لماذا يُعدّد ابن القيم هذه الفوائد؟
وصلنا إلى الفائدة الخامسة عشرة. وابن القيم رحمه الله هنا يُعدّد فوائد الذكر، أي الثمرات التي تعود على الإنسان إذا داوم على ذكر الله تبارك وتعالى. وقد حاول أن يحشد كلّ ما أدركه أو عرفه أو استنبطه أو توصّل إليه.
ولماذا؟ لأن الإنسان يهتمّ بالشيء على مقدار إحساسه بأهميته، ويحرص عليه على مقدار ضرورته بالنسبة له، ويتمسّك به على مقدار المنافع التي تعود عليه منه. هذا هو الإنسان الطبيعي المنطقي.
لكلّ تصنيفٍ غاية
ونحن نقول إن الكتاب الهدف منه الوصول إلى غاية. وهذه نقطةٌ مهمّة جدًّا في الانتفاع بالشيء: فالتصنيف لا بدّ له من غاية، كما أن الكلام لا بدّ له من غاية.
فنحن الآن قاعدون في مجلسٍ في المسجد؛ يجب أن تكون ثمّة غايةٌ مقصودة من ورائه — سواءٌ للمتكلّم أو للمستمع. فإن لم تكن موجودة أو لم تكن واضحة، لم يكن ثمّة ثمرةٌ ولا نتيجة.
فابن القيم لم يؤلّف الكتاب لأنه يعرف أن يكتب، ولا لأنه مؤلّف، ولا ليحصّل مكاسب؛ وإنما صنّف لغاية: أن نعيش الذكر.
ولذلك قسّم الكتاب قسمين: قسمٌ في المقدّمات الطويلة عن أهمية الذكر، وقسمٌ في الأذكار نفسها والمساحة التي يشغلها الذكر في الواقع — أي كيف أَذكر الله في كلّ صفةٍ وموضعٍ ومجالٍ وعند كلّ حدث.
ثلاث خطوات لأيّ أمر
فإذا أردتَ أن تحملني على شيء، فأنت محتاجٌ أولًا أن تقول لي: لماذا هذا الشيء؟ ثم تقول لي: ما هو؟ ثم تقول لي: كيف أُمارسه؟
فقبل أن أُقدم على شيءٍ يجب أن أعرف مدى أهميته بالنسبة لي؛ فإن لم يكن مهمًّا فما الداعي؟ وإن كان أقلّ أهميةً فالمفروض أن أُقدّم عليه ما هو أكثر أهميةً وأعظم فائدة. ثم: هذا الشيء المهمّ جدًّا — ما هو بالضبط؟ ما كنهه وحقيقته؟ ثم: كيف أُمارسه؟ وإن كانت في طريقي عقباتٌ تمنعني من الممارسة، فكيف أُزيلها؟
وقضية أهمية الذكر قضيةٌ معروفةٌ معلومة بالفعل. لكنّ الفرق بين هذا الكتاب وغيره أنه يُحاول أن يُساعد الإنسان على أن يُحقّق ذلك فعلًا. فلا يكفي أن أعرف أن ثمّة شيئًا صحيحًا؛ بل الأهمّ أن أُقدّم هذا الشيء الصحيح بصورةٍ تُعين الإنسان على أن يُمارسه ويتجاوب معه.
الفائدة الخامسة عشرة: يورث ذكر الله للعبد
الخامسة عشرة: أنه يورثه ذكرَ الله تعالى له، كما قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْالبقرة: ١٥٢. ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا.
وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «من ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ خيرٍ منهم» (متفق عليه).
فهو يتكلّم هنا عن أن الإنسان إذا كان الله في قلبه، كان في المقابل مذكورًا عند ربه تبارك وتعالى.
ثم أعلى من ذلك: إن بدأ يُذكّر الناس بالله، أو يُحاول أن يُقرّبهم منه، أو يُشعرهم بعظمته — كانت المكافأة الإلهية أن يُنوّه الله باسمه ويُثني عليه في الملأ الأعلى من الملائكة.
السادسة عشرة والسابعة عشرة: الحياة والقوت
السادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب. وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك؛ فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟
السابعة عشرة: أنه قوت القلب والروح؛ فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حِيل بينه وبين قوته.
وقفة: ما معنى «الحياة»؟
ومشكلتنا أن كثيرًا من المعاني القرآنية والإيمانية التي علّمنا الله إيّاها صارت بعيدةً أو غائبةً — لا عن الحياة فحسب، بل عن الإدراك. فالحياة مرحلةٌ تالية؛ أما أن يُدرك الإنسان أولًا فذلك هو الأصل.
