جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

استكمالاً لشرح الوابل الصيب

ما انتهينا إليه: مداخل الشيطان الثلاثة

كنّا انتهينا في المرة الماضية إلى وصف ابن القيم رحمه الله للصراع الذي يعانيه الإنسان في هذه الحياة بينه وبين الشيطان، وذكرنا أن للشيطان إلى الإنسان ثلاثة مداخل: الشهوة، والغضب، والغفلة. وهذه الثلاثة موجودةٌ في تركيب الإنسان أصلًا؛ ودور الشيطان أن يستثير هذه الدواعي فيُذكيها ويوجّهها لتستجيب لمقتضاها.

ومن رحمة الله سبحانه أن جعل في مقابل الوسوسة الشيطانية داعيةَ الملَك إلى الخير. وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه: «إنّ للشيطان لَمّة بابن آدم، وللملك لَمّة؛ فأما لَمّة الشيطان فإيعادٌ بالشر وتكذيبٌ بالحق، وأما لَمّة الملك فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق» (رواه الترمذي). فالإنسان يتنازعه صوتان داخليّان.

ليس للشيطان سلطان

لكن الإنسان هو الذي يستجيب؛ ولذلك قال تعالى: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّسبأ: ٢١. والسلطان هو القوة القاهرة؛ ولذلك تُوصف الحجّة بأنها سلطان — مع أنها لا تملك قوةً مادية — لشدّة أخذها بمجامع القلوب.

ومن هنا قال تعالى في فرعون وملئه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّاالنمل: ١٤؛ فجحدوا بالآيات ظاهرًا، ومع ذلك عبّر الله عن أثرها فيهم بلفظ اليقين: وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. وقال موسى عليه السلام مخاطبًا فرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًاالإسراء: ١٠٢. فالحجّة قامت، والعناد بعدها هلاك.

لماذا يؤخّر الله الآيات؟

قال تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَالإسراء: ٥٩. فمن رحمة الله بالناس أنه لا يستجيب لداعية طلب الآيات؛ لأنها لو جاءت على وفق مطالبهم ثم جحدوا هلكوا.

وشاهد ذلك قصة المائدة؛ قال عيسى ابن مريم عليه السلام: اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَالمائدة: ١١٤–١١٥.

خطبة الشيطان يوم القيامة

والشيطان نفسه يتبرّأ في النهاية: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّإبراهيم: ٢٢.

وتأمّل: لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ — فهو لا يتكلّم إلا بعد أن ينتهي كل شيء وتستقرّ النتائج. وهذا نظير قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَالحشر: ١٦.

وهذه هي طبيعة العلاقة: إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي — دعوةٌ منه واستجابةٌ منّا؛ لا قهر ولا إجبار. ونحن بطبعنا نحبّ أن نُحيل الخطايا والنقص والضعف على أحد، وأسهل من يحمل ذلك كلّه هو الشيطان. لكن هذا لا يُخلي الإنسان من المسؤولية.

التلاوم يوم القيامة

وسيقع التلاوم بين الأتباع والمتبوعين: فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْإبراهيم: ٢١.

وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِالبقرة: ١٦٦–١٦٧.

فهل لو رُدّوا لتغيّر شيء؟ الجواب: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَالأنعام: ٢٧–٢٨. فلو تكرّرت الظروف نفسها لاتّخذوا القرارات نفسها.

وتنقطع المعاذير: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُفاطر: ٣٧.

الإنسان ينصر جانبًا على جانب

فطبيعة العلاقة إذًا: أن في الإنسان دواعيَ الخير ومكوّناتِ الفتنة معًا. فمكوّنات الخير يمدّها الله بتأييده وبداعية الملَك، ومكوّنات الفتنة يأتي الشيطان فيذكيها ويقوّيها. والإنسان هو الذي ينصر جانبًا على جانب: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِالبلد: ١٠.

قال ابن القيم رحمه الله — وقد قرأناه في المرة الماضية: «فهو يُطيع الناصح مرّةً فيُبيّن له رُشده، ويمشي خلف دليل الهوى مرّةً فيقطع عليه الطريق ويأخذ ماله وتُسلب ثيابه، فيقول: تُرى من أين أُوتيت؟ والعجبُ أنه يعلم من أين أُوتي، ويعرف الطريق التي قُطع عليه فيها، ويأبى إلا سلوكها؛ لأن دليلها قد تمكّن منه».

