جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

تابع مقدمة كتاب الأذكار للنووي

العلم إنما يُراد للعمل

كنّا نقول في أكثر من موضع: إن العلم إنما يُراد للعمل والتطبيق والاستفادة منه. فإذا فصلنا بين جانب المعرفة وجانب العمل، صار الناس يتعاملون مع الدين باعتباره ثقافة — أي معلوماتٍ ومعارف.

ومن هنا تتّسع المسافة جدًّا بين ما يعرفه الإنسان وبين مقدار تفعيله لما يعلمه. وكلّما ازدادت الهوّة ازداد شعور الإنسان بأنه خارج عالم التطبيق.

وفي الوقت نفسه لا يعود يُميّز بين الأشياء المهمّة بالنسبة له والأشياء غير المهمّة: ما الذي سيُعبّئه عمليًّا ويُقرّبه من الله؟ وما الذي هو مجرّد معلوماتٍ لا أثر لها؟

ما معنى «الدين»؟

و«الدين» هو الشيء الذي يَدين به الإنسان ويتعبّد ويخضع به لله. فلو كانت معلومةٌ لا تُثمر شيئًا دينيًّا — لا زيادةَ إيمانٍ ولا زيادةَ ممارسةٍ تُقرّب من الله — فدخولها في الدين عريضٌ لا حقيقي؛ لأنها لا تُوجد دينًا في الحقيقة.

الإمام أحمد: «ما كتبتُ حديثًا إلا وقد عملتُ به»

يحكي المرّوذي — تلميذ الإمام أحمد رحمه الله — عنه أنه قال: ما كتبتُ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عملتُ به؛ حتى مرّ بي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا — فأعطيتُ الحجّام دينارًا حين احتجمت.

وتأمّل: هو ينقل هذا لتلميذه ليُعلّمه كيف يكون السلوك مع ما يتعلّمه الإنسان من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله «ما كتبتُ حديثًا» ليس كلامًا عن عددٍ صغير؛ فقد كان يُقال إنه يحفظ ألف ألف حديث. فمعنى ذلك أن عنده ألف ألف تطبيق!

الحفظ والفهم والتطبيق معًا

ومعنى «عملتُ به» أولًا: أنه وضعه في ذهنه وحمل به شيئًا. فأنا لو تعاملتُ مع الأمر على أنه عدُّ محفوظاتٍ ومعلومات فلن أُركّز.

ونحن نقرأ أحاديث كثيرة وآياتٍ كثيرة لا تُترجَم إلى شيء؛ تمرّ كما تمرّ الأشياء على الشاشة من اليمين إلى الشمال ولا يخرج منها شيء.

وهذه من مشاكل التعليم عندنا: أنك لا تكاد تستعمل الحاستين معًا — دماغك ويدك في وقتٍ واحد. فإمّا حافظٌ وإمّا فاهم!

فالإمام أحمد يحفظ ويفهم معًا، ثم بعد أن يفهم يُنفّذ ويُطبّق ما فهمه.

وقفة: قيمة الدينار

وقوله «حتى مرّ بي» للتبعيد — أي إلى هذه الدرجة! فالحجامة أمرٌ عاديّ يفعله الإنسان لحاجة.

لكنّ الدينار — وهو نحو أربعة جراماتٍ وربع من الذهب — قيمةٌ كبيرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاه على وجه الإحسان والإكرام، لا لأنه أجر الحجامة.

وأحمد رحمه الله عاش فقيرًا ومات فقيرًا، ولم يكن يقبل من الخلفاء عطايا ولا أموالًا. فالدينار بالنسبة له مبلغٌ كبير؛ وربما احتاج أن يستدين ليُوفّره.

وكان يمكنه أن يُعطي الحجّام درهمين أو ما جرت به العادة، وهو كافٍ. لكنه أراد أن يمتثل ما ورد في الحديث امتثالًا تامًّا وإن لم يكن في دائرة الوجوب — فقد التزم شيئًا وأراد أن يلتزم به على وجه الكمال.

مشكلتنا ليست في المعلومة

فلو قارنّا هذا بأنفسنا: كم من الأشياء سمعناها ونعرفها!

فنحن — سواءٌ من يجلس في المسجد أو المجتمع عمومًا — ليست مشكلتنا معرفيةً في الأساس. ولذلك حين تُريد أن تفعل شيئًا يأتيك من يقول: يا شيخ، أليس هذا مكروهًا؟ فالمعلومة موجودة.

لكنّ الإحساس بأهميتها هو الغائب.

مجالس الذكر

ثم قال الإمام النووي رحمه الله: اعلم أنه كما يُستحبّ الذكر يُستحبّ الجلوس في حِلَق أهله.

