Generic selectors
المطابقات الدقيقة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
البحث حسب التصنيف
أحداث جارية
أسماء الله الحسنى
الأذكار
التلون
السيرة النبوية
القصص في القرآن
الكتب
بني آدم والشيطان
بني إسرائيل
تراجم
تربية
تفسير
جهد الغلبان في تبيان فضائل القرآن
خطب الجمعة
خطو خاتم الأنبياء ما بين اقرأ وإذا جاء
دروس
دروس تربية
رمضان 1436هــ - 2015م
سلم الوصول إلى علم الأصول
عقيدة
غير مصنف
كتابات
كلمة التراويح
مسألة الرزق
من قصص كتاب التوابين
من هدي النبوة
مواسم الخير
هذه أخلاقنا

أعسر بيع في التاريخ

الخطبة الأولى

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، لا ربَّ غيرُه ولا معبود بحقٍّ سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه واهتدى بهداه. أما بعد:

فحديثنا اليوم عن أصعب وأعسر عمليةِ بيعٍ، وأشدِّها خطرًا، وأعمقِها أثرًا على تاريخ الجنس البشري كله. يقول الله تبارك وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (البقرة: 34)، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة: 35).

ماذا يريد الشيطان؟

يريد الشيطان — عليه لعائن الله المتتابعة — أن يُخرج الإنسان من هذه النعمة التي منَّ الله عز وجل عليه بها، ويريد أن يقول: إن هذا المخلوق الذي اصطفاه الله تبارك وتعالى وكرَّمه بعلمه لم يكن مستحقًّا لهذا التكريم ولا لهذا الاصطفاء، وإنه لن يكون أهلًا ولن يكون جديرًا بهذه الأمانة التي ائتمنه الله تبارك وتعالى عليها.

فما هي خطة الشيطان كي يوقع بآدم؟ لكي يُخرج آدمَ عليه السلام من الجنة ليس له إلا سبيل واحد: أن يبيع له هذه الشجرة الوحيدة التي وقع عليها النهي.

صفقة خاسرة بكل المقاييس

فآدم عليه السلام أباح الله تبارك وتعالى له الجنة، على سَعَة الجنة، وعظمة ما فيها من النعيم، وما فيها من الثمر والشجر ووسائل المتعة ما لا يأتي عليه الحصر؛ فهو مستغنٍ تمامَ الاستغناء عن هذه الشجرة، ولا حاجة له فيها.

ثانيًا: هذه الشجرة مما نهى الله تبارك وتعالى عنه، ولم ينهَ اللهُ تبارك وتعالى آدمَ عن أن يأكل من الشجرة فحسب، وإنما قال سبحانه وتعالى: وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة: 35)؛ فهو أشد ما يكون حذرًا، وأشد ما يكون نأيًا، وأشد ما يكون نفرةً وبعدًا عن هذه الشجرة.

ثالثًا: البائع هو عدوه المبين؛ فقد قال الله تبارك وتعالى له: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ (طه: 117–119). قضية في غاية الوضوح: هذا عدوك، وهذا ما يريد أن يفعله بك.

إذن: فلا السلعة مما يُحتاج إليه، ولا النفس إليها مُقبلة، ولا البائع عنده أدوات الثقة والأمانة التي تجعل المشتري يشتري منه هذه الصفقة الخاسرة. فكيف تمَّت الصفقة؟

الخطوة الأولى: استغلال الغفلة وإظهار الودّ

أول شيء: أن آدم يركن إلى النعيم، ويتعلق بهذه الجنة، ويرغب في خيراتها، فينسى تحذير ربه له، وينسى شيئًا من عداوة هذا الشيطان التي أبصرها بعينه، وسمع بأذنه قائلَها يقول: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (الأعراف: 12)، ويقول: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: 62).

ثم أظهر الشيطانُ الودَّ والنصح؛ حتى يكون مؤهَّلًا لأن يُصغيَ إليه آدمُ ويسمعَ منه.

الخطوة الثانية: خَلْق الحاجة وإنشاء المشكلة

آدم متعلق بالجنة، فما الخوف عليه وهو في الجنة؟ أن يطيع الشيطان فيَخرج منها. لكن الشيطان بنى فكرته على شيء آخر: أن يخلق الحاجة التي تجعل السبيل ممهَّدًا لكي يبيع عليه هذه الصفقة الخاسرة، وهي: الخوف من فقدان النعيم.

فربنا سبحانه وتعالى أباح له الجنة، ولم يخبره أنها إلى أجلٍ محدد أو أن الوقت فيها مؤقت. لكن الشيطان يتكلم عن الموت، عن الخوف من المستقبل الذي هو بيد الله تبارك وتعالى: أنت الآن في نعمة، لكن مَن يضمن لك الغد؟ ألا يمكن أن يحدث غدًا ما تفقد به هذا النعيم؟

فيتكدَّر على آدم النعيم في الجنة؛ فعلى الأقل صارت الفكرة في ذهنه موجودة، الفكرة التي تنغِّص عليه وتُفسد عليه النعمة التي ينعم بها. والفكرة هذه جاءت من أين؟ هو الذي أنشأها في ذهنه، وهو نفسه الذي عنده «الحل»! كدَّر عليه نعيمه حتى لا يَشغله إلا فكرةُ أن يحافظ عليه وأن يخلُد في هذه الجنة.

الخطوة الثالثة: الحل الكاذب — شجرة الخلد

ثم همساتٌ ونداءات، وأخيرًا: هناك شجرة في الجنة اسمها شجرة الخلد! قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (طه: 120).

