الغيث: مطرٌ ونجدة
قال تعالى في تعبير يوسف عليه السلام للرؤيا: ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَيوسف: ٤٩.
ولماذا قال يُغَاثُ؟ لأن الكلمة تحمل معنيين معًا:
الأول: الغيث بمعنى المطر النافع؛ فهو الماء الذي به الحياة، وبه تُحيا الأرض بعد موتها.
الثاني: الغَوث بمعنى الإغاثة والنجدة؛ أي أنّ الناس كانوا في شدّةٍ وضيقٍ فأُغيثوا وأُنجدوا.
فالكلمة الواحدة تجمع النعمة المادّية والفرَج بعد الكرب. وهكذا القرآن: يختار اللفظ الذي يحمل المعنى وأثره في النفس معًا.
العلم يُوقع في دائرة المسؤولية
وممّا ينبغي أن ننتبه له: أن المعلومة تُوقع الإنسان في إطار المسؤولية.
فمن سمع علِم؛ ومن علِم صار مسؤولًا عن العمل بما علم. فليس العذر بالجهل قائمًا بعد البلاغ. وإنما يُعذر من لم يكن الأمر متاحًا له؛ أما من أُتيح له فلم يطلب، فهو مسؤول.
ولذلك ينبغي أن نستعدّ للأشياء التي نسمعها، ونحاول أن نحقّق مستوًى مُرضيًا من الانتفاع بها والاستجابة لها؛ وإلا كانت حجّةً علينا لا لنا.
أشدّ صور الردّة: تبدّل الأحوال
وقد يُظنّ أن الردّة صورةٌ واحدة معروفة. والحقّ أن من أخطر صورها تبدّل الأحوال: أن ينتقل الإنسان من الحقّ إلى الباطل، أو من العلم إلى الجهل، أو من الهداية إلى الغيّ.
فتراه كان يُنكر المنكر فصار يعرفه ويألفه، وكان يعرف المعروف فصار يُنكره. وهذا انقلابٌ في الميزان نفسه، وهو أشدّ ما يكون.
التثبّت قبل البناء
ولذلك كان المنهج الصحيح: أن أتحقّق أولًا أن الشيء صحيح، ثم أبني عليه. لا أن أعتقد شيئًا ثم أبحث عمّا يُصدّقه.
قال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًاالإسراء: ٣٦.
وهذه عمليةٌ دائمة لا تتوقّف: أن يُراجع الإنسان ما بنى عليه، فإن تبيّن له خطؤه أعاد النظر — لا أن يتمسّك به لأنه بناه.
المبادرة بالأعمال قبل الفتن
قال صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يُصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا» (رواه مسلم).
وتأمّل التشبيه: «كقطع الليل المظلم». ولماذا الظلام؟ لأن قدرتك على الرؤية فيه معدومة؛ فلا تكاد تُبصر أين تضع قدمك. فالفتنة تُشوّش على البصيرة، فتُصبح الحواجز بينك وبين الحقّ.
وتأمّل: «يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا». فهو ميزان: وزنُ الدين عنده صار أقلّ، ووزنُ الدنيا صار أكبر. ولن يقع في هذه المقايضة إلا إذا اختلّ عنده الميزان.
ولذلك كانت المبادرة هي العلاج: أن يستثمر الإنسان الوقت الذي تكون فيه الظروف مهيّأة؛ فإنه لا يدري متى تتغيّر الرياح، ومتى تُغلق الأبواب التي كانت مفتوحة.
«العبادة في الهرج»
وقال صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليّ» (رواه مسلم). والهَرْج هو الفتنة واختلاط الأمور.
ولماذا عظُم أجرها إلى هذا الحدّ؟ لأن قدرتك في زمن الفتنة على أن تجمع نفسك، وتُحضر قلبك، وتلمّ شتات فكرك، وتتوجّه إلى الله — أصعبُ بكثير. فما كان أشقّ كان أجره أعظم.
التربية: بناءٌ أخلاقيّ مستمرّ
والتربية التي نتكلّم عنها هي البنية الأخلاقية والإرادية عند الإنسان: أخلاقٌ وسلوكٌ وأداءٌ ومعنًى.
وهي جهدٌ شخصيّ مستمرّ؛ فكلّ إنسانٍ له تركيبةٌ تختلف عن غيره، وله ما يُقبل عليه وما ينفر منه. فلا بدّ أن يعرف كلٌّ نفسه ويبني على حسبها.
والمشكلة التي نقع فيها غالبًا: أن تكون هناك فجوة بين الصورة النظرية التي أتكلّم عنها وبين ما أعيشه فعلًا. فنُكثر من الأماني: أن الحال سيتبدّل، وأن الأمور ستكون أحسن — دون أن نُغيّر شيئًا ممّا نفعل.
فإن أردتُ أن يتغيّر الوضع ولم أُغيّر شيئًا من عملي، فما الذي أنتظره؟
«كأنما فرغوا من الحساب»
ويُنقل عن ابن خلدون رحمه الله وصفُه لأهل مصر بأنهم «كأنما فرغوا من الحساب» — أي أنهم يعيشون بخفّةٍ وطمأنينةٍ كمن انتهى من الحساب يوم القيامة ونجا، فلم يبقَ عليه شيء.
وهي كلمةٌ فيها من الوصف اللطيف ما فيها؛ لكنّ فيها أيضًا تنبيهًا: أن يطمئنّ الإنسان إلى نفسه ويأمن، فيظنّ أنه في الحاجات هذه كلّها بخير — وهذا في ذاته من أخطر ما يكون.