ما مضى: قيمة الإيمان
كنّا في المرة السابقة نتكلّم عن «الضياع»، ونتكلّم عن الإيمان والمحافظة عليه. وأول ما نبدأ به: قيمة الإيمان في حياة الإنسان.
وقد ذكرنا من فترةٍ معنى الإيمان، وأن أصله من الأمن؛ فهو الشيء الذي يُعطي الإنسان الشعور بالأمان.
فما الأشياء التي تبني الإيمان؟ وما الأشياء التي تُضيّعه وتُذهبه؟ ولكي تكون هذه القضية في قدرها ومكانها اللائق بها، لا بدّ أن نُدرك أولًا خطورة هذا الأمر ومقداره.
خطر الخواتيم
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا في دعائه: «يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك» (رواه الترمذي).
فإذا أدرك الإنسان خطورة الخواتيم — أي الصورة التي سيلقى الله عليها — أدرك أن معيار الفوز والفلاح والسعادة الحقيقي هو ما قاله الله: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِآل عمران: ١٨٥.
وعلى قدر ما يعقل الإنسان هذا الكلام، على قدر ما يستشعر أهمية هذه القضية.
القلق الإيجابي: الإشفاق
وقد تكلّمنا في المرة الماضية عن القلق والتوتّر، وأن منه ما هو سلبيّ ومنه ما هو إيجابي.
فالسلبي هو حالة الاضطراب النفسي وعدم الاستقرار؛ وعكسه ما يُعطيه الإيمان من الطمأنينة: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُالرعد: ٢٨. و«تطمئنّ» أي تسكن وتهدأ وتقرّ.
وأما القلق الإيجابي فقد سمّاه الله في سورة الطور الإشفاق. ومعناه: حالة الوَجَل والخوف من ضياع النعمة، أو أن يلقى الإنسان الله على حالٍ لا يرضاها عنه.
قال تعالى: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُالطور: ٢٦–٢٨.
فتأمّل الأركان التي اجتمعت عليها الآيات:
الإحساس بالإشفاق والوَجَل والخوف من العاقبة، يؤدّي إلى الدعاء والتضرّع أن يُثبّت الله الإنسان على الإيمان، ويحفظ عليه هذه النعمة، ولا يجعله ممن زاغ قلبه بعد الهداية؛ ثم تكون النتيجة: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا.
تقلّب القلوب
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها؛ وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (متفق عليه).
وهذه النصوص وغيرها — تَكرارُها يدلّ على أهمية الموضوع. فحين نجد عددًا كبيرًا من الروايات تدور حول المضمون نفسه، ويرويها عددٌ من الصحابة، نعرف أن هذا موضوعٌ متكرّر وقد ضُغط عليه كثيرًا حتى استقرّ، وحرص الصحابة على نقله. فوجود مساحةٍ من التركيز والتنبيه يدلّ على أن للقضية وزنًا وخطرًا.
ولذلك كانوا يقولون: «لا عليكم ألّا تُعجَبوا بأحدٍ حتى تنظروا بما يُختم له».
«فليستنّ بمن قد مات»
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «من كان مستنًّا فليستنّ بمن قد مات؛ فإن الحيّ لا تُؤمن عليه الفتنة».
وقال ذلك في سياق أمره الناس أن يقتدوا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ولماذا «بمن قد مات»؟ لأن هذا الشخص لم يُغيّر ولم يُبدّل، ولم ينحرف عن جادّته، واستمرّ على الاستقامة حتى توفّاه الله. فهو الذي يصلح أن يُقتدى به.
و«الحيّ لا تُؤمن عليه الفتنة» — وقد ذكرنا هذا المعنى مرارًا؛ فالإمام أحمد يقول: ليس بعد — أي حتى تخرج الروح — فيبقى الإنسان على وَجَلٍ أن يحفظه الله ويُبعد عنه نزغات الشيطان حتى يُسلم الروح.
وهذا مهمّ في حال الاقتداء والاضطراب
فنحن تحدث لنا مشاكل كثيرة بسبب ذلك: أن يُحسن أحدنا الظنّ بشخصٍ ويضع فيه ثقةً كاملة، ثم يأتي من ذلك الشخص ما يخالف وجه الحقّ والصواب.
