الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. ثم أما بعد:
فإنَّ على الحق نورًا، إنَّ على الحق نورًا.
الإذن بالهجرة إلى الحبشة
ضاقت قريش ذرعًا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبرسالته وبمن آمن به من صحبه الكرام السابقين الأولين، فآذتهم أيَّما إيذاء، ولم يكن صلى الله عليه وسلم قادرًا على أن يوفر الحماية والأمان لصحبه، فأذن لمن شاء منهم في أن يخرج مهاجرًا إلى أرض الحبشة، وعلَّل هذا الاختيار بقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ فِيهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ».
فوصفه بوصفين: الأول: المُلك؛ أي أنه متمكن من أمره، مهيمن عليه، يُمضي فيه ما أراد، ولا يقدر أحد من أهل مملكته أن يُمضي عليه أمرًا. والثاني: أنه عدل؛ نفسُه شريفة لا تقبل الضيم والظلم والجَور. فخرج جمعٌ يسير من أصحابه صلى الله عليه وسلم: اثنا عشر رجلًا وأربع من النساء. ثم بلغهم بعد أشهر قليلة أن قريشًا قد دخلت في الإسلام، فعادوا أدراجهم إلى مكة فوجدوا قريشًا شرًّا مما كانت عليه، فبدؤوا بعد ذلك يتسللون شيئًا فشيئًا عائدين إلى أرض الحبشة. لكنهم في هذه الهجرة الثانية كان عددهم أكبر بكثير من الهجرة الأولى: اثنان وثمانون رجلًا وثماني عشرة من النساء.
خطة قريش لاستردادهم
فأرادت قريش أن تستردهم إلى مكة ليكونوا في قبضتها وتحت سطوتها، فوضعت لذلك خطة، أول أركانها أن اختارت وفدًا تفاوضيًّا على مستوى عالٍ من المهارة والخبرة والمعرفة الدبلوماسية، وعلى رأس هذا الوفد عمرو بن العاص بن وائل السهمي رضي الله عنه — الدبلوماسي الأقدر في مكة — ومعه الرجل القوي عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي. ووضعت لذلك ميزانية كبيرة، وقررت أن ترسل إلى النجاشي وإلى كل رجال حاشيته وبطارقته — الذين هم كبار القادة، والبطارقة جمع بِطريق وهو القائد الكبير — إلى كل واحد منهم هديةً لكي تكون مقدمةً بين يدي طلبهم أن يعينوهم في مهمتهم. ثم أشاروا على عمرو رضي الله عنه أن يدفع إلى كل رجل من رجال الحاشية وإلى كل بطريق هديتَه أولًا قبل أن يدخلوا إلى النجاشي أو يكلموه، ثم يطلبوا منه أن يعينهم في مهمتهم وأن يسلِّم إليهم هؤلاء الذين خرجوا مهاجرين إلى ديار النجاشي، وأوصوهم أن يحاولوا ألَّا يلقى النجاشيُّ هؤلاء المهاجرين ولا أن يسمع منهم.
مكة ومركزها التجاري
فخرج الوفد مؤتمرًا بأمر كبار أشراف قريش. وكانت قريش بأشرافها على علاقة تجارية واسعة ببلاد الحبشة وبالنجاشي؛ إذ كانت قريش منذ فترة من الزمن مركزًا أساسيًّا من مراكز التجارة العالمية في ذلك الوقت: إذ تأتي البضاعة عبر البحر من الهند — وجزءٌ من البضاعة آتٍ من الصين — إلى ساحل عُمان ثم إلى جنوبها، ومن جنوب عُمان — وكذلك البضاعة التي توجد في اليمن — تأتي إلى مكة، ومن مكة تتوجه إلى مملكة كسرى في العراق، وإلى مملكة قيصر في الشام ومنها إلى مصر، ومن ميناء غزة — فرَّج الله كرب أهلها — إلى روما، ومن ميناء الشُّعيبة الذي هو بجوار جدة إلى الحبشة. هكذا كانت مكة في هذا الوقت مركزًا لهذه التجارة، وقد ذكر الله تبارك وتعالى هذا في مِنَّته إذ قال: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (سورة قريش).
بين يدي النجاشي: كلام عمرو
ففعل الوفد ما أُمر به، ثم دخلوا على النجاشي، فقال له عمرو رضي الله عنه: «أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك — وضوى أي أوى ولجأ — غلمانٌ سفهاء»؛ يعني ليسوا صغارًا فحسب، بل سفهاء العقول أيضًا! «فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدَع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشرافُ قومهم» — فالذي بعثهم كبار رجالات قريش الذين يعرفهم النجاشي وبينه وبينهم تجارة وأموال دائرة — «من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردَّهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلمُ بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه».
