الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليُّ المتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادقُ الوعدِ الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ثم أما بعد:
فحديثنا اليوم عن ابتلاء الإرادة: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ (البقرة: 249). ولكي نفسِّر هذا المشهد لا بد أن نرجع إلى خلفية هذا الموقف.
خلفية الموقف: أمةٌ نقضت عهد ربها
أمة من الأمم اصطفاهم الله تبارك وتعالى وكرَّمهم واجتباهم ومنَّ عليهم برسالته وفضَّلهم على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، فإذا بهم ينقضون عهد ربهم تبارك وتعالى، ويعصون أمره، ويخالفون نهجه، ويرتكبون من المعاصي والموبقات ما اللهُ به عليم، بل إن كثيرًا منهم قد وقع في الشرك عياذًا بالله.
فالنتيجة الطبيعية لهذا السلوك وهذا التخلي أن تتوالى عليهم النكبات والمصائب والشدائد لمخالفتهم لأمر الله تبارك وتعالى. وهذا من حكمة الله وسنَّته، وهو أيضًا من رحمته تبارك وتعالى بعباده الذين لا تزال لهم عند ربهم بقيةٌ من خير: وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (السجدة: 21).
يقظة جيل: «ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله»
فلما توالت النكبات والمحن والمصائب على هذه الأمة، أفاق جيلٌ من أجيالها أن يراجعوا أنفسهم، ويفكروا أن يخرجوا من هذا الوضع الذي قد انتهوا إليه. وما علامة هذا التحول؟ أن يجتمع المجتمع كله على هذه الإرادة وعلى هذا التوجه. والميزان لهذا التحول أن صفوة المجتمع ونخبته والطبقة العليا فيه — الذين يسميهم الله تبارك وتعالى بالملأ؛ لأنهم يملؤون الصدور مهابةً ويملؤون العيون عظمةً — هؤلاء قرروا أن يتوجهوا إلى نبيهم يسألون الله تبارك وتعالى أن يرسل لهم من يقودهم؛ لكي يعودوا إلى ما كانوا عليه في ظلال رحمة الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (البقرة: 246).
اختبار الجدية الأول
كان ردُّ الفعل الطبيعي لنبيٍّ لا يزال يدعو إلى هذه اللحظة من قديم أن يستثمر اللحظة ويغتنمها، وأن يبثَّ فيهم الحماسة لكي يتوجهوا إلى هذه الوجهة التي طالما انتظرها. لكنه لم يفعل ذلك: قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا (البقرة: 246)؛ إن العهد مع الله تبارك وتعالى شديد، لا بد من الوفاء به، فهل أنتم جادُّون؟
قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا (البقرة: 246)؛ ليس عندنا شيء نخسره، وليس لدينا بديل آخر. فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (البقرة: 246).
«أنَّى يكون له الملك علينا»: اعتراض النخبة
فاستجاب الله تبارك وتعالى بمنِّه وكرمه فآتاهم ما طلبوه: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا (البقرة: 247). هذا ما طلبتم وهذا ما أردتم. لكن: طالوت؟! يعني يطلع مين ده في موازين المجتمع؟ إذن هذه الصفوة وهذه النخبة تريد أن يختار الله تبارك وتعالى لهم قيادةً من أنفسهم، من وسطهم، لا تخرج عنهم؛ لا يريدون أن يرضخوا لمن يرونه دونهم: قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ (البقرة: 247). «عَلَيْنَا»: الفوقية والاستعلاء، هم يرونها هكذا.
وهؤلاء هم ورثة وأبناء وأحفاد يعقوب عليه السلام، أبناء الأسباط الذين هم ذريته: اثنا عشر رجلًا خرجت منهم هذه القبائل المتعددة من بني إسرائيل. إذن الأصل واحد، والأب واحد: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام؛ فلا تفاضل لبعضهم على بعض، ولا مجال للمعايرة ما بين بعضهم وبعض. ولكن قالوا: نحن أحق بالملك منه؛ فالعظمة والملك والمجد عندهم في سبط لاوي الذي فيه عامة الأنبياء، وسبط يهوذا الذي فيه عامة الملوك، أما هذا فمن سبط بنيامين، وهؤلاء عندهم هم الأحقرون الأذلُّون!
قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: 247)؛ اصطفاه عليكم بالتقوى والإيمان، وزاده بسطةً في العلم الذي تحتاجونه لقيادة هذه المرحلة، والجسم؛ لأنكم ستواجهون جالوت القائد العظيم المهيب وجيشه العرمرم الجرَّار.
آية الملك: التابوت تحمله الملائكة
ثم برحمة الله تبارك وتعالى أرسل لهم تثبيتًا وتأييدًا لقلوبهم ونفوسهم: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (البقرة: 248).
التابوت الذي فيه آثار الأنبياء موسى وهارون، وآثارٌ من آثار يوسف عليه السلام، كان قد استلبه منهم عدوُّهم، وحينئذ زادوا ذلةً ووهنًا، واستشعروا أن الله تبارك وتعالى قد تخلى عنهم. فإذا بالملائكة على أعينهم تأتي به محمولًا لا يرون أحدًا يحمله، حتى وضعته أمام بيت طالوت؛ آيةً لهم وعلامة. وفي هذا التابوت عصا موسى عليه السلام التي تمثل ارتباط هؤلاء بتاريخهم العظيم؛ ارتباطهم بأيامٍ نصرهم الله سبحانه وتعالى فيها وأيَّدهم، وأخرجهم مما كانوا فيه من الذلة والمهانة، وشقَّ لهم البحر وأنجاهم، وأغرق عدوَّهم وهم ينظرون.