فيحدث أحد أمرين: إمّا أن تهتزّ ثقتي في القدوات وفيمن اتّخذتُهم مرجعية — وقد يُصيب الإنسان من ذلك اضطرابٌ شديد حتى يفقد الثقة في كلّ أحد؛ وإمّا أن أُغضي الطرف لئلّا أضطرب، فأستمرّ على النهج نفسه.
وما الذي يوقع الإنسان في هذا؟ أنه لا يستهدي على أصول.
«اعرف الحقّ تعرف أهله»
وقد قال الحارث بن حَوط لعليّ رضي الله عنه — في فترة الاختلاف التي وقعت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه: أتظنّ أنّا نظنّ أن طلحة والزبير كانا على الباطل؟
فقال له عليّ: يا حارث، إنه مُلبَسٌ عليك؛ إن الحقّ لا يُعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.
وهؤلاء الذين وقع بينهم ما وقع هم من الطبقة العليا من الصحابة؛ ممّن نُصّ على أسمائهم فيمن وُعد بالجنة.
ولاحظ: قضية «العشرة المبشَّرين بالجنة» ليست حصرًا لمن وُعد بالجنة من المؤمنين؛ وإنما هم الذين ذُكروا في موضعٍ واحدٍ بأسمائهم. وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في أهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (متفق عليه) — وهم ثلاثمئة وثلاثة عشر. وقال: «لا يدخل النار — إن شاء الله — أحدٌ بايع تحت الشجرة» (رواه مسلم) — وهم ألفٌ وأربعمئة. فالمبشَّرون بالجنة من الصحابة عددهم كبير؛ لكنّ هؤلاء ذُكروا بوصف الحال، وأولئك ذُكروا بأسمائهم.
فماذا يصنع الإنسان العادي؟
فإذا وقع بين هؤلاء تباينٌ حول قضيةٍ معيّنة، وصاروا في خندقين متقابلين — فأنت كشخصٍ عادي: ماذا تفعل؟ على أيّ أساسٍ تُحدّد موقفك؟
فلو كانت المسألة تقليدًا فهم يكادون يكونون في منزلةٍ واحدة. إذًا لا بدّ من معيارٍ آخر.
قال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِالنساء: ٥٩. فالله يتكلّم عن مرجعية نرجع إليها حين يقع التباين: معايير ثابتة واضحة.
تدبّر القرآن واجب على كلّ مسلم
ولذلك أمر الله كلّ المؤمنين أن يتدبّروا القرآن؛ فهذا خطابٌ عامّ لكلّ مسلم: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِص: ٢٩.
فهذا خطابٌ لكلّ الناس لا لطبقةٍ معيّنة يُفترض أنها تتدبّر وتفهم وتستوعب ويمشي الناس وراءها؛ هذا غير موجود.
وهو في دائرة الوجوب؛ بل هو علّة التنزيل. فلا بدّ لكلّ واحدٍ منّا على قدر استطاعته أن يفهم كلام الله؛ وهذه هي الحجّة التي أقامها الله بين الناس. فهو أمرٌ ضروريّ لازمٌ مُلزِم، لا مجرّد شيءٍ مستحسنٍ أو حسن.
وأشدّ من ذلك ما قاله بعض السلف: «أخوف ما أخاف أن يُقال لي يوم القيامة: علمتَ أم جهلت؟ فإن قلتُ: علمت — قيل لي: الأمرَ هل ائتمرت؟ والزجرَ هل انزجرت؟»
فليست القضية أن تعرف فحسب، بل ما أثر هذه المعرفة في حياتك.
تربية النبي صلى الله عليه وسلم: صناعة الاستقلال
فالمعيار ليس «أنا وهم»، وإنما أن أعرف. وهذا هو الفضل العظيم لتربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كلّ المستويات.
فقد كان يُعامل الصغار بقدرٍ كبير من التقدير والاحترام: يمرّ على الصبيان فيُسلّم عليهم كما يُسلّم على الكبار؛ ليُعطي الصغير من صِغره إحساسًا بأن له قدرًا ومكانة.
بل كان يُكنّي الصغار: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟» (متفق عليه)، و«يا أمّ خالد، هذا سَنَا» (رواه البخاري). والتكنية علامة التقدير.