لكن آدم يتذكر: هذه هي الشجرة التي نهاه ربه عنها: «ولا تقربا هذه الشجرة»! فيؤكِّد له الشيطان أنه لا وسيلة للمحافظة على النعيم إلا هذه الشجرة، وأنه لو كان عنده غيرُها لَما أخفاه عنه، ثم زاد الأمر توكيدًا بالقسم الكاذب: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (الأعراف: 21)، فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ (الأعراف: 22).

هكذا يعمل الشيطان: تزيينٌ، وتنسيةٌ، وتغفيل، وإنشاءٌ للمشكلة، وخلقٌ للحاجة، ثم في النهاية لا حلَّ لها إلا بارتكاب المعصية.

وشيءٌ يُضاف إلى ذلك: مع استمرار الوسوسة واستمرار الدقِّ على هذه الفكرة، استعان الشيطان على الرجل بزوجه؛ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ (الأعراف: 20)، وهي أقل منه تماسكًا وأشد منه ضعفًا، فهي أقرب للتأثر بوطأة الشيطان، واستعان بها لمكانتها عنده.

نهاية الصفقة الخاسرة

فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ (الأعراف: 22). فبعدما أكلا من الشجرة لم يحصل ما وُعدا به من الخلود، وإنما حصل موعودُ الله تبارك وتعالى الذي حذَّر منه: إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (طه: 117).

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

«صدقك وهو كذوب»: قد يستفيد المؤمن الحكمة حتى من عدوّه

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه — وقد استفاد علمًا من الشيطان وهو لا يعلم أنه الشيطان — إذ قال له: «إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح». فلما أخبر أبو هريرة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال له: «صَدَقَك وهو كَذوب، تعلم مَن تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ ذاك شيطان» (رواه البخاري).

الدأب في السعي: الفرق بين سعي المؤمن وسعي الشيطان

ومما يُتعلَّم من هذه القصة: الدأبُ والإصرار على تحقيق الهدف مهما كان صعبًا عسيرًا، وأخْذُ كل الأسباب الممكنة لتحقيقه، والتخطيطُ له، والإتيانُ إليه من كل طريق، واستعمالُ كل سبيل. فهذا قانون الحياة الدنيا: الأصل فيه أنه مع السعي والجهد يحقق الله عز وجل للعبد مقصودَه، إلا أن يشاء الله غير ذلك بقدَره وحكمته.

لكن الفرق بيِّن بين هذا السعي الشيطاني وبين سعي المؤمنين: أن سعي المؤمنين سعيُ خير، وأن سعي المؤمنين يجعل الله عز وجل فيه البركة، وأن سعي المؤمنين له العاقبة الحسنة والجزاء العظيم في الآخرة، أما سعيُ غيرهم فهو إلى بَوار.

لا نجاة من كيد الشيطان إلا بالاعتصام بالله

واعلموا أنه لا نجاة من كيد الشيطان إلا بالاعتصام بالله تبارك وتعالى، والاستعاذة به، واللجوء إليه، والإكثار من الاستعاذة طلبًا لحماية الله تبارك وتعالى لعبده.

ولذلك مثَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم — فيما نقله مما أوحى الله تعالى به إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام — ذكرَ العبد لله تبارك وتعالى بأنه بمنزلة الحصن: «كمثل رجلٍ يطارده عدوٌّ له، فدخل في حصنٍ فتحصَّن به من عدوه؛ وكذلك العبد لا يُحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله»؛ فإن الله سبحانه وتعالى يُدخله في حصنه وفي رعايته وفي حمايته، فيحفظه من الشيطان؛ فيكون هو بداخل الحصن والشيطان بالخارج لا يستطيع أن يصل إليه.

إذا زلَّت القدم: فليصنع كما صنع أبواه من قبل

ولكنَّ العبد لا بد أن تعتريه الغفلة؛ فإذا زلَّت قدمه واستزلَّه الشيطان، فعليه أن يصنع كما صنع أبواه من قبل: فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: 37)، قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الأعراف: 23).

طائف الشيطان

قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (الأعراف: 201). والطائف هو الذي يطوف؛ فالشيطان طول الوقت في طوافٍ حول العبد، يلفُّ حوله، يبحث عن الثغرة، يبحث عن اللحظة المناسبة، يبحث عن الفرصة، طول الوقت. لكنهم لمَّا كانوا من الذين اتقوا، إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكَّروا فإذا هم مبصرون.

وأما الآخرون فلا يتذكرون: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (الأعراف: 202).

وأخيرًا: الاستمساك بالمعوِّذات

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد اللهج بهذه المعوِّذات، يتحصَّن بها عند نومه، وفي صباحه، وفي مسائه، ودُبر كل صلاة؛ يتحصن بهذه الآيات العظيمة من كيد شياطين الإنس والجن:

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (سورة الفلق)؛ فيستعيذ بربِّ الفلق من شر ما خلق، ومن شر غاسقٍ إذا وقب: الليل وما فيه من شرور.

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (سورة الناس)؛ فالوسواس: دائم الوسوسة، والخنَّاس: الذي إذا ذُكر الله خنس وهرب.

الدعاء

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا بكلاءتك، وارعنا برعايتك يا رب العالمين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدنيا. ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا.

اللهم أعِنَّا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسِّر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، لك رهَّابين، لك مطواعين، إليك أوَّاهين منيبين. اللهم تقبَّل توبتنا، واغسل حَوبتنا، وثبِّت قلوبنا، وسدِّد ألسنتنا، واسلُل سخيمة صدورنا.

اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. اللهم إذا أردتَ بقومٍ فتنةً فتوفَّنا إليك غير مفتونين، اللهم إذا أردتَ بقومٍ فتنةً فتوفَّنا إليك غير مفتونين، اللهم إذا أردتَ بقومٍ فتنةً فتوفَّنا إليك غير مفتونين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.