فالإنسان أحيانًا يسلك طريقًا يعلم أنه يضرّه ويؤذيه، وقد جرّبه مرارًا، ثم يعود إليه مرةً بعد مرة؛ لغلبة الهوى وضعف المقاومة.

العُدد والحصون والمرابطة

قال رحمه الله: «فلمّا ابتُلي العبد بما ابتُلي به، أُعين بالعساكر والعُدد والحصون، وقيل له: قاتِل عدوّك وجاهده؛ فهذه الجُنن خُذ منها ما شئت، وهذه العُدد الْبَس منها ما شئت، وهذه الحصون تحصَّن بأيّها شئت، ورابِط إلى الموت؛ فالأمر قريب، ومدّة المرابطة يسيرةٌ جدًّا».

وقوله «رابِط إلى الموت» نظير قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُالحجر: ٩٩. ومعناه أن يوطّن الإنسان نفسه على أن طبيعة الحياة قائمةٌ على وجود المعاناة والابتلاء والكدر. لكن من رحمة الله أن مستوى المجاهدة وضغطها يقلّ مع الوقت: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاالعنكبوت: ٦٩.

ثمرة المرابطة: أن يتولّى الله حفظ جوارحك

قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «وما زال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبَّه؛ فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها» (رواه البخاري).

فالعبد يتقرّب أولًا بما أوجب الله عليه، ثم — رغبةً في مزيد القرب — بما يستحبّه فوق ما أوجبه، ويستمرّ على ذلك مدةً بحسب تعلّقه القلبي وطول مجاهدته، حتى تكون الغاية أن يبادله الله حبًّا بحبّه. وأن يرتقي الإنسان إلى أن يكون محبوبًا لله — هذا هو الشيء الرفيع الذي ينبغي أن يكون أُمنية كل أحد.

وثمرته: أن هذه الجوارح — وهي الآلات التي يجترح بها الإنسان الخطايا، ولذلك سُمّيت جوارح — يتولّى الله حفظها عليه، فلا يبقى يكابد فيها كما كان يكابد.

وقال بعض أئمة السلف: «كابدتُ قيام الليل عشرين سنة، واستمتعتُ به عشرين». فتأمّل: عشرون سنة يُقنع فيها نفسه بأمرٍ تستثقله، حتى إذا انقضت أحبّته وألِفته، فوجد لذّته فيما كان يعاني منه؛ فلم يعد ثمّة صراع، لأن النفس مالت إليه وبدأت تستمتع به.

اليقين يقود إلى الصبر

وكان عمر رضي الله عنه يقول: «وجدنا خير عيشنا بالصبر». قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍالزمر: ١٠، وقال: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَالسجدة: ٢٤.

فتأمّل الترتيب: لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ؛ فاليقين هو الذي يقود إلى الصبر. فإن وجدتَ صبرك قليلًا فاعلم أن العلاج مزيدٌ من اليقين — فمزيد الثقة يعطي مزيد القوة.

ونحن نوسّع على أنفسنا الدوائر ونُكثر المطالب والمشاغل، والحياة المطلوب منّا تحقيقها أبسط من ذلك بكثير: أشياء محدّدة واضحة. فلو نظرنا إلى كتب المنازل — كـ«منازل السائرين» للهروي و«مدارج السالكين» لابن القيم — لوجدنا عشرات المنازل من اليقظة إلى التوحيد؛ ولا يستطيع إنسانٌ أن يجمع في ذهنه هذا كلّه. فالأصل أن يكون أمام الإنسان معنًى أو معنيان يركّز فيهما فينال بهما بإذن الله. وهما هنا: اليقين والصبر.

ما الفرق بين المعرفة واليقين؟

مشكلتنا أن عندنا معرفةً وإدراكًا لما ينبغي أن نكون عليه، لكن تحقيق ذلك في إطار الواقع والتطبيق والمعايشة يقع بأدنى نسبة. فالصراع كلّه هنا.

وتأمّل صفة المتقين في فواتح البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَالبقرة: ٣–٤. فذكر الإيمان مرتين، فلما جاء إلى الآخرة قال: هُمْ يُوقِنُونَ؛ لأن الآخرة — وهي غيبٌ عن هذا العالم المحسوس الذي نعيش فيه — تحتاج يقينًا لتعمل عملها.

