الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد:
تذكيرٌ بما سبق: كيف استدرج الشيطان آدم وزوجه؟
فقد ذكرنا في حديثنا الماضي كيف استطاع الشيطان أن يستدرج آدم عليه السلام وزوجه لكي يأكلا من الشجرة المحرَّمة الممنوعة، وكيف أخرجهما بكيده من الجنة.
وذكرنا أن هذا من أصعب ما يكون؛ لأن آدم عليه السلام شهد بنفسه، وسمع بأذنه، عدوَّه وهو يقول مخاطبًا ربه عز وجل: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (الأعراف: 12)، وسمعه يقول: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: 62).
وأكثر من ذلك: أن الله تبارك وتعالى قال مخاطبًا آدم عليه السلام خطابًا مباشرًا: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (طه: 117). فها هو العدو، وهذه عداوته، وهذا هدفه ومخططه وغايته: أن يُخرجكما من الجنة فتشقى بالحرمان في الدنيا، وفي الأرض التي سيُخرجك من الجنة إليها. فليس أبينَ ولا أوضحَ في العداوة من ذلك.
وكيف يُخرجه من الجنة؟ بأن يزيِّن له الأكلَ من الشجرة الوحيدة التي حُرِّمت عليه ومُنع منها، والتي قال الله تبارك وتعالى له محذِّرًا منها: وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة: 35)، وهو لا حاجة له إليها أصلًا كما ذكرنا؛ فقد قال له ربه: وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا (البقرة: 35)، فالجنة لا منتهى لها ولا لنعيمها ولا لأشجارها ولا لثمارها، فهي إذن شجرة ليس له بها أدنى حاجة، ومع ذلك استطاع الشيطان بكيده أن يجعله يأكل منها. ولذلك يجب على الإنسان أن يكون حذرًا أشدَّ الحذر من الشيطان وكيده.
المصيبة التي كانت في باطنها منّة
أما ما نريد أن نبني عليه اليوم فهو أن هذه المصيبة التي حدثت إنما كانت في باطنها وحقيقتها منّةً امتنَّ الله عز وجل بها على عبده آدم وعلى زوجه.
فقد سمعنا ربنا تبارك وتعالى وهو يقول لملائكته: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: 30). إذن كانت الحكمة تقتضي أن يكون الإنسان خليفةً في الأرض، فكان الأمر آيلًا في نهايته إلى أن ينزل آدم إلى الأرض. لكن الله تبارك وتعالى أراد أن يمُنَّ عليه بأن ينزل إلى هذه الأرض محمَّلًا بتجربةٍ وخبرةٍ تجعله يتَّقي أشدَّ الاتقاء من الشيطان وكيده، وتجعله أشدَّ الناس علمًا به.
لماذا لا يكفي التعليم النظري وحده؟
أصل التعليم أن يكون مبنيًّا على المعرفة؛ فالإنسان يتلقى المعرفة، ويستوعبها، ثم يبني عليها، فتكون تصرفاته وسلوكه وممارساته في حياته واختياراته فيها مبنيةً على الصواب، بناءً على ما تعلَّم. لكن أكثر الناس لا يتعلمون إلا من خلال الممارسة والخطأ والتجربة، ولذلك احتاج آدم عليه السلام إلى الممارسة والخبرة والتجربة.
فالتعليم النظري وحده لا يعطي في الغالب نتيجةً كبيرة، وذلك لسببين:
الأول: الشخص المغرور بنفسه؛ الذي يظن أنه ذكيٌّ يعرف كيف يدير أموره، وأنه صاحب خبرة كبيرة بالناس، عارفٌ كيف يتصرف — وكثيرٌ من هذه الظنون تنتهي به إلى الوقوع في الزلل.
والثاني: الشخص الطيب صافي القلب؛ الذي لا يتصور أن في الحياة نفوسًا تنضح شرًّا وسوادًا وظلمة. فالشيطان ليس مجرد فكرة، بل هو كتلة من الكبر والحسد والعداوة تتحرك في صورة مخلوق. وقد جاء إبليس إلى آدم في صورة الناصح المشفق الذي يودُّه ويريد له الخير، ويريد له الخلود في الجنة، وأنه لا حلَّ إلا أن يأكل من الشجرة التي تورث الخلد، ولو كانت هناك حلول أخرى لَما قصَّر معه في الدلالة عليها! ثم زاد على ذلك أنه أقسم لهما: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (الأعراف: 21). ولم يكن آدم يتصور أن مخلوقًا خلقه الله يمكن أن يحلف بالله كذبًا!
فهذه التجربة كانت غايةً في الضرورة لآدم عليه السلام؛ لكي ينزل إلى الأرض محصَّنًا، ولكي يدرك حقيقة الإدراك ما هو الشيطان، وما هي حقيقته بالضبط: أنه رغم كل هذه التحذيرات، ورغم رؤيته للشيطان وهو يبارز بالعداوة، ورغم الذكرى — وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (طه: 115) — فإن كل هذه الحواجز يمكن أن تُنقَض عروةً عروة، وخطوةً خطوة، إلى أن يسقط الإنسان في المعصية.
الحكمة الأولى: الخبرة تُرسِّخ ما لا يرسِّخه التعليم النظري
فهذه أول حكمة: المعرفة أمرٌ ذهني يستقر في الذهن، لكن حين يمرُّ الإنسان بحدثٍ يعيشه بكل مشاعره ووجدانه، ويستشعر فيه الآلام والمواقف أشدَّ الاستشعار والتأثر، فإن الخبرة تستقر فيه استقرارًا لا تبلغه المعلومة المجردة.
