؛ فهو يعمل وحده ويفحص الجهاز ويتعامل مع ما يجده — لا تحتاج أنت أن تُحدّد له. فكذلك الإنسان يعرض نفسه على كتاب ربه، فالقرآن هو الذي يتعامل ثم يُخرج لك النتيجة. فهو كفيلٌ بمعالجة الأدواء.
ويبقى بعد ذلك حالاتٌ ظاهرةٌ صعبةٌ واضحة، تحتاج منّي جهدًا إضافيًّا: أن أُركّب لها سياسةً وأصنع برنامجًا لعلاجها.
«حين تخالط بشاشتُه القلوب»
ومن أعظم القواعد في قضية الإيمان سؤال هرقل لأبي سفيان رضي الله عنه: «هل يرتدّ أحدٌ منهم سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟» قال: لا. فعلّق هرقل: «وكذلك الإيمان حين تُخالط بشاشتُه القلوب» (رواه البخاري).
ومعناه: أن الإيمان إذا امتلأ به القلب استقرّ فيه فلم يبرحه. وحينئذٍ فكلّ صور التراجع التي نراها إنما هي تراجعٌ عن الدهليز لا عن الإيمان.
بوّابة الإيمان ليست هي الإيمان
فلنفترض أن الباب هناك هو باب الدخول إلى الإيمان، وأن الإيمان حقًّا يبدأ من هنا؛ وأنّ بينهما ممرًّا يوصلنا إليه. نحن أحيانًا نعتقد أن هذا الممرّ هو نفسه الإيمان! فبمجرّد أن نعبر الباب نبدأ نتفاخر أو نتنازع أو نتعارك في الدهليز، ونعتقد أننا وصلنا.
وإنما دخلنا بوّابة الإيمان — أي الطريق الذي ننتهي به بإذن الله إلى الإيمان إن مشينا فيه بشكلٍ صحيح. فلا بدّ أن نفرّق بين بوّابة الإيمان والوصول إلى الإيمان حقًّا.
فوجودنا في إطارٍ دينيّ، أو في جوٍّ من الاهتمام بالدين، أو في حرصٍ على بلوغ درجةٍ من الإيمان — هذه مقدّماتٌ تُدخلنا على الإيمان؛ ونحن نخلط بين الاثنين فنعتقد أننا بمجرّد دخول البوّابة الخارجية قد ولجنا إلى حقيقة الإيمان.
وهو أشبه بمن يدخل من الباب الخارجي للقصر فيمرّ بحديقةٍ طويلة أو طريقٍ ممتدّ، ثم في الآخر يدخل القصر نفسه — وهو المكان الذي أراد أن يصل إليه. فالمكان الذي في المنتصف ليس خارجًا وليس داخلًا؛ هو ليس خارجًا فعلًا، لكنه ليس ما تريد أن تبلغه، وإنما هو الذي يوصلك — ولو لم تمرّ منه ما وصلت.
وقد يجلس الإنسان في الحديقة قليلًا؛ وهذا طبيعي، فمن دخل من الخارج يجلس ليستريح، وقد تعجبه الحديقة، وقد يلعب فيها قليلًا. لكن أحيانًا نستريح فيها ونستغرق، ونعتقد أننا كنّا أين وصرنا أين، والحديقة عالية والحديقة سيّئة، والقصر في متناول أيدينا! ونظنّ أننا نملكه.
وقد تقوم في الحديقة معركة، وقد يجري وراءنا شيءٌ فنخرج، وقد نضطرّ أن نخرج حتى يهدأ الجوّ. فالحديقة حسنة، لكنها خطر إن ركنّا إليها، وخطرٌ أن أفقدها؛ لأنها معرّضةٌ لكثيرٍ من الهوامّ والسباع والعقارب والحيّات. والمكان الذي في الداخل أكبر بكثير.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِالأنفال: ٢٤.
هرقل والنجاشي: علمٌ واحد ومصيران
وهرقل حين قال ما قال، إنما جاء بكلامه هذا من علمه بحقيقة الإيمان، ومن قراءته لسِيَر المرسلين والمؤمنين — رغم أنه كان على النصرانية المحرّفة. فهو مع تحريف ملّته فاهمٌ مدركٌ لحقيقة الدين.
وإذا قارنّا بين هرقل والنجاشي وجدناهما قريبين جدًّا: أصولهما الدينية واحدة، ومستوى فهمهما وإدراكهما واحد. لكنّ قلبًا أصفى من قلب، وشخصًا أرقى من شخص، وأولوياتِ هذا غير أولويات ذاك.