فمفهوم «الحياة» حين يخطر على الأذهان ينصرف إلى كلّ ما يتعلّق بالمحسوس فقط: صورةٌ من صور الحركة والكلام والصياح — وهذه حياةٌ يشترك فيها الإنسان مع سائر الدوابّ.
فأين تكريم الله للإنسان وتفضيله؟ في الروح التي وهبها له وشرّفه بها: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَالحجر: ٢٩. فهذه الروح الشريفة تولّى الله سبحانه بنفسه أن يجعلها في هذا الجثمان الإنساني.
فإذًا الحياة تنقسم قسمين، والناس ينقسمون إلى أحياءٍ وموتى من حيث القلب والروح والمشاعر والوجدان: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰالروم: ٥٢، إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَالأنعام: ٣٦.
وقال: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَاالأنعام: ١٢٢. فقسّم الناس قسمين: ناسٌ كانوا أمواتًا فبعثهم الله، وناسٌ ما زالوا أمواتًا يغرقون في هذه الظلمات.
وماذا يترتّب على عدم الإدراك؟
فإذا كان الإنسان غير مُدركٍ لهذا أصلًا، فلن يبحث عنه ولن يشغله. لكنّ المشكلة أنه سيُعاني من آثاره وهو لا يدري.
فأنا أشعر بعدم الارتياح، وأشعر بشيءٍ من الضيق، وأشعر بالضنك الذي وصف الله به من أعرض عن ذكره: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًاطه: ١٢٤.
فأدور على العلاج — فأين أجده؟ ما دامت هذه الجهة غير موجودةٍ في إدراكي أصلًا، فسأدور عليه في مزيدٍ من الولوغ فيما أنا فيه — وهو الذي يزيدني سوءًا على سوء! فأنا أتخيّل أني لم أصل إلى المنسوب الكافي من المتعة، وبالتالي أحتاج أن أزيد؛ وكلّما زدتُ غرقتُ أكثر وتعبتُ أكثر.
فعظمة نعمة الله علينا بالقرآن أنه يُدرك به الإنسان معاني الإنسانية: ما أنا؟ وما طبيعتي وتركيبتي؟ وأين أسباب السعادة وأين أسباب الشقاوة؟ وما السبيل الذي أسلكه؟ وما النماذج التي تستحقّ أن أقتدي بها؟
فأول خطوةٍ في أن يعيش الإنسان حياةً حقيقية: أن يُدرك أصلًا معنى الحياة ومن أين تأتي.
الحياة والمحافظة عليها
فحياة الجسم لا تقوم إلا بالطعام والشراب. وكذلك الروح: هل مجرّد رزق الإنسان الحياة يكفل أن تبقى معه دائمًا، أم لا بدّ أن يستمرّ في تغذيتها لئلّا تذبل ثم تموت؟
فهو محتاجٌ إلى التغذية الدائمة. والذكر هو الذي يُعطي الحياة، وهو نفسه الذي يُحافظ عليها؛ فليست جهتين، وإنما هو شيءٌ واحد. والفرق إنما هو الاستدامة؛ فإن انقطع الذكر انقطعت الحياة.
غداء ابن تيمية
وحضرتُ شيخ الإسلام ابن تيمية مرّةً صلّى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريبٍ من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء سقطت قوّتي — أو كلامًا قريبًا من هذا.
وقال لي مرّة: لا أترك الذكر إلا بنيّة إجمام النفس وإراحتها؛ لأستعدّ بتلك الراحة لذكرٍ آخر — أو كلامًا هذا معناه.
فأيّ قوّةٍ يتكلّم عنها؟ قوّةٌ معنوية. فثمّة غذاءٌ حسّيّ تستمرّ به حياة الإنسان الحسّية، وغذاءٌ معنويّ تستمرّ به حياته المعنوية.
والحياة واستمرارها مرحلة، والقوّة التي يكتسبها الغذاء مرحلةٌ أعلى. فالإنسان قد يأكل قدرًا يعيش به ويمشي؛ لكنه لو أراد أن يقوى على أعمالٍ صعبة احتاج مستوًى أعلى من التغذية.
وابن تيمية يتصدّى لأمورٍ ومهامّ عظيمة: اجتذاب الناس إلى الله، والحرص على توجيههم وهدايتهم. فهذه وظيفةٌ تحتاج إلى زادٍ دائم بمستوًى معيّن؛ فلو لم يتناول زادًا بهذا المستوى ما استطاع أن يُكمل مهمّته، ولخارت قوّته عن حمل هذه الأثقال.
الوصال: امتداد الروح إلى البدن
وهو يتكلّم هنا عن معنًى حقيقي يمتدّ من الروح إلى البدن.
