الخلفية: خندقٌ وحلفاءُ في الظهر
فلمّا قدمت قريش وغطفان — وكان عددهم نحو عشرة آلاف — ليغزوا المدينة في غزوة الأحزاب، صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق ليحتموا به.
والمدينة لها أربع جهات: في جهتين منها الحرّة — وهي أرضٌ مبسوطةٌ فيها قطعُ صخرٍ كبيرة لا يستطيع أحدٌ أن يعبر منها. وجهةٌ فيها بنو قريظة. والجهة الرابعة مكشوفة.
فحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق في الجهة المكشوفة، وجعل ظهره إلى بني قريظة — وهم أهل عهدٍ وحِلف. فالمسلمون في ظنّهم آمنون من تلك الناحية.
يهود المدينة الثلاثة
وكان يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة.
وكان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقٌ أشبه ما يكون — في التعبير المعاصر — بـاتفاقيات الدفاع المشترك: على الدفاع عن المدينة وحمايتها، وعلى تساندٍ ماليّ فيما يتعلّق بآثار الحروب والدِّيات.
نقض بني قينقاع
فلمّا نصر الله المسلمين في بدر، ظهر أثر ذلك في المدينة. فأمّا من كان يكتم شركه فرأى أن للإسلام شوكةً وقوّة، فقرّر أن يدخل فيه ظاهرًا لا باطنًا — ومن هنا اشتُهر اسم المنافقين؛ ورأسهم عبد الله بن أُبيّ.
وأما بنو قينقاع فلم يُعجبهم ذلك، وقالوا: لعلّ محمدًا قد غرّه أنه انتصر على قريش؛ فلو قاتلَنا لعلم أنّا نحن أهل القتال.
وهذا كلامٌ لا يُؤخذ به قانونًا؛ فليس ثمّة موقفٌ حصل يُفسد الاتفاق. لكنّ الأمر انتهى إلى ما انتهى إليه: فقد جاءت امرأةٌ من المسلمين إلى سوقهم، فعمد أحدهم فربط طرف ثوبها إلى ما تجلس عليه؛ فلمّا قامت انكشف بعضها فصاحت. فوثب رجلٌ من المسلمين على اليهودي فقتله، فاجتمع اليهود عليه فقتلوه.
فكان ذلك نقضًا للعهد. فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تشبّث بهم عبد الله بن أُبيّ وطلب أن يُخلّي سبيلهم؛ فأُجلوا.
نقض بني النضير
ثم كان أمر بني النضير. وذلك أن عمرو بن أميّة الضمري رضي الله عنه — بعد فاجعة بئر معونة حيث قُتل نحو سبعين من القرّاء الذين خرجوا ليُعلّموا الناس الدين بناءً على طلبهم — لقي رجلين فقتلهما، وكان بينهما وبين المسلمين عهد. فلزمت الديةُ المسلمين.
فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في الدية — وذلك بمقتضى الحِلف بينهم. فأجلسوه إلى جدار وقالوا: نعم، نُعينك. ثم تآمروا على أن يُلقي أحدهم صخرةً عليه من أعلى الجدار.
فأخبره جبريل عليه السلام بما أرادوا، فقام صلى الله عليه وسلم كأنه يقضي حاجةً ورجع إلى المدينة. فلمّا طال عليهم انتظاره وذهبوا يطلبونه علموا أنه انصرف.
فكان ذلك نقضًا آخر، فأُجليَ بنو النضير.
بنو قريظة يوم الأحزاب
فلم يبقَ في المدينة إلا بنو قريظة. فلمّا كان يوم الأحزاب، جاءهم حُيَيّ بن أخطب — من بني النضير — فما زال بهم حتى نقضوا العهد وانضمّوا إلى الأحزاب.
وهذه هي الفتنة العظمى التي وصفها الله: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًاالأحزاب: ١٠–١١.
فلمّا انصرفت الأحزاب بعد الحصار الطويل، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته ووضع سلاحه، جاءه جبريل عليه السلام فقال: أوضعتَ السلاح؟ فإن الملائكة لم تضع أسلحتها. ثم أمره بالمسير إلى بني قريظة.
