جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

تابع كلام ابن القيم من الوابل الصيب

ما مضى: ثلاث حالات

ذكرنا في مقدّمة الكتاب أن الإنسان يعيش حالةً من ثلاث: حالة النعمة، وحالة الابتلاء في الدنيا، وحالة الابتلاء في الدين. وأن عليه عبادةَ الله في كلّ حال:

فإن كان في العافية شكر، وإن كان في الابتلاء الدنيوي صبر، وإن كان في الابتلاء الديني تاب ورجع.

فإذا اجتمعت هذه العناصر تحقّقت العبودية لله. والإنسان إذا كان عبدًا لله أعطاه الله الكفاية التامّة، فيكون في حفظه وكِلاءته، ولا يكون للشيطان عليه سبيل.

مداخل الشيطان الثلاثة

ثم ذكر أن الشيطان لا بدّ أن يعتري الإنسان في بعض اللحظات، وأنه يدخل عليه من أحد ثلاثة مداخل: غلبة الشهوة، أو شدّة الغضب، أو الغفلة عن الله وعن غاية وجوده ورسالة حياته.

ومهما احترز العبد فلا بدّ أن يقع منه شيء.

من حكمة الله في وقوع الزلل

ومن حكمة الله ورحمته أن الإنسان أحيانًا يُبتلى بشيءٍ من التقصير أو الزلل؛ لأن ذلك يُولّد فيه مشاعر الإحساس بالاحتياج إلى الله، ويكسر فيه إعجابه بنفسه ورؤيته لطاعته.

قال رحمه الله: فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له من أبواب التوبة والندم والانكسار والذلّ والافتقار والاستغاثة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرّع والدعاء والتقرّب إليه بما أمكن من الحسنات — ما تكون تلك السيّئة به سببَ رحمته، حتى يقول عدوّ الله: يا ليتني تركتُه ولم أُوقعه.

ثم ذكر أن الإنسان إذا كان عنده عُجبٌ أو شيءٌ من الكبر أو الغرور أو الاستطالة، فإن الله إذا أراد به خيرًا ابتلاه بأمرٍ يكسره به ويُذلّ به عنقه ويُصغّر به نفسه عنده. وإذا أراد به غير ذلك خلّاه وعُجبه وكِبره.

التوفيق والخذلان

قال: وهذا هو الخذلان الموجب للهلاك. فإن العارفين كلّهم مُجمعون على أن التوفيق ألّا يَكِلك الله تعالى إلى نفسك، وأن الخذلان أن يَكِلك الله تعالى إلى نفسك.

من هو «العارف»؟

و«العارف» هو من رُزق معرفةً بالله ومعرفةً بحقائق الدين؛ فعنده بصيرةٌ ورؤيةٌ لحقائق الأمور.

ونحن أغلبنا نقف عند المعلومة أو عند ظاهر العلم. قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَالروم: ٧.

فالظاهر شيءٌ يختلف عن الحقيقة. فمن علم حقيقة الحياة الدنيا قاده ذلك إلى الله.

ما التوفيق؟

و«التوفيق» من الأَوفَق — أي الأصلح والأنفع، الذي فيه المصلحة الحقيقية للإنسان. فمعنى أن الله يُوفّق إنسانًا: أن يهديه ويُرشده ويُوجّهه إلى فعل ما هو أوفق وأصلح.

هدايتان: إرشادٌ وتوفيق

وعندنا في القرآن هدايتان:

هداية إرشادٍ ودلالة: أن يُرشد الله الإنسان إلى الحقائق ليُدركها؛ وهذه مهمّة الرسل. قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍالشورى: ٥٢.

وهداية توفيقٍ وإلهام: وهذه لله وحده. قال تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَالقصص: ٥٦.

فهنا هدايةٌ مُثبَتة وهنا هدايةٌ منفيّة. فالمثبَتة أن يُرشد الناس إلى الطريق الصحيح فيدلّهم عليه فيُدركوه.

لكنّ الإدراك وحده لا يكفي؛ فقد أعرف ولا أُحسّ بقيمة الشيء، أو لا أتعلّق به، أو لا تكون عندي العزيمة على الفعل ولا الهمّة للتحصيل. فالإنسان يحتاج أن يرزقه الله القوّة والدافعية والحفظ والتثبيت.

فالتوفيق إذًا ليس مجرّد أن يُفهمني الله أن الوجه كذا؛ بل أن يدفعني في اتجاه هذا السير.

وما الخذلان؟

و«الخذلان» عدم وجود النصير؛ ألّا يجد الإنسان دعمًا ولا قوّةً ولا تأييدًا.