ودعا لابن عباس وهو صغير أن يُفقّهه الله في الدين ويُعلّمه التأويل.
زيد بن ثابت: أمانةٌ من أول لقاء
ولمّا قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جاءه قومٌ بزيد بن ثابت رضي الله عنه — وهو غلامٌ في نحو الخامسة عشرة — وقالوا: يا رسول الله، هذا غلامٌ من بني النجّار، قد حفظ ممّا أُنزل عليك بضع عشرة سورة.
فتكلّم معه، فرأى أن سنّه صغير لكن عقليّته جيّدة جدًّا. فماذا طلب منه — في أول لقاء؟ قال: «تعلّمْ لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمَنُ يهودَ على كتابي». قال زيد: فتعلّمتُه في خمس عشرة ليلة (رواه أبو داود والترمذي بنحوه).
فكان يكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأ له كتابهم.
وتأمّل: أول مرّةٍ يراه، يتكلّم معه قليلًا ثم يُحمّله هذه الأمانة. ولذلك كان طبيعيًّا — حين أُريد جمع القرآن — أن يُطلب زيدٌ لهذه المهمّة، وأُبيّ بن كعب موجود وأبو الدرداء موجود.
فالإنسان عنده طاقة؛ لكنّ الفكرة أن يُحسّ أولًا أن له قيمة، ثم أن يستشعر أن ثمّة أمانةً وُضعت بين يديه ومسؤوليةً متعلّقة بالدين، فيحملها ويقوم بها.
موقفٌ محوريّ: الحُباب بن المنذر في بدر
ومن المواقف المحورية موقف الحُباب بن المنذر رضي الله عنه في بدر. وإنما هو محوريّ لأنه يعكس جانبًا مهمًّا من جوانب التعامل في ذلك المجتمع.
فقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلًا، فأتاه الحُباب فقال: يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل: أمنزلٌ أنزلَكَه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة».
قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نُغوّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرتَ بالرأي». ونهض ففعل.
ماذا في هذا الموقف؟
أولًا: أنه فكّر في الموقف كموقف بعيدًا عن الأشخاص. فنحن الآن في أمرٍ عسكري: النبي صلى الله عليه وسلم اختار موقعًا ينزل فيه جيش المؤمنين في أول معركةٍ يواجه بها الكفار. وهناك من كبار الصحابة وأجلّائهم: أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة والمقداد بن الأسود. فلو فكّر في الأشخاص لقال: أيكون عقلي أفضل من عقولهم جميعًا؟ ولَما تحرّك.
لكنه فكّر: نحن نزلنا هنا؛ المكان جيّد، لكن ربّما كان غيره أفضل. ففكّر في الحدث لا في الأشخاص.
ثانيًا: أنه توجّه مباشرةً إلى صاحب القرار. وهذا في ذاته أمرٌ عظيم؛ فلم يكن ثمّة حُجّابٌ ولا بوّابون ولا مدير مكتب. يتكلّم على طول — مع شخصٍ هو أعظم من أيّ شخصٍ آخر خلقه الله على مدى تاريخ الحياة.
ثالثًا: صيغة السؤال. فقد بدأ بأن يستوثق: أهو وحي؟ فإن كان كذلك فليس لنا أن نتقدّم أو نتأخّر.
ولاحظ معنى التسليم هنا: ليس معناه أن هذا المكان هو الأمثل استراتيجيًّا؛ بل معناه أن الله أراد ذلك، فهو الأصحّ والأصوب لحكمةٍ قد لا أُدركها. فهذا هو الإيمان.
رابعًا: أن الأمر انتهى عند هذه الجملة. فكتب السيرة تحكي القضية إلى هنا وتقف. ولم يترتّب على الموقف شيء: لم يُقل «إن هذا طعنٌ في عقول الحاضرين»، ولم تُغيَّر منازل الناس، ولم يُقرَّب الحُباب ولم يُبعَد غيره. كلٌّ بقي في قدره ومكانه ومنزلته.
ونحن قد نتخيّل غير ذلك: أن يُقال «هذا الرجل طلع كويس، تعالَ يا ابني»! أو أن يقول قائل: «أنا الوحيد الذي فهم، وهؤلاء كلّهم غافلون» — فيتضخّم عنده الأمر.