واليقين هو الاستقرار التامّ للمعاني في القلب بحيث لا تضطرب ولا تهتزّ. ومثاله: أن تُلقي حصاةً في بئرٍ من الماء، فيضطرب الماء ويتحرّك ثم يسكن؛ فلحظة الاستقرار بعد الاضطراب هي اليقين. فمعناه: أن أصل إلى الاستقرار بعد أن كنتُ مضطربًا. وإنما يحصل ذلك بالوصول إلى الله.

واليقين المقصود: اليقين برحمة الله، وبأن النور الإلهي هو عين الحق والصواب، وأن الطريق الإلهي هو طريق السعادة حقيقةً، وأن الله يجزي العبد أحسن الجزاء على كل ما قدّم، وأنه إذا ابتلاه فإنما يبتليه ليقرّبه منه ويحطّ عنه من خطيئاته ويرفع من درجاته. هذا اليقين هو الذي يجعل الإنسان يصبر.

الهوى لا يُقتلع، وإنما يُنهى

فإذا عرضت للإنسان شهوةٌ تحبّها نفسه، فما الذي يجعله يقاومها؟ قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰالنازعات: ٤٠.

وتأمّل: لم يقل إن الهوى يُقتلَع أو يُلغى، بل قال وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ؛ فالداعية موجودة، وهو ينهى نفسه عنها. وهذا مهم؛ فإنك قد تجد خطابًا مثاليًّا ملائكيًّا غير إنساني — أشبه بالرهبانية النصرانية — يعتبر الإنسان مجرمًا لمجرّد أن تحرّكت في نفسه داعيةُ الشهوة. وهذا يتكلّم عن كائنٍ غير موجود.

وما الذي يعينه على النهي؟ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ؛ وفيها معنيان: خوفُ عظمة الله، وخوفُ مقامه بين يدي الله يوم القيامة — أي الإيمان بالله والإيمان بلقائه.

لن تدع شيئًا لله إلا أبدلك خيرًا منه

قال صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا أبدلك الله به ما هو خيرٌ لك منه» (رواه أحمد). والبدل قد يكون من جنس المتروك، وقد يكون شيئًا آخر أعلى وأرقى: تترك مالًا فتُعطى إيمانًا، وتترك حرامًا فتُعطى يقينًا، وتترك ما يُغضب الله فتُعطى رضًا وسكينة.

والعوض الإيماني — لو صحّت موازيننا — هو الأعلى والأرقى؛ لأن أيّ شيءٍ دنيوي، ولو كان حسنًا، ففيه قدرٌ من الفتنة والمجاهدة. أما الإيمان واليقين والرضا والسكينة فليست فتنة، بل نعمةٌ خالصة.

فتنة السَّعة أشدّ من فتنة الضيق

قال تعالى: وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِالجن: ١٦–١٧. فسمّى السَّعة نفسها فتنة. وكذلك التمكين: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِالحج: ٤١؛ فهو امتحانٌ في حال الاستضعاف وامتحانٌ في حال التمكين.

وقال صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتُهلككم كما أهلكتهم» (متفق عليه). فامتحان السَّعة أصعب — على خلاف ما نتوهّم؛ لأنه الامتحان المحبوب إلينا، فنغفل عن كونه امتحانًا.

ولماذا كان أصعب؟ لأن الإنسان في حال الضيق يستشعر حاجته إلى فرج الله فيلازم مناشدته، ولأن الضيق لا يعطي مساحاتٍ واسعة للحركة في الشر.

واقرأ قوله تعالى: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُالتوبة: ٧٥–٧٧.

وتأمّل الدقة: وَتَوَلَّوا فعلٌ يدلّ على التجدّد، ثم وَّهُم مُّعْرِضُونَ اسمٌ يدلّ على الاستقرار؛ فلم يكن تولّيًا عارضًا، بل استقرّ الإعراض، وكلّما ذُكّر بعهده السابق ازداد تولّيًا.

والسبب أن الإنسان يتوهّم أنه لو جاءته النعمة لفعل كذا وكذا، فإذا جاءته تعلّق بها. يقول: لو جاءني مليون لفعلتُ كذا! وهو لو جاءه القليل لما أخرجه؛ لأنه ما إن يدخل الجيب حتى يصعب خروجه، وتُفتح له أبوابٌ من المصارف والحاجات ما كانت في الحسبان.