وهكذا وصَّلوا الرسالة، وهي تحمل في مضمونها تحذيرًا: إذا كان هؤلاء بهذا الوصف — غلمان سفهاء جاؤوا بدين جديد مبتدَع — فهم خطر على أي مكان يلجؤون إليه، وقد يُحدثون قدرًا من الاضطراب فيه؛ فالأحسن أن يردَّهم إلى مكة حتى لا يكون هناك أي سبب أو ذريعة لقلاقل أو مشاكل في المملكة. والبطارقة ورجال الحاشية — كما كان متفقًا عليه، وقد أخذوا الهدايا — أيَّدوهم وقالوا: صدقوا أيها الملك، فاردُدهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بهم.
حكمة النجاشي: لا حُكم قبل السماع
وفي رد فعل النجاشي هنا تظهر حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختياره؛ إذ أبى النجاشي أن يردَّهم قبل أن يسمع منهم، وقال: «لَاهَا اللهِ إِذَنْ، لَا أُسْلِمُهُمْ، وَلَا أَخْذُلُ قَوْمًا جَاوَرُونِي وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ؛ فَإِنْ كَانُوا كَمَا تَقُولُونَ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَمَا تَقُولُونَ مَنَعْتُهُمْ مِنْكُمْ وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي».
فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغهم أن عمرًا قد جاء — ولم يأتِ إلا في شرٍّ كما يعلمون — فتشاوروا واتفقوا على أن يصدعوا بالحق بين يدي النجاشي في كل ما يسألهم عنه كائنًا ما كان، وقدَّموا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنُّه ست وعشرون سنة، ليكون المتحدث باسمهم.
خطاب جعفر: المحاور الستة
فسأله النجاشي: ما هذا الدين الذي أحدثتموه، فارقتم به دين قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من أهل الملل؟ فأجاب جعفر رضي الله عنه وقد رتَّب كلامه على محاور ستة.
بدأ بوصف حالهم قبل الإسلام: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ: نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الرَّحِمَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ».
ثم انتقل إلى المحور الثاني يخبر بالرسالة وصفة الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ».
ثم انتقل إلى المحور الثالث: مضمون الرسالة وما فيها من قيم خُلُقية: «فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَتْرُكَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ — وَهُنَّ الْعَفِيفَاتُ الطَّاهِرَاتُ مِنَ النِّسَاءِ — وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ». فهو يتكلم عن الحال التي كانوا عليها وما فيها من شرٍّ وسوء، ثم عن مِنَّة الله عليهم بالرسالة، وصفة هذا الرسول الذي أرسله الله، ومضمون هذه الرسالة العظيمة التي امتنَّ الله عز وجل عليهم بها.
ثم انتقل إلى المحور الرابع: استجابتهم لهذه الرسالة: «فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَنَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَعَبَدْنَا اللهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا».
والمحور الخامس: موقف قومهم الذين بعثوا يستردونهم: «فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا؛ لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ» — كما قال مؤمن آل فرعون: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (غافر: 41–43).
ثم المحور الأخير: من الذي ألجأهم إلى ديار الحبشة؟ يقول جعفر رضي الله عنه: «فَلَمَّا ظَلَمُونَا وَقَهَرُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى دِيَارِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَلَّا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ».
«هل معك شيء مما أنزل على نبيكم؟»
فماذا قال النجاشي؟ سأل سؤالًا واحدًا فقط: هل معك شيء مما أُنزل على نبيكم؟ قال: نعم. فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم فيه ذكر يحيى وزكريا عليهما السلام:
إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (مريم: 3–15).
ثم استرسل في قراءته رضي الله عنه بقلبٍ خاشعٍ مخلصٍ منيبٍ إلى الله تبارك وتعالى، حتى انتهى إلى الآية السادسة والثلاثين من سورة مريم، وربما تمادى إلى موضع السجدة. فما أثر هذا على النجاشي وعلى الأساقفة الذين أحاطوا به في هذا المجلس؟ بكوا جميعًا حتى أخضلوا لحاهم — أي ابتلَّت من كثرة الدموع — تأثرًا بما سمعوا من كلام الله تبارك وتعالى. ثم أنهى النجاشي اللقاء بالامتناع عن تسليم هؤلاء المؤمنين إلى أعدائهم.
فإنَّ على الحق نورًا، وإنَّ لكلمات الله سلطانها، وإن كلام المؤمنين الصادق الخاشع المبني على الحق المبين له من القوة ما يدحض كل باطل. قال الله تبارك وتعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء: 18).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
الجولة الثانية: سؤال عيسى عليه السلام
لم يكن عمرو رضي الله عنه ممن يقبل الهزيمة والفشل؛ فهو لم يعتدهما في حياته قط، ولذا أراد أن يأخذ جولة أخرى، لكن في هذه المرة ليس لكي يستردهم أحياء، ولكن لكي يعودوا في توابيت إلى مكة! فقال لعبد الله بن أبي ربيعة: والله لآتينَّه — أي النجاشي — غدًا بما أستأصل به خضراءهم؛ أُفنيهم عن آخرهم. فقال عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل؛ فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا في الدين — فمهما كانت درجة الخصومة فهم الأهل والعشيرة والأقارب — ولكن عمرًا أصرَّ.
