المراحل الأربع
نحن منذ فترةٍ نتكلّم عن قصة ذي الكفل مع كنعان الملك، وكيف جعله الله سببًا لهدايته. ونستطيع أن نقسّم مجريات القصة إلى أربع مراحل؛ وقد تكلّمنا عن الأولى في المرة الماضية، ونعود إليها اليوم بتفصيلٍ أكثر.
نصّ الحوار
لمّا أتى به إلى الملك قال: ما هذا الذي بلغني عنك أنك تعبد غيري؟
فقال ذو الكفل: اسمع مني وتفهّم ولا تغضب؛ فإن الغضب عدوّ نفسه، يحول بينها وبين الحقّ ويدعوها إلى هواها. وينبغي لمن قدر ألّا يغضب؛ فإنه قادرٌ على ما يريد.
قال: تكلّم. فتكلّم ذو الكفل، وافتتح الكلام بذكر الله عز وجل والحمد لله، ثم قال: أتزعم أنك إله؟ فإلهُ من تملك، أم إلهُ جميع الخلق؟ فإن كنتَ إلهَ من تملك فإن لك شريكًا فيما لا تملك، وإن كنتَ إلهَ الخلق فمن إلهك؟
فقال: ويحك! فمن إلهي؟
قال: إله السماء والأرض وهو خالقهما، وهذه الشمس والقمر والنجوم. فاتّقِ الله واحذر عقوبته؛ فإن أنت عبدتَه ووحّدتَه رجوتُ لك ثوابًا والخلود في جواره.
فقال الملك: أخبرني، من عبد إلهك فما جزاؤه؟ قال: الجنة إذا مات. ثم وصفها له.
قال: فما جزاء من لم يعبده؟ قال: النار. ثم وصفها له. فبكى الملك.
فقال: إن أنا آمنتُ بالله فما لي؟ قال: الجنة. قال: فمن لي بذلك؟ قال: أنا لك الكفيل، وأكتب لك على الله تبارك وتعالى كتابًا.
المرحلة الأولى: التهيئة
فأول شيءٍ فعله ذو الكفل: التهيئة. ومعناها أن أُهيّئ أرضيةً أو أُرتّب وضعًا يسمح بأن يُسمع الكلام ويُتقبّل.
وقد ذكرنا في المرة الماضية قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان» — وهذه تهيئةٌ للصلاة، حتى أُصلّي الصلاة التي ينبغي أن أُصلّيها.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» (متفق عليه). وتكلّم العلماء على أن العلّة ليست الغضب وحده، بل كلّ ما يُشوّش العقل: حالة الانفعال أو التوتّر أو ما يشبهها. فمن كان كذلك لم يستطع أن يتّخذ قرارًا يتّسم بالحكمة والاتّزان والعدل.
فالمنع من القضاء حال الغضب مقصوده أن يكون القاضي في حالةٍ مهيّأةٍ ينظر فيها بتؤدةٍ وتأمّل. وهذا أصلٌ في كلّ شيء: أيّ عملٍ تريد أن تعمله يحتاج إلى تهيئةٍ وتوفير الجوّ المناسب له.
«قل إنما أعظكم بواحدة»
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍسبأ: ٤٦.
فالله يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوجّه خطابه إلى أهل الإشراك والإعراض والعناد. فماذا يأمرهم؟
«أعظكم» — ولماذا عبّر بالموعظة ولم يقل «آمركم»؟ لأن الموعظة تحمل معنى الشفقة؛ فهي خطابٌ يخاطب قلب الإنسان ويحمل شعور النصيحة والرغبة في الخير. فالمفروض أن يكون ردّ فعلي حين أسمعها قدرًا من التقبّل؛ لأن المتكلّم يريد لي الخير.
«بواحدة» — أي: لن أُثقل عليك؛ طلبٌ واحدٌ لا أكثر. فأنا حين أُوجّه إلى أحدٍ خطابًا يحمل معنى النصح والهداية، لا أُطيل عليه ولا أُزعجه؛ شيءٌ واحدٌ فقط.