ولذلك لمّا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال قال: «إني لستُ كهيئتكم؛ إني أبيت عند ربي يُطعمني ويسقيني» (متفق عليه).
والوصال أن يصوم الإنسان يومين أو ثلاثةً أو أربعةً بلا فطر. وكان الصحابة رضي الله عنهم حريصين أشدّ الحرص على الاقتداء به في كلّ شيء؛ فلمّا رأوه يُواصل أرادوا أن يفعلوا مثله. فقال: لا تفعلوا. فأصرّوا — ولماذا أصرّوا؟ لأنهم ظنّوا أنه إنما نهاهم مزيدَ شفقةٍ ورحمة، فهو صلى الله عليه وسلم شديد الرحمة والشفقة بأصحابه؛ فظنّوا أنه لا يريدهم أن يتعبوا، وأنه يفعل شيئًا فيه خيرٌ ومزيدُ قربٍ من الله، فأرادوا أن يكونوا مثله.
فلمّا رآهم مصرّين قال: «من أراد أن يُواصل فليُواصل إلى السحَر». ثم واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: «لو تأخّر الهلال لزدتكم» — كالمُنكِّل بهم حين أبَوا أن ينتهوا.
فالمعنى: أن صلته بربه صلى الله عليه وسلم ومقدار ذكره واتصاله بالله يُعطيه غذاءً ينتقل من روحه إلى بدنه بشكلٍ حسّي، فلا يُحسّ بالجوع.
فهو صلى الله عليه وسلم يستقلّ بالمخزون الروحي بحيث يُغني عن المخزون المادّي الحسّي؛ ونحن لا نستطيع ذلك. فالعلّة ليست أن الصحابة كانوا أدنى، وإنما لأن عنده صلى الله عليه وسلم من الخواصّ ما ليس لغيره.
الثامنة عشرة: جلاء القلب من صدئه
الثامنة عشرة: أنه يورث جلاء القلب من صدئه؛ فإن لكلّ شيءٍ صدأً، وصدأُ القلب الغفلةُ والهوى، وجلاؤه الذكرُ والتوبةُ والاستغفار.
وقد تقدّم هذا المعنى عندما ذكر أن القلب مثل المرآة، وأنه إذا تراكمت عليه الغفلة والمعاصي اسودّ فتغيّر.
وقفة: المرآة واختلاف الرؤى
ووظيفة المرآة أن تُري الإنسان الحقائق والأمور على ما هي عليه. فإن كانت مغبّشةً أو مشوَّهة لم يرَ جيدًا، ورأى الأمور بصورةٍ مختلفة.
والصورة التي أُشاهدها في مرآتي هي بالنسبة لي حقيقةٌ يقينية لا أشكّ فيها. فلو حاولتَ أن تُقنعني بأن ما أُشاهده ليس حقيقيًّا لقلتُ: كيف؟!
ولذلك تختلف الرؤى بين الناس حول الحقيقة الواحدة: نحن نشهد حقائق واحدة، وكلٌّ منّا يراها بصورةٍ مختلفة بحسب مرآته، ثم يبني على ما رأى.
فلو أردنا أن نصل إلى صورةٍ واحدة، فلا حلّ إلا تجلية المرآة. فلا تقل لي: «اقتنع أني رأيتُ الصواب»؛ بل امسح مرآتي وقل لي: انظر الآن. فحينئذٍ سأكتشف أن ما كنتَ تقوله هو حقيقة الواقع، وأني كنتُ لا أُبصر جيدًا.
فما دامت مرآتي غير مجلوّة، فلا تُحاول أن تُقنعني بوجهة نظرك؛ لن أقتنع. فما دام ما تقوله يُخالف ما رأيتُه بعيني وأنا موقنٌ به، فكيف أنزل على كلامك؟
ولذلك نرى شخصًا تتغيّر وجهة نظره تجاه أشياء بلا مناقشة — بمجرّد أن ترتقي صلته بربه؛ فيقوى جانب الروح عنده ويطهر القلب، فتتغيّر رؤيته وتوجّهه وميله النفسي، وتتغيّر القِبلة التي كان يستقبلها.
التاسعة عشرة: يحطّ الخطايا
التاسعة عشرة: أنه يحطّ الخطايا ويُذهبها؛ فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات يُذهبن السيئات.
قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِهود: ١١٤. فكلّما أكثر الإنسان من ذكر الله كان ذلك جلاءً وتطهيرًا وإذهابًا لأثر المعاصي والخطايا.
