جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

لحم جمل غث على رأس جبل وعر

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد:

حديث أم زرع ووصف أولى النساء زوجها

تحكي عائشة رضي الله عنها أن جمعًا من النساء في الجاهلية — إحدى عشرة امرأة — اجتمعن وتعاهدن ألا يكتمن من أمر أزواجهن شيئًا، فوصفت كل واحدة منهن حالها مع زوجها. فقالت أولاهنّ:

«زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ، لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ» من حديث أمّ زرع، متفق عليه

وهو وصفٌ عند تأمله بالغُ الصعوبة. تصفه بأنه كلحم الجمل، وهو أقلّ لحوم الأنعام طِيبًا وجودة. وليس هذا فحسب، بل لحم جمل غثّ — أسوأُ ما فيه. ثم إن هذا اللحم الغثّ الذي لا قيمة له ليس سهل التناول: على رأس جبل، فلكي تحصل عليه تصعد ألف متر. والجبل وعرٌ في أصله، لكنها تقول «على رأس جبل وعر» — جبلٌ صعب المُرتقى، شديد الانحدار؛ فأنت تخاطر حين تصعد، وتخاطر حين تهبط.

ثم تقول: «لا سهل فيُرتقى» — أي لو كان أحد الأمرين مقبولًا لاحتُمل: لو كان اللحم غثًّا والجبل سهلَ المُرتقى لاستطاع المرء أن يصعد؛ أو لو كان اللحم سمينًا ذا قيمة كبيرة لتكبَّدنا المشاقّ والمعاناة والمخاطرة الكبيرة في سبيل الوصول إليه. لكن الحقيقة: لا هذا ولا ذاك.

فهي تصف شخصًا يصعب إرضاؤه جدًّا، شديدَ الزجر، كثيرَ التسخّط. وفي مقابل ذلك: ماذا يقدّم من الرعاية والأمان والحنان؟ لا يقدّم شيئًا. فهو مَثَلٌ لشخصٍ لا يقدّم أيّ شيء، ولا يُعجبه في المقابل أيّ شيء قدّمتَه إليه. فإذا كانت واحدة في مقابل واحدة كان الأمر مقبولًا، أما إذا اجتمع الأمران معًا فهذا يصعب احتماله، وهذا شخصٌ تصعب معاشرته جدًّا.

تقسيم الناس بين الغضب والرجوع

ولذلك جاء في حديثٍ في ذكر الأخلاق — وفي حفظ راويه نوعُ كلام — عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه:

«فمنهم سريعُ الغضب قريبُ الفَيْئة، فهذه بهذه. ومنهم بطيءُ الغضب بطيءُ الفَيْئة، فهذه بهذه. وخيرهم بطيءُ الغضب سريعُ الفَيْئة، وشرُّهم سريعُ الغضب بطيءُ الفَيْئة»

فهو يقسم الناس إلى أربعة أقسام. الأول: شخصٌ يغضب بسرعة، لكنه في المقابل يرجع بسرعة، فيقول «فهذه بهذه» — أي واحدةٌ تحمل الأخرى؛ صفةٌ صعبة في مقابلها صفةٌ طيبة تجعلها مقبولة. وهذه هي الطبيعة الإنسانية: لا أحد كامل؛ في الإنسان أمورٌ حسنة وأمورٌ سيئة في مقابلها، فحاجةٌ تحمل حاجة.

وفي المقابل: شخصٌ لا يغضب بسهولة، لكنه إذا غضب فقد غضب؛ فهو بطيء الغضب لكنه أيضًا بطيء الفَيْئة، فلكي ترضيه وتُصلحه تحتاج أن تبذل مجهودًا كبيرًا جدًّا — لكن في النهاية هذه تحمل هذه.

وخيرُهم — أفضل الناس — من لا يغضب بسرعة ويمكن إرضاؤه بسهولة: بطيء الغضب سريع الفَيْئة. وشرُّ الناس من يغضب سريعًا، ويغضب لأقلّ شيء، ثم يصعب إرضاؤه جدًّا؛ فهو بطيء الفَيْئة، لا يريد أن يقبل لأحدٍ عذرًا، ولا أن يغفر لأحدٍ ذنبًا.