وقد ذكرنا في المرة الماضية أن العلماء كالنسائي وغيره كانوا يُسمّون كتب الأذكار «عمل اليوم والليلة» — أي الأشياء التي تنتظم يوم الإنسان وليلته، بحيث يكون ذاكرًا لله في حركته وسكونه وفي كلّ ما يعمل.

فهنا يتكلّم عن شيءٍ إضافيّ فوق ذلك: اجتماعٌ مقصودٌ منه الذكر.

الفرق بين الذكرين

فما الفرق بين ذكرٍ يتوزّع في يوم الإنسان وليلته في كلّ أعماله، وبين مجلسٍ يُخصَّص للذكر؟

أن الإنسان يُخصّص وقتًا معيّنًا غايته التقرّب إلى الله؛ فهذا يزيده إيمانًا، ويضعه في جوٍّ من السكينة والطمأنينة يحتاجه، فيَشحن منه ليستمرّ في الحياة ويرتقي في مراقي إيمانه.

وفي الوقت نفسه فيه جانب الاجتماع وجانب الإعانة: الناس يُحصّلون بعضهم بعضًا — وهذا من إصابة الاجتماع على الخير.

حديث معاوية رضي الله عنه

روى مسلم عن معاوية رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقةٍ من أصحابه فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا. قال: «آللهِ ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يُباهي بكم الملائكة».

عظمة أن يُباهي الله بهم الملائكة

والملائكة مخلوقاتٌ إنما خُلقت للعبادة الدائمة؛ دائمة الطاعة والقنوت والذكر. حتى إن منهم من هو قائمٌ أبدًا، ومنهم راكعٌ أبدًا، ومنهم ساجدٌ أبدًا. فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك.

فأن يُباهي الله بهؤلاء العباد الملائكةَ — وهم بهذه الصفة — أمرٌ عظيم.

وربما كان في ذلك جوابٌ لقول الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَالبقرة: ٣٠ — أي أن من هؤلاء العباد من يُقبل على الله ويترك شواغل الدنيا وراءه، ويُخلي نفسه للتقرّب والذكر والتعظيم واستشعار فضل الله ومنّته.

والأمر الثاني: أن عبادة الملائكة ليست مبنيّةً على مجاهدة؛ فليس عندهم هوًى ولا صراعٌ بين اتجاهين. فهم مفطورون على الطاعة. أما هؤلاء فيُعانون الصراع ثم يختارون.

لماذا استحلفهم؟

وفي رواية مسلم أن معاوية رضي الله عنه هو الذي فعل ذلك بقومٍ من أصحابه، تشبّهًا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال لهم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال: «أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ حديثًا مني».

ومعنى «بمنزلتي»: أنه كان قريبًا منه — باعتبار القرابة، وباعتبار أن أخته أمّ حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وباعتبار أنه كان من كتّاب الوحي؛ فهو يشهد ويرى في بيته وفي مجالسه.

ومع ذلك كان قليل الرواية؛ وهذا كان السلوك الغالب على معظم الصحابة — خشية أن يَهِم أو يُخطئ أو لا يضبط. فكان يُسلّم النصّ بنصّه.

حمد الله على نعمة الهداية

ولاحظ ما قاله القوم: «جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا».

فقد جعلوا من أصل هذا الذكر الثناءَ والحمدَ لله على أن وفّقهم وهداهم فصاروا من أهل الإسلام.

وقد ذكرنا هذا المعنى أكثر من مرّة: أن نعمة الله بالهداية نعمةٌ عظيمة لا يستطيع الإنسان أن يؤدّي شكرها، وربما لا يُدرك عظمتها ولا قيمتها.

وكان الصحابة يرتجزون: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدّقنا ولا صلّينا» (متفق عليه). فلولا هداية الله وتوفيقه ما وُفّقوا للإيمان ولا لآثاره من الصلاة والصدقة.

جزاء الذاكرين

وروى مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقعد قومٌ يذكرون الله عز وجل إلا حفّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده».

فما جزاء هؤلاء؟ أربعة أشياء:

أن تحفّهم الملائكة — فتشهد هذا المجلس.

وأن تغشاهم رحمة الله.

وأن تتنزّل عليهم السكينة — وهي الطمأنينة التي يجدها الإنسان في قلبه وصدره من جرّاء ذكره لله.

وأعظم من ذلك كلّه: أن الله في عليائه يذكر هؤلاء بأسمائهم وأعيانهم في الملأ الأعلى من الملائكة المقرّبين.

الذكر أوسع مما نتخيّل

قال رحمه الله: واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها؛ بل كلّ عاملٍ لله تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ لله تعالى.

قال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله؛ فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يُطعه فليس بذاكرٍ وإن أكثر التسبيح وقراءة القرآن.

وقال عطاء: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام: كيف تشتري وتبيع، وتصلّي وتصوم، وتنكح وتُطلّق، وتحجّ، وأشباه هذا.