«أن تقوموا» — والقيام يدلّ على الاجتهاد؛ يقال: قام فلانٌ بالأمر، أي اجتهد فيه. فالمطلوب أولًا الحرص على إدراك الحقيقة. فإن كان الأمر لا يشغلني ولا يهمّني فلن أصل إلى شيء.
«لله» — أي الإخلاص في إرادة الحقّ الذي يوافق مراد الله.
«مثنى وفرادى» — أي في هدوء: إمّا أن يجلس المرء وحده يتفكّر، وإمّا أن يُناقش واحدًا بعيدًا عن الضوضاء والصخب. فمن أراد أن يصل إلى حقيقةٍ فلا بدّ من جوٍّ يسمح بذلك؛ فأمّا في الهرج والصياح فلا يصل أحدٌ إلى شيء.
«ثم تتفكّروا» — فبعد أن هُيّئ الجوّ يأتي العمل: أن يُعمل الذهن.
والتفكير عمليةٌ مُرهقة؛ ولذلك يكسل عنها كثيرون. فالإنسان يريد أن يُقال له الكلام جاهزًا في صورة حكاية: احكِ لي ولا تُتعبني.
«ما بصاحبكم من جِنّة»
ثم: يتفكّرون في ماذا؟ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ.
ولاحظ كلمة «صاحبكم» — لم يقل «محمد» ولا «الرسول»؛ لأن الصحبة الطويلة هي الحجّة. فقد عاش بينهم أربعين سنة معروفًا بصفاتٍ معيّنة: أخلاقٍ فاضلة، وإحسانٍ وبذلٍ وصدقٍ وأمانة. والمفروض أن الناس كلّما طال بهم العهد ازدادوا ثقةً به لا العكس.
وقال تعالى: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَيونس: ١٦.
سورة التكوير: منهج التلقّي
وقال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَالتكوير: ١٩–٢٩.
فهنا يصف الله جبريل عليه السلام — وهو الناقل الذي لا نعرفه؛ فأحال في تعريفه على الصفات: كَرِيمٍ فيتنزّه عن ألّا يقوم بالأمانة، ذِي قُوَّةٍ لأن الأمانة ثقيلة، عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أي له مكانة، مُّطَاعٍ في الملأ الأعلى، ثم أَمِينٍ وهو الوصف الأخصّ بالنقل.
ثم انتقل إلى الناقل الذي نعرفه — النبي صلى الله عليه وسلم — فقال: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍالتكوير: ٢٢. ثم أثبت اللقاء المباشر: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِالتكوير: ٢٣. ثم نفى التهمة: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍالتكوير: ٢٤ — أي ليس ببخيلٍ بما أُوحي إليه، وفي قراءةٍ أخرى: ليس بمتّهمٍ أن يُغيّر أو يُحرّف.
ثم انتقل إلى المضمون: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍالتكوير: ٢٥ — فهذا الكلام لا يمكن أن يكون كلام بشر، ولا من وحي الشياطين.
ثم: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ — أي فلماذا تهربون؟ وأين تذهب عقولكم؟
وقفة: منهج نقل الدين
فهذه الآيات تضع أصلًا في منهج التلقّي: أن ثمّة معرفةً بالناقلين، وأن الأمر ليس عشوائيًّا. فليس في الدين شيءٌ يأخذ الشكل العشوائي.
ومن هنا جاء في علم الحديث شرطان لقبول الرواية: العدالة والضبط. فلا بدّ أن يكون الراوي متحرّيًا للصدق، وأن يضبط الكلام ويحفظه بنصّه. فقد يكون الرجل أمينًا لا تُنكَر أمانته، لكنه لا يُركّز أو لا ينقل الكلام بنصّه أو لا يحفظ جيدًا؛ وهذا لا يصلح في الدين لأن كلّ حرفٍ له دلالة.
فإن لم أقبل خبر شخصٍ فليس ذلك طعنًا فيه ولا اتهامًا له بالكذب. وقد كان الإمام مالك رحمه الله يقول ما معناه: لقد أدركتُ في هذا المسجد سبعين ممّن يُستسقى بهم المطر — أي من الصالحين الذين يُرجى أن يستجيب الله لهم — ما أخذتُ عنهم شيئًا؛ لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
وقفة: الفجوة بين المنهج والواقع
ورغم هذا كلّه، فحياتنا عشوائية تمامًا! وثمّة قدرٌ كبير جدًّا من التناقض بين ما ينبغي أن نكون عليه وما هو كائنٌ بالفعل.