العشرون: يُزيل الوحشة
العشرون: أنه يُزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى؛ فإن الغافل بينه وبين الله عز وجل وحشةٌ لا تزول إلا بالذكر.
والوحشة أن تكون في وسط الناس فلا تُحسّ بالتواصل معهم؛ فترى من حولك يتحرّكون ويتكلّمون وأنت تشعر بغربةٍ شديدة، وتحسّ أنك وحيد، وأن هذا الشعور يُزعجك.
والوحشة التي يتحدّث عنها هنا: أن يجد الإنسان القرآن ثقيلًا عليه، أو الصلاة كذلك؛ فيشعر بشيءٍ من التحجّر والقسوة.
فالإنسان مع الوقت — إن غلبت عليه الغفلة أو المخالفة أو التقصير — يُصيب قلبَه قدرٌ من التحجّر. فإذا أراد أن يُليّنه أو يُحييه فليس أقدر على ذلك من الذكر.
فالذكر هو الخطوة الأولى والمُمهِّد الذي يُوصل الإنسان إلى إعادة بناء صلته بربه — وهو أيسر شيءٍ وأقلّه، وأسرع ما يتجاوب معه القلب. لكنه يحتاج قدرًا من المداومة والصبر؛ فقد لا يتجاوب سريعًا حتى تستمرّ الصلة فيقع التجاوب.
الحادية والعشرون: يُذكّر بصاحبه عند الشدّة
الحادية والعشرون: أن ما يَذكر به العبدُ ربَّه عز وجل من جلاله وتسبيحه وتحميده يُذكّر بصاحبه عند الشدّة.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تذكرون من جلال الله من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، يتعاطفن حول العرش، لهنّ دويٌّ كدويّ النحل، تُذكّر بصاحبها. أما يحبّ أحدكم أن يكون له عند الله ما يُذكّر به؟» (رواه أحمد).
فتأمّل: هذه الكلمات التي يذكر بها الإنسان ربه في هذه الأرض تصعد فوق السماوات، فتطوف حول عرش الرحمن سبحانه — كما يطوف الطائف ببيت الله في الأرض، وكما تطوف الملائكة بالبيت المعمور في السماء. فثمّة طوافٌ للإنسان في الأرض، وطوافٌ للملائكة في السماء، وفوق ذلك هذا الطواف عند سقف المخلوقات.
فهذه الكلمات تصعد وتظلّ تطوف حول العرش، وتُحدث صوتًا يُذكّر في هذا المحلّ الفاضل بهذا العبد.
لكن أيّ ذكرٍ يرقى؟
ولاحظ التقييد: «ما تذكرون من جلال الله». فليست كلّ صورةٍ من صور الذكر التي تُقال باللسان ترقى إلى هذا المحلّ؛ وإنما هو الذكر الذي يستحضر فيه الإنسان عظمة صاحب العرش سبحانه.
ولذلك حين يصير الذكر تمتمةً — أو أسوأ من ذلك: هزوًا ولعبًا، أو رقصًا أو تمثيلًا يُعتبر ذكرًا — فهذا أعلى قدرٍ من الاستهانة، ويحتاج إلى الاستغفار.
قال تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًاالأنعام: ٧٠.
وأسوأ ما يكون أن يُتّخذ الدين نفسه مادّةً للهزو. فأن يستهزئ به غيرُ المتديّن صورةٌ من صور الاستهزاء — كما قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًاالمائدة: ٥٨. لكنّ الأصعب أن يتّخذ صاحبُ الدين دينَه هزوًا ولعبًا؛ بمعنى أنه لا يُقدّره حقّ قدره ولا يستشعر عظمته، فيصير كاللعب العادي.
وهذا ربما كان أسوأ؛ فإن الهزو بالشيء من داخله أصعب من الهزو به من خارجه.
الثانية والعشرون: تعرّف إلى الله في الرخاء
الثانية والعشرون: أن العبد إذا تعرّف إلى الله تعالى بذكره في الرخاء عرفه في الشدة.
وقد جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» (رواه أحمد والترمذي).
وقد ذكرنا قبل ذلك مرّتين في خطبتين قصة يونس عليه السلام وتسبيحه؛ قال تعالى: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَالصافات: ١٤٣–١٤٤.
فسَبْقُ التسبيح والعبادة والذكر في حال السَّعة كان من الأسباب الأساسية العظيمة في أن ينتشل الله الإنسان من الشدّة والكربة إذا وقع فيها.