مفهوم الحضور

فمعنى الذكر هو الحضور: أن يكون الإنسان مستحضرًا عظمة ربه غير غافلٍ عنها.

وقال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِيطه: ١٤. فالغاية من الصلاة ذكر الله.

فالإنسان إذا استحضر عظمة ربه فلا بدّ أن يوجّهه ذلك إلى الحرص على ما يُقرّبه من الله ومباعدة ما يُبعده.

وأصل الذكر إذًا شيءٌ قلبي؛ والذكر التامّ ما اجتمع عليه اللسان والقلب. فلو كان بالقلب وحده كان تفكّرًا، ولو كان باللسان وحده كان ناقصًا؛ لأن المقصود حضور الله في قلب الإنسان.

ولذلك فسّر سعيد بن جبير الذكر بالأثر: الذكر ما يترتّب عليه طاعة. فمعيار الذكر الحقيقي أن يحضر الإنسانَ عظمةُ الله.

ولماذا جعل عطاء مجالس الحلال والحرام ذكرًا؟

لأن معرفة الحلال والحرام هي معرفة الطريق إلى طاعة الله.

فالإنسان يعمل أشياء في حياته: بيعًا وشراءً وعبادةً وعلاقاتٍ أسريةً واجتماعية. ولكلٍّ منها منهاجٌ من الله. فالذاكر لله يحيا في إطار هذا المنهاج — فلا بدّ أن يكون مدركًا له.

فلو أردتُ أن أُطيع الله في معاملاتي الاجتماعية أو الأسرية، فلا بدّ أن أعرف صورة المنهاج الإلهي وصورة الحياة الأسرية لشخص النبوّة المقتدى به صلى الله عليه وسلم. فكيف أصل إلى ذلك بغير أن أعرف؟

خطرٌ منهجيّ: حمل ألفاظ الوحي على الاصطلاح الحادث

وللأسف صار مفهوم «مجلس الذكر» عندنا صورةً واحدة: حلقةٌ وناسٌ قاعدة أو واقفة يفعلون شيئًا معيّنًا. فأول ما تسمع الكلمة يقفز إلى ذهنك هذا الشكل.

وهذه مسألةٌ خطيرة جدًّا: خطورة حمل ألفاظ الوحي على الاصطلاح الحادث.

فالكلمات كان لها دلالةٌ في كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة. ثم بعد أزمنةٍ معيّنة صار لها معنًى آخر. فإذا سمعتَ الكلمة انصرف ذهنك إلى المعنى الدارج لا إلى المعنى الأصلي الذي نزل به الوحي.

مثال: «من يُرد الله به خيرًا يُفقّهه في الدين» (متفق عليه). فأول ما يخطر ببالك: أن تقرأ «فقه السنة»، أو «نيل الأوطار»، أو كتب أحكام العبادات والمعاملات والمواريث.

فمن أراد الله به خيرًا يُنهي «فقه السنة»! وليس هذا مراد الحديث أصلًا. فـ«الفقه» هو الفهم العميق لمعاني الدين، لا هذا الاصطلاح المتأخّر.

وكذلك حين نقول «مجلس ذكر» — فالمفروض أن يكون بالصورة الفلانية؛ فإذا لم يكن كذلك قلنا: هذا شيءٌ آخر!

وإنما مجلس الذكر ما اشتمل على التسبيح والتهليل والتكبير، أو على المعارف اللازمة التي تجعل الإنسان ذاكرًا لله ذكرًا حقيقيًّا.

قال: فكلّ ما تكلّم به اللسان وتصوّره القلب ممّا يُقرّب إلى الله تعالى — من تعلّم علمٍ وتعليمه، وأمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن منكر — فهو من الذكر.

الذكر: العبادة الوحيدة المأمور فيها بالكثرة

قال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًاالأحزاب: ٣٥.

وقد ذكرنا قبل ذلك أن الله يأمرنا في سائر العبادات بمطلق العبادة؛ أما الذكر فهو الشيء الوحيد الذي يُطلب فيه الكثرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًاالأحزاب: ٤١.

وفي المقابل وصف أهل النفاق: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًاالنساء: ١٤٢.

وقفة: ألفاظٌ صارت أداةً للمداورة

ولا يوجد إنسانٌ يستطيع أن يتجنّب الذكر في يومه؛ فألفاظ ذكر الله موجودةٌ في حياتنا.

لكن انظر كيف نستعملها:

تطلب مني شيئًا وأنا لا أريد أن أفعله، فأقول لك: «إن شاء الله». والمفروض أن معناها: أنا ناوٍ أن أفعل، لكن ربما يُقدّر الله أمرًا فوق طاقتي فلا أستطيع.

لكنّك أول ما تسمعني أقول «إن شاء الله» تفهم فورًا: انسَ الموضوع!