وتأمّل قوله صلى الله عليه وسلم: «فتنافسوها»؛ فالمساحة المتاحة قد تتّسع قليلًا، لكن النفس تتمدّد أضعاف ذلك. فمن كان يجلس في نصف متر صار يريد مترين، ثم أربعة، ثم يريد أن يتمدّد ويجلب الوسائد. فالاتّساع الحقيقي وقع في النفس لا في المكان. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (رواه مسلم).

لا تستعجل: المرابطة طويلة

ومن أكبر آفاتنا في محاولة عمل أيّ شيء: الاستعجالُ وقلّة الصبر. نريد نتيجةً سريعة في كل شيء: في الوضع الإيماني الشخصي، وفي الوضع المالي، وفي الوضع الاجتماعي، وفي حال المجتمع كلّه. وقد رأيت رجلًا قضى عشرين سنة يكابد ثم عشرين يستمتع — لندرك أن ثمّة أمورًا تحتاج مجاهدةً طويلة المدى.

الشيطان لا يترك الإنسان حتى آخر لحظة

وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أوّل قدمٍ يضعها في الجنة. فمن قطع نفسه على أنه لن يجد الراحة إلا هناك، ارتاح كثيرًا وتقبّل ما يلقاه في الطريق.

ويُروى أن الإمام أحمد في مرض موته كان يُغمى عليه ثم يفيق، فإذا أفاق حرّك يده يقول: «لا، لا، ليس بعد»، ثم يُغمى عليه، وتكرّر ذلك مرارًا. فسأله ابنه عبد الله عن ذلك، فقال: إن الشيطان قد تمثّل لي يعضّ أنامله ويقول: يا أحمد، فُتّني! فأقول له: لا، ليس بعد — حتى تخرج الروح.

فتأمّل: هؤلاء يُدركون أن الفتنة معروضةٌ على الإنسان ما بقي فيه نفَس. وهذه حقيقة الفقه وحقيقة العلم؛ فليس الفقه مجرّد قدرةٍ على الإفتاء أو كثرةِ محفوظات، وإنما هو مقدار ما استوعبه الإنسان من هذه المعاني ومقدار ما تحقّق به واقعًا. فهو مدركٌ أن الشيطان يريد منه أقلَّ شيء: أن يأمن ويطمئنّ إلى نفسه ويغترّ ويُعجَب بها.

وقد ذكر العلماء أن الشيطان ربما أتى الإنسان عند الوفاة في صورة أبيه أو أمّه يدعوانه إلى غير دينه. والإنسان إن لم يعصمه الله فإنه لا يملك عصمة نفسه.

هرقل: أن تعرف الحق ثم تؤثر عليه المُلك

وفي هذا الباب قصة هرقل مع أبي سفيان رضي الله عنه. فقد صاغ هرقل أسئلته صياغةً محكمة لا يستطيع معها أبو سفيان — وكان يومئذٍ مشركًا يودّ الانتقاص — أن يتحرّك فيها حركةً واسعة.

سأله: هل كان في آبائه من مَلِك؟ قال: لا. قال: لو كان في آبائه من مَلِك لقلتُ رجلٌ يطلب مُلك أبيه. أي: هل هذه دعوى دينٍ أم ذريعةٌ إلى سلطان؟

وسأله عن الحرب بينهم، فقال: سِجالٌ؛ يُدال علينا ويُدال عليه. وأبو سفيان يظنّ أن هذا نقيصة — إذ المفهوم أن النبوة تُنصر دائمًا — فقال هرقل: كذلك الرسل تُبتلى ثم تكون لها العاقبة. فقد كان عنده علمٌ بسنّة الله في المرسلين يقيس عليها.

وأراد أبو سفيان أن يدسّ شيئًا فقال: ولم تمكنّي كلمةٌ أُدخل فيها شيئًا غير أني قلت: نحن منه في مدّةٍ لا ندري ما هو صانعٌ فيها. أراد التشويش فقط.

ثم كانت الخلاصة أن قال هرقل: إن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين. وفي روايةٍ: هذه صفة نبيّ. ثم كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلِم تَسلَم، أسلِم يؤتك الله أجرك مرّتين»، وتلا عليه: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْآل عمران: ٦٤.

ومع ذلك لم يُسلم؛ لأنه آثر الحفاظ على ما أُوتي من المُلك. حتى إنه لمّا غادر الشام قال كلمةً وداعٍ يعلم بها أن الأمر منتهٍ. فهو يحارب نبيًّا وهو يعلم أنه نبيّ — وهذه نفسٌ عجيبة. وقارن بينه وبين كسرى الذي مزّق الكتاب، فقال صلى الله عليه وسلم: «مزّق الله مُلكه» فلم يبقَ للفرس سلطان. وبين المقوقس الذي أكرم الرسول وأهدى الهدايا وقال: قد علمتُ أن نبيًّا قد بقي — فبقي في قومه مُلكهم.