ولا هذا ولا ذاك. فالنفسيات نفسيات طبيعية سويّة: يشغلها مصلحة المسلمين، لا مَن قال ولا مَن فعل. وفي الوقت نفسه لا يكتم الإنسان ما آتاه الله من عقلٍ أو فطنةٍ أو رؤية، بل يعرضه — وعرضُه لا يعني وجوب الأخذ به.
وفي المقابل: أدبُ المقام
وقد عاتب الله أبا بكر وعمر رضي الله عنهما عتابًا شديدًا في موقف تنازعٍ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر وفد بني تميم؛ إذ أشار أحدهما أن يُولّى فلان، وأشار الآخر بغيره، وارتفعت أصواتهما.
فنزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَالحجرات: ١–٢.
فكان أبو بكر رضي الله عنه بعدها يقول: يا رسول الله، ما كلّمتُك إلا كأخي السِّرار. وكان عمر رضي الله عنه لا يكاد يُسمع كلامه حتى يُستفهَم منه.
وتأمّل: لم يُنزعا من مكانهما ولا من منزلتهما؛ وإنما تغيّرت طريقة تعاملهما.
وتأمّل شدّة الأمر: أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ — أي أن يذهب كلّ ما قدّمه الإنسان من خير.
التوازن الصعب
فكيف نُوازن بين أن يكون الشخص عنده استقلاليةٌ ورؤيةٌ وتفكير، وفي الوقت نفسه عنده نفسيةٌ سويّة ونيّةٌ صالحة، بلا تضخّم ولا زهوٍ ولا إعجابٍ ولا تكبّرٍ على عباد الله؟
فنحن أحيانًا — لكي يبقى الشخص متواضعًا — نُحمّله ما يُدمّر نفسيّته لئلّا يتضخّم؛ فيختفي كإنسان. وأحيانًا أخرى يريد أحدٌ أن يُشجّع شخصًا فيُبالغ حتى يتضخّم، فلا تجد سبيلًا للتعامل معه لأنه يستعلي.
والدين يريد أن يُحقّق هذه الموازنة: أن يكون عند الإنسان ذكاء وزكاء معًا — الذكاء الذي هو النباهة والفطنة، والزكاء الذي هو الطهارة والنقاء. فهذا يُبنى وهذا يُبنى؛ ثمّة بناءٌ في النفسية والأخلاق، وبناءٌ في العقل والفكر.
الحقّ لا يُعرف بالرجال: تطبيق
ونعود إلى كلمة عليّ رضي الله عنه: «اعرف الحقّ تعرف أهله». فكيف يُطبّقها الإنسان إن لم تكن عنده معايير لإدراك الصواب؟ لا بدّ أن يسمع ويسمع ويوازن الكلام ويرى أيُّه أصوب وأرجح. وهذه قضيةٌ عالية ليست بسيطة.
فلنستحضر ذلك الموقف: هناك من يقول إن عندنا إمامًا قُتل ظلمًا، وإن حقّه في القصاص أوجب من حقّ أيّ أحد، وإن هذا هو الذي ينبغي أن يُقدَّم على أيّ إجراءٍ سياسي، ثم بعد ذلك يكون ما يكون. وهذا ما كان يقوله طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم؛ فليس نزاعهم على عليّ في شخصه ولا في إمامته ولا في استحقاقه الخلافة، وإنما: أولًا القصاص من القتلة، ثم بعد ذلك تجتمع الأمّة.
وفي المقابل يقول عليّ رضي الله عنه: هناك إمامةٌ استقرّت وبيعةٌ تمّت؛ فالأول أن تجتمع الأمّة على الإمام حتى تكون عندهم قوّةٌ يقتصّون بها ممن قتل — فإن هؤلاء عددٌ وعُدّة، ينتسبون إلى قبائل، وثمّة من يحميهم، ولا يمكن الوصول إليهم مع هذا الشتات. فالاجتماع أولًا، ثم القصاص.
فأين الحقّ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «تمرق مارقةٌ عند فُرقةٍ من المسلمين، تقتلها أَولى الطائفتين بالحقّ» (رواه مسلم بنحوه).