فكأنّ ابن القيم يريد أن يقول: إن التوفيق مرتبطٌ بمدى تعظيم الإنسان لله، وبمدى إحساسه أنه محتاجٌ إليه، وبمدى طلبه منه أن يمدّه بأسباب الخير، وبإدراكه أنه بغير مدد الله لا يقدر على شيء.

وأما الخذلان فأن يترك الله الإنسانَ لنفسه — حين يرى نفسه في مشهد القوّة والقدرة والتأثير: هو يفعل، وهو يصنع، وهو يقدر، وهو الذي يُخطّط ويُدبّر ويُدير ويعصم نفسه ويحميها.

الجناحان

قال: فمن أراد الله به خيرًا فتح له أبواب الذلّ والانكسار ودوام اللجأ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبرّه وغناه وحمده.

والعارف سائرٌ إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما؛ فمتى فاته واحدٌ منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.

وقد شبّه شيخ الإسلام العارفَ السائرَ إلى الله بين مشاهدة المنّة ومطالعة عيب النفس والعمل.

فـمشاهدة المنّة أي رؤية فضل الله؛ ومطالعة عيب النفس والعمل أي رؤية عيوب النفس ونقص الممارسة.

فـ«عيب النفس» هو الخصائص النفسية والأخلاق؛ و«عيب العمل» هو نقص الأداء. فمثلًا: أن أكون إنسانًا فيه عُجبٌ — وهذا عيبٌ نفسي؛ وأن أُصلّي صلاةً ناقصة — وهذا عيبٌ عملي. أي أنّي من الداخل مُخرَّم، وأدائي في الخارج ناقص.

خطبة الحاجة

وقد تكلّمنا قبل ذلك عن استفتاح الخطب النبوية:

«إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا».

فـ«إن الحمد لله» هي مشاهدة المنّة: أن الحمد كلّه لله وبالتالي نحمده. ثم «نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا» هي مطالعة عيب النفس والعمل: فـ«شرور الأنفس» هي الخصائص النفسية، و«سيّئات الأعمال» هي الآثار السيّئة المترتّبة على الأعمال.

سيّد الاستغفار: جمعٌ بين الأصلين

وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «سيّد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. أعوذ بك من شرّ ما صنعت. أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (رواه البخاري).

فجمع في قوله: «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي» بين مشاهدة المنّة ومطالعة عيب النفس والعمل.

فمشاهدة المنّة تُوجب له المحبّة والحمد والشكر لوليّ النِّعَم والإحسان؛ ومطالعة عيب النفس والعمل تُوجب له الذلّ والانكسار والافتقار والتوبة في كلّ وقت، وألّا يرى نفسه إلا مفلسًا.

«أقرب بابٍ دخل منه العبد على الله: الإفلاس»

وأقرب بابٍ دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلّق به، ولا وسيلةً منه يَمُنّ بها؛ بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض.

دخولَ من قد كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه، حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كلّ جهة؛ وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل وكمالَ فاقته وفقره إليه، وأن في كلّ ذرّةٍ من ذرّاته الظاهرة والباطنة فاقةً وفقرًا وحاجةً تامّة وضرورةً كاملة إلى ربه تبارك وتعالى؛ وأنه إن تخلّى عنه طرفة عينٍ هلك وخسر خسارةً لا تُجبر إلا أن يعود الله عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله تعالى أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى.

وقفة: ما معنى الإفلاس؟

فنحن كلّنا مدركون أن كلّ شيءٍ لا بدّ له من عِوض؛ فلكي آخذ شيئًا لا بدّ أن أُقدّم شيئًا. فأيّ تعاقد: أريد أن أشتري فلا بدّ أن أدفع ثمنًا.

فأنا لكي أنال فضل الله ونعمته — دنيويًّا أو أُخرويًّا — من المفروض أن أُقدّم شيئًا: طاعةً، ومبادرةً، وشكرًا لله.

لكنّ أعظم ما يُقرّب الإنسان من ربه أن يُدرك أنه ليس معه شيءٌ أصلًا. فالذي يظنّ أنه يُقدّم شيئًا يقوم مقام العِوَض — هذا هو المحجوب.

فالإفلاس معناه: أن الذي أرجوه من الله إنما هو إحسانٌ محض لا مقابل.

«لن يُدخل أحدًا منكم عملُه الجنة»

قال صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل أحدًا منكم عملُه الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمةٍ منه وفضل» (متفق عليه).

وقال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَالنحل: ٣٢.