قصة أبي لبابة رضي الله عنه
قال أبو لبابة رضي الله عنه: لمّا اشتدّ الحصار على بني قريظة، أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يُرسلني إليهم. فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ائتِ حلفاءك؛ فإنهم قد أرسلوا إليك من بين الأوس».
فدخلتُ عليهم — وقد اشتدّ عليهم الحصار — فهشّوا إليّ، وجهش إليّ النساء والصبيان يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة، نحن مواليك دون الناس كلّهم.
فقام كعب بن أسد فقال: يا أبا بشير، قد عرفتَ ما صنعنا في أمرك وأمر قومك يوم الحديقة ويوم كذا، وكلّ حربٍ كنتم لها. وقد اشتدّ علينا الحصار وهلكنا، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم يأبى أن يُفارق حصننا حتى ننزل على حكمه. فلو زال عنّا لحقنا بأرض الشام أو بخيبر، ولم نُكثّر عليه جمعًا أبدًا. فما ترى؟ فإنا قد اخترناك على غيرك، وإن محمدًا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه.
قال: نعم، فانزلوا. وأومأتُ بيدي إلى حلقي — أي أنه الذبح.
قال: فندمتُ واسترجعت. فقال كعب: ما لك يا أبا لبابة؟ فقلت: خنتُ الله ورسوله.
فنزلتُ وإن لحيتي لمُبتلّةٌ بالدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم. فأخذتُ من وراء الحصن طريقًا آخر حتى أتيتُ المسجد فارتبطتُ في ساريةٍ من سواريه.
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهابي وما صنعت، فقال: «دعوه حتى يحكم الله فيه ما يشاء. لو كان جاءني لاستغفرتُ له؛ فأما إذ لم يأتني وذهب فدعوه».
ما الذي أخطأ فيه؟
فما الذي حدث بالضبط؟
لم يكن حكم النبي صلى الله عليه وسلم فيهم منصوصًا عليه؛ إنما هو استنتاجٌ من أبي لبابة رضي الله عنه.
ودليل ذلك أمران: أنه لم يُثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أحدًا من الصحابة بالحكم؛ وأن الحكم في النهاية فُوّض إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه.
لكنّ أبا لبابة توقّع — بحكم ما جرى وما نقضوه — أنه لا حلّ إلا هذا.
فالخطأ إذًا: أن يُوصل إلى قومٍ في مقام العداء إشارةً يستفيدون منها، مع ما فيها من الميل العاطفي. فهو أخطأ في حقّ الله ورسوله بأن كشف لهم ما ينبغي أن يظلّوا فيه على غير علم.
سبعة أيام مربوطًا
قال الزهري: فارتبط بالسارية سبعة أيامٍ في حرٍّ شديد لا يأكل ولا يشرب، وقال: لا أزال هكذا حتى أُفارق الدنيا أو يتوب الله عليّ.
فلم يزل كذلك حتى كان يُغشى عليه من الجهد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بُكرةً وعشيّة.
ثم تاب الله عليه، فنودي: إن الله قد تاب عليك.
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يُطلق عنه رباطه — وقد كان أبى أن يُطلقه أحدٌ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء صلى الله عليه وسلم فأطلقه بيده.
وقفة: نظرة البكرة والعشيّة
وتأمّل هذا المعنى — وقد مرّ نظيره في قصة كعب بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم مُخاصمٌ لكنه غير مُهمل.
فهو لا يُكلّمه ولا يفكّ عنه؛ لكنه ينظر إليه بكرةً وعشيّة — يتفقّده ويطمئنّ عليه.
وهذا هو الذي ينبغي أن تكون عليه حال الإنسان مع ربه سبحانه: أن يُلازم بابه ويقرب منه حتى يتوب عليه، وألّا ييأس من رحمته.
وقفة: أثر الجوع والعطش
ولاحظ قوله: «حتى سمع الصوت». فالرجل مضى عليه سبعة أيامٍ في حرٍّ شديد بلا أكلٍ ولا شرب، فبلغ منه الجهد مبلغًا عظيمًا.
وهذا نظير ما يقع لبعض من يشدّد على نفسه في الرياضات: أن يبلغ به الجهد أن يتهيّأ له أنه يسمع أو يرى شيئًا. فهو أمرٌ راجعٌ إلى شدّة ما لقي.