فالنجاشي لمّا تلا عليه جعفر رضي الله عنه آياتٍ من سورة مريم، أخذ عودًا من الأرض وقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود. ولمّا تصايح من حوله ثبت وقال: هو كذلك، هذه هي الحقيقة.
وأما هرقل فقال لأبي سفيان: «ولو أني أعلم أني أخلُص إليه لتجشّمتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدمه».
وليست هذه مجرّد عبارة تعظيم؛ فهي عندهم علامة الخضوع. فمن الذي يغسل قدم من: الملك يغسل قدم القِسّيس أم العكس؟ فالجملة عميقة: من صاحب السلطان ومن الذي يخضع له؟
ولهم في هذا نظريةٌ فلسفية كبيرة: أنّ سيفًا نزل من السماء — وهو سيف السلطة؛ فمن أعطاه الله للملك كان البابا تابعًا له، ومن أعطاه للبابا كان الملك تابعًا له. وصراع الملوك والكنيسة في أوروبا كلّه يدور حول هذا: السلطة الإلهية في مقابل السلطة الزمنية، ومن المسيطر على من.
فقوله «لغسلتُ عن قدمه» معناه: أنا أخضع للسلطان، فهو الأصل وأنا التابع، وهو الذي معه سيف الله وأنا أمشي وراءه.
ثم أخذ الخطوة وحاول، فوجد أن من حوله لن يقبلوا؛ فاختار البقاء على ملكه. ثم قال: «فإن يكن ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين». فقد حافظ على مُلكه — مؤقّتًا — وحاول أن يُطيل ذلك بقدر ما استطاع؛ بل سارع بعد ذلك إلى محاربة المسلمين: في تبوك، وفي مؤتة، وفي اليرموك، وفي كلّ موطن، حتى ودّع الشام ورحل.
فما الفرق بينهما؟
ليست القضية قضية علمٍ وإدراك؛ فهو موجودٌ هنا وهنا. وليست قضية معرفةٍ بحقيقة الإيمان؛ فهي موجودةٌ هنا وهنا.
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في النجاشي إنه أحسن أمره. وهذه قضيةٌ داخلية قلبية. فهرقل كان يمكنه أن يُحسن أمره من داخله، لكنه لم يفعل، بل فعل أسوأ من ذلك.
وقد يُقال: النجاشي أيضًا لم يستطع أن يحافظ على ملكه، واضطُرّ في لحظةٍ إلى أن يُوهم قومه أنه على ما هم عليه. نعم؛ لكنّ الفرق أن النجاشي — لأنه عظّم الإيمان — وضعه الله في دائرة التوفيق والقبول، فأذن له الدين بما يحفظ به نفسه ويحفظ به المؤمنين المهاجرين إلى الحبشة.
فقد ظهر من كلامه ومن معاملته للصحابة ما جعل قومه يدركون أنه خرج عن دينهم؛ فدبّروا عليه انقلابًا فأخفق، ثم قامت عليه ثورةٌ شعبية لم يستطع مواجهتها. فقالوا له: قد خرجتَ من ديننا. فقال: وما تقولون في دينكم؟ فذكروا ما هم عليه، فكتب في رقعةٍ ما يؤمن به من شهادة ألّا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، ووضعها في ثوبه، ثم قال: أنا على هذا. فرضوا عنه وانصرفوا؛ إذ فهموا أنه معهم.
ولم يكن يستطيع أكثر من ذلك؛ حتى إنه لم يستطع أن يُظهر الصلاة. ولذلك صلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب — لأنه كان وسط قومٍ كفارٍ يعتقدون أنه على ما هم عليه.
فالطاقة الضابطة تسع إلى هذا المستوى. وهرقل كان يستطيع على الأقلّ أن يُقلّل من غلوائه في الحرب — فلم يفعل.
نموذج هرقل: نموذجٌ صعب
ونموذج هرقل نموذجٌ صعبٌ جدًّا لا ينبغي أن نفوّته؛ لا بدّ أن نحلّله ونفكّر فيه. فكيف يكون الرجل بهذا القدر من الفهم والإدراك ورؤية حقائق الأمور، ثم يحارب اللهَ دينيًّا، ويعلم دنيويًّا أن أمره إلى زوال المُلك — ومع ذلك يستمرّ في طريقه؟
وهو مع ذكائه الشديد؛ فقد كان على قدرٍ كبير من الذكاء، وقدرٍ كبير من الفهم لطبيعة النبوّة والرسالة، وقدرةٍ عالية على صياغة الأسئلة وحصر المسؤول بحيث لا يعطيه فرصةً للمناورة أو الخروج عن الحقائق التي يريد أن يعرفها.