وتطلب مني أن أُساعدك، فأقول: «الله المستعان». والمفروض أن معناها: أنا سأفعل، وأطلب العون من الله ليُعطيني القوّة على التنفيذ. لكنّك تفهم أنّي لن أفعل.

فهذا من أسوأ ما يكون: أن يتحوّل الذكر الإلهي إلى أداةٍ للمداورة والاعتذار. فالكلمة صارت تُستعمل في غير موضعها، وصارت هي نفسها إشارةً إلى العكس.

مقدار الذكر المؤثّر

قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُآل عمران: ١٣٥.

فالإنسان إذا غلبته نفسه أو هواه أو شيطانه أو ضعفه فزلّ — في كبيرٍ أو صغير — فماذا يفعل؟ يتذكّر: يتذكّر عظمة ربه، ويتذكّر أنه جنى على نفسه ولم يُقدّر ربه حقّ قدره. فيبدأ يشعر بالندم.

فالذكر هنا حالةٌ وجدانية وقعت في القلب، ثم ترتّب عليها المسارعة إلى الاستغفار وترك الإصرار.

«سبق المُفرِّدون»

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبق المُفرِّدون». قالوا: وما المُفرِّدون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» (رواه مسلم).

وسياقه: أنه كان في سفرٍ فأسرع قومٌ وتأخّر آخرون، فرأى المتأخّرون أن أولئك قد سبقوهم وبعُدوا. فقال صلى الله عليه وسلم: «سيروا، هذا جُمْدان» — وهو اسم جبلٍ أمامهم. ثم قال: «سبق المُفرِّدون».

فكأنه يقول: ليس السبق الحقيقي هذا. وإنما السبق سبق هؤلاء الذين بهذه الصفة.

وهذا من صور التعليم النبوي المتكرّرة: أنه صلى الله عليه وسلم لا يدع فرصةً تمرّ دون أن يُذكّر بالمعاني الكبرى والمعاني الأخروية.

ونحن نحتاج هذا كثيرًا؛ لأننا نعيش في الدنيا وموازينها ومعاييرها تغلب علينا، فننسى الموازين والمعايير الأخروية.

«لمناديل سعد في الجنة أنعم من هذا»

ومن الأحاديث العظيمة الدالّة على عظمة شخص النبوّة:

أُهديت إليه صلى الله عليه وسلم حُلّةٌ من حرير، والناس في حياةٍ خشنة، فجعلوا يلمسونها ويعجبون من لينها. فقال صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خيرٌ منها وألين» (متفق عليه).

و«المناديل» أقلّ ما يكون من متعلّقات القماش. فتأمّل: أقلّ شيءٍ عند سعدٍ في الجنة أنعم من أفخر ما يرونه.

ثم تأمّل الموقف: هو يذكر سعدًا رضي الله عنه — بعد الأحزاب وبني قريظة. فالناس في جوٍّ من الإعجاب بالحُلّة، فينقلهم في جملةٍ واحدة إلى الجنة، وفي الوقت نفسه يُذكّرهم بـسعد وفضله وسابقته وما أولاه الله.

فكلّ من كان جالسًا انتقل وجدانيًّا إلى مكانٍ آخر تمامًا. فشخص النبوّة لا تكاد تصفه حقّ وصفه.

من هم «الذاكرون الله كثيرًا»؟

قال: واعلم أن هذه الآية الكريمة ممّا ينبغي أن يهتمّ بمعرفتها صاحبُ هذا الكتاب. وقد اختُلف في ذلك:

قال الواحدي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوًّا وعشيًّا، وفي المضاجع، وكلّما استيقظ من نومه، وكلّما غدا أو راح من منزله.

وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.

وقال عطاء: من صلّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخلٌ في قول الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.

وجاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصلّيا — أو صلّى ركعتين جميعًا — كُتبا في الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات».

لماذا يُطيل المؤلّفون المقدّمات؟

وسنجد أن ابن القيم رحمه الله فعل الشيء نفسه في «الوابل الصيّب»؛ فجعل نصف الكتاب تقريبًا مقدّمةً في بيان أهمية الذكر.

ولماذا؟ لأن الإنسان لا يحرص على شيءٍ إلا على مقدار ما يستشعر أنه محتاجٌ إليه.

فالدين حلوٌ — ما قال أحدٌ إن الدين ليس حلوًا. لكن: هل هو بالنسبة لي مهمٌّ وضروري لاستقامة حياتي الدنيوية قبل الأخروية؟ هذا هو السؤال.

فما دام حلوًا وكفى، فنحن «مُكمّلون» — لا ندري إلى أين، لكننا مُكمّلون!

فابن القيم له هدفٌ يريد أن يصل إليه؛ فهو ليس مؤلّفًا يريد أن يزيد كتابًا في الأذكار. وإنما يريد أن يدفعنا دفعًا إلى أن نصير من الذاكرين. وهذه علامة الحبّ الحقيقي: أنه حريصٌ على أن نمتثل.