عائشة رضي الله عنها تروي المشهد
وعن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطلق رباطه بيده. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيرفع صوته يُكلّمه ويُبشّره بتوبته.
ولقد كان الرباط أثّر في ذراعه، وكان يُداويه بعد ذلك.
وتأمّل: كان لا يُكلّمه ولا يرفع صوته؛ فلمّا تاب الله عليه صار يرفع صوته يُبشّره ويُهنّئه.
«إن من توبتي أن أهجر دار قومي»
ثم قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله ورسوله.
فقال صلى الله عليه وسلم: «يُجزئ عنك الثلث».
وقفة: أن تُغيّر المكان
فهو يريد أن يبدأ صفحةً جديدة؛ فلا يُريد أن يبقى في المكان الذي أصاب فيه الذنب — لئلّا يُذكّره به.
وهذا نظير ما مرّ في قصة قاتل المئة، حين قيل له: «انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أُناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء» (متفق عليه).
توبة أبي سفيان بن الحارث رضي الله عنه
والقصة الثانية من نوعٍ آخر؛ فهي توبةٌ إلى الإسلام لا توبةٌ في الإسلام.
من هو أبو سفيان بن الحارث؟
عن عبد الرحمن بن أزهر قال: كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة — أرضعتهما حليمة السعدية؛ وكان يألف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث.
فلمّا بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه وعاداه عداوةً لم يُعادها أحد، وهجاه وهجا أصحابه. فمكث عشرين سنةً عدوًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتخلّف عن موطنٍ تسير فيه قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إن الله ألقى في قلبي الإسلام.
وقفة: الأقرب فالأقرب
فهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوه من الرضاعة، وكان قريبًا منه في فترة الصغر والشباب. فكان ينبغي أن يكون من أسرع الناس إلى إجابته — خاصةً وهو رجلٌ ذو عقلٍ ونظرٍ وفطنة، وشاعرٌ لسِن.
لكنّ الذي حصل عكس ذلك تمامًا. وهذا أمرٌ صعب؛ فالإنسان يتوقّع عادةً الخير والنصرة من المقرّبين، خاصةً إذا كان بينهم سابقةُ صلةٍ وودٍّ وصداقةٍ طويلة.
بل زاد على ذلك: أن بني هاشم — مسلمهم وكافرهم — دخلوا الشِّعب مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحصار، حميّةً وقرابة. أما هو فلم يفعل ذلك أصلًا.
خطر الهجاء
ولاحظ أنه جمع بين العداوة والهجاء. وربما كان الهجاء والصدّ والانتقاص أسوأ وقعًا من المقاتلة نفسها؛ لما فيه من التحقير والازدراء.
ولأن الوقائع الحربية تنتهي بانتهائها، وأما الأشعار فيطول بها الأمد وتُتناقل وتبقى محلّ تسامرٍ بين الناس. فالهجاء ينتشر ويذيع ولا ينقطع.
ولذلك تصدّى الصحابة رضي الله عنهم لهذا الأمر بالردّ عليه؛ ومن شعرائهم كعب بن مالك وحسّان بن ثابت رضي الله عنهما — وكان حسّان أشعرهم.
وقال له صلى الله عليه وسلم: «اهجهم — أو هاجهم — وجبريل معك» (متفق عليه).
فتأييد جبريل عليه السلام لحسّان وهو يقول شعرًا يدلّ على عظمة أثر هذا الأمر ووقعه؛ فهو لا يقلّ أثرًا عن الدفاع عن الإسلام بالوجه المادّي أو العسكري.
كيف كانوا يُعيّرونهم؟
وكان حسّان وكعب رضي الله عنهما يُعيّرون قريشًا بأشياء من الجاهلية. لكنّ أعظم ما كانوا يُعيّرونهم به هو الكفر نفسه!
وهذا أمرٌ عجيب: فالموازين تغيّرت؛ فصار الكفر — وقد كان عندهم أمرًا عاديًّا — عيبًا يُعيَّرون به.