«صوتٌ معروف من عبدٍ معروف»
وقد جاء في الأثر: أن العبد المطيع الذاكر لله تعالى إذا أصابته شدّةٌ أو سأل الله تعالى حاجة، قالت الملائكة: يا ربّ، صوتٌ معروفٌ من عبدٍ معروف. والغافل المعرض عن الله عز وجل إذا دعاه وسأله، قالت الملائكة: يا ربّ، صوتٌ منكرٌ من عبدٍ منكر.
وقال سلمان رضي الله عنه: إذا كان العبد يذكر الله في السرّاء ويحمده في الرخاء، فأصابه ضرٌّ فدعا الله، قالت الملائكة: صوتٌ معروف. فيشفعون له. وإذا كان العبد لا يذكر الله في السرّاء ولا يحمده في الرخاء، فأصابه ضرٌّ فدعا الله، قالت الملائكة: صوتٌ منكر. فلا يُشفَع له.
فالمعنى: أن الإنسان حين يضع لنفسه رصيدًا من الخير، ينفعه هذا الرصيد حين يحتاج إليه. ولا يخلو أحدٌ في هذه الدنيا من المضايق المادّية والنفسية؛ فإذا وقع في مضيقٍ منها كان ذكرُه وعبادتُه وطاعتُه هي التي تنتشله وتجعل تلبية دعائه يسيرةً قريبة.
وقفة: ما المعروف وما المنكر؟
وثمّة معنًى في التعبير نفسه: «معروف» و«منكر».
فأنا أقول عن شخص: هذا معروف — أي أعرفه باسمه ووصفه وصوته. وثمّة ناسٌ غير معروفين.
والناس يحبّون أن يكونوا معروفين مشهورين. فقارِن بين المعرفة في الأرض والمعرفة في السماء!
ويُحكى أن بعض تلاميذ الخطيب البغدادي — صاحب «تاريخ بغداد»، وقد ترجم فيه لكلّ من حلّ بهذه المدينة من المشاهير — سُئل أحدهم: هل ذُكر فلانٌ في الكتاب؟ فقال: لا. وهذه في ذاتها صعبة؛ إذ معناها أنه أحصى وحفظ وتذكّر كلّ الأسماء الواردة في كتابٍ ضخمٍ جدًّا، وأنه متأكّدٌ أن اسم فلانٍ لم يرد فيه.
وكلّما زاد استخدام الإنسان للتقنيات واعتماده عليها، ضمُر عقله وذهنه وتركيزه وذاكرته.
وكان بعضهم يقول: «اذكروني ولو في الكذّابين»! أي: المهمّ أن يأتي اسمي — ولو في باب الجرح.
فهذا هو الذكر في الأرض. وهنا يتكلّم عن شيءٍ في العالم الأعلى ربما لم يخطر على ذهن الإنسان أصلًا: أن يكون له مكانٌ ومنزلةٌ في هذا الملأ الأعلى.
المعروف: ما تألفه النفس
وأما الوجه الثاني في التعبير: فالمعروف ما يألفه الإنسان، والمنكر ما يستغربه ويستنكره.
ولذلك جاء الوصف في كتاب الله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْالأعراف: ١٥٧.
فهذه وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم في خمسة أمور، جاءت في أزواجٍ متقابلة: أمرٌ يقابله نهي، وحلالٌ يقابله حرام، وطيّباتٌ يقابلها خبائث؛ ثم وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ — وهو التخفيف، ولا مقابل له.
فلماذا سُمّي المأمور به «معروفًا» والمنهيّ عنه «منكرًا»؟ لأن المعروف هو ما يعرفه الإنسان بطبعه ويألفه — يعرفه بالفطرة التي فطره الله عليها وبالعقل؛ والمنكر يستنكره بالفطرة، وبعضه يُدركه بواسطة الخبرة والتجربة.
فالعقل يُدرك بعض الحُسن والقُبح، وثمّة أشياء تحتاج ممارسةً حتى يُدرك الإنسان مشكلتها. ولذلك في قصة آدم عليه السلام: لم يكن ضرر الشجرة ظاهرًا له إلا بالنهي الإلهي ويقينِه بحكمة هذا النهي؛ فلمّا ذاق منها بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا — فأدرك المشكلة، لكن بعد وقوعها.
انقلاب الميزان
فإذا تراكمت المخالفات، صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.
أي أن الشيء الذي كان المفروض أن آلفه صرتُ أستغربه وأستثقله، والشيء الذي كنتُ أنفر منه صار — من كثرة إلفي له واعتيادي عليه — عاديًّا بالنسبة لي لا أُحسّ أن فيه مشكلة.
فمن اعتاد الإقامة في مكانٍ قذر صارت رائحته عنده عادية لا تُزعجه؛ بينما الذي يدخله أول مرّة لا يكاد يحتمل. فبالاعتياد تختلف عند الإنسان الأمور.