ثم جاءه في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلِم تَسلَم، أسلِم يؤتك الله أجرك مرّتين». فقد طُمئن أولًا: تسلم — أي لن يحدث لك شيء ولن تخسر؛ ثم وُعد بأجر الدنيا وأجر الآخرة. ومع ذلك اختار غير ذلك.
فلماذا مضى النجاشي في طريقٍ ومضى هرقل في طريق؟ ما العوامل التي أوقعت هذا وأنجت ذاك؟
ولو فهمنا هذا لفهمنا أنفسنا. فكلٌّ منّا ينتمي إلى هذا الجنس البشري: تجاربُ إنسانية، وطبائعُ نفسية، وعقلياتٌ وطرق تفكير، وثقافةٌ ورغباتٌ وأهواء — تشترك وتتصارع فتكوّن الإنسان. فكيف نستفيد من هذا النموذج؟ وكيف نحذر آفاته؟
لماذا ملأ الله القرآن بالقصص؟
ولماذا ملأ الله القرآن بالقصص؟ قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِيوسف: ١١١. وأُولِي الْأَلْبَابِ هم أصحاب العقول الذين يبذلون جهدًا عقليًّا للوصول إلى الحكمة من هذه القصص.
وهذه القصص ماذا تكون؟ بشرٌ وعلاقاتهم، ومواقفُ حياة. فالحياة عبارةٌ عن بشرٍ ومواقف، لا شيء آخر. ولذلك فالقرآن فعلًا يُغني الإنسان: كيف يدير المواقف، وكيف يدير العلاقات، وكيف ينتبه ممّن يتعامل معهم، وينتبه من نفسه قبل ذلك، وكيف يعرف كيف يتعامل معهم بشكلٍ صحيح.
ونحن للأسف نبحث عن هذا كلّه في كلّ مكانٍ إلا عند القرآن؛ ونطلبه من الناس، ثم لا نجد عندهم ما نريد. فاقرأ في أيّ كتاب إدارة، أو أيّ كتابٍ يتكلّم عن المشاكل الزوجية والأسرية — تجد الكلام سطحيًّا لا عميقًا، وأقوى ما فيه توصيفيّ.
التوصيف والعلاج
فأيّ قضيةٍ في الدنيا قسمان: توصيف — أي ما هي المشكلة؛ وعلاج — أي كيف نحلّها.
والإنسان عمومًا إن ركّز استطاع أن يصف المشاكل وصفًا جيّدًا؛ لكن حين يأتي ليضع الحلّ قد لا يستطيع.
وهذه عظمة القرآن: أن الله سبحانه يعطي التوصيف الدقيق، ثم يضع العلاج. فأنت ستأخذ من الناس في جانب التوصيف — ومن أجاد منهم وركّز ستأخذ منه توصيفاتٍ جيدة — لكن حين تأتي عند الحلول تجدها ضعيفةً جدًّا؛ لأنه في الحقيقة إنما وصفها ظاهريًّا وحلّلها إلى مفرداتها بعد أن كانت مركّبة، ثم ماذا؟
هنا يقف الإنسان، وهنا يتكلّم الربّ سبحانه وتعالى. وهذه هي القيمة الحقيقية: بعد التوصيف، ماذا نصنع؟ وكيف نعالج المشكلة؟
فلا بدّ أن نعرف قدر القرآن: سيُفهمنا أنفسنا، وسيُفهمنا من حولنا — اتجاهاتهم، وكيف يفكّرون، وماذا يريدون، وكيف نتعامل معهم؛ وكيف يخرج الإنسان من هذه الحياة على خيرٍ وينتهي بإذن الله إلى رضا ربه سبحانه وتعالى.
خاتمة
فخلاصة ما قلناه اليوم: أن أعظم قضيةٍ للإنسان المسلم هي قضية الإيمان: بناءُ الإيمان، ثم حياطتُه وحمايتُه.
فنحن الآن نحتاج أن نبدأ بكيفية بناء الإيمان، ثم ما وسائل حمايته، ثم ما الأسباب التي تؤدّي بالإنسان إلى أن يفقده أو يخسره بعد أن امتنّ الله به عليه.