ولذلك قد تجد بعض العذر للناس الذين ينظرون إلى ديار الإسلام من خارجها فيُحيلون باللائمة على الإسلام؛ فيقولون: لو كان فيه خيرٌ ما كانوا على هذه الحال. وهذا كلامٌ منطقيّ في ظاهره؛ فالناس ينتمون إلى دينٍ ومبدأٍ وثقافة، فالطبيعي أن يكون سلوكهم نتاجًا لذلك.
ولذلك فكثيرٌ ممّن أسلموا في المجتمعات الغربية إنما تعرّفوا على الإسلام وحده قبل أن يُقابلوا أحدًا؛ ويقول أحدهم: لو رأيتُ الناس أولًا لقلتُ إن هذا لا يمكن أن يكون هو الدين.
والغالب أن الذين يُسلمون هناك أصحاب مستوًى ثقافي عالٍ؛ لأن مثل هذا يستطيع أن يُقيّم المبدأ كمبدأ بمعزلٍ عن البشر، وعنده ثقةٌ في قدرته على ذلك.
وأنت ترى هذا في حياتنا فعلًا: يجلس الطفل يقرأ في كتاب الدين الذي يُدرَّس له، ثم ينظر من الشبّاك فلا يعرف كيف يُوفّق بين الاثنين. بل ترى الكتاب نفسه يُوزَّع مختلفًا، والجُمل مختلفة، والأولاد في المدرسة الواحدة يقولون كلامًا متباينًا. فلا بدّ إذًا أن تكون عندنا موازين ومعايير لتقييم الأمور.
المرحلة الثانية: تحريك التفكير
فلمّا تقبّل الملك الكلام، بدأ ذو الكفل بذكر الله والحمد له، ثم بدأ بالأسئلة.
ولماذا بدأ بالأسئلة؟ لأنه يريد أن يُعمل الشخصُ ذهنَه ويُفكّر. والتفكير في مصلحة الإسلام لا ضدّه.
فقال: أتزعم أنك إله؟ فإلهُ من تملك أم إلهُ جميع الخلق؟ فإن كنتَ إلهَ من تملك فلك شريكٌ فيما لا تملك؛ وإن كنتَ إلهَ الخلق فمن إلهك؟
فقال: ويحك! فمن إلهي؟ — وظاهرٌ أنه لم يكن قد فكّر في هذا قطّ. فالمسألة عنده لم تُطرح أصلًا؛ فلمّا طُرحت أدرك هشاشة ما هو عليه.
فحين يُفكّر الإنسان يُدرك ضعف موقفه. فأنت لست بحاجةٍ إلى أن تُقنعه بشيء؛ يكفي أن تجعله يفكّر.
نموذجٌ موازٍ: عديّ بن حاتم
وقد ذكرنا أكثر من مرّة كيف أدار النبي صلى الله عليه وسلم الحوار مع عديّ بن حاتم رضي الله عنه بصورةٍ مرتّبة.
وهو جاء على خلفيةٍ معيّنة: فقد أصابت سريّةٌ من المسلمين أختَه سفانة بنت حاتم في السبي. فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد وغاب الوافد؛ فامنُنْ عليّ منّ الله عليك. فقال: «ومن وافدك؟» قالت: عديّ بن حاتم. قال: «الفارّ من الله ورسوله» — ثم مضى.
ثم في اليوم الثاني قالت مثل ذلك، فقال مثل ذلك. ثم في اليوم الثالث استحيت فلم تتكلّم؛ فأشار إليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن كلّميه. فتكلّمت فقال: «قد فعلت». ثم أمرها أن تنتظر حتى تأتي قافلةٌ تُوصلها، ولم يشأ أن يُرسلها وحدها.
فذهبت إلى أخيها وقد كان قد فرّ إلى الشام، وترك أهله ومضى. فقالت له ما قالت، ثم أشارت عليه أن يذهب إليه.