فكيف نُوفّق؟ أن دخول الجنة ليس عِوضًا عن العمل؛ وإنما العمل تعبيرٌ عن الإرادة. فهو الذي يعكس قصد الإنسان ونيّته — مع كلّ ما فيه من قصورٍ وتقصيرٍ وضعف. أما أن يُرى العمل شيئًا يُوازي الجنة فلا.

«لا تمنن تستكثر»

وقد جاء في أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم — وهو في أول تكليفه بالمهمّة التي اصطفاه الله لها: وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُالمدثر: ٦.

ومعناه ألّا يمنّ الإنسان على نفسه ولا على الناس بشيءٍ عمله أو خيرٍ قدّمه، ولا يستكثره؛ لأن المانّ هو الله سبحانه — فهو الذي يُوفّق الإنسان للخير، وهو الذي يُرشده إليه، وهو الذي يُعينه عليه، وهو الذي يتقبّله منه.

منازل السائرين

وشيخ الإسلام الهروي — أبو إسماعيل — صاحب «منازل السائرين»، وقد شرحه ابن القيم في «مدارج السالكين».

وهو يتكلّم عن الدرجات التي ينبغي أن يمشي فيها الإنسان ليصل إلى رحمة الله ورضاه. فالارتقاء يكون على درجٍ متتابع: كلّ واحدةٍ تُسلّم للتي بعدها.

فأولها اليقظة: أن يكون الإنسان غافلًا أو نائمًا فيستيقظ. فهو ماشٍ على وفق المنظومة التي يمشي عليها الناس: يلبس ويأكل ويعمل، ولا يفكّر: أين يذهب؟ وإلى أين ينتهي؟ وكيف يدور هذا الكون؟ فأول ما يمنّ الله به عليه أن يستيقظ.

ثم الفكرة: فإذا استيقظ فكّر. وإذا فكّر أدرك الحقيقة.

ثم يقع عنده تقييم: أنّ ثمّة صورةً منشودة وصورةً هو عليها بالفعل، والفرق بينهما كبيرٌ جدًّا. وهذه المحاسبة تقود إلى التوبة، ثم إلى الإنابة — وهكذا في منازل متتابعة.

فالمهمّ أن ثمّة تسلسلًا منطقيًّا يمشي فيه الإنسان؛ فكلّ مرحلةٍ إذا أدركها جيّدًا نقلته إلى ما بعدها، وبالتالي يستطيع أن يتحرّك بخطًى ثابتة.

لماذا يُهمّنا أن الكتاب من أواخر ما كتب؟

وكلّما ازداد الإنسان علمًا وتجربةً ازداد نظرًا وإحكامًا وبصيرةً وخبرة؛ فتكون كلماته أعظم وقعًا وأوقع أثرًا.

والكلمة التي تخرج من وجدان شخصٍ يعيشها ويُحسّها تختلف عن التي تخرج من قلمٍ فحسب. فيقع الكلام موقعه بحسب مقدار تأثّر قائله به.

و«الوابل الصيّب» من أواخر ما كتب ابن القيم رحمه الله. فما دلالة أن ينتهي بعد كلّ تلك المؤلّفات إلى الكلام عن الذكر؟

دلالته: أن أعظم ما ينتهي إليه الإنسان هو علاقته بربه — الصلة الحقيقية بينه وبين الله.

وربما كانت الأذكار من بدايات المعرفة؛ فأول ما يعرف الإنسان أن ثمّة شيئًا اسمه ذكر، وأنه مهمّ. ثم بعد أن يلفّ وينتهي من مشوار حياته يكتشف أن أهمّ شيء هو ذاك الذي كان معه من البداية — فيعود إليه ليتعامل معه التعامل الذي ينبغي.

فهو كمن يمشي خمسين سنةً يبحث عن شيء، ثم يكتشف أنه كان في جيبه من زمان؛ لكنه لم يكن ينتبه لقيمته، ولا كان يعرف كيف يقرؤه.

«اقرأ»

وأول كلمةٍ خاطبنا الله بها: اقْرَأْالعلق: ١. فهل نحن محقّقون لها؟ وبأيّ نسبة؟

فهل «اقرأ» التي امتثلها النبي صلى الله عليه وسلم هي «اقرأ» التي نعرفها نحن؟ إنها أربعة حروف؛ فلو كنّا نقرأ كما أُمرنا لكان الحال غير الحال.

وكذلك: لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌالحاقّة: ١٢. فليست أيّ أذن؛ فالكلّ يسمع. لكنّ الأذن التي تعي هي التي يتّصل سمعُها بالوعي.

و«الوعي» فيه إدراكٌ وحفظٌ وتثبيت: تُدرك، ثم تستقرّ فيها ما أدركته.