فإن أردتَ أن تُعيدني إلى الصواب، فأنت تريد أن تُعيدني إلى الصفاء الأصلي — إلى أصل الفطرة؛ فحينئذٍ أَألف ما ينبغي أن يُؤلَف وأستنكر ما ينبغي أن يُستنكر. وهذه هي قضية تجلية القلب وتطهيره التي تكلّمنا عنها.
الكوز المُجخّي
ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم القلب المفتون بأنه «كالكوز مُجخّيًا» — أي كالإناء المقلوب.
فالإناء المعتدل تضع فيه ما شئت من الطعام والشراب فيُنتفع به. فإذا قُلب لم يعد فيه فائدة. وأنت في المؤتمرات إذا كان أمامك كأسٌ ولا تريد أن تشرب، تقلبه — إشارةً إلى أنك لا تريد أن يُوضع فيه شيء.
فالمنافق إذا قلب الكوز فهو لا يريد أن يُصدَّع؛ هو مرتاحٌ هكذا وقد ضبط نفسه. وأثر ذلك: «لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه».
فأنت تريد أن تُوصل إليه شيئًا وهو لا يُمكّنك. فما المهمّة إذًا؟ أن تُقنعه أن يعدل الكوز. فإن ظلّ مقلوبًا فلا يصحّ أن تصبّ؛ لأنك ستصبّ على الأرض — وقيمة الدين لا يجوز أن تُنزَّل هذا التنزيل. فتجاوزتُ إذًا مرحلة: أن أُقنعه بأن يعدل الكوز.
الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون
الثالثة والعشرون: أنه من أنجى من عذاب الله تعالى. كما قال معاذ رضي الله عنه: ما عمل آدميٌّ عملًا قطّ أنجى له من عذاب الله عز وجل من ذكر الله تعالى.
الرابعة والعشرون: أنه سببٌ لتنزّل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكر — كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
الخامسة والعشرون: يشغل اللسان عن الباطل
الخامسة والعشرون: أنه سببٌ لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل؛ فإن العبد لا بدّ له من أن يتكلّم. فإن لم يتكلّم بذكر الله تعالى وذكر أوامره، تكلّم بهذه المحرّمات أو ببعضها، ولا سبيل إلى السلامة منها البتّة إلا بذكر الله تعالى.
وقد دلّت المشاهدة والتجربة على ذلك: فمن عوّد لسانه ذكر الله صان الله لسانه عن الباطل واللغو، ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطّب بكلّ باطلٍ ولغوٍ وفحش — ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقفة: «حارث وهمّام»
وقد قال صلى الله عليه وسلم في ذكر خصائص الإنسان اللازمة: «أصدق الأسماء: حارث وهمّام» (رواه أبو داود).
وهذا يدلّ على أصل الطبيعة الإنسانية؛ فثمّة أشياء لا ينفكّ عنها الإنسان أبدًا.
فالمفكّرون والفلاسفة يبحثون دائمًا عن تعريف الإنسان: «حيوانٌ ناطق»، «حيوانٌ مدنيّ»، «حيوانٌ اجتماعي» — أي كائنٌ حيّ متّصلٌ بصفةٍ لازمةٍ فيه لا تتبدّل ولا تتغيّر.
فهنا وُصف الإنسان بأنه حارثٌ وهمّام: فـ«حارث» أي عاملٌ بجوارحه على الدوام، و«همّام» أي عنده تفكيرٌ واهتمامٌ وهمٌّ لفعل الشيء في المستقبل. فأشياء في الداخل شغّالة، وأشياء في الخارج شغّالة.
فهل ينفكّ الإنسان عن هذا؟ لا. فإذا أردتُ أن أُوجّه الهموم إلى جهةٍ أفضل، وأن أُوجّه العمل إلى جهةٍ أفضل — فلا أستطيع أن أُحوّل الإنسان إلى كائنٍ سلبيّ؛ فذلك يعني أن يكون غير إنسان.
فأنت لا تستطيع أن تُوقفني؛ أنا متحرّكٌ على طول، وعندي أفكار وشواغل واهتماماتٌ وخططٌ مستقبلية — حتى لو كانت أمانيَّ لحياةٍ جديدة تشغلني. فإن رأيتَ أن ما أنا فيه ليس حسنًا، فستطلب مني أن أُفكّر باتجاهٍ آخر — لا أن أمتنع عن التفكير والانشغال.
فابن القيم يقول: أنا بطبعي أتكلّم، ولساني سيتحرّك. فلا تقل لي: أغلق فمك؛ بل وجّهني إلى جهةٍ أخرى.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق عليه). و«ليصمت» لا تعني أن يتوقّف تمامًا، بل أن يُوجّه عقله باتجاه التدبّر والتفكّر الذي أمر الله به.