ومن ذلك قول حسّان رضي الله عنه:
زعمت سَخينةُ أن ستغلبُ ربَّها
ولَيُغلبَنّ مُغالِبُ الغلّابِ
و«السَّخينة» لقبٌ كانت تُعيَّر به قريش؛ وهي طعامٌ يُصنع من الدقيق والسمن، كانوا يُكثرون منه في سني القحط.
استطراد: قوّة الكلمة
وانظر إلى قوّة أثر الكلمة: فثمّة قبيلةٌ عُرفت بـ«أنف الناقة» — وكان اسمًا يُعيَّرون به ويستحيون منه.
ثم جاء شاعرٌ فقال فيهم:
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرُهُم
ومَن يُسَوّي بأنفِ الناقةِ الذَّنَبا
فانقلب الاسم من موضع الذمّ إلى موضع الفخر — فصاروا يفخرون به. وكلّ ذلك ببيتٍ واحد!
فهذا يُبيّن كيف أن الكلمة قد تُغيّر أو تُبدّل في حقائق الأشياء وفي الصور المستقرّة في الأذهان.
لماذا استحيا النبي ﷺ من قتل عبّاده؟
ومن ذلك ما وقع بعد أُحد؛ حين قال قائل: «يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
فالنبي صلى الله عليه وسلم استحيا من ذلك؛ لأن الناس ستقول: إن من والاه لم يسلم منه. فيكون في ذلك تنفيرٌ عن الدين.
لحظة القرار
قال أبو سفيان: فقلت: مَن أصحب؟ ومع من أكون؟ وقد ضرب الإسلام بجرانه.
فجئتُ زوجتي وولدي فقلت: تهيّآ للخروج؛ فقد أظلّ قدومُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
قالا: قد آن لك أن تُبصر! إن العرب والعجم قد تبعت محمدًا، وأنت مُقيمٌ على عداوته؛ وكنتَ أولى الناس بنصره.
وقفة: قد يكون أهلك أبصر منك
فتأمّل: زوجته وولده أبصر منه! وقد كانا في حالٍ من عدم الرضا عمّا يفعل منذ زمن.
و«ضرب الإسلام بجرانه» — أي استقرّ وثبت في جزيرة العرب؛ فلم يعد له مكانٌ يذهب إليه.
الطريق إلى الأبواء
فقلت لغلامي مذكور: عجّل بأبعرةٍ وفرس. ثم سرنا حتى نزلنا الأبواء — وقد نزلت مُقدّمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبواء.
فتنكّرتُ وخفتُ أن أُقتل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمي.
فخرجتُ على قدميّ نحو المدينة، وقد أقبل الناس بسلاحهم من أمامه. فتنحّيتُ فرقًا من أصحابه.
فلمّا طلع في موكبه تصدّيتُ له تلقاء وجهه. فلمّا ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى الناحية الأخرى. فتحوّلتُ إلى ناحية وجهه الآخر، فأعرض عني — مرارًا.
فأخذني ما قرُب وما بعُد، وقلت: أنا مقتولٌ قبل أن أصل إليه! ثم أتذكّر بِرّه ورحمه، فيُمسك ذلك عني.
الجميع أعرض عنه
وقد كنتُ لا أشكّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيفرحون بإسلامي فرحًا شديدًا، لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلمّا رأى المسلمون إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عني أعرضوا عني جميعًا.
فلقيني أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه مُعرضًا عني.
ونظرتُ إلى عمر رضي الله عنه يُغري بي رجلًا من الأنصار، فقال لي: يا عدوّ الله، أنت الذي كنتَ تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتؤذي أصحابه؟ لقد بلغتْ عداوتُك مشارقَ الأرض ومغاربها!
فرددتُ عليه ردًّا خفيفًا، فاستطال عليّ ورفع صوته حتى جعلني في بيوت الناس حديثًا؛ يُسرّون بما فُعل بي.
وقفة: هذا هو الاتباع
فالصحابة رضي الله عنهم يرون إمامهم صلى الله عليه وسلم يفعل شيئًا، فيفعلون مثله بلا استثناء. فهو أعرض، فأعرضوا جميعًا.
وأما عمر رضي الله عنه فمُنسجمٌ مع نفسه في كلّ شيء. وكان لا يُحبّ أن يفعل ذلك بنفسه فأغرى به رجلًا من الأنصار.