الإنسان يحتاج من يدفعه

وبما أن الإنسان في العادة لا يكون عارفًا مصلحته، فهو محتاجٌ إلى من يُوجّهه.

قال تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًاالأحزاب: ٧٢.

فهاتان مشكلتان: ظلوم — أي يتّبع هواه؛ فقد يعرف الصواب ثم يُخالفه لأن نفسه تنازعه. وجهول — أي الرؤية عنده غير واضحة أصلًا؛ فلا يُدرك ما ينفعه وما يضرّه، فقد يفعل ما يُهلكه وهو يظنّ أنه ينفعه.

فالإنسان محتاجٌ دائمًا إلى الإرشاد والتوجيه. وهذا لا يتمّ إلا بأن يوجد من يُحاول أن يُفهّمه ويدفعه في هذا الاتجاه.

لماذا يُؤلَّف كتابٌ جديد؟

ولذلك فرقٌ بين الكتب التي تُؤلَّف اليوم وبين كتب العلماء.

فالعالم لا بدّ أن يبتغي من ورائها منفعة، أو يُضيف شيئًا يحتاجه الناس ولم يكن موجودًا. فالنووي رحمه الله ألّف «الأذكار» لأن الكتب السابقة فيها أسانيد طويلة صعبت على الناس؛ فأراد أن يُسهّل ويشرح ويُضيف فوائد عملية. فلا بدّ من قيمةٍ مضافة.

«يقلّ العلم ويظهر القلم»

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في علامات الساعة أن يقلّ العلم ويفشو الجهل؛ وذكر في الوقت نفسه أن يظهر القلم.

فالعلم يقلّ والقلم يظهر — أي تكثر المؤلّفات والمطابع، ومع ذلك يقلّ العلم!

فلا علاقة بين كثرة المؤلّفات وكثرة الرسائل الجامعية وكثرة الألقاب العلمية، وبين أن يكون ثمّة علمٌ حقيقيّ يزيد. بل ربما كانت الصورة عكسية.

نقد: الشهادة العلمية دمّرت مفهوم العلم

ففكرة الشهادة العلمية نفسها دمّرت مفهوم العلم الأصلي عند العلماء.

فالفكرة القديمة أن الإنسان يستزيد من علمه كلّ يومٍ إلى أن يتوفّاه الله. وأما اليوم فمنتهى العلم عندي أن أحصل على الدرجة العلمية.

ثم إن الدكتوراه تكون في نقطةٍ محدودة جدًّا يقضي فيها أربع أو خمس سنوات؛ فربما أجاد في تلك النقطة بعينها، وما حولها ضبابيّ.

وكذلك فكرة أن أتعلّم لأنجح في الامتحان أو لآخذ الشهادة — هذه تُفرغ العلم من قيمته. فالعلم في ذاته لا قيمة له عندي؛ إنما هدفي أن آخذ الورقة.

ثم بعد الدكتوراه: كلّ فترةٍ بحثٌ صغير لأنتقل من درجةٍ إلى درجة، حتى أصير رئيس قسم — وينتهي الأمر.

العلم الذي يُورث الخشية

والعلم المفروض أن يُورث الإنسان الخشية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُفاطر: ٢٨.

وتأمّل: هذه الآية نزلت تعقيبًا على أمورٍ كونية — على المطر والجبال والصخور وألوانها. فليس المقصود بها الفقهاء وعلماء الأحكام فحسب.

فالعلم الطبيعي نفسه يُورث الخشية؛ لأنه يُري الإنسان عظمة الله وحكمته وجلاله ورحمته وهدايته.

ولذلك ليس منطقيًّا أن يكون الإنسان عالمًا بالطبيعة أو الفيزياء أو الكيمياء ثم يكون ملحدًا.

قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌفصلت: ٥٣.

فقد يتبيّن له ثم لا يتّبع — والغالب أن النفس تُعاند؛ لكنّ العناد يكون بعد أن تبيّن أنه حقّ.

مقدّمة ابن القيم

قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

الله سبحانه المسؤول المرجوّ الإجابة أن يتولّاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة، وأن يجعلكم ممّن إذا أُنعم عليه شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا ينفكّ عبدٌ عنها أبدًا.

فإن العبد دائمًا في تقلّبٍ بين هذه الأطباق الثلاثة.

وقفة: البسملة والحوقلة

فبدأ بالبسملة، ثم بالحوقلة — «لا حول ولا قوّة إلا بالله».

و«الحول» هو التحوّل من حالٍ إلى حال: من ضعفٍ إلى قوّة، ومن معصيةٍ إلى طاعة، ومن غفلةٍ إلى ذكر. و«القوّة» على هذا التحوّل أو على الاستمرار في الخير لا تكون إلا بمدد الله.