أصلا العبودية

قال: والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حبٌّ كامل، وذلٌّ تام. ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلين المتقدّمين: مشاهدةُ المنّة التي تُورث المحبّة، ومطالعةُ عيب النفس والعمل التي تُورث الذلّ التام.

وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين، لم يظفر عدوّه به إلا على غِرّةٍ وغفلة؛ وما أسرع ما ينعشه الله عز وجل ويجبره ويتداركه برحمته.

وإنما يستقيم له هذا باستقامة قلبه وجوارحه. واستقامة القلب بشيئين:

الأول: أن تكون محبّة الله تعالى مقدَّمةً عنده على جميع المحابّ؛ فمتى تعارض حبُّ الله وحبُّ غيره سبق حبُّ الله حبَّ ما سواه، فرتّب على ذلك مقتضاه.

الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئٌ عن تعظيم الآمر الناهي.

ليس مأمورًا ألّا يُحبّ

فالإنسان ليس مأمورًا ألّا يحبّ؛ إنما هو مأمور ألّا يُؤثر. فهو يحبّ أشياء ويحبّ أشخاصًا، والله لم يأمره أن يترك ذلك. وإنما إذا تعارضت محبّة الأشياء والأشخاص مع محبّة الله، تأخّرت وتقدّمت محبّة الله.

«وما أسهل هذا بالدعوى»

قال: وما أسهل هذا بالدعوى، وما أصعبه بالفعل عند الامتحان؛ عند الامتحان يُكرَم المرء أو يُهان.

فثمّة فرقٌ بين أن أُحبّ شيئًا وبين أن أكون متحقّقًا به فعلًا. ومن حكمة الله في الاختبار أن يُدرك الإنسان الدرجة الحقيقية التي هو فيها.

ومعظم مشاكلنا تنشأ من أن الإنسان يعتقد أن الأمر بسيط، وأنه يعرف ويُدرك، وأنه لن يحتاج إلى مراجعة — ثم تأتي النتيجة غير حسنة.

فالامتحان رحمةٌ من الله؛ إذ لو وقع هذا في الاختبار النهائي لكانت مصيبة. فلا بدّ من اختباراتٍ صغيرة يُدرك بها الإنسان أنه مقصّر فيُصلح.

والمشكلة القاتلة أن يقول: هذه المرّة فقط لم أُركّز، والمرّة القادمة إن شاء الله تُضبط — بلا أيّ تغيير في العمل! فأنا لم أُذاكر ولم أُضبط شيئًا، ومع ذلك أنتظر نتيجةً مختلفة.

ولذلك سمّى الله الابتلاء فتنة؛ والمقصود منه التصويب — أي صورةٌ من صور التقييم الجزئي ليضبط الإنسان نفسه قبل اللقاء الختامي.

قال تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُفاطر: ٣٧.

وقفة: تلقين الميت

وآخر ما في الامتحان الإلهي أن الأسئلة نفسها معروفةٌ محفوظة! فكلّنا نعرف أسئلة القبر.

ولذلك ترى بعضنا يقف على القبر فيقول: يا فلان ابن فلان، ركّز معي؛ إذا أتاك الملَكان فاحفظ هاتين الكلمتين. ويُملي عليه الإجابات بالترتيب حتى لا يختلط عليه الأمر — فالمطلوب أن يحتفظ بها في ذاكرته عشر دقائق فقط حتى يأتيه الملَكان!

ثم ينصرف وقد أدّى الواجب — دعا ووعظ ولقّن. ثم يُدفع للمُلقّن أجره وينتهي الأمر.

فهل يُتخيّل أن الدنيا تمشي هكذا؟

الفجوة بين النظر والتطبيق

ومن رحمة الله في الامتحان أن أُدرك أنّي محتاجٌ إلى الإرشاد والتصويب والمراجعة وتحسين المستوى، وأن أعرف أين الخلل.

فقد يكون الإنسان في النظر ممتازًا — دينيًّا نظريًّا تمام — ثم إذا جئتَ إلى التطبيق لم تجد شيئًا.

عقوبة الإيثار

قال: وما أكثر ما يُقدّم العبد ما يحبّه هو ويهواه، أو يحبّه كبيرُه أو أميرُه أو شيخُه أو أهلُه، على ما يحبّه الله تعالى.

فهذا لم تتقدّم محبّة الله تعالى في قلبه على جميع المحابّ، ولا كانت هي الحاكمة عليها الآمرة.

وسنّة الله تعالى فيمن هذا شأنه أن يُنكّد عليه محبوبَه ويُنغّصه عليه، فلا ينال منه شيئًا إلا بنكَدٍ وتنغيص؛ جزاءً له على إيثاره هواه وهوى من يُعظّمه من الخلق أو يحبّه على محبّة الله تعالى.