وبالتالي استشعروا الحماسة وعادت فيهم الروح، فأرادوا أن يخرجوا، فخرج أكثرُ من يستطيع أن يقاتل من هؤلاء الناس ولم يبقَ إلا القليل؛ أعدادٌ كبيرة في أقوال أهل التأويل، حتى ذكر السُّدِّيُّ أنهم يقربون من ثمانين ألف مقاتل.
ابتلاء النهر: فرز الصفوة
هل هذا القائد الذي اصطفاه الله تبارك وتعالى انبهر بهذا العدد الكثير؟ هل استعظم هذا العدد وأُعجب به؟ كلا، إنه رآه عبئًا عليه. فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ (البقرة: 249): انفصلوا عن ديارهم وخرجوا، وساروا أيامًا وليالي في صحراء قاحلة وفي حرارة شديدة، حتى كدَّهم التعب والنصَب والعطش، وفني ما معهم من ماء. فإذا بقائدهم يقول: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي (البقرة: 249)، ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ (البقرة: 249).
طيب والنتيجة؟ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ (البقرة: 249). فمن هذا العدد القليل الذي بقي في الناحية الثانية؟ يقول البراء بن عازب رضي الله عنه وعن أبيه: «كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ: بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَمِائَةٍ» (رواه البخاري).
من ذلك الرقم الكبير جدًّا إلى هذا الرقم القليل جدًّا، بما لا يُقارن بالرقم الأول ولا بما يواجهونه من قوة. فهل رأى طالوت في ذلك أزمة؟ كلا؛ هذا هو ما أراده، وهذا هو ما كان يسعى إليه: أن تبقى معه صفوةٌ ونخبةٌ من أهل الإيمان الصادقين الذين يستحقون أن يُنزل الله عليهم نصره وتأييده.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
المواجهة: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة»
هؤلاء الصفوة المختارة بعدما عبروا النهر فجابههم جالوت وجنوده، رغم قوة إيمانهم وقوة صبرهم إلا أنهم في النهاية بشرٌ من البشر؛ حينما يقارنون عددهم القليل بهذا العدد الكبير وهذا الجيش العرمرم وهذه القيادة المخيفة، لا بد أن يصيبهم ما يصيب البشر: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة: 249)؛ والذين يظنون: أي أهل اليقين بلقاء الله.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ (البقرة: 250–251). فهزموهم بإذن الله. ولنا هنا وقفتان.
الوقفة الأولى: لماذا نجح من نجح ورسب من رسب؟
حينما ألقى إليهم طالوت أمره وتوجيهه، كيف استقبله منهم القليل؟ استقبلوا هذا التوجيه بعزمٍ على الامتثال والصبر. أما الآخرون فلم يكن منهم هذا العزم. فلما وصلوا إلى النهر نفع أصحابَ العزم عزمُهم؛ فثبَّتهم الله تبارك وتعالى لما انطوت عليه نفوسهم من صادق العزيمة على امتثال أمر الله وإن كان شاقًّا صعبًا، أما الآخرون فتهاووا.
مع أن المعاناة وحَّدتهم: كلهم مشوا في الصحراء هذه الفترة الطويلة، كلهم ذهب ما معهم من ماء، كلهم تتقطع حناجرهم من العطش، كلهم حينما يرون الماء — بالطبيعة البشرية — يجري إليه الجميع. فما الفرق؟ حديدُ العزم على امتثال أمر الله تبارك وتعالى ثبت، وحين يكون العزم والصبر يكون التأييد من الله تبارك وتعالى.
الوقفة الثانية: الماء الذي أثقل والماء الذي أعان
كيف كان المشهد؟ أهل التأويل يشرحون طبيعة المشهد الذي حصل: إن عامة هؤلاء الجيش هرعوا إلى الماء يعبُّون منه حتى ثقلوا. وطالوت لم يعمل «كشف غياب»: مَن نزل ومَن لم ينزل، ومَن شرب ومَن لم يشرب، ومَن اغترف غرفةً ومَن لم يغترف — وإنما فرز الابتلاءُ الناسَ بنفسه: فهناك من قدر أن يكمل معه، وهناك من ثقُل فلم يستطع ولم يُطق أن يتحرك.
فإذن هؤلاء الذين عبُّوا من الماء أثقلهم الماء، وأولئك الذين التزموا بما أُمروا به كان هذا الماء القليل لهم ريًّا وقوةً وتثبيتًا، أعانهم على ما أرادوا حتى أتم الله عليهم نعمته.
وهكذا الدنيا: من عبَّ من الدنيا عبًّا لم يزدد لها إلا طلبًا، ولم يزدد منها إلا تعلقًا. ومن تقلَّل وأخذ بما يعينه على الغاية التي أرادها الله تبارك وتعالى منه، بارك الله له فيما رزقه، وجعله عونًا له على ما أراد الله تبارك وتعالى له.
الدعاء
اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدنيا. ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا.
اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا. اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.