خطر اللسان
واللسان طاقةٌ كبيرة جدًّا. فلو مشيتَ مسافةً طويلة في الطريق ذهابًا وإيابًا لتعبت؛ لكنّ الإنسان يتكلّم من التاسعة صباحًا إلى الثالثة فجرًا ولا يُحسّ بالتعب أصلًا. فهي طاقةٌ جبّارة.
ولذلك جاء في الحديث: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلّها تُكفّر اللسان، فتقول: اتّقِ الله فينا؛ فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا» (رواه الترمذي).
فكلّ صباحٍ تتوجّه جوارح الإنسان إلى لسانه فتُناشده. وهذا حوارٌ يجري يوميًّا ونحن لا نشعر به! فبينما الإنسان مشغولٌ بفنجان قهوته في الصباح، تدور أحداثٌ أخرى داخله وهو غافلٌ عنها.
وهذا من عظمة الوحي: أنه يُخبرنا عن أشياء تجري فينا لا سبيل إلى معرفتها إلا بهداية الله.
ثم إن الغيبة والنميمة والفحش من أنواع التدنّي الخُلُقي، وذكر الله من أنواع الرقيّ. فالإنسان إذا تعوّد الرقيّ استنكف وأنف أن يرجع فينزل تحت؛ لأنه عرف الفرق بين الحالين وعرف قيمة ذلك.
من السادسة والعشرين إلى التاسعة والعشرين
السادسة والعشرون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين. فليتخيّر العبد أعجبهما إليه وأولاهما به؛ فهو مع أهله في الدنيا والآخرة.
السابعة والعشرون: أنه يُسعد الذاكرَ بذكره ويُسعد به جليسَه؛ فهو المبارك أينما كان. والغافل اللاغي يشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مجالسُه.
الثامنة والعشرون: أنه يُؤمّن العبد من الحسرة يوم القيامة؛ فإن كلّ مجلسٍ لا يذكر العبد فيه ربه تبارك وتعالى كان عليه حسرةً وتِرة.
التاسعة والعشرون: أنه مع البكاء في الخلوة سببٌ لإظلال الله تعالى العبدَ يوم الحرّ الأكبر في ظلّ عرشه؛ والناس في حرّ الشمس قد صهرتهم في الموقف، وهذا الذاكر مستظلٌّ بعرش الرحمن جلّ وعلا. كما في الحديث: «ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».
الثلاثون: «من شغله ذكري عن مسألتي»
الثلاثون: أن الاشتغال به سببٌ لعطاء الله الذاكرَ أفضلَ ما يُعطي السائلين. وقد رُوي في أثر: قال الله سبحانه وتعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أُعطي السائلين».
وقفة: هل هذا على الإطلاق؟
وهذا على العموم لا على الإطلاق. أي أنه الوضع الأغلب والأفضل؛ لكنه ليس دائمًا. فالإنسان تعتريه حاجاتٌ ملحّة تشغله ولا يستطيع أن يتجاهلها؛ فإذا اعترته نزّل حاجته بالله سبحانه — وهذا هو الطبيعي، وإلى مَن يذهب غيره؟
فلا بدّ للإنسان من سؤال. ولو أخذنا هذا الأثر على الإطلاق لوقعت مشكلة.
وهذه نقطةٌ مهمّة: فمن نعمة الله على الإنسان بالفقه أن يُدرك المعاني العميقة للأشياء ويُدرك الروابط بينها. فلو أخذتُ النصوص منفصلًا بعضها عن بعض، ولم أنظر إليها في إطارٍ عامّ يجمعها ويضمّ بعضها إلى بعض، وقعت في مشكلة؛ لأني لن أعرف كيف أُوفّق بينها.
فالدين كلّه منطقةٌ واحدة متركّبة، وكلّ شيءٍ في مكانه. فإذا رأيتُ الصورة كليّةً استطعتُ أن أُمارس الدين بشكلٍ صحيح. وإذا لم أرَها اضطربتُ ولم أعرف كيف أُوفّق بين المبادئ والاتجاهات — بل ربما ضرب الناس كتاب الله بعضه ببعض؛ لا لسوء نيّة، وإنما لأنهم لا يعرفون كيف يُوفّقون.