فتأمّل: أول ما جاء عديٌّ جاء على خلفيةٍ من البرّ والإحسان وكرم الأخلاق — أي بانطباعٍ إيجابيّ سابقٍ للقاء.
الاستقبال
ثم لمّا جاء المدينة — وهو رجلٌ ذو شخصيةٍ مشهورة وزعيمُ قبيلة — أدخله النبي صلى الله عليه وسلم بيته، فألقى إليه وسادةً وقال: اجلس عليها. فقال: بل أنت. فقال: بل أنت. فجلس عليها عديّ، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض.
فقال عديّ في نفسه: والله ما هذا بأمر مَلِك. — أي أن صاحب الدعوة لو كان يريد المُلك والسيطرة على الناس لكان يتعظّم ويطلب المكانة والحاشية. أما هذا فيجلس على الأرض ويُعطي الوسادة لرجلٍ ليس على دينه ولا داخلًا في سلطانه.
ثم رأى بيتًا ليس فيه إلا القليل، فازداد يقينًا.
مضمون الرسالة
ثم قال له صلى الله عليه وسلم: «يا عديّ، ما يُفرّك؟ أيُفرّك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إلهٍ سوى الله؟» قال: لا. ثم قال: «أيُفرّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟» قال: لا.
فتأمّل: هذا هو مضمون الرسالة الواضح البسيط الذي يستفزّ فطرة الإنسان. فأنا أُوجّه الخطاب إلى الناس بكلمتين: لا إله إلا الله، والله أكبر. فهل في هذا ما يُزعجك؟ هل تعرف إلهًا غير الله؟ هل تعرف أكبر من الله؟
فالدين عبارة عن هذه الكلمات البسيطة: تعظيم الإنسان لله، وارتباطه به، والتزامه بمنهاجه — وهو الذي يُحقّق له السعادة في الدنيا والآخرة. لا شيء آخر.
مستوى العلم والدراية
ثم قال له: «يا عديّ، ألستَ رَكوسيًّا؟» — وهي طائفةٌ بين النصرانية والصابئة. قال: بلى. قال: «أولستَ تَرْأَس قومك؟» قال: بلى. قال: «أولستَ تأكل المِرباع؟» — أي ربع الغنيمة يأخذه رئيس القوم قبل القسمة. قال: بلى. قال: «فإن ذلك لا يحلّ لك في دينك».
فتأمّل: عديٌّ كان يستعلي بما عنده من علمٍ ومعرفة؛ يقول في نفسه: هؤلاء يعبدون الأصنام ولا يفهمون، أما أنا فداخلٌ في دينٍ له كتاب. فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم بما هو أعلى: أنا أعرف ملّتك وأحكامها، وأعرف أنك تُخالفها.
فهذه مرحلةٌ رابعة: أن يكون عندي مستوًى من العلم والفهم والدراية يُمكّنني من مناقشة ثقافاتٍ مختلفة وأفكارٍ مختلفة، بلا عجزٍ عن الإدراك أو المناقشة.
وأعمق من ذلك: فهم النفسيات
ثم قال له: «لعلّه إنما يمنعك من دخول هذا الدين ما ترى من حاجتهم؛ فوالله ليُوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه. ولعلّه إنما يمنعك ما ترى من كثرة عدوّهم وقلّة عددهم؛ فوالله ليُوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف أحدًا. ولعلّه إنما يمنعك أنك ترى أن المُلك والسلطان في غيرهم؛ وايمُ الله ليُوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم».
فتأمّل هذه المرحلة الأعمق: القدرة على فهم نفسيات الناس.
فهو يقول له: أنت لا تهرب لأنك غير مؤمنٍ بالمضمون؛ بل أنت مقتنعٌ أنه صحيح. وإنما تهرب لأسبابٍ واقعية: أنك ترى بالحسبة العقلية أن ارتباطك بهذا الدين خطأٌ في السياسة.
فوضع يده على أصل المشكلة، ثم عالجها. وقال له: «إن رأيتَ هؤلاء جمعًا قليلًا ورأيتَ الناس عليهم قلبًا واحدة» — أي: أنت ترى العرب ومن وراءهم متّحدين ضدّهم؛ فليس من المنطق أن تركب في مركبٍ كهذه.