القانون الخماسي

وقد قضى الله تعالى قضاءً لا يُردّ ولا يُدفع:

أن من أحبّ شيئًا سواه عُذّب به ولا بدّ.

وأن من خاف غيره سُلّط عليه.

وأن من اشتغل بشيءٍ غيره كان شؤمًا عليه.

ومن آثر غيره عليه لم يُبارك له فيه.

ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولا بدّ.

فالقانون العامّ الجامع لهذه الخمس: أن الإنسان الذي يُؤثر غير الله على الله، تكون المعاملة معه ضدّ المقصود؛ فالنتيجة عكس المرجوّ.

فمن أحبّ شيئًا سوى الله فلن ينال منه لذّةً خالصة، وإنما أحوالٌ تتقلّب بين رضًا وسخط، وبين إقبالٍ وإدبار.

«أنتم الفقراء إلى الله»

فخلاصة ما ذكرناه: أن الإنسان أحوج ما يكون إلى توفيق الله. وهذا التوفيق يأتيه على قدر إحساسه بالاحتياج والافتقار إليه سبحانه.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُفاطر: ١٥.

والفقر هو الاحتياج الشديد. فلن يستقيم للإنسان أمر — لا أمر معاشٍ ولا معاد، ولا إصلاحٌ ظاهر ولا باطن — إلا بمدد الله.

لكنّ الناس متباينون في درجة إدراكهم لهذا الفقر: فكلّنا فقراء، لكن ثمّة من يعتقد أنه غنيّ أو غير محتاج أو أنه يستطيع أن يُصرّف أموره؛ وثمّة من يُدرك أنه فقيرٌ حقًّا، وأن فقره إلى الله لا إلى غيره.

وقد يعتقد الإنسان أنه فقير، لكنه يعتقد في مخلوقٍ أنه غنيّ؛ فيُنزل حاجته بالمخلوق ظنًّا أنه يجبر هذا النقص.

ولماذا «الحميد»؟

فالله هو الغنيّ المستغني عن كلّ أحدٍ وكلّ شيء. وأما الحميد فمعناه أن هؤلاء الفقراء لو لجأوا إليه سبحانه فإنه يَحمد لهم لجوءهم.

وتأمّل: الفقير إذا لجأ إلى الغنيّ فالمصلحة عائدةٌ على الفقير لا على الغنيّ. لكن من عظمة الله ورحمته أنه يُكافئ الفقير الذي يلجأ إليه، ويحمد له هذا الفعل، ويُثيبه عليه.

دعاء ليلة القدر

وآخر الموضوع كلّه — بعد لفٍّ طويل — ما سألته عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن علمتُ أيّ ليلةٍ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعفُ عني» (رواه الترمذي).

فتأمّل: نحن نتكلّم عن شخصٍ في وقت شدّة الاجتهاد في العبادة، وعن أشدّ الناس اجتهادًا. ومع ذلك لم تتوسّل إلى الله بشيء — لا بقرآنٍ ولا ذكرٍ ولا صلاةٍ ولا اجتهاد.

وإنما: «اللهم إنك عفوٌّ» — وهي صفةٌ لله؛ «تحبّ العفو» — فهو سبحانه يحبّ أن يعفو، وهذا كرمٌ محض. فأنا أرجو أن يُدخلني في زمرة من يعفو عنهم.

«أنا المكدي وابن المكدي»

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أنا المُكدي وابن المُكدي، وكذلك كان أبي وجدّي.

و«المُكدي» في لغة أهل العراق: الشحّاذ المستجدي. ومنه قوله تعالى: وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰالنجم: ٣٤.

فهو يريد أن يقول: نحن أهل شحاذةٍ على باب الله، ورثناها أبًا عن جدّ. وهذا في سياق الاعتزاز — أي أنها نعمةٌ منّ الله بها علينا.

فالخلاصة: أن الإنسان يتعامل مع الله بالشحاذة. والشحّاذ لا بدّ أن يكون مفلسًا — بل لو كان معه مالٌ لأظهر الإفلاس. فما بالك ونحن لا شيء معنا حقًّا، ونحن نظنّ أن عندنا!

الدعاء هو العبادة

فهل ينفع افتقارٌ بلا طلب؟ لا. قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» (رواه أبو داود والترمذي).

ولماذا صارت العبادة كلّها خلاصتُها في الدعاء؟ لأن الدعاء حقيقة الافتقار. ولذلك قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَالنمل: ٦٢.