وتأمّل: أَولى الطائفتين بالحقّ. فمعنى ذلك أن ثمّة طائفةً قطعت شوطًا باتجاه الحقّ، وطائفةً أخرى قطعت شوطًا باتجاه الحقّ أيضًا؛ فليسوا أصحاب باطل، ولكنّ هؤلاء أقرب.
وهذا يُبطل ما يحاول كثيرٌ من الناس تشكيله: أن هؤلاء كانوا يطلبون الدنيا ويتستّرون بقضية القصاص لمآربَ دنيوية. فالبيان النبوي وضع لنا تكييف الموضوع، فأغنانا عن التكييف من عندنا.
ففي القضايا الاجتهادية: هذا حقّ وهذا حقّ؛ وإنما الخلاف في الترتيب — ما الخطوة الأولى وما الخطوة التالية.
فماذا يصنع الإنسان؟ لا بدّ أن تكون عنده معايير يُوازن بها، ثم يرى أيّهما أقرب. وقد يُصيب وقد لا يُصيب؛ فيبقى عليه أن يستهدي ويدعو ويطلب من الله التوفيق للأصوب والأرجح. فهو يبذل ويسعى في التفكير وتقليب وجوه النظر، ثم يدعو الله أن يُبصّره ويُلهمه.
فكيف نبني هذه النفسية؟
فالمطلوب أن أستطيع بالإيمان والقرآن أن أبني فكرًا ونفسيةً فيها قدرٌ من الاستقلالية، وقدرٌ من الثقة، وفي الوقت نفسه قدرٌ من الإخلاص والتواضع وحفظ الحقوق. وهذه هي النفسية التي يبنيها الإيمان، والتي يمكن أن تتحمّل أمانة الدين فتقوم بها.
فإن لم يوجد ذلك، فالمشاكل دائمًا إمّا مشاكل عدم إدراك، وإمّا مشاكل ضعف إخلاص.
وصية عليّ في حَمَلة العلم
وقد ذكرنا كلام عليّ رضي الله عنه حول قضية العلم ونقله، وأنه يبحث عمّن يحملون أمانة العلم؛ ولا بدّ أن يخلوا من وصفين:
الأول: من عنده الحفظ ووجود الآلة مع ضعف الأمانة — «غير مأمونٍ عليه». فهذا عنده ذكاءٌ ونباهةٌ وحفظ، لكنه صاحب غرضٍ وهوًى؛ فهذا خطر.
الثاني: «منقادًا لأهل الحقّ لا بصيرة له في أحنائه» — أي شخصيةٌ فيها طيبةٌ ومحبّةٌ للدين، لكنها مقلِّدةٌ تابعةٌ بلا بصيرة؛ فهذا لا يُصلح.
فهو يبحث عن ناسٍ مؤهّلين ليُسلّمهم العلم، ولا يضع هذه الأمانة في غير موضعها.
«إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله»
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمّا سُئل عن الساعة: «إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (رواه البخاري).
فهذه أخطر صور تضييع الأمانة — مع أنها لا تخطر على بالنا كثيرًا! فنحن نتصوّر الأمانة في المال أو في النصب أو نحو ذلك؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يتكلّم عمّا هو أخطر من هذا كلّه: وضعُ شخصٍ في محلٍّ لا يستحقّه.
وقد ذُكر أنه كان في الحزب الشيوعي في روسيا شخصٌ يُظنّ أن له صلةً بالأمريكيين، لكنهم لم يُمسكوا عليه شيئًا لستّ عشرة سنة. فلمّا وقعت روسيا جاؤوا به وسألوه، فأقرّ بالصلة. فقالوا: طوال ستّ عشرة سنة لم نُمسك عليك شيئًا؛ فماذا كنتَ تفعل؟ قال: وظيفتي أن أُعيّن الناس في الوظائف الحرجة والحسّاسة؛ فكنتُ أنظر أيّهم أسوأ فأُعيّنه.
فهذا شيءٌ نعتبره عاديًّا جدًّا وبسيطًا؛ ومع ذلك أوقع بلدًا كاملًا. فتوسيد الأمر إلى غير أهله أمرٌ في غاية الخطورة.
يوسف عليه السلام: العلم والأمانة
ولذلك لمّا قال له الملك: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌيوسف: ٥٤ — فالمقدّمات موجودة: مكانةٌ وأمانة.
