Generic selectors
المطابقات الدقيقة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
البحث حسب التصنيف
أحداث جارية
أسماء الله الحسنى
الأذكار
التلون
السيرة النبوية
القصص في القرآن
الكتب
بني آدم والشيطان
بني إسرائيل
تراجم
تربية
تفسير
جهد الغلبان في تبيان فضائل القرآن
خطب الجمعة
خطو خاتم الأنبياء ما بين اقرأ وإذا جاء
دروس
دروس تربية
رمضان 1436هــ - 2015م
سلم الوصول إلى علم الأصول
عقيدة
غير مصنف
كتابات
كلمة التراويح
مسألة الرزق
من قصص كتاب التوابين
من هدي النبوة
مواسم الخير
هذه أخلاقنا

وحسبوا ألا تكون فتنة

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد:

وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (المائدة: ٧١).

الاستقامة والتقوى ثمرةٌ للإيمان

إنَّ الاستقامة على أمر الله تبارك وتعالى إنما هي نتيجةٌ لإيمان العبد بالله وبلقاء الله عز وجل. قال سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه: قلتُ: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك — لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا سواك — قال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» (رواه مسلم).

إذن الاستقامة هي نتيجةٌ للإيمان، وكذلك التقوى؛ فحقيقة التقوى هي التوقّي والبُعد والتجنُّب لأسباب سخط الله تبارك وتعالى ولعذابه.

الغفلة: حين تُنسي الدنيا العبدَ لقاءَ ربه

ولكنَّ العبدَ ربما تأخذه الغفلة، وتستدرجه الشهوة، وتُغريه الدنيا، فيغفل وينسى هذه الحقائق؛ ينسى أنه غدًا موقوفٌ بين يدي الله تبارك وتعالى. قال الله عز وجل: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (التكاثر: ١–٢).

فالتكاثر والتنافس في الدنيا يأخذ العبدَ بعيدًا عن الله خطوةً وخطوة، حتى يفجأه الموت وهو على غير استعدادٍ للقاء الله تبارك وتعالى. ولذلك كان من الحكمة ما قاله سفيان بن سعيد رحمه الله: «الناسُ نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا»، ولكن «ولاتَ حينَ مندم».

البلاء رسائلُ ربانيةٌ توقظ الغافلين

وذكرنا في خطبتنا الماضية أن الله تبارك وتعالى برحمته وبِبرّه وبإحسانه وبحكمته يُقدِّر على هؤلاء العباد الذين غفلوا عن ربهم وأعرضوا عنه، وغفلوا عن حقيقة مستقبلهم وعن حقيقة لقاء الله عز وجل — يُقدِّر عليهم ما يُذكِّرهم وما يُنبِّههم وما ينتشلهم من غفلتهم وإعراضهم.

لكن ذكرنا أن المصيبةَ حقَّ المصيبة، والبليةَ حقَّ البلية: ألّا تؤثِّر فينا هذه الرسائل الإلهية، ولا ننتبه لها، ولا نستطيع أن نُترجم ما نرى وما نسمع وما نُحسّ وما نعيش. هذه الأمة كل يوم تُبتلى بمزيدٍ من البلاء والفتنة والشرّ والضوائق وتسلُّط الأعداء؛ الذي ينبغي أن يترتَّب عليه حدٌّ أدنى من مراجعة العبد لنفسه فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، ثم على مستوى المجتمعات، ثم على مستوى الأمم. فهذه هي الغاية وهذه هي الحكمة.

وذكرنا قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام: ٤٢–٤٣).

إذن يُبيِّن تبارك وتعالى أن حقيقة العلّة هي في جمود القلب وقسوته، وهي نتيجةٌ لطول الأمد في نسيان ذكر الله تبارك وتعالى؛ بالقلب لا باللسان — بالقلب: نسيانُ الله تبارك وتعالى. لذا قال عز وجل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (الحديد: ١٦).

إذن هذه هي الغفلة؛ وأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يُترجم الرسائل الإلهية التي تتوالى عليه. هذا نوعٌ.