ولذلك حين يمرُّ الإنسان بموقفٍ يشبه ما سبق أن جرَّبه، لا يستدعي ذهنُه المعلومةَ وحدها، بل تستيقظ الخبرة كلها بما فيها من صورٍ وأحاسيس، فتجعله أشدَّ ما يكون تحفُّزًا وانتباهًا تجاه هذا الموقف، ويدرك أنه الآن في مثل تلك الحال التي وقع فيها من قبل، فيحذر.
الحكمة الثانية: أن يستقرَّ في النفوس أنَّا للجنة خُلقنا
ومن الحِكَم كذلك: أن يستقر في نفوس آدم وبنيه أنهم للجنة خُلقوا. فآدم عليه السلام نزل من الجنة، وبنوه في فطرتهم وفي إحساسهم الداخلي العميق ذلك الشعورُ بالجنة، والحنينُ إليها، والرغبةُ في العودة إلى الموطن الأول؛ ففي الإنسان سعيٌ دائم لاستعادة ما فقد، وللعودة إلى دار الكرامة، وذلك أن يتذكر الإنسان أن ربه سبحانه وتعالى إنما خلقه بالأساس لينعِّمه، وإنما الإنسان بفعله وباختياره هو الذي يصرف نفسه ويُبعدها عن هذا النعيم وعن هذه الرحمة.
ولذلك قيل:
فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّها *** منازلُنا الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرى *** نعودُ إلى أوطانِنا ونُسلَّمُ
فهذه هي بيوتنا التي كنا فيها، وفيها المُخيَّم والمنازل التي نستقر فيها، ولكننا في هذه الدنيا في دار ابتلاء، فنسأل الله أن يسلِّمنا من هذه الشرور، فنعود مرةً أخرى إلى هذه الدار التي خلقنا الله تبارك وتعالى لأجلها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إخراج آدم من الجنة كان خيرًا وتعليمًا
فإننا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن خير يومٍ طلعت عليه الشمس هو يوم الجمعة؛ ففيه خُلق آدم — وهذه نعمة — وفيه أُدخل الجنة — وهذه نعمة — لكنه عقَّب صلى الله عليه وسلم فقال: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» (رواه مسلم).
فعدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إخراجَ آدم من الجنة خيرًا! ولم تكن لتُعَدَّ خيرًا ونعمةً لو كانت محضَ عقوبة، وإنما كانت تعليمًا من الله تبارك وتعالى لعبده؛ ولذلك عدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة الخير.
إذن إنما كانت هذه نعمًا من الله عز وجل على آدم وزوجه؛ كي يتعلم منها الإنسان، وكي يكتسب منها الخبرة العملية التي يستطيع من خلالها أن يتعامل مع كيد الشيطان.
من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنَّى تأتيه
ولذلك كان من أعظم الحِكَم التي نتعلمها قولُ أبي الدرداء رضي الله عنه: «إن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنَّى تأتيه»؛ فمن الفقه والوعي والعلم الذي منَّ الله سبحانه وتعالى به على الإنسان: أن يعرف نزغات الشيطان ومداخله ووساوسه، والأماكن التي يخترقه منها. فالشيطان يدخل على كل واحدٍ منّا من مداخل، ولكل واحدٍ منّا نقاطُ ضعفٍ وأماكنُ يسهل أن يُخترق منها.
فأبو الدرداء رضي الله عنه يقول: إن من فقه الإنسان أن يدرك هذه المداخل، ويدركها بالخبرة؛ يدركها بمحاولات الشيطان معه، وبإخفاقاته في الحياة في الصور المختلفة والنماذج المختلفة ومواقف التعامل، فيكتسب من خلال التجارب معرفةَ كيف يعتصم بالله سبحانه وتعالى، فيحصِّن نفسه من المداخل التي يدخل إليه منها الشيطان.
وليس المطلوب من الإنسان أن يكون معصومًا لا يقع في خطأ، وإنما المطلوب أن يرتقي من خلال التجارب؛ فيكون في كل مرةٍ أفضل، وفي كل مرةٍ من ربه أقرب، وفي كل مرةٍ من الشيطان أبعد.
العقل عقلان: عقل فطرة وعقل تجربة
ولذلك قيل: العقل عقلان: عقلُ فطرةٍ وعقلُ تجربة. فالعقل — أي الذكاء والفهم — نوعان: نوعٌ فطريٌّ فطر اللهُ سبحانه وتعالى الإنسانَ عليه، يدير به أموره، ويدرك به الفرق بين المصلحة والمفسدة، والمنفعة والمضرة، والحسن والقبيح؛ ونوعٌ مبنيٌّ على ما اكتسبه الإنسان عبر تجارب الحياة وخبراتها.
ولذلك فالخبرة والتجربة شيءٌ ذو قيمةٍ كبيرة، والمطلوب من الإنسان أن ينتفع بها، وأن ينتفع بالناس الذين أعطاهم الله سبحانه وتعالى من هذه الخبرة والتجربة عبر تراكم السنين؛ فإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنَّى تأتيه.
الدعاء
اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدنيا. ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا.
اللهم كن لنا ولا تكن علينا، وأعنَّا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسِّر الهدى إلينا. اللهم يا وليَّ الإسلام وأهله، مسِّكنا الإسلام حتى نلقاك عليه. اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.