الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد؛
فلا تزال الأمور تزداد اختناقًا يومًا بعد يوم، ولا تزال حلقة البلاء تضيق علينا يومًا بعد يوم، ولا تزال الفتن والمخاطر والمخاوف والشرور تزداد يومًا بعد يوم، ولكن -ومع كل ذلك- لا تزال غفلتنا تزداد يومًا بعد يوم، ولا تزال سكرتنا تزداد يومًا بعد يوم. وإن من أخطر البلايا ألا يتمكن الإنسان من ترجمة الرسائل التي ينذره بها ربه تبارك وتعالى على توالي الأيام.
الألم نعمة تكشف العلة
إن من أعظم نعم الله تبارك وتعالى على العبد هو الألم؛ فلولا الألم ما أدرك العبد وجود العلة، ولولا الألم ما سعى الإنسان إلى علاج دائه ومرضه، لأنه أساسًا لا يهتدي إليه ولا يدركه. ولذلك كان من أخطر الأدواء والأمراض ما يستشري ويستفحل في بدن العبد وهو لا يشعر به، حتى إذا ما تمكّن من مقاتله استشعره العبد، فصعُب عليه أن يعالجه أو يزيل أثره.
قال الله تبارك وتعالى مبينًا حقيقة هذه النعمة وموقف العبد منها: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (الأنعام: ٤٢). فقوله “فأخذناهم” أمر حادث وقع، لم يكونوا عليه بالأمس؛ فهم بالأمس كانوا في نعمة، لكنهم لم يكونوا من أهل التوفيق لشكر هذه النعمة، وكانوا من أهل الجحود والإعراض عن ربهم تبارك وتعالى، فربهم الرحيم بهم يرسل لهم رسائل الإنذار والتخويف؛ لكي يعقلوا، ولكي ينيبوا، ولكي يرجعوا إلى الله تبارك وتعالى.
فـ”فأخذناهم بالبأساء والضراء” لا تزال الشدائد تتوالى عليهم، و”لعلهم يتضرعون” هو الهدف: الرجوع، والإنابة، والتوبة، والتقرب إلى رب العالمين، والخروج من حال الغفلة والجحود إلى حال التوبة والعبادة والإنابة. فلماذا لم يحدث هذا منهم؟ قال الله تبارك وتعالى: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام: ٤٣). فهذا هو الجواب: جمود القلب الذي لا يستقبل الرسالة ولا يستوعبها ولا يترجمها، وإعجاب الإنسان بنفسه، ورؤيته أنه ليس عنده خلل يحتاج إلى نظر؛ إذ زيّن له الشيطان أعماله، فصار يظن أنه أساسًا على خير، وأن ما يفعله لا يحتاج إلى مراجعة.
ويقول الله تبارك وتعالى في موضع آخر: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا (الأعراف: ٩٤-٩٥)، أي: كثُروا واتسعت أمورهم، وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ (الأعراف: ٩٥) أي: ليست هذه سيئة من ربنا ولا شيء يستوقفنا، هذا حال الدنيا، حبة فوق وحبة تحت، وهذه سنة الله تبارك وتعالى في السابقين. فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (الأعراف: ٩٥). فربنا سبحانه وتعالى يحذرنا بهذا من القسوة، ومن عدم مراجعة النفس، ومن إعجاب المرء بحاله وعمله.
وقال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (الحديد: ١٦). فطول الأمد -أي: مساحة طويلة من الغفلة عن الله، وعن ذكر الله، وعن عبادة الله، وعن مراجعة كلام ربنا سبحانه وتعالى- تُحدث القسوة.
توالي المخالفات وأثرها على القلب
ومما يورث القسوة أيضًا: توالي المخالفات وترك التوبة. قال صلى الله عليه وسلم فيما معناه: إن العبد إذا أذنب ذنبًا نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فالقلب أبيض صافٍ منوّر، قابل لاستقبال الوحل والتأثر به؛ فالنور الإلهي حين يأتي على القلب المستنير يستقبله، ويقدر أن يخترق غشاءه فيدخل إلى داخله فيتأثر به. فإذا وقعت نقطة سوداء واحدة، فتلك كمن عنده مسطح زجاجي وعليه نقطة شائبة واحدة، فإن تاب العبد وأقلع صُقل قلبه فذهبت عنه هذه النقطة، ولكن إن تركها ثم أذنب ذنبًا آخر، نُكتت إلى جوارها نقطة أخرى، ومع توالي الذنوب حتى يسوَدّ القلب، وذلك هو الرَّان الذي قال الله تبارك وتعالى فيه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (المطففين: ١٤).
«إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (حديث حسن، رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين. ومن أخطر العقوبات أن يأتي الصرف من الله تبارك وتعالى؛ فيكون الشيء ماثلًا أمام الإنسان، فيعاقَب على شدة إعراضه ونأيه وبعده عن الله بأن يُصرف عنه، فلا يراه أصلًا وهو أمامه. وقد يحدث هذا لأهل الإيمان كعقوبة مؤقتة، فتُصرف أبصارهم عن الشيء دون قلوبهم، أما أهل الجحود -عياذًا بالله- فتُصرف قلوبهم بالكلية؛ فالذي يُصرف بصره قد يعود إليه ما غاب عنه، لكن الذي يُصرف قلبه فقد حُرم الإدراك من أصله.
وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن طائفة من أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، لما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعوا إلى تحصيل الغنيمة وطلب الدنيا، فقال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (آل عمران: ١٥٢).
عبرة من غزوة أحد: صرف القلوب عن الإدراك
وصورة ذلك يوم أحد: أن المشركين ولّوا الأدبار، وأمعنوا في الفرار، وكان الرماة الذين وضعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجبل مأمورين بألا يبرحوا أماكنهم حتى يأمرهم؛ فلما رأوا فرار المشركين، ورأوا أصحابهم يجمعون الغنائم، خافوا أن يستحوذ هؤلاء على المغانم دونهم فينزلوا خالين. فذكّرهم أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن ترك أماكنهم، فقالوا: قد انقضت المعركة وانتهى الأمر. فنزل أكثرهم يجمعون الغنيمة كما فعل إخوانهم.
وكان خالد بن الوليد -وهو يومئذ على خيل المشركين- في طريقه راجعًا نحو مكة مع من انهزم، فالتفت فرأى ذلك الموضع قد خلا من الرماة. وكانت مهمة هؤلاء الرماة أن يمنعوا خيل المشركين من الالتفاف حول المسلمين من خلفهم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته هذه الخيل -وهي عنصر لا نظير له عند المسلمين- محايدة تمامًا طوال المعركة، لا تستطيع أن تفعل شيئًا. فلما خلا المكان، انتهز خالد الفرصة والتف بخيله من ذلك الثغرة، والمسلمون منشغلون بجمع الغنائم لا يشعرون بما يُحاك من ورائهم، حتى باغتهم من خلفهم، فوقعت الهزيمة التي وقعت.
فقد كانوا منشغلين بالغنيمة إلى الحد الذي صُرفوا فيه عن الالتفات إلى ما كان أمامهم؛ ولذلك كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجَّه هذا الصرف إلى جهة الطاعة: «اللهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك»، و«اللهم يا مصرّف القلوب، اصرف قلبي على طاعتك»؛ ليوجَّه القلب إلى الوجهة السليمة الصحيحة.
فما العلاج المطلوب لهذه الحالة، حتى لا تستفحل؟ إنها لو استمرت لأتى من الأمور ما لا يمكننا أن نستدركه، وما لا يمكننا أن نعالجه، وحينئذٍ لا ينفع الندم، ولا تنفع حسرة على ما فات. فالفرصة لا تزال موجودة أمام الإنسان أن يسعى إلى استثمارها بمراجعة حاله مع الله سبحانه وتعالى، فالحساب فردي، ولا يُسأل المرء إلا عن نفسه. فحياتنا كالجبل الذي يُقطع منه كل يوم شيء حتى ينفد، فليبادر كل إنسان بما ينجيه عند ربه تبارك وتعالى قبل أن يفنى.
الدعاء
اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيِنا ما علمتَ الحياة خيرًا لنا، وتوفَّنا إذا كانت الوفاة خيرًا لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيمًا لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
اللهم زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا. متّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا.
واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لكم.