النوع الآخر: الأمان الزائف وتحريف مفاهيم الدين

وهناك نوعٌ آخر ليست المشكلةُ فيه بالأساس ناتجةً عن الغفلة، وإنما ناتجةٌ عن تصوُّراتٍ عند الإنسان عن الدين تجعله يشعر بحالةٍ من حالات الأمان الزائف، وأنه في خيرٍ وعلى خير، وبالتالي هو لا يحتاج أصلًا إلى أن يراجع نفسه.

قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (المائدة: ١٨).

أي: نحن في حالةٍ من حالات القُرب الخاص من الله عز وجل، تجعلنا لا نعمل ولا نُحاسَب كما يُحاسَب بقيةُ الناس، ولا نُؤاخَذ كما يُؤاخَذ بقيةُ الناس؛ لأننا خاصّة الله تبارك وتعالى! فردَّ الله عليهم بأنهم بشرٌ ممن خلق، وأن المرجع إلى الله تبارك وتعالى.

وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (آل عمران: ٢٣).

هم أهلُ كتابٍ يؤمنون به، ويؤمنون بأن هذا الكتاب مُنزَّلٌ من عند الله؛ فإذا قيل لهم: عليكم إذن أن تتّبعوا ما اعتقدتم أنه رسالة الله تبارك وتعالى إليكم — طيب، وردُّ الفعل؟ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ؛ والتولّي أن الإنسان يُدير للرسالة أو للخطاب ظهرَه. طيب، هل التولّي حالةٌ عارضة، يعني جاءت في موقفٍ معيّن؟ لا: وَهُم مُّعْرِضُونَ؛ “ده هو الوضع الطبيعي بتاعهم”: حالةٌ من حالات الإعراض والبُعد عن الله.

“ليه؟ ليه بيعملوا كده؟” ليه هذا الموقف المتناقض ما بين إيماننا بالكتاب وعدم استمساكنا بالكتاب؟ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (آل عمران: ٢٤).

يعني إيه؟ هم نسجوا أسطورةً بتقول “إن ربنا سبحانه وتعالى مش هيحاسبنا يوم القيامة ولا هيعاقبنا إلا على الأيام اللي خالفنا فيها أمر الله وعبدنا فيها العجل حين غاب عننا موسى؛ الأيام دي لا حتزيد ولا حتقلّ”. إذن كل زيادةٍ في معصية الله، أو مخالفة، أو بُعدٍ عن أمر الله، أو تنكُّبٍ لطريق الله — “مش هتفرق، مش هتغيّر”؛ هي العقوبة المقدَّرة محدَّدة، مش هتزيد. “فخلاص بقى، روح كتّر من الفضايح، واعمل على ما تقدر”!

إذن أين المشكلة هنا؟ ليست الغفلة، وإنما تحريفٌ في مفاهيم الدين؛ وبالتالي بناءً على هذا التحريف يكون السلوك مبنيًّا على هذه الصورة المنحرفة.

إذن عندنا مشكلتان: إما مشكلة الفهم المغلوط أو غير الصحيح الذي يحتاج إلى أن يُراجَع، وإما مشكلة الاستغراق في الدنيا ونسيان الرسالة الأساسية للإنسان في هذه الحياة: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (الذاريات: ٥٦–٥٨).

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين.

أخطرُ العقوبات: أن يُصرَف العبد عن إدراك الرسائل

وذكرنا أن من أخطر العقوبات التي يُعاقَب بها العبدُ بسبب إعراضه عن الله تبارك وتعالى: أن يكون في حالةٍ “هو مش قادر” — مش قادر يترجم الرسائل.

وذكرنا موقف الصحابة رضي الله عنهم في غزوة أُحد، حينما خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا من على جبل الرماة لكي يجمعوا الغنائم مع من يجمع؛ وأنَّ الله تبارك وتعالى ذكر أنه صرف أبصارهم عن الخطر المُحدِق بهم.