ويُناسب هذا ما وقع لعمر رضي الله عنه حين أسلم: فقد سأل: أيّ قريشٍ أنقلُ للحديث؟ فقيل له: جميل بن مَعمر. فأتاه فقال: أعلمتَ أني قد أسلمت؟ فما أتمّ الكلمة حتى انطلق يصيح بها في المسجد — فعلمت مكة كلّها في دقائق.
فهذا هو أسلوبه رضي الله عنه: يعرف من أين يُوصل الأمر.
يستشفع بالعباس ثم بعليّ
فذكرتُ عمّي العباس، فقلت له: يا عمّ، قد كنتُ أرجو أن يفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي لقرابتي وشرفي؛ وقد كان منه ما رأيت. فكلّمه لي يرضى عني.
قال: لا والله، لا أُكلّمه كلمةً أبدًا بعد الذي رأيت — إلا أن أرى وجهًا؛ إني أُجِلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهابه.
فقلت: يا عمّ، فإلى من تَكِلني؟
فلقيتُ عليًّا رضي الله عنه فقال لي مثل ذلك.
فرجعتُ إلى العباس فقلت: يا عمّ، فاكفف عني الرجل الذي يشتمني. قال: صِفه لي. فقلت: هو رجلٌ آدم قصير، بين عينيه شجّة. قال: ذاك نُعيمان بن الحارث النجّاري.
فأرسل إليه فقال: إن أبا سفيان ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمّي؛ ولئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخطًا عليه فسيرضى عنه. فكفّ عنه.
الملازمة
فجلستُ على باب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أروح معه، ومعي ابني جعفر قائم؛ وهو لا يُكلّمني ولا أحدٌ من المسلمين.
وجعل لا ينزل منزلًا إلا وأنا على بابه؛ فلا يراني إلا أعرض عني.
وقفة: الملازمة هي الطريق
وهذا هو الدرس: أنه لازم الباب رغم كلّ هذا الإعراض. فهذا هو الذي يؤدّي إلى إصلاح أيّ فساد.
وهكذا ينبغي أن تكون حال الإنسان مع ربه سبحانه: أن يُلازم القرب منه حتى يتوب عليه، وألّا يقنط ولا ييأس من رحمته.
فهو أدرك مقدار ما اجترم، وألقى الله في قلبه الإسلام؛ فقرّر أن يمضي في هذا الطريق مهما عُومل — إلى أن يرضى عنه.
فتح مكة
فخرجتُ حتى شهدتُ معه فتح مكة، وأنا في خيله التي تُلازمه.
حتى نزل الأبطح، فدنوتُ من باب قبّته، فنظر إليّ نظرًا هو أليَن من ذلك النظر الأول، ورجوتُ أن يبتسم.
ثم دخل عليه نساء بني عبد المطلب ودخلت معهنّ زوجتي، فرقّقته عليّ.
حنين
ثم خرج إلى هوازن فخرجتُ معه — وقد جُمع لهم ما لم يُجمع مثله، وخرجوا بالنساء والذرية والماشية.
فقلت: اليوم يرى أثري إن شاء الله؛ فلعلّ بلاءً يغفر لي به ما مضى.
فلمّا لقيناهم حملوا الحملة التي ذكر الله، ثم ولّى الناس مُدبرين. وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرّد سيفه.
فاقتحمتُ عن فرسي وبيدي السيف مسلولًا، وقد كسرتُ جفنه — والله يعلم أني أريد الموت دونه.
وأخذ العباس بلجام البغلة، وأخذتُ أنا بالجانب الآخر. فقال صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» فقال العباس: أخوك وابن عمّك أبو سفيان بن الحارث؛ فارضَ عنه يا رسول الله.
فقال: «قد فعلت؛ غفر الله له كلّ عداوةٍ عاداني».
قال أبو سفيان: فقبّلتُ رِجله في الرِّكاب. ثم التفت إليّ وقال: «أخي لعَمري».
وقفة: كسر الجفن
ولاحظ: كسر جفن السيف — أي غِمده. ومعناه أنه لن يستطيع أن يُعيد السيف إلى مكانه؛ فهو عازمٌ على أن يقاتل حتى يُقتل. فليس مُتصنّعًا ولا مُتزلّفًا.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «أخي لعَمري» — أي أنه استعاد الصلة القديمة والأخوّة والصداقة؛ فكأنه يقول: رغم كلّ ما كان، ما زلتَ أخي.