البشارات الثلاث
وفي هذه البشارات معنيان معًا:
الأول: البشارة بأن الإسلام سيظهر قريبًا؛ فانضمامك إليه ليس خطأً في الحساب.
الثاني: أن الإسلام يُشيع الأمن ويعمّ الناس بخيره. فإن كنتَ رجلًا صاحب قضيةٍ ومبدأ، فالمفروض أن تنضمّ إلى من يُريدون أن ينشروا الخير في المجتمع — سواءٌ كنتَ في الأعلى أو الأسفل.
وكان عديّ رضي الله عنه يقول بعد ذلك: فلقد رأيتُ الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف أحدًا، ولقد كنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياةٌ لتَرَوُنّ الثالثة.
الخلاصة: خمس درجات
فانظر كيف نقله من هنا إلى هناك:
الأولى: الانطباع السابق — سُمعةٌ من البرّ والإحسان وصلت إليه قبل اللقاء.
الثانية: حُسن الاستقبال والكرم البالغ والتواضع الشديد.
الثالثة: مضمونٌ إيمانيّ مؤثّر يستفزّ الفطرة.
الرابعة: مستوًى من العلم والدراية يُمكّن من مناقشة ما عنده.
الخامسة: فهم نفسيّته ومعالجة موانعه الواقعية.
البرهان أصلٌ في الدين
قال تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَالبقرة: ١١١، وقال: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِالمؤمنون: ١١٧، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًاالنساء: ١٧٤.
فكلّ شيءٍ لا بدّ أن تكون عليه حجّةٌ وبرهان — حتى قولك «الحقّ معي» يحتاج إلى برهان. والمفروض أن تكون القوّة في جانب الحقّ وفي جانب الدين.
الحجّة العقلية في القرآن
وثمّة دليلٌ عقلي ودليلٌ نقلي. فمن لم يؤمن بالقرآن لا تنفع معه الآيات باعتبارها آيات؛ لأنه لا يُقرّ أنها كلام الله. ولذلك ضمّن الله القرآن أصول الحجج العقلية.
قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَالطور: ٣٥–٣٦.
فالاحتمالات ثلاثة لا رابع لها: إمّا أن يكون هذا الكون وُجد بلا موجِد — وهذا يُنافي الفطرة والضرورة العقلية؛ فكلّ موجودٍ لا بدّ له من سابق عدم. وإمّا أن يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم — وهذا محال؛ إذ كيف يخلق المعدوم نفسه؟ وإمّا أن يكونوا هم الذين خلقوا السماوات والأرض — وهي أعظم منهم. فلم يبقَ إلا أن ثمّة خالقًا.
وقال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَالنمل: ٥٩–٦٠ — ثم تتوالى الآيات كلّها بصيغة الاستفهام لاستنطاق الناس.
المرحلة الثالثة: التعريف بالله والجزاء
فبعد التهيئة وتحريك التفكير، بدأ ذو الكفل يربطه بالله سبحانه.
فقال: إله السماء والأرض وهو خالقهما، وهذه الشمس والقمر والنجوم — فهذا التعريف بالله وبيان عظمته وعظم سلطانه.
ثم: فاتّقِ الله واحذر عقوبته — فهذا الأمر بالتقوى والنهي عن الولوغ فيما يُغضب الله.
ثم: فإن أنت عبدتَه ووحّدتَه رجوتُ لك ثوابًا والخلود في جواره — فهذه عاقبة العبادة والجزاء الحسن.
لا بدّ من التفصيل
ثم سأله: ما الجنة؟ فوصفها له وصفًا مفصّلًا: دارٌ خلقها الله بيده فجعلها مسكنًا لأوليائه؛ يبعثهم يوم القيامة شبابًا مُردًا أبناء ثلاثٍ وثلاثين سنة، فيدخلهم الجنة في نعيمٍ وخلود؛ شبابٌ لا يهرمون، مقيمون لا يظعنون، أحياءٌ لا يموتون، في نعيمٍ وسرورٍ وبهجة.