ولاحظ: هم ضاقوا في تعبير الرؤيا فلم يُعبّروها؛ ويوسف عليه السلام لم يقف عند التعبير، بل أعطى الحلّ والمخرج للأزمة الاقتصادية: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَيوسف: ٤٧.
وهذا ليس بالأمر البسيط: توجّهٌ مباشرٌ إلى الحلّ لا إلى التوصيف. فنحن نقعد نصف المشاكل ونُعدّد الملفات ولا نصل إلى شيء. أما هو فوضع المشكلة وسط الحلّ لا العكس؛ لم يُنهِ الجملة إلا وقد أنهى الحلّ.
ثم تأمّل التوقيت: لو استلم يوسف عليه السلام الوظيفة في أول القحط ما نفع شيء! فالسبع السنين الأُولى هي المخرج من السبع التاليات. والله أرى الملك الكافر هذه الرؤيا قبل ذلك بسبع سنين.
وهذا هو الذي يُسمّى اليوم التخطيط والرؤية المستقبلية والدراسات. لكنّ الرجل كان نائمًا! ومن رحمة الله بالعباد أن أراه هذه الرؤيا في المنام ثلاث ليالٍ متتالية حتى أدرك أن فيها رسالة. ثم استدعى المستشارين فقالوا: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَيوسف: ٤٤.
ولا يخرج قبل أن تظهر براءته
ثم لمّا قال الملك: ائْتُونِي بِهِ — كان الطبيعي أن يخرج فورًا. لكنه قال: ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌيوسف: ٥٠.
لماذا؟ لأنه سيخرج من السجن؛ والسجن مظنّةٌ أن عليه مشكلةً تقدح في الأمانة أو الأخلاق. فهو لن يخرج قبل أن تظهر براءته؛ ليجتمع له العلم والأمانة وكرم الأخلاق وعظمة السيرة والسريرة.
ثم قال: اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌيوسف: ٥٥. فهذه حيثيّات المهمّة: حَفِيظٌ — عنصر الأمانة، وهو الأساس لأن الأمر أموالٌ ومحاصيل؛ وعَلِيمٌ — أي يُحسن حفظها وتوزيعها.
القويّ الأمين
ونظيره: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُالقصص: ٢٦.
ونظيره: قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌالنمل: ٣٩. فهو يعرض المقوّمات: القوّة والأمانة.
ومع ذلك لم يرضَ سليمان عليه السلام؛ لأنه رأى أن هذا متأخّر. فأضاف عنصر الزمن: قد يؤدّي المهمّة بشكلٍ حسن، لكن ليس في الوقت الذي نحتاجه.
موت سليمان: حدود الغيب
وقبض الله سليمان عليه السلام وهو واقفٌ متّكئٌ على عصاه يتابع العمل؛ فظلّت الجنّ تعمل ولم تدرِ. قال تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِسبأ: ١٤.
فمعنى ذلك أن الجنّ كانوا يعتقدون أنهم يُدركون شيئًا من علم الغيب. وكيف؟ باسترق السمع: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًاالجن: ٩، وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًاالجن: ٨.
فكانوا يسمعون شيئًا مما تتناقله الملائكة، فينقلونه إلى بعض الإنس ممن يخدمونهم؛ فيحصل أمران: إيهامٌ بأنهم يعرفون غيبًا لا يعرفه الناس، وإضلالٌ للناس حتى يعتقدوا أن الكاهن أو العرّاف يعلم الغيب.
ولا بدّ أن نُميّز هنا بين أمرين: الغيب النسبي — وهو ما تعرفه أنت ولا أعرفه أنا؛ كمن ضاعت سيّارته فيأتيه من يُخبره أين هي — وهذا ليس غيبًا مطلقًا؛ والغيب المطلق — وهو المتعلّق بالمستقبل الذي لا يعلمه أحد.
فهذا المشهد إذًا رسالة: أنهم مهما بلغت قدراتهم فهي محدودة. فهم عندهم نشاطٌ وقدرات، لكنّهم عاجزون عن أبسط شيء: أن يُدركوا أن الرجل قد مات وهو واقفٌ أمامهم.