فأتى إلى النجاشي وقال: سلْهم ما يقولون في عيسى. فالنصارى يؤلِّهونه، والمؤمنون على دين الحق: هو عبد الله ورسوله؛ فإذا أنكروا أنه إلهٌ كما يعتقد هؤلاء فربما بطش بهم وآذاهم — وهذا ما أراده عمرو. فلما استدعاهم كانوا بفطنتهم وذكائهم يدركون مغزى هذا الاستدعاء، وظنوا أن الأمر يتعلق بوصف المسيح عليه السلام، فأصابهم الضيق الشديد والخوف من هذا الموقف، ثم تشاوروا واتفقوا على أن يقولوا الحق كائنًا في ذلك ما يكون.
فسأل النجاشيُّ جعفرًا، فقال: «نَقُولُ فِيهِ مَا جَاءَنَا بِهِ رَبُّنَا وَأَخْبَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ».
«ما عدا عيسى ابنُ مريم ما قلتَ هذا العود»
فسكت النجاشي، ومرت لحظاتٌ من الترقب، ثم طأطأ رأسه وانحنى فأخذ عودًا من الأرض، فرفعه بين يديه ثم قال: «وَاللهِ مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ»؛ أي إن الذي قلتَه مطابقٌ للحق لا يزيد عنه قدر هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله — رافضين ما يقول — فقال: «وإن نخرتم والله». ثم قال: «انْطَلِقُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي — أَيْ آمِنُونَ — مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا مِنْ ذَهَبٍ — أَيْ جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ — وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ».
الوقفة الأولى: استشعار نعمة الله علينا بهذا الدين
ماذا نريد أن نقول؟ نقطتين. النقطة الأولى: أنه ينبغي على كل مسلم أن يدرك نعمة الله تبارك وتعالى التي منَّ بها علينا كما تمثَّلها جعفر رضي الله عنه؛ فنحن الآن في عالم فيه من الشر والفساد والاستباحة للدماء والاستهانة بالحرمات ما فيه، على حال الجاهلية الأولى التي وصفها جعفر رضي الله عنه، ولا حلَّ له ولا مخرج إلا بالعودة لكتاب الله تبارك وتعالى والتزام الأخلاق التي دعانا إليها ربنا وعلَّمنا إياها نبينا صلى الله عليه وسلم.
ولكنَّ أكثر الأجيال الحديثة من أهل الإسلام لا تعي ذلك ولا تدرك قيمة نعمة الله التي أنعمها علينا. وقد قال الله تبارك وتعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آل عمران: 110)؛ فهم الذين يملكون نور الله تبارك وتعالى الذي يُذهب الله عز وجل به الظلمات، والذي يُصلح الله تبارك وتعالى به أمور الدنيا والآخرة.
الوقفة الثانية: أثر التربية الإيمانية في صياغة الرجال
والنقطة الثانية: أثر التربية الإيمانية في صياغة هؤلاء الرجال العظام. انظر إلى قريش: كم مكرت، وكم جمعت، وكم أعدَّت من عظماء الرجال — وكان هذا في مقابلة الحق الذي يحمله هؤلاء الرجال الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله، فكان لهم من الأثر ما رأينا وسمعنا. ونحن نشتكي في هذه الأيام من هشاشة وضعف في رجالات هذه الأمة وفي تربيتها، ولا مخرج من ذلك إلا بالتزام هذه التربية التي أخرجت هؤلاء؛ هذه التربية على الإيمان وعلى كتاب الله عز وجل، هي التي تُخرج عظماء الرجال.
وإذًا فما نريد أن نبلغه: أن علينا أن نستشعر نعمة الله علينا، وأن نسعى في إقامة ديننا وما منَّ الله عز وجل به علينا من هذه الأخلاق الكريمة الفاضلة؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم حاصرًا هدفَ وغايةَ رسالته: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رواه أحمد).
الدعاء
اللهم رُدَّنا إلى دينك ردًّا جميلًا، اللهم خذ بأيدينا إليك أخذ الكرام عليك، ولا تفضحنا بين خلقك ولا بين يديك. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدنيا. ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا.
اللهم يا وليَّ الإسلام وأهله، مسِّكنا الإسلام حتى نلقاك عليه، اللهم يا وليَّ الإسلام وأهله، مسِّكنا الإسلام حتى نلقاك عليه، اللهم يا وليَّ الإسلام وأهله، مسِّكنا الإسلام حتى نلقاك عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.