فمقصد العبادة كلّها هو مقدار تعلّق الإنسان بربه، وإحساسه باحتياجه إليه؛ فلا يبتعد عن الباب لأنه يتعامل مع أهل الإحسان سبحانه.

اسم الكتاب: «الوابل الصيّب من الكلم الطيّب»

والكتاب اسمه الكامل: «الوابل الصيّب من الكلم الطيّب». و«الكلم الطيّب» كتابٌ صغير في الذكر لشيخ الإسلام ابن تيمية — شيخ ابن القيم.

فيُقال: ما الحاجة إلى كتابٍ آخر في الأذكار وقد كتب الشيخ كتابًا؟ والجواب: أن الحرص الشديد على التدوين في الأذكار يعكس الإحساس الشديد بشدّة الحاجة إليها، وبشدّة حاجة الإنسان إلى الاتصال الدائم بربه.

من أين جاء اسم «الكلم الطيّب»؟

قال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُفاطر: ١٠.

ما العزّة؟

والعزّة هي الامتناع؛ فالعزيز هو الذي لا يُوصل إليه.

وشاهدُها قول قوم شعيب عليه السلام: وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍهود: ٩١.

فتأمّل: هم لا يقدرون على التعرّض له لأنه في حماية قومه — فعنده قدرٌ من العزّة، أي الامتناع. ثم قالوا: وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ — أي ليست لك في أنفسنا مكانة.

فالذي يعتزّ به الإنسان إمّا سندٌ خارجيّ وقوّةٌ تحميه، وإمّا مكانةٌ وقدرٌ ومحبّة تجعل من حوله لا يقدرون نفسيًّا أن يتعرّضوا له.

ونظيره قول امرأة فرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُالقصص: ٩. فالطبيعي أن يُصنع بموسى عليه السلام ما يُصنع بالغلمان الذين يُبحث عنهم؛ لكنّ الله أعطاه من العزّة والحماية بأن ملأ قلبها محبّةً له.

«العزيز» سبحانه

واسم الله العزيز معناه: الذي يغلب ولا يُغلب، الذي يمتنع من كلّ أحدٍ ولا يمتنع منه أحد.

فإذا أراد الله أن يُقدّر شيئًا على عبدٍ أو على أمّةٍ من الأمم فلا رادّ له: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًاالمائدة: ١٧.

وقال: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَالنساء: ١٣٣.

وقال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِالرحمن: ٣٣–٣٥. فلا نفوذ إلا بقدرةٍ يُعطيها الله.

فمن أين تأتي العزّة؟

فمن أراد العزّة فهي عند الله وحده. ونحن عندنا معايير أخرى كثيرة: المال، أو السند العائلي، أو الجاه والسلطان، أو تدعيم جهاتٍ ذات سلطةٍ وقوّةٍ ونفوذ. هذه معايير العزّة التي نعرفها.

لكنّ الله يُرشدنا إلى شيءٍ آخر تمامًا: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُفاطر: ١٠.

ولاحظ الخطاب: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ — فهو موجَّهٌ لناسٍ معيّنين؛ إذ ثمّة من لا يريدها. فقد يكون الإنسان قد اعتاد الذلّ حتى صار عاديًّا عنده — وثمّة فرقٌ بين أن يعتاد الإنسان شيئًا وبين أن يُحبّه ويرضاه.

الكلم الطيّب والعمل الصالح

فأنا أريد العزّة — أي الحماية من الله. وفي المقابل ثمّة من يُحاول أن يخرق هذا السياج بأن يُؤذي الإنسان؛ ولذلك جاء في الآية: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُفاطر: ١٠.

فسياج الحماية هذا يُبنى من شيئين: الكلم الطيّب والعمل الصالح.

وما الذي يجعل الكلم الطيّب يستقرّ ويصعد؟ العمل الصالح. فلا بدّ أن يُصدّق الكلماتِ الطيبةَ العملُ بها؛ بحيث أكون مستشعرًا لها وسائرًا على منوالها.

فلو اختلّ أحد الركنين وقع البناء.

فكم من كلامنا يصعد؟

فالذي يصعد إلى الله هو الكلم الطيّب. فماذا عن الكلام الآخر؟

لو وضعنا كلامنا في فلتر — ولو فلترًا من عشر مراحل — فكم جملةً ممّا نقوله في اليوم تعبُر إلى المرحلة الخامسة أو السابعة أو العاشرة؟

فيه كلامٌ ضائع، وفيه هَذَر، وفيه كلامٌ حسن. فلو قلنا إن الحسن عشرة بالمئة والباقي هَذَر — فهذه نسبةٌ متفائلة جدًّا!