فما هو بناء الإيمان؟
فإذًا، لكي يتمّ بناء الإنسان بناءً إيمانيًّا، لا بدّ أن تُبنى ذهنيّة وتُبنى نفسيّة معًا. هذا هو بناء الإيمان. ثم بعد ذلك يبحث عن أسباب التثبيت والحفظ من الله.
الفرق بين الإسلام والإيمان
قال تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًاالحجرات: ١٤.
فلم يَنفِ الله عنهم الإسلام، ولم يصفهم بالنفاق؛ بل هم مسلمون، وعندهم طاعةٌ وأعمالٌ وبرّ، ولن يُنقصهم الله ثوابها. ومع ذلك قال إنهم ليسوا في منزلة الإيمان — أي ليسوا في منزلة الصحابة رضي الله عنهم.
فالإسلام مرتبة، والإيمان مرتبة.
فالإسلام أصلُ الاستسلام لله بالطاعة، والحرص على أداء الواجب والانكفاف عن المحرّم.
والإيمان حالةُ القلب إزاء هذه الواجبات والأعمال: مقدارُ الثقة بالله، ومقدارُ المحبّة له، ومقدارُ التعظيم، ومقدارُ الحياء منه، ومقدارُ مراقبته سبحانه. هذا هو المعيار.
الهيكل والملء
فالإنسان قد يبني هيكلًا، ثم يحتاج أن يملأ هذا الهيكل. فالإسلام هو الهيكل الخارجي للإنسان المؤمن، والإيمان أن تملأه من الداخل — وهو الذي يُحرّك.
فأكثر ما ينبغي أن يشغل الإنسان: كيف يُعينه الله على بناء الإيمان وتحقيقه.
أمثلة على الملء
الإيمان بالقرآن: أن تؤمن أنه كلام الله، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الله أنزله روحًا ونورًا وهدًى وشفاء. ثم: مقدارُ حضورك وأنت تقرأ، ومقدارُ استشعارك لعظمة الله، ومقدارُ تعظيمك للقرآن وامتثالك له. هذا هو الذي ينقلك إلى الإيمان.
الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم: عظمةُ هذه الشخصية، واصطفاءُ الله لها، وأنه القدوة والأسوة للمؤمنين، وأنه أولى بهم من أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم. فاستشعارُ هذه المعاني بشكلٍ دائم هو الذي يضع الإنسان في محلّ التأثّر حقيقةً.
الإيمان بالآخرة: فرقٌ بين الإيمان بها كمعنًى عامّ، وبين إحساس الإنسان بها في حياته وتعامله.
الإيمان بالملائكة: نحن نؤمن أن مع كلّ إنسانٍ ملائكةً حفظة. لكنّ الفرق بين من يعرف ذلك نظريًّا، وبين من يعيشه: فهذا الأخير يفكّر قبل أن يقول كلمة — هذه ستقع في دائرة الكتابة، ثم في دائرة المساءلة، ثم في صحيفةٍ تُنشر. فيقول: لن أقول ما لا يُرضي الله؛ فإن وقعت منّي بادرتُ بالاستغفار.
فعلى مقدار تذكّر الإنسان لمعاني الإيمان يكون عيشُه لها. فالمسألة أن تكون هذه المعاني في دائرة الحضور لا في دائرة الغفلة.
الإيمان بالأسماء والصفات: فأنا آمنتُ باسمٍ من أسماء الله. لكن كيف يتحوّل هذا الاسم إلى حقيقةٍ إيمانية؟ لا بدّ أن يكون عندي عنه تصوّرٌ ورؤيةٌ بمقدارٍ معيّن.
فمثلًا: أريد أن أزداد إيمانًا برحمة الله. فكيف؟ أبحث عن مواقف الرحمة في القرآن، وفي حياتي الشخصية، وفي حياة من حولي — مواطنَ تلمّستُ فيها رحمة الله، وأُفكّر فيها. فيتّسع هذا المعنى وينتشر ويأخذ مساحةً في القلب. وحينئذٍ حين أقرأ «الرحمن الرحيم» يحدث شيء.
وهذا لا يأتي هكذا؛ إنما يبذل الإنسان جهدًا في بنائه وفي ممارسته في الحياة. وهذا هو بناء الإيمان.
«ولمّا يدخل» لا «ولم يدخل»
وتأمّل دقّة التعبير: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ — ولم يقل «ولم يدخل».