ثم سأله عن جزاء من لم يعبده، فوصف له النار: مقرَّنين مع الشياطين، مغلَّلين بالأصفاد، لا يموتون أبدًا، في عذابٍ مقيمٍ وهوانٍ طويل، تضربهم الزبانية بمقامع من حديد، طعامهم الزقّوم والضريع وشرابهم الحميم.
ولماذا لا بدّ من التفصيل؟ لأن الإيمان المجمَل — وهو جُملٌ عامّة — يصعب أن يُحيي قلب الإنسان، ويصعب أن يُواجه به الحياة المادّية التي يعيشها.
لماذا نُؤثر الدنيا؟
قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاالأعلى: ١٦، وقال: وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَايونس: ٧.
و«الإيثار» معناه تغليب شيءٍ على شيء؛ فمعنى أن يُؤثر الدنيا أن الآخرة موجودةٌ عنده لكنّ إحساسه بها ضعيف، وإحساسه بالدنيا قويّ — لأنها تُمثّل الحواسّ المسيطرة عليه: ما يرى ويسمع ويلمس ويشتهي.
فلكي يكون للآخرة قيمةٌ مؤثّرة، لا بدّ أن تتواجد في وجداني بشكلٍ كبير. ولكي يحصل ذلك لا بدّ أن أُفكّر فيها كثيرًا، وأن يكون مستوى معرفتي بها واسعًا يسمح بهذا التفكّر.
المرحلة الرابعة: اليقين
فبكى الملك — لمّا كان قد سبق له من الله خير.
لكنّ البكاء والتأثّر العاطفي لم يكن كافيًا لاتّخاذ الخطوة. فقال: إن أنا آمنتُ فما لي؟ قال: الجنة. قال: فمن لي بذلك؟
فهو محتاجٌ إلى شحنةٍ أخرى: إلى اليقين.
وقد وصف الله المتقين فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَالبقرة: ٣–٤. فذكر الإيمان مرّتين، فلمّا جاء إلى الآخرة قال: هُمْ يُوقِنُونَ؛ لأن الآخرة لا ينفع فيها إلا عمق اليقين.
وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَالمائدة: ٥٠. فاليقين هو الإيمان الكامل التامّ المستقرّ الذي لا يقبل الزعزعة ولا الاضطراب.
مثال المنجّد
والقلب أشبه بوعاءٍ فيه هواءٌ وفيه دين. فكلّما شحنتُ فيه دينًا قلّ الهواء؛ فيصير شيئًا متماسكًا مضغوطًا، فلا يقدر الهوى أن يُزعزعه يمينًا وشمالًا.
وهو كما يفعل المنجّد بالقطن: يكبس ويكبس ويكبس حتى يتماسك. فأنت تريد أن تكبس أكثر، فيكتسب قوّة دفع.
فإن وجدتُ الممارسة ضعيفةً وليس ثمّة حركة، فمعناه أني ماشٍ في الاتجاه الصحيح لكنّي محتاجٌ إلى مزيدٍ من التدعيم. وإذا صلح القلب صلح الجسد كلّه: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه؛ ألا وهي القلب» (متفق عليه).
الكتاب
ففكّر الملك في ذلك، فأراد الله به الخير، فقال: اكتب لي على الله عز وجل كتابًا.
فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ كتبه فلانٌ الكفيل على الله تعالى لكنعان الملك، ثقةً منه بالله تبارك وتعالى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا؛ ولكنعان على الله عز وجل بكفالة فلان: إن تاب ورجع وعبد الله أن يُدخله الجنة ويُبوّئه منها حيث يشاء، وأن له على الله ما لأوليائه، وأن يُجيره من عذابه؛ فإنه رحيمٌ بالمؤمنين، واسعُ الرحمة، سبقت رحمتُه غضبَه». ثم ختم الكتاب ودفعه إليه.
فقال: أرشدني كيف أصنع؟ قال: قم فاغتسل والبس ثيابًا جددًا. ففعل. ثم قال: كيف أعبد ربي؟ فعلّمه الشرائع والصلاة. فقال: يا ذا الكفل، استر هذا الأمر ولا تُظهره حتى ألحق بالنُّسّاك.