الإشارة: التعامل مع الناس بواقعية

فالإشارة إلى أن الناس لا بد أن نتعامل معهم بشكلٍ واقعي: لا أحد كامل؛ كل إنسان فيه طباعٌ حسنة وفي مقابلها طباعٌ صعبة أو سيئة، لكن أمورًا تحمل أمورًا. أما إذا اجتمعت في الإنسان الصفاتُ الصعبة كلها فهذا يصعب أن يُعاشَر أو يُعامَل.

فالأب مثلًا: ربما يكون أبناؤه عندهم رغبة في أن يبَرّوه، لكنه يجعل بِرَّه شيئًا بالغ الصعوبة — على رأس جبلٍ وعر. وإذا جعل بِرَّه بالغ الصعوبة وصل أبناؤه إلى حالةٍ من اليأس؛ لأنه في كل الأحوال لا يرضى. وكذلك الزوج في كل الأحوال لا يرضى، وكذلك الأم، وكذلك المدير. فيصل الشخص إلى مرحلة: مهما عملتَ فلن تصل إلى أن تُرضي — وبالتالي تيأس. وإذا يئستَ لن تقدّم شيئًا.

خطر اليأس والقنوط

ولذلك قال الله تبارك وتعالى:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِالزمر: ٥٣

لأن الشخص إذا استعظم ذنوبه ووصل إلى مرحلة اليأس، حينئذٍ يتوقف عن طلب التوبة، ويتوقف عن الاستغفار والإنابة؛ فإذا توقف كان أسوأ وشرًّا مما كان.

يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَيوسف: ٨٧

ولذلك الشخص الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا وأتى طالبًا باحثًا عن التوبة، لما قال له الراهب إنه لا توبة له — ما كان ردُّ الفعل؟ قتله، فأكمل به المائة. فأنتَ إذا أغلقتَ قُدَّام الشخص فرصةَ التوبة أو الإنابة أو الإصلاح، فبالتالي يغرق فيما يفعله من المنكرات، ويزيد فيما يأتيه من الموبقات.

السماحة والتهوين

فالإنسان عليه أن يُسهِّل.

«رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» رواه ابن ماجه

الحياة بالغةُ الصعوبة، فيصعب أن نزيد معاناتنا من خلال معاملاتنا اليومية، ومن خلال علاقتنا ببعضنا — خاصةً العلاقات القريبة، العلاقات اللصيقة. نحن نحتاج إلى التخفيف والتهوين. قال صلى الله عليه وسلم: الإيمان الصبر والسماحة — وهما كلمتان: الإيمان أن تكون صبورًا، وأن تكون سَمحًا سهلًا لينًا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين.

الإحسان حين لا يُقابَل بالشكر

قال الله تبارك وتعالى:

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَآل عمران: ١٣٣–١٣٥

فلما وصف تبارك وتعالى المتقين بدأ بذكر الإحسان: الذين ينفقون في السراء والضراء. طيب، هذا الإحسان وهذا البِرّ — هل يُقابَل بالشكر والاعتراف بالمِنّة والإقرار بالجميل؟ ربما لا. فما رد الفعل؟ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين — وكأن الإشارة إلى أن الإحسان لم يُقابَل بالإحسان، ولم يُقابَل بالامتنان، ولم يُقابَل بالشكر.

فبماذا يصف الله تبارك وتعالى أهل التقوى إذا كانت هذه المعاملة؟ والكاظمين الغيظ — إذن هم متقون ولكنهم بشرٌ يغضبون؛ فردُّ الفعل غير المقبول يجعل الشخص يغضب. فما عليه أن يفعل؟ يحاول أن يسيطر على نفسه، ولا يجعل الغضب يذهب به إلى حيث يُسخط ربه تبارك وتعالى. ثم والعافين عن الناس — فأول مرحلة أن يحاول نوعًا من السيطرة على نفسه، ثم مع الوقت يحاول أن يصفو في نفسه، فهذا لا يأتي على الفور. وكأنه تبارك وتعالى يذكر مراحل: الكاظمين الغيظ، ثم العافين عن الناس، ثم والله يحب المحسنين — أن يقابل هذه الإساءة بالإحسان. ثم في علاقته مع الله: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم.