فالفرق بين «لم» و«لمّا»: «لم» تنفي وقوع الشيء؛ أما «لمّا» فتنفي وقوعه حتى الآن مع توقّع وقوعه. فلو قلتُ: «فلانٌ لم يأتِ» فمعناه ما جاء. ولو قلتُ: «لمّا يأتِ» فمعناه أنه في الطريق ومتوقّعٌ أن يأتي.
فلم يُغلق الله عليهم الباب؛ وإنما قال: لم يحصل بعدُ. وثمّة أوصافٌ لا بدّ أن تتوافر لينتقلوا من هنا إلى هناك.
وما هي؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَالحجرات: ١٥.
فـلَمْ يَرْتَابُوا — أي اليقين؛ وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ — أي أقصى ما يمكن تقديمه في سبيل إرضاء الله؛ فيكون رضا الله والجنة عنده أكبر من أيّ شيءٍ دنيويّ يمكن أن يُقدّمه.
الشرط الأول: أن أشعر أنه ضرورة
ولكي يحصل ذلك، لا بدّ أولًا أن يستشعر الإنسان أهمية الإيمان وضرورته؛ فالإنسان إذا استشعر قيمة شيءٍ وضرورته له حرص عليه. أما إن كان يراه «حاجةً حلوة» يتمنّى لو جاءت، فلن يسعى إليها.
فنحن كلّنا نتمنّى أن يرزقنا الله الإيمان. لكن كيف؟ نظنّ أن الله سيرى أنّا طيّبون فيُكرمنا! والأمر ليس كذلك.
فالأول: أن أُدرك أن الإيمان ضرورة — ضرورةٌ حياتية لا تستقيم الحياة إلا بها.
الشرط الثاني: ملء الصندوق
والثاني: أن هذا الهيكل الإسلامي لا بدّ أن يمتلئ بمعانٍ إيمانية.
فتخيّل صندوقًا فارغًا. فاسم الله «الودود» مثلًا: أضعه في صندوق؛ فما بداخله؟ لا شيء. فمن أين سأُحبّ؟ من الداخل — والداخل فارغ!
وفي مواقف الشدّة أريد أن أستدعي إيمانًا يُثبّتني به الله — من أين آتي به؟ من الذي وضعتُه داخل الصندوق. فإذا فتحتُه في لحظة الشدّة فوجدتُه فارغًا، فماذا أصنع؟
وفي هذه اللحظات إنما يرحمنا الله بمنّه وفضله — لا لأنّا فعلنا شيئًا، بل لأنه سبحانه كريم، ولأننا عبيدُه.
دعاء ليلة القدر
وتأمّل ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها حين سألته: إن وافقتُ ليلة القدر فماذا أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعفُ عني» (رواه الترمذي).
فلاحظ: ليلة القدر تُمثّل أعلى مستوى من الاجتهاد في الطاعة والعبادة والتقرّب عند المؤمن. فما الذي يُقال في أعلى لحظات الاجتهاد؟
لم يُقل: «اللهم إني صلّيت، ودعوت، وقرأتُ القرآن»! بل: «اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعفُ عني» — أي أطلب منك أن تُدخلني في دائرة العفو والمغفرة والصفح، لأنك سبحانك تحبّ ذلك وتحبّ أن تتفضّل على العباد؛ لا لأنّا عملنا شيئًا.
خاتمة
فإذا وضعتُ في هذا الصندوق أشياء، صرتُ أخاف عليها فعلًا — لأني أُحسّ أنها قيمة الحياة، وأنها النعمة العظيمة، وأنها أعظم ما رزقني الله.
فمن رأى أن أعظم رزقٍ عنده هو المال أو غيره، حرص عليه أشدّ الحرص. فإن رأى أن الإيمان أعظم ما امتنّ الله به عليه، كان حرصه على الحفاظ عليه أكثر من أيّ شيءٍ آخر — وحينئذٍ تعتدل الموازين.
فالخلاصة أمران:
الأول: أن تحقيق الإيمان ضرورةٌ لحياة الإنسان، وهو الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
والثاني: أنه لكي أنتقل من منزلة الإسلام إلى منزلة الإيمان، لا بدّ أن أملأ الصندوق الفارغ.
وجزاكم الله خيرًا.