فالإنسان على قدر ما يزيد في رصيده من الكلام الذي يصعد، على قدر ما يكتسب الخير في الأولى والآخرة ويتحقّق له من العزّة.

خطورة الكلمة

قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات. وإن العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم» (رواه البخاري).

فهو يقول الكلمة ويعرف معناها، لكنه غير مدركٍ لخطورة ما قال ولا لعِظَم أثره.

«بنى سلوكه إلى الله»

ونعود إلى قوله: «وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين…».

فـ«السلوك» أصله من المسلك أي الطريق. ونحن نقول: الطريق سالكة — أي ماشية لا عقبات فيها.

و«بنى» تعني أنه يُؤسّس شيئًا.

نحن عشوائيّون على خلاف الإسلام

ونحن عشوائيّون وسطحيّون — وهذا على خلاف الإسلام تمامًا. فالإسلام كلّه يتكلّم عن التأسيس والبنيان:

قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا» (متفق عليه).

وقال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» (رواه الترمذي).

وقال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لَبِنةٍ من زاوية؛ فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وُضعت هذه اللَّبِنة؟ فأنا اللَّبِنة، وأنا خاتم النبيّين» (متفق عليه).

وقال تعالى في المقابل: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَالنحل: ٢٦.

تأسيسٌ حقيقيّ وتأسيسٌ وهميّ

قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْالتوبة: ١٠٩–١١٠.

فكلاهما «أسّس»! لكن هذا على تقوًى ورضوان، وهذا على حافّة جُرفٍ متهدّم.

وقال: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُالبقرة: ١٢٧. فالقواعد ممدودة، ثم يُرفع عليها البناء.

لكي أبني لا بدّ أن أنزل

فلكي أبني عليّ أن أنزل تحت أولًا — أن أضع القواعد. فمن بدأ من فوق فلن يقف بناؤه.

وعلى مقدار ما أبني وأُؤسّس، على مقدار ما يرزقني الله بناءً أستند إليه وأعتمد عليه.

فلا بدّ أن يكون مع كلّ واحدٍ منّا — ولو مبدئيًّا — لوحةٌ ورسمٌ وتصميم: ما الشيء الذي أريد أن أبنيه؟ وما الإمكانيات المتاحة؟ وما الخطة الزمنية التي أصل بها إلى مستوًى معيّن؟

ولو سألني أحدٌ: أنت في أيّ مرحلة؟ لاستطعتُ أن أُجيب — إن كان معي مخطّط. أما إذا لم يكن معي شيء فلن أعرف.

الفرق بين البنّاء والـ«كارفون»

وثمّة فرقٌ بين البناء الذي نتكلّم عنه وبين البناء المؤقّت.

فالبناء المؤقّت يصنعه من عنده شغلٌ هنا يقضيه ويمشي؛ وهو لا يستقرّ ولا يقاوم ضغوطًا ولا عوامل الدهر.

وقد قال تعالى — وقد استنكر على قومٍ بناءً لا حاجة لهم به: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَالشعراء: ١٢٨–١٢٩.

الهرم: الأساس والعمود والذروة

فالبناء الإيماني هرم: قاعدةٌ عريضة ثم ما فوقها.

الأساس: الإسلام — أي التسليم لله.

العمود: الصلاة — الذي لو لم يوجد انهدم البناء أو لم يقم أصلًا.

الذروة: الجهاد — وهو منتهى المجاهدة؛ أن يصل الإنسان إلى استعدادٍ لأن يُؤثر موعود الله على أعزّ ما عنده وهو نفسه. وهذا ليس أول مراحل المجاهدة بل آخرها.

حديث معاذ: التدرّج

ومن أوضح ما يُبيّن هذا التسلسل: وصيّة النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن:

«إنك تأتي قومًا أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في كلّ يومٍ وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم» (متفق عليه).

فتأمّل الترتيب: أولًا مرحلة بناء الإيمان. فإذا استجابوا وتأثّروا، انتقل بهم إلى الصلاة — وهي العمود. فإذا استقاموا عليها انتقل إلى الزكاة.

ولاحظ: «فإن هم أطاعوك لذلك» — أي أن الانتقال مشروطٌ بتحقّق ما قبله. فإن لم يعرفوا الله لم يتحرّك من مكانه، ولم ينقلهم إلى مرحلةٍ أخرى.

ولم يتكلّم في الزكاة إلا بعد أن تجاوبوا مع الصلاة؛ فمن استقام على الصلاة سهل عليه أن يُخرج ماله.