فتأمّل ما في الكتاب: بناءٌ للعلاقة والحبّ والمعرفة واليقين معًا. فهو يبني في قلب هذا الإنسان الحبَّ والثقة والإحساس الكبير برحمة الله وإرادته الخير للعبد.
سؤالٌ أخير: فلماذا لم يستجب فرعون؟
وذو الكفل — على الراجح — نبيّ. فقد دعا هذا الرجل الذي كان يدّعي الألوهية فاستجاب.
وموسى عليه السلام — وهو من أولي العزم من الرسل، وأعظم درجةً ومكانةً — دعا رجلًا يدّعي أنه إله فلم يؤمن! ومع أن ما كان مع موسى من السلطان والآيات أقوى بما لا يُقارن ممّا كان مع ذي الكفل.
فأين الفرق؟
الأول: أن ذا الكفل قال له: «ولا تغضب؛ فإن الغضب عدوّ نفسه» — فحذّره من هواه. فتجرّد لسماع الكلام وفكّر فيه بلا موقفٍ مسبق.
فكثيرٌ من الناس مشكلتهم أنهم يريدون أن يروا إلى أين يؤدّي الكلام أولًا، ثم يبنون عليه موقفًا: هل يُوافق برنامجي أم لا؟ وهذا لا ينفع.
والثاني: أن فرعون لم يستجب حرصًا على بقاء تجبّره ومُلكه وسلطانه. وهو يفهم — لكنه لا يريد أن يفكّر.
حوار فرعون
قال تعالى: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَالشعراء: ٢٣–٢٨.
فقارن بين الحوارين: كنعان يسأل ويستفصل ويتجاوب — يفتح قلبه ولا يُغلقه. وأما فرعون فيلتفت إلى من حوله: أَلَا تَسْتَمِعُونَ — لا ليفهم، بل ليستنفر ويُشوّش.
فالإنسان الذي يقول: قُلُوبُنَا غُلْفٌالبقرة: ٨٨ — أي وضع قفلًا على قلبه — لا تقدر أن تُوصل إليه شيئًا. لكن لو كان عنده استعدادٌ أن يسمع، فسينشرح صدره.
صهيب: «ربح البيع»
والحقيقة أن الأمر صفقةٌ رابحة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لصهيب رضي الله عنه لمّا هاجر: «ربح البيع أبا يحيى».
فقد كان قد ترك مالَه كلّه لقريش حين اشترطوا عليه ذلك ليتركوه يُهاجر. فقالوا: جئتنا صعلوكًا فكثُر مالك عندنا، أفتذهب بنفسك ومالك؟! فقال: أرأيتم إن تركتُ لكم مالي، أتُخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. فتركه ومضى.
فهو باع شيئًا واشترى شيئًا. وهذا هو المعنى نفسه: يشتري شيئًا عظيمًا ويتنازل عن شيء.
خاتمة
وثمّة فرقٌ بين أن أُقيم الحجّة على شخص وبين أن آخذ بيده. فالمضمون قد يكون واحدًا والوصول مختلفًا. وأنا أريد أن آخذ بيد كلّ أحد؛ فلا بدّ أن أُوفّر الجوّ المناسب وأن يكون الخطاب هو الخطاب المرضيّ.
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِالأنبياء: ٤٥، وقال: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِق: ٤٥.
فأنا أُذكّر بالقرآن. فإن جئتُ بمضمونٍ غير قرآنيّ فهذا ليس هو الطريق. وإن وجدتُ شخصًا لا يستجيب للخطاب الديني ويستجيب لغيره، فهذه علامةٌ تحتاج إلى وقفة.
فالخلاصة: لا بدّ من تهيئة، ثم تحريكٍ للتفكير، ثم ربطٍ بالله — تعظيمًا له وارتباطًا به وثقةً فيه وإيمانًا حقيقيًّا بالجنة والنار وبأن من ارتبط بالله لن يندم — ثم تحويل ذلك إلى يقين؛ فاليقين هو الذي يُحوّل الإحساس الإيماني إلى سلوكٍ إيماني وواقعٍ يعيشه الإنسان في الحياة.
وجزاكم الله خيرًا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.