مثالٌ يُوضّح
فالأصل العامّ: أن انشغال الإنسان بذكر الله أفضل. فإن كان الذي سيسأله شيئًا يسيرًا — كأن يقول: يا ربّ أريد قطعة شوكولاتة — فأيّهما أفضل: أن يقول «سبحان الله والحمد لله»، أم أن يقول «يا ربّ أريد شوكولاتة»؟
لا شكّ أن التسبيح أفضل؛ فأنا وضعتُ كلامي وتوجّهي في المحلّ الأفضل. وهو يعلم حاجتي وسيكفيني.
ثم إنه سيُعطيني على وفق كرمه وإحسانه، لا على وفق عقلي المحدود ورؤيتي القاصرة — وشتّان بين العطاءين.
وشاهدُه حديث آخر أهل الجنة دخولًا؛ يقول الله له: تمنّ. فيتمنّى حتى تنقطع به الأماني — أي حتى لا يبقى في ذهنه شيءٌ آخر يعرفه أو يتخيّل وجوده. فيقول الله له: لك ذلك ومثله معه (متفق عليه).
فالإنسان إنما يطلب في حدود ما يعرف. فمن كان أقصى ما يعرفه شيئًا بسيطًا، طلبه؛ ولو كان يعلم ما وراءه لطلب ما هو أعلى. فالله سبحانه يُعطيه على وفق علمه وفضله وكرمه.
ومتى يكون الدعاء أفضل؟
لكن أحيانًا تعتري الإنسان حاجاتٌ ضرورية: وجعٌ شديد، أو همٌّ مسيطر. فهذا يستولي على شعوره؛ فربما كان الدعاء هنا أفضل — لأنه في هذه الحال يستشعر عظمة الله وحاجته إليه أكثر بكثير. فحين يقول «يا ربّ» في هذه اللحظة، يقولها بلَهَجٍ من داخله لا يُقال في الأوضاع العادية.
وأمرٌ ثالث: الدور الاجتماعي
وثمّة نقطةٌ مهمّة جدًّا: أن الإنسان بطبيعته اجتماعي، وأن الدين منهجٌ اجتماعي. ولذلك عاتب الله من لا يقوم بدوره الاجتماعي الواجب تجاه الناس.
ففي الحديث القدسي: «يا ابن آدم، استطعمتُك فلم تُطعمني». فيقول: يا ربّ، كيف أُطعمك وأنت ربّ العالمين؟ فيقول: «أما علمتَ أنه استطعمك عبدي فلانٌ فلم تُطعمه؟ أما علمتَ أنك لو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندي؟» ثم ذكر المريض فقال: «أما علمتَ أنك لو عُدتَه لوجدتني عنده؟» (رواه مسلم).
ولاحظ الفرق في التعبير: في المريض قال «لوجدتني عنده»؛ لأن المريض يستحضر حاجته إلى الله، ويلهج لسانه بذكره وطلبه — فيكون حضور الله في قلبه حضورًا عاليًا جدًّا. فمن ذهب إليه أدرك ذلك.
الحادية والثلاثون: أيسر العبادات وأجلّها
الحادية والثلاثون: أنه أيسر العبادات، وهو من أجلّها وأفضلها؛ فإن حركة اللسان أخفّ حركات الجوارح وأيسرها. ولو تحرّك عضوٌ من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشقّ عليه غاية المشقّة، بل لا يمكنه ذلك.
الثانية والثلاثون: غراس الجنة
الثانية والثلاثون: أنه غراس الجنة.
روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيتُ إبراهيم عليه السلام ليلة أُسري بي فقال: يا محمد، أقرئ أمّتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيّبة التربة، عذبة الماء، وأنها قِيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».
فالجنة قِيعان — أي أرضٌ خالية مستوية، وتربتها طيّبة وماؤها عذب. فما الذي يُزرع فيها؟ هذه الكلمات.
وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: سبحان الله وبحمده، غُرست له نخلةٌ في الجنة» (رواه الترمذي).
الثالثة والثلاثون: عطاءٌ لم يُرتَّب على غيره
الثالثة والثلاثون: أن العطاء والفضل الذي رُتّب عليه لم يُرتّب على غيره من الأعمال.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيءٍ قدير — في يومٍ مئة مرّة، كانت له عَدْلَ عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيّئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل ممّا جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر منه. ومن قال: سبحان الله وبحمده — في يومٍ مئة مرّة، حُطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر».
و«مثل زبد البحر» أي فيما لا يُحصى كثرة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر — أحبُّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس».
وفي الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يُصبح أو يُمسي: اللهم إني أصبحتُ أُشهدك، وأُشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك — أعتق الله رُبعه من النار. ومن قالها مرّتين أعتق الله نصفه من النار. ومن قالها ثلاثًا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار. ومن قالها أربعًا أعتقه الله من النار».
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.