الحال الأولى: النعمة والشكر

قال: الحالة الأولى: نِعَمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقيدها الشكر.

وهو مبنيٌّ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدّث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة وليّها ومُسديها ومُعطيها. فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.

فأنا لكي أحفظ النعمة عليّ أن أستخدمها فيما يُرضي الله؛ فإن استخدمتُها في عكس ذلك أضعتُها.

قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْالضحى: ١١، وقال: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُسبأ: ١٣، وقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌإبراهيم: ٧.

وقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَالنحل: ١١٢.

استطراد: الآيات ليست وسومًا

وهنا وقفةٌ لا بدّ منها: نحن صرنا نأخذ الآية فنجعلها وسمًا (هاشتاجًا) في معركةٍ سياسية!

فتُوضع الآية في سياقٍ تحريضيّ، ويُشار بها إلى شخصٍ بعينه أو جهةٍ بعينها. وهذا سوءُ استعمالٍ لكلام الله؛ فالآية نزلت لتُقرّر سنّةً إلهية عامّة في الأمم، لا لتكون سلاحًا في مناوشة.

الشكر يبدأ من الداخل

فأول شيءٍ هو الشعور الداخلي — وهو الأهمّ. فكلمة «الحمد لله» إن لم تكن تنمّ عن إحساسٍ حقيقيّ بفضل الله فهي لفظٌ فقط.

ثم التحدّث: أن يتحدّث الإنسان دائمًا بفضل الله عليه. ولا يكفي الإجمال؛ بل ينبغي التفصيل.

لكنّ ذلك يكون خصوصًا في دائرة من يحبّهم ويحبّونه — إذا كان يعلم أن قلوبهم لن تنطوي على حسدٍ أو ضغينة.

الجمع بين الحديثين

وهذا هو الجمع بين قوله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْالضحى: ١١ وبين قوله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا: «الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحبّ فلا يُحدّث به إلا من يحبّ» (متفق عليه)، «وإذا رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرّها ومن شرّ الشيطان».

فالتحدّث بالنعمة نوعٌ من «التحديث» — أي تجديدها واستحضارها؛ لكنّه يكون في الدائرة الآمنة.

وقفة: الرؤيا والحلم والحديث النفسي

والمنام ثلاثة أنواع:

رؤيا — وهي من الله، ولها علاماتٌ واضحة: تقع في القلب موقعًا خاصًّا، ويشعر صاحبها أن فيها إشارةً ورسالة.

وحلمٌ من الشيطان — وهو ما يُفزع ويُحزن.

وحديث نفس — وهو أن ينام الإنسان وهمومه شغّالة، فيرى ما كان يُفكّر فيه بالنهار. فمن كان يريد أن يشتري شيئًا فحلم به، فهذا ليس رؤيا؛ إنما هو امتدادٌ لما في ذهنه.

الحال الثانية: المحنة والصبر

قال: الثاني: محنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضه فيها الصبر والتسلّي.

والصبر: حبسُ النفس عن التسخّط بالمقدور، وحبسُ اللسان عن الشكوى، وحبسُ الجوارح عن المعصية — كاللطم وشقّ الثياب ونتف الشعر ونحوه.

فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة. فإذا قام بها العبد كما ينبغي، انقلبت المحنة في حقّه منحة، واستحالت البليّة عطيّة، وصار المكروه محبوبًا.

فإن الله سبحانه لم يبتلِه ليُهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته.

ما التسلّي؟

و«التسلّي» أن يبحث الإنسان عمّا يُسرّي عنه. فمن أصابته مصيبة، فليتذكّر المصيبة العظمى — فقدَ شخص النبوّة صلى الله عليه وسلم؛ فيهون عليه ما دونها.

ومنه ما قالته الخنساء وهي تبكي أخاها صخرًا:

ولولا كثرةُ الباكينَ حولي على إخوانِهم لقتلتُ نفسي

فمعناه: أن مشاركة الناس في المصيبة تُخفّفها. فأنا لستُ وحيدًا في الإصابة.

الشكوى المقنّعة

وأما التسخّط فهو رفض قدر الله؛ أن يكون الإنسان زعلانَ من ربه: لماذا فعل بي هذا؟

وأما الشكوى فأحيانًا تخرج في صورة حمد! فيُقال له: كيف حالك؟ فيقول: الحمد لله — بنبرةٍ وسياقٍ يدلّان على التبرّم.

ونظيره سوءُ استعمالٍ آخر: أن ترى نعمةً عند أخيك فتقول: «ما شاء الله» — وأنت تقصد أن تغمزه أو تُلقي في نفسه قلقًا! فالكلمة أصلها إقرارٌ بأن النعمة بمشيئة الله؛ فكيف تُستعمل قنبلةَ دخانٍ لتشويش الرجل؟ فهذا سوء استخدامٍ للدين.