ذكرنا أن هؤلاء نزلوا من على الجبل، فهم يتبعون هؤلاء المشركين الفارّين ليجمعوا الغنائم ويحوزوا ما في معسكر المشركين؛ فهم يريدون أن يحوزوا أكبر قدرٍ من الغنائم، وهم يجرون نحو الغنائم — ونحن في صحراء مفتوحة، وكل من ذهب إلى هناك رأى ذلك.

طيب، سيدنا خالد بن الوليد جاء يلتفّ من جنبهم، وكتيبةُ فرسانٍ تُثير رهجًا وترابًا وغبارًا وأصواتًا، لكنهم لم يتمكّنوا من رؤية هذا — فضلًا عن أن طبيعة المنطقة تقتضي أن يروا؛ حواسُّهم كلُّها كانت ستُدرك أنهم يلتفّون حولهم، ونحن في صحراء مفتوحة يستحيل فيها ألّا نراهم. لكن ربنا سبحانه وتعالى قال: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، ثم من رحمة الله: وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (آل عمران: ١٥٢).

إذن هنا ربنا سبحانه وتعالى جعل عقوبةً لهم ألّا يتمكّنوا من رؤية الخطر؛ والطبيعيُّ أن يَرَوا، لكن ربنا سبحانه وتعالى أراد ألّا يروا ذلك، مع أن الضرورة تقتضي أن يروا.

صَرْفُ تأديبٍ للمؤمنين وصَرْفُ خِذلانٍ للمنافقين

وقال تبارك وتعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (التوبة: ١٢٧).

ما الفرق بين هذه وهذه؟ الصورة الأولى في غزوة أُحد: هؤلاء ناسٌ مؤمنون أخطأوا خطأً كبيرًا، فربنا سبحانه وتعالى أعطاهم عقوبةً محدودة على هذا الخطأ لكي يفيقوا، ولكي يُنيبوا، ولكي يُكفَّر عنهم سيئتُهم.

طيب، الناس اللي في آخر سورة التوبة: دول منافقون مُظهِرون للإيمان، بيحاولوا يتسلّلوا من بين الصحابة رضي الله عنهم لكي يبتعدوا عن الموعظة والتذكِرة وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول بعضهم لبعض: “هل يراكم من أحد؟” ثم انصرفوا. قال الله تبارك وتعالى: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ.

العلاج: إنابةٌ وتضرُّعٌ ومعالجةٌ لقسوة القلب

إذن الإنسان عشان يقدر يُترجم رسائل ربنا سبحانه وتعالى التي تتوالى عليه، يحتاج إلى أن يعالج ما في القلب من قسوة، وإلى أن يُنيب إلى الله تبارك وتعالى، وإلى أن يتضرّع إلى الله، وإلى أن يتذكّر حقيقة رسالته في هذه الحياة، وإلى أن يتضرّع إلى ربه تبارك وتعالى لكي يكشف عنّا ما نحن فيه.

والخطورة ليست فيما نحن فيه اليوم — لأننا يعني ربنا سلَّمنا، والعياذ بالله — لكن لو استمرَّ التمادي في نفس الطريق اللي إحنا ماشيين فيه، تتوالى وتتكاثر العقوبات. قال ربنا سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (المؤمنون: ٧٦–٧٧).

«مُبلِسون» أي: آيسون من رفع العذاب، آيسون من حلول الرحمة، آيسون من أن تُدركهم رأفةُ الله تبارك وتعالى ورحمتُه. إذن هذا مستوى، وهذا مستوى: وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (السجدة: ٢١).

الدعاء

اللهم أرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرِنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه.

اللهم يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك. اللهم يا مُصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك.

اللهم خذ بأيدينا إليك أخذَ الكرام عليك، ولا تفضحنا بين خلقك ولا بين يديك.

اللهم اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصيبات الدنيا. ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارثَ منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا.

اللهم كن لنا ولا تكن علينا، وأعِنّا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسِّر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا وتتوب علينا. وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين. اللهم إنا نسألك حبَّك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ عملٍ يُبلِّغنا إلى حبك.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.