المعاملات المالية: حسن الطلب وحسن القضاء

ثم في تتمة الحديث السابق يُذكر أمر المطالبات والمعاملات المالية وقضاء الديون:

«فمنهم حسنُ الطلب سيّءُ القضاء، فهذه بهذه. ومنهم حسنُ القضاء سيّءُ الطلب، فهذه بهذه. وخيرهم حسنُ الطلب حسنُ القضاء، وشرُّهم سيّءُ الطلب سيّءُ القضاء»

فحسن الطلب: أن يكون لي حقوقٌ ماليةٌ عند الناس، فأطالب هؤلاء الذين عليهم حقوق بشكلٍ حسن، فلا أضغط عليهم ضغطًا شديدًا، وأراعي مَن كان في إعسارٍ حقيقي فأترفّق به كما أمر الله تبارك وتعالى؛ فمن لي عليه مالٌ لا أضغط عليه في الزمن بأن يقضيني الآن، فربما تكون عنده ظروف. هذا حسن الطلب. وفي المقابل قد يكون هو سيّء القضاء: إذا كان عليه حقٌّ احتجتُ أن أبذل جهدًا كبيرًا لآخذ حقي منه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول «هذه بهذه»: فيه جانبٌ حسن وفي مقابله جانبٌ صعب.

وعكس ذلك: حسنُ القضاء — إذا كانت عنده المقدرة فلن يُتعبني، ويوفّي ما عليه بسهولة — لكنه إذا طالَب ضغط على الناس ضغطًا شديدًا. وخيرهم حسن الطلب حسن القضاء، وشرّهم سيّء الطلب سيّء القضاء.

فجاء التمثيل في المعاملات وفي الأخلاق، وجاء أيضًا في المعاملات المالية والمطالبات: أن الإنسان على الأقل يكون متوازنًا؛ فإن لم يستطع أن يكون من خير الناس فلا يكون من شرّهم، وإن لم يستطع أن يكون في الدرجة العليا فلا يختار لنفسه أدنى الصفات وأسوأها، بل على الأقل تبقى فيه صفة. وبالتالي تصبح العلاقات بين الناس والتعاملات فيها قدرٌ من اليُسر والسهولة.

وحجم الضغوط التي نواجهها اليوم عمومًا كبيرٌ جدًّا؛ لا أحد غير مضغوط، وبالتالي لا أحد عنده طاقةٌ يتحمّل بها. فيصعب أن نزيد الصعوبة بأن نضغط على بعضنا في علاقاتنا، سواء كان في المطالبات أو غيرها.

النظر إلى الواجب قبل الحق

وكثيرٌ من الناس لا ينظر إلا إلى جانب الحق — ما له عند غيره — أما فكرة الواجب في المقابل، وأنه عليه التزام، فهذا هو الموضوع. قال تعالى:

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَالمطففين: ١–٦

فإذا كان له حقٌّ أراد أن يأخذه تامًّا كاملًا، لا يترك منه شعرة؛ وإذا كان الحقّ عليه حاول ألّا يوفّي ما يجب عليه. فما الميزان؟ التقوى، والخوف من الله، والإيمان، وتذكُّر الإنسان لقاءَ الله. هذا الذي يجعله ينظر إلى الواجب عليه قبل الحق الذي له؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى حين يقف بين يديه سيسأله عما أوجب عليه، وسيسأله عن الحقوق التي له سبحانه على عبده.

الدعاء

نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن حَسُن خُلقه وحَسُن فعله وسمحت نفسه، ورزقه الله تبارك وتعالى صبرًا وحُسنًا وسماحة.

اللهم إنا نسألك حسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. اللهم اصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعلنا اللهم من الراشدين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.