لماذا قُدِّم «تَسلَم» على الأجر؟

وتأمّل: «أسلِم تَسلَم» أوّلًا، ثم «يؤتك الله أجرك مرّتين». والطبيعي أن يُقدَّم الأجر لأنه الأعظم؛ لكننا بشر، والقلق من المستقبل ومن مترتّبات قراراتنا هو الذي يشغلنا أكثر — فنحتاج إلى الطمأنينة أوّلًا.

ونظيره ما ذكرناه في المعوّذات: الاستعاذة من الشيطان أعظم من الاستعاذة من الشرور الدنيوية، ومع ذلك قُدّمت سورة الفلق على سورة الناس؛ لأن هذا هو ما يشغلنا أكثر. مع أن المعايب أخطر من المصائب؛ فالمعايب تُورد الإنسان موارد الهلكة وتجرّ إليه المصائب: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْالشورى: ٣٠. فمن رحمة الله أن يُطمئن الإنسان في الجانب الذي يقلقه، ثم يرشده إلى ما هو أعظم وأخطر.

النعمة تُحفظ بالشكر وتُضيَّع بالكفر

وتأمّل خطاب قريش: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍقريش: ٣–٤. فـ«فليعبدوا» أمرٌ بشيءٍ يقع في المستقبل، و«أطعمهم وآمنهم» نعمٌ سابقة استقرّت وامتدّت إلى الحاضر؛ فلكي تستمرّ في المستقبل لا بدّ من التجاوب مع داعية الإيمان.

فإن لم يتجاوبوا؟ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُالنحل: ١١٢–١١٣. فالنعم مستقرّة، والموقفُ من الدين هو الذي يحفظها أو يضيّعها.

الجاهل يبلغ من نفسه ما لا يبلغه عدوّه

ومدار الأمر كلّه على علاقة الإنسان بربه، الذي بيده خزائن كل شيء، ويجازي بالإحسان إحسانًا وبالإساءة عفوًا وغفرانًا. ولا يوجد مانعٌ حقيقي يمنع الإنسان من التوجّه إلى الله.

لكن الإنسان قد يصل إلى مرحلةٍ من الإضرار بالذات وتدمير النفس؛ وقد قيل: «لا يبلغ الأعداءُ من جاهلٍ ما يبلغ الجاهلُ من نفسه». فالإنسان إذا فقد عقله واتّزانه دمّر نفسه بصورةٍ لا يقدر عليها عدوّه.

الموت: رسولٌ من المالك الأعظم

قال ابن القيم رحمه الله: «فكأنك بالمالك الأعظم قد أرسل إليك رسولًا فنقلك إلى داره، واسترحتَ من هذه الجهات، وفُرِّق بينك وبين عدوّك، وأُطلقتَ في دار الكرامة».

«فإن ضعفت النفس عن ملاحظة قِصَر الوقت وسرعة انقضائه فلتتدبّر قوله عز وجل: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍالأحقاف: ٣٥».

وهذا من أعظم ما يُوصف به الانتقال من هذه الحياة؛ فهو يصوّر الملائكة التي تقبض روح المؤمن رسولًا من الله يقوده إلى الدخول عليه سبحانه — صورةٌ مختلفةٌ تمامًا عمّا نتخيّله.

وقال تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَالمؤمنون: ١١٢–١١٤.

ونظيره أهل الكهف: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًاالكهف: ٢٥، ومع ذلك كان إحساسهم: يومًا أو بعض يوم. وكلّنا يجرّب هذا؛ فأنت في آخر رمضان لا تكاد تشعر أن ثلاثين يومًا قد مضت، بل تتمنّى لو طالت.

وقفة مع أهل الكهف

وقد أطال الله عمر هؤلاء الفتية حتى رأوا ما كانوا يتمنّونه من ظهور الإيمان بعد أن كانوا مطارَدين: وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَاالكهف: ٢١. ثم ماتوا بعد ذلك.