نداء أصحاب السَّمُرة
قال العباس رضي الله عنه: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السَّمُرة!»
وكنتُ رجلًا صيّتًا، فناديتُ بأعلى صوتي: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السَّمُرة!
فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنّت إلى أولادها، يقولون: يا لبّيك يا لبّيك. فعطفوا عطفة البقرة على ولدها.
وقد حطّموا الجفون، وشرعوا الرماح، وأرقلوا إرقال الفحول.
حتى إني لأخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم شروعَ رماحهم أشدَّ من خوفي رماحَ المشركين — حتى أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقدّم فضارب القوم». فحملتُ حتى أزلتُهم عن مواضعهم.
وقفة: «أصحاب السَّمُرة»
و«السَّمُرة» هي الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان؛ قال تعالى: لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِالفتح: ١٨.
فلماذا ناداهم بهذا الوصف بالذات؟ لأنهم هم الذين ثبتوا في الموقف الأصعب؛ فهذا الوصف يستدعي في نفوسهم معنى الثبات.
الحصى
ثم أخذ صلى الله عليه وسلم قبضةً من تراب الأرض فرمى بها في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه». فما بقي منهم أحدٌ إلا امتلأت عيناه ترابًا؛ فولّوا مدبرين.
قال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰالأنفال: ١٧.
«هلمّي يا عائشة»
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مرّ علينا أبو سفيان بن الحارث، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلمّي يا عائشة حتى أُريك ابن عمّي الشاعر الذي كان يهجوني؛ أوّل من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه، لا تُجاوز عينُه موضعَ قدميه».
وقفة: لماذا أراد أن يُريها؟
فهو صلى الله عليه وسلم فرحٌ مسرورٌ بما منّ الله به على أبي سفيان؛ فأراد أن ينقل هذا السرور إلى من حوله.
وقوله «لا تُجاوز عينه موضع قدميه» أي أنه غضّ بصره تمامًا وأطرق إلى الأرض حياءً وتذلّلًا لله.
فتأمّل التبدّل العظيم: من رجلٍ يهجو النبيَّ صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، إلى رجلٍ لا يرفع بصره حياءً منه.
وفاته
وقد كان رضي الله عنه لا يرفع رأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حياءً منه.
وقال عند موته: لا تبكوا عليّ؛ فوالله ما تلبّستُ بخطيئةٍ منذ أسلمت.
رثاؤه للنبي صلى الله عليه وسلم
وقد بكى على النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ورثاه، فقال:
أَفاطمُ إن جزعتِ فذاك عُذرٌ
وإن لم تجزعي فهو السبيلُفقبرُ أبيكِ سيّدُ كلِّ قبرٍ
وفيه سيّدُ الناسِ الرسولُلقد عظُمت مصيبتُنا وجلّت
عشيّةَ قيل: قد قُبض الرسولُفأضحت أرضُنا ممّا عراها
تكادُ بنا جوانبُها تميلُفقدنا الوحيَ والتنزيلَ فينا
يروحُ به ويغدو جبرئيلُوذاك أحقُّ ما سالت عليه
نفوسُ الناسِ أو كادت تسيلُنبيٌّ كان يجلو الشكَّ عنّا
بما يُوحى إليه وما يقولُويهدينا فلا نخشى ضلالًا
علينا والرسولُ لنا دليلُ
الخلاصة
فالإنسان يستطيع أن يستدرك بأفعال الخير كثيرًا ممّا فات — ولو كان وراءه تاريخٌ طويل.
قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِهود: ١١٤.
فليس في الدين خطأٌ لا يمكن استدراكه، ولا جُرمٌ يقترفه الإنسان — كائنًا ما كان — إلا ويمكن أن يمحوه الله ويُعافيه منه.
وإنما المطلوب أن يُقبل الإنسان على الله ويُلازم بابه، وأن يظهر منه من الصدق ما يدلّ على أنه فعلًا قد تغيّر.
أقول قولي هذا، والسلام عليكم؛ سبحانك اللهم وبحمدك.