الصلاة هي المعيار

فأيّ شخصٍ أو مجتمعٍ إنما يستقيم على مقدار ما يُبثّ فيه من إيمان، ومقدار ما تُقام فيه من صلاة.

ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة معيارًا؛ فقد سُئل عن الأمراء ومنازعتهم فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (رواه مسلم).

وقال: «لتُنقضنّ عرى الإسلام عروةً عروة؛ فكلّما انتقضت عروةٌ تشبّث الناس بالتي تليها. فأولهنّ نقضًا الحُكم، وآخرهنّ الصلاة» (رواه أحمد).

فأول ما يفسد هو الحكم، وآخر ما يبقى هي الصلاة. فإذا انتُقضت الصلاة لم يبقَ من الدين شيء.

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يُغير على قومٍ انتظر حتى الصبح؛ فإن سمع أذانًا كفّ، وإن لم يسمع أغار.

نقدٌ منهجيّ: نحن نبدأ من الآخر

ونحن نفعل العكس تمامًا! فأول ما يُنقض هو الحكم، ونحن نريد أن نبدأ من هناك: نضبط الحكم أولًا، ثم — بعد أن نضبطه — نضبط الصلاة!

وهذا يعني أن نلفّ من أبعد نقطة. فأول شيءٍ فسد هو آخر شيءٍ يُصلَح — هذا هو الطبيعي؛ وآخر شيءٍ تأثّر هو أول ما يُصلَح.

ولذلك في حديث الخلافة على منهاج النبوّة: فهي ثمرة لا مقدّمة. فهي تُقيم نظامها على وفق بنائها، لا تُقيم بناءها على وفق نظامها.

وهذه عقليّاتٌ عجيبة المنظر. فأين الرؤية الاستراتيجية؟ وعلى أيّ شيءٍ نبني؟

الأحلام والأماني

ومن أعجب ما يُبنى عليه: الأحلام والأماني — أن ننام وننتظر شيئًا سيحدث، ونتخيّل أنه سيأتي بسهولة.

ومن أوضح صورها فكرة المهدي عند كثيرٍ من الناس: فهو الكائن الخارق الذي يقف وحده أمام الجميع، فيُنهي الكفر في العالم — ثم نخرج نحن من البيت وقد انتهى كلّ شيء!

وهذا لم يحدث حتى مع شخص النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فضلًا عن غيره. فلو كان ثمّة من يفعل كلّ شيءٍ وحده لكان هو صلى الله عليه وسلم.

قصة البطيخة

ومن القصص الدالّة: أن رجلًا اشترى بطيخة، فلمّا فتحها إذا فيها أطفالٌ يلعبون! فسألهم: ما تريدون؟ فقالوا: نريد قصرًا.

فقال: يا أبنائي، من كان يعيش في بطيخة، فمن أين له أن يبني قصرًا؟!

فنحن نبني قصورًا على أشياء غير موجودة.

العالم يتقدّم ونحن نرجع

والناس كلّها تتحرّك، والناس كلّها تعمل، والعالم كلّه يتقدّم.

فلو نزلتَ إلى الشارع وأخذتَ صورةً للإسكندرية سنة اثنتين وسبعين وقارنتها بالتي نحن فيها اليوم، لوجدتَ أشياء كثيرة كان الأولى بها أن تكون أفضل.

ولو سافرتَ إلى بلدٍ نتمنّى أن نذهب إليه، لوجدتَ أن ما فيه كان موجودًا عندنا من زمان.

فالناس كلّها تتقدّم ونحن نرجع إلى الوراء.

خاتمة: نحن نبني

فخلاصة ما قاله ابن القيم في «بنى سلوكه»: أن علاقة الإنسان بالله — سواءٌ كانت فردية أو مجتمعية — عبارةٌ عن بنيان.

فإن كان عندنا قدرٌ من الجدّية فنحن نبني شيئًا: بالبطيء أو بالسريع أو بين بين — لكننا نبني.

والمسألة مسألة تحقّق لا انتساب. فنحن انتسبنا إلى الإسلام تشرّفًا — وهذا جميل؛ لكن هل يكفينا الانتساب التشريفي؟ أم لا بدّ من الانتساب الحقيقي؟

ورمضان مقبل؛ فلعلّها تكون فرصةً حسنة أن نكون أفضل. فكم من رمضان مضى وضاع.

ولذلك ينبغي أن نستعدّ له قبل مجيئه بمدّة، ونُهيّئ أنفسنا؛ فإن الإنسان كثيرًا ما يأتيه رمضان فيستفيق فجأةً وقد مضى منه سبعة عشر أو ثمانية عشر يومًا.

وجزاكم الله خيرًا، وعلى كلّ أعمالكم خير.