ثم انظر إلى ما فعله الناس بهم: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًاالكهف: ٢١. وتأمّل «اللام» و«النون» في لَنَتَّخِذَنَّ — وهي لام التوكيد ونون التوكيد؛ فهذا لا يُقال إلا بعد محاورةٍ ونزاع، اختزلها القرآن اختزالًا. فأصحاب الشوكة قالوا كلامًا وأنفذوه، ولم يبقَ لأحدٍ أن يعترض.

ومن هنا يُنقل عن أثر: «حكّموا باطلًا وانتضوا صارمًا، وقالوا: صدَقنا. قلنا: نعم» — أي حين تُجرَّد السيوف يُقال للباطل: صدقتم.

«ما بقي من الدنيا…»

قال رحمه الله: خطب النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فلمّا كانت الشمس على رؤوس الجبال — وذلك عند الغروب — قال: «إنه لم يبقَ من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه».

فليتأمّل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، وليعلم أيَّ شيءٍ حصّل من هذا الوقت الذي بقي من الدنيا بأسرها، وليعلم أنه في غرورٍ وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظٍّ خسيسٍ لا يساوي شيئًا؛ ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظّ هنيئًا موفورًا وأكملَ منه.

كما في بعض الآثار: «ابن آدم، بِعِ الدنيا بالآخرة تربحهما جميعًا، ولا تبع الآخرة بالدنيا فتخسرهما جميعًا».

وقال بعض السلف: «ابن آدم، أنت محتاجٌ إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج؛ فإن بدأتَ بنصيبك من الدنيا أضعتَ نصيبك من الآخرة وكنتَ من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأتَ بنصيبك من الآخرة مرّ بنصيبك من الدنيا فانتظمه انتظامًا».

وصية معاذ بن جبل

وتُروى هذه الوصية عن معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ فقد مرّ نفرٌ من الصحابة برجلٍ فاغتنم وجودهم يسألهم ويتعلّم منهم، فجعل كلٌّ منهم ينصحه. فلمّا كان معاذ آخرهم قال له: إن إخوتك قد أكثروا عليك حتى أنساك آخرُ حديثهم أوّلَه؛ فاحفظ عني اثنتين، إن حفظتَهما حفظتَ جميع ما قالوا لك، وإن ضيّعتَهما ضيّعتَ جميع ما قالوا لك. ثم ذكر له هذه الكلمة. فقال الرجل: حسبي. ثم رجع وهو يقول: ما رأيتُ مثل اليوم في الفضل.

وهذا من فقه معاذ رضي الله عنه؛ فقد أدرك أن كثرة النصح تُنسي بعضُها بعضًا، فاختصر له الأمر في كلمتين. ولذلك استحقّ أن يُقال فيه إنه يأتي يوم القيامة أمام العلماء بِرَتْوة.

مضمون الوصية: الإرادة والانتفاع

والمشكلة في نقطتين: الإرادة، والانتفاع. فالإرادة هي تعلّق القلب بالشيء والحرص عليه؛ والسؤال: إرادتك سعادةُ الآخرة أم الاستحواذ على الدنيا؟ والصورة التي يوجّه إليها القرآن: أن تكون الإرادة للآخرة، والانتفاعُ من الدنيا.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبستَ فأبليت، أو تصدّقتَ فأمضيت؟» (رواه مسلم). فالانتفاع المباشر الحقيقي: الأكل واللِّبس؛ وما زاد فهو في إطار التزيّن، أو في إطار الصدقة التي تبقى لصاحبها.

وسُئل الإمام أحمد رحمه الله: أيكون الرجل زاهدًا وله ألف دينار؟ قال: نعم، إن لم يفرح إذا زادت ولم يحزن إذا نقصت. فالمعيار ليس ما في يد الإنسان، وإنما مقدار تعلّق قلبه به.

ويُروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأكره أن أرى الرجل سَبَهْلَلًا، لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته» — أي فارغًا ضائعًا؛ فإما أن يكون في تحصيل منفعةٍ دنيوية حقيقية، وإما في تحصيل ما ينفعه عند الله.

تصحيح مفهوم: ليس هناك «علمٌ شرعي» و«علمٌ غير شرعي»

ومعاذ رضي الله عنه إنما يرسم صورةً كاملة: أن الدين إطارٌ لحياة الإنسان كلها، لا مسارًا موازيًا لها. ونحن عندنا خللٌ مشابه في قضية «العلم الشرعي وغير الشرعي»؛ وهذا مفهومٌ يحتاج إلى تصحيح، فليس ثمّة قسمةٌ بهذا الاسم.