لماذا يتسخّط الإنسان؟

لأنه لا يرى إلا الجانب السيّئ، وغافلٌ عن أن الله لا يصنع سيّئًا ولا يُقدّر سيّئًا.

وهنا المشكلة كلّها: كلّ المشاكل مشاكل معرفة — مدارها على معرفة الإنسان بربه.

العبودية في الضرّاء

قال: فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضرّاء كما له عبوديةٌ في السرّاء، وله عبوديةٌ عليه فيما يكره كما له عبوديةٌ فيما يحبّ.

وأكثر الخلق يُعطون العبودية فيما يحبّون؛ والشأن في إعطاء العبودية في المكاره. ففي هذا تتفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى.

فمن كان عبدًا لله في الحالتين، قائمًا بحقّه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي تناوله قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُالزمر: ٣٦.

الكفاية الإلهية

ومعنى الكفاية: أن يكفيه الله كلّ ما أهمّه من أمر الدنيا والآخرة — كلّ الشرور والهموم وتوجّسات المستقبل.

ونحن ربما عانينا من توجّسات المستقبل أكثر مما نعاني من مصاعب الحاضر: أن الوضع الذي أنا فيه اليوم سيستمرّ غدًا أو يزداد؛ أو أن الخير الذي أنا فيه اليوم سينقطع غدًا.

وطبيعة الإنسان أن يتوقّع الأسوأ. ومعظم التوقّعات لا تحدث؛ لكننا ندفع ثمنها النفسي كاملًا!

فأنا في هذه اللحظة عندي نعمة، ثم أُنغّصها على نفسي بأنها قد لا تستمرّ — فلا أستمتع بها. ثم لو أتت الهموم غدًا فسأكون قد أنهكتُ نفسي مقدّمًا.

وعلاج ذلك حسن الظنّ بالله: أنّي ما دمتُ في دائرة الشكر فالنعمة في دائرة الحفظ.

قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْالرعد: ١١، وقال: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْالأنفال: ٥٣.

فنحن الذين نُغيّر.

النقص من عندنا

قال: فالكفاية التامّة مع العبودية التامّة؛ والنقص من هذه بحسب النقص من هذه.

فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.

وقد قيل: من ثواب الحسنة الحسنةُ بعدها، ومن عقوبة السيّئة السيّئةُ بعدها. فمن عمل خيرًا كان من شكر الله له أن يفتح له بابًا لخيرٍ آخر.

«إن عبادي ليس لك عليهم سلطان»

قال: وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوّه عليهم سلطان؛ قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌالحجر: ٤٢.

فنحن دائمًا نشتكي من نزغات الشيطان. فما الحلّ؟

كلّما كان الإنسان أكثر عبادةً لله وأقرب إليه، كان في دائرة الحفظ والحماية.

و«السلطان» هو السيطرة. فليس معناه أن الشيطان لا يقترب أصلًا؛ وإنما ألّا يكون له عليهم قهرٌ وتحكّم.

وفي المقابل: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّامريم: ٨٣. و«تؤزّهم» أي تستفزّهم وتدفعهم دفعًا؛ فهو لا يقدر أن يمتنع ولا أن يتوقّف — لأنه سلّم له القيادة تمامًا.

الاستعاذة تحتاج إحساسًا

فإذا استعذتُ بالله دخلتُ في حمايته. لكن لكي أقول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» لا بدّ أن أكون حاسًّا بهذا المعنى، مستشعرًا أنّي فعلًا محتاجٌ ومضطرّ إلى أن يُعيذني الله.

فأيّ أحدٍ يجمع قلبه على طلبٍ من الله في أيّ شيء، ويشعر بشدّة الاحتياج، ويوقن أن الله وحده هو الذي يستطيع أن يستجيب — فالإجابة قريبة.

«أمّن يجيب المضطرّ»

قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَالنمل: ٦٢.

وهذا خطابٌ لإقامة الحجّة على الكفار: أنه لا إله إلا الله.

ولماذا قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ؟ لأن هذه المواقف مرّت بنا مرّةً واثنتين وعشرًا ومئة! فالله يُذكّرنا بمواقف اضطرارٍ كثيرة لجأنا فيها إليه فأغاثنا.

لماذا يُجاب المضطرّ والمظلوم؟

ويستجيب الله لأيّ إنسانٍ مضطرّ أو مظلوم — مسلمًا كان أو كافرًا. ولماذا؟

لأن المضطرّ في لحظة الدعاء يكون مُخلصًا؛ فليس في ذهنه ولا قلبه إلا الله. فهو في تلك اللحظة موحّدٌ معظِّم.

وأما المظلوم فكسرتُه يعلم أنه لا يجبرها إلا الله. فمتى يدعو بحُرقة؟ حين لا يكون معه شيءٌ يفعله: لا واسطة يتّصل بها، ولا علاقات تسنده، ولا مالٌ يُنفقه. فكلّ شيءٍ مقطوع إلا من فوق.

قال صلى الله عليه وسلم: «اتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (متفق عليه). وجاء: «يرفعها الله فوق الغمام، ويقول: وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين» (رواه الترمذي).

و«بعد حين» — فالأجل يُحدّده الله. لكننا مستعجلون ومحدودون؛ نريد أن نرى النتيجة اليوم أو في حياتنا على الأقلّ. وليس ذلك شرطًا.

«إن الله ليُملي للظالم»

لكنّ اليقين أن الله لا بدّ أن يُقيم ميزان العدل.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته». ثم قرأ: وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌهود: ١٠٢ — (متفق عليه).

وقال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُإبراهيم: ٤٢.

فنحن نعتقد أن الإمهال صورةٌ من صور الرضا؛ وليس كذلك. وإنما هو من رحمة الله وعظمة حلمه — يُعطي المعاذير للخلق ويُمهلهم.

وقال تعالى: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِالذاريات: ٥٩. و«الذَّنوب» الدلو الكبير — أي نصيبٌ من العذاب.

فهو يملأ الإناء شيئًا فشيئًا؛ حتى إذا اكتمل أُخذ. والمشكلة أن الظالم — لطول الإمهال — يتخيّل أنه لا حساب.

الشيطان يعلم أن ثمّة من هم خارج سيطرته

قال: ولمّا علم عدوّ الله إبليس أن الله تعالى لا يُسلّم إليه عباده ولا يُسلّطه عليهم، قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَص: ٨٢–٨٣.

الفرق بين المعسكرين

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَالأعراف: ٢٠١–٢٠٢.

فالفرق ليس أن الشيطان لا يمسّ المؤمن مطلقًا؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجنّ». قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: «وإيّاي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم؛ فلا يأمرني إلا بخير» (رواه مسلم).

فأيّ أحدٍ سواه لا بدّ أن يعتريه شيءٌ من نزغات الشيطان.

معنى «طائف»

ولاحظ الكلمة: طَائِفٌ — أي أن الشيطان يتعامل مع المؤمن بالطَّواف؛ يحوم حوله كمن يريد أن يقتحم مكانًا فيبحث عن ثغرةٍ أو نقطة ضعف.

وهو لَحوحٌ جدًّا لا يقف؛ فيظلّ يلفّ حول قلب الإنسان — قد يطول ذلك — لكنه لا يترك حتى يقتنص اللحظة: لحظة ضعفٍ أو غفلةٍ أو نسيان.

ثم ماذا؟

تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَالأعراف: ٢٠١. فماذا يُبصر؟

يُبصر أين كان، وكيف دخل عليه الشيطان، ومن أين أُتي. ويُبصر عظمة الله وتقصيره في حقّه. ويُبصر طريق الأوبة والعودة.

وأما المعسكر الآخر: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَالأعراف: ٢٠٢ — فلا يقفون ولا يفكّرون ولا يتوبون ولا يرجعون.

قال تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِالإسراء: ٢٧.

فالفارق بين الفريقين: أن الأول غفلته محدودة وتذكّره سريع؛ والثاني يستمرّ.

أخطر ما يكون: أن يتحوّل الإنسان

فالإنسان ما دام في دائرة الإنسانية — حتى لو كان مُوغلًا في المعاصي — يستطيع أن يخرج بإذن الله.

لكنّ الخطر أن يتحوّل هو نفسه إلى شيطان.

قال تعالى: شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاالأنعام: ١١٢. وقال: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِالناس: ٤–٦.

ولاحظ الترتيب: في الأنعام قُدّم «شياطين الإنس» — لأنهم هم الذين يُخاطبون ويُرون، والجنّ وراء الكواليس. وأما في سورة الناس فقُدّمت «الجِنّة» باعتبار الأخطر والأخفى.

الخلاصة العملية

فلكي يحتمي الإنسان من الشيطان ويبقى في كفاية الله وحفظه، عليه أن يتحقّق بعبوديته لله في هذه الأطباق الثلاثة:

إن كنتُ في عافيةٍ في ديني ودنياي — أي لستُ متلبّسًا بمعصيةٍ ولا واقعًا في مصيبة — فماذا أفعل؟ أشكر؛ ليحفظ الله عليّ النعمة.

وإن كنتُ في ابتلاءٍ دنيوي — بدنيّ أو ماليّ — فأول شيء: أتذكّر أن هذا من الله؛ وما دام من الله فهو خيرٌ بالضرورة. وبالتالي أستطيع أن أصبر وأُسلّم ولا أشتكي.

وإن كنتُ في ابتلاءٍ ديني — أي وقعتُ في معصية — فأُسارع بطرق باب الاستغفار.