وإنما العلم قسمان: عيني — وهو ما يجب على كل إنسانٍ ليَنجو به، وكفائي — وهو ما تتحقّق به مصلحةٌ عامة للأمة. وكلاهما علمٌ نافع. وما عدا ذلك فهو العلم غير النافع الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم.

فما دامت هناك أمّةٌ لها قيام، فكلُّ علمٍ فيه مصلحةٌ للناس فهو واجبٌ يُثاب عليه صاحبه. فأنت في أيّ تخصّصٍ كنت، إذا كنتَ تسعى لتنتفع به وتنفع به الناس فأنت في إطار العبادة: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِالذاريات: ٥٦ — وليس المقصود صوامعَ وأديرة.

«انتظمه انتظامًا»: العِقد والسِّلك

وتأمّل كلمة «الانتظام»؛ فهي من نظْم العِقد. وهي في مقابل قوله تعالى: وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًاالكهف: ٢٨ — أي حبّاتٌ متبعثرةٌ على الأرض لا يجمعها سِلك.

فالإيمان والبصيرة هما السِّلك الذي يمشي به الإنسان فيلمّ به حظّه من الدنيا. فتكون عندي رؤيةٌ عامة ونظرٌ إلى الآخرة أسير بهما في الحياة، فأسأل: هذه الكلمة أقولها أو لا أقولها؟ هذا الشخص أصدّقه أو لا؟ هذا العمل أدخل فيه أو لا؟ هذا الشيء يقرّبني من الله أم يشغلني عنه؟ فألتقط ما أحتاجه وأترك ما لا أحتاجه.

أما إذا لم يكن ثمّة سِلك، فالإنسان يلمّ كلّ ما وجد بلا معيار — وهو ما يُسمّى «حاطب ليل»: الذي يخرج في الظلام فيجمع الحطب فيقع في يده النافع والضارّ وهو لا يدري.

الشِّيزوفرينيا: أن نقول ما لا نعيش

وخلاصة ما نريد قوله: أن الدين لكي يكون شيئًا فعّالًا مؤثّرًا في الحياة، لا بدّ أن نستوعبه استيعابًا حقيقيًّا. فنحن نمرّ على هذه الجمل كثيرًا ونعدّها كلامًا جميلًا في الزهد والرغبة في الآخرة، ثم نعيش حياةً أخرى تمامًا — لأننا نعتقد أن هذا الكلام مثاليٌّ أو خيالي.

ونحن نقول إن الدين سبيل السعادة، وإن الإنسان على مقدار قربه من الله يسعد في الدنيا والآخرة. فهل جرّبنا أن نطبّق ذلك فعلًا؟ أم أننا نعيش فلسفاتٍ أخرى وثقافةً أخرى، فنصير في حالةٍ أشبه بانفصام الشخصية: شخصٌ نظري وشخصٌ واقعي، شخصٌ يتكلّم وشخصٌ يعيش؟

فإما أن نعيش ما نقول، وإما أن نقول ما نعيش. وإن كان ما نعيشه هو ما نقتنع به حقًّا، فتلك مشكلةٌ لا بدّ من علاجها.

لا محاباة في الإسلام

ونحن كأمّة نعتزّ بالإسلام اعتزازًا حقيقيًّا — وهذا حسن؛ لكن السؤال: كم نعرف عن الإسلام؟ وبأيّ نسبةٍ نطبّقه في الحياة؟ فقد اكتفينا بالولاء العاطفي، وهو لا يكفي. وكثيرٌ ممن يتكلّم عن الإسلام لعلّه لم يأخذ فرصةً كافيةً ليعيه أصلًا.

ومن أبسط ما ينبغي إدراكه: أنه لا مجاملة في هذا الدين. فالله سبحانه لا يحابي أحدًا؛ فإن لم أجتهد لإقامة الإسلام لم يقُم، وإن تحرّكتُ لإقامته على غير صورةٍ صحيحة لم أُصب.

وأوضح شاهدٍ على ذلك ما وقع في أُحد؛ فقد وقع من بعضهم خطأ ومن بعضهم إرادةٌ للمغنم، فترتّب على ذلك ما ترتّب: استُشهد من عظماء الصحابة من استُشهد، وتشتّت جمعهم، وأُصيب الإسلام إصابةً ليست بالبسيطة — وذلك في زمنٍ وجيز، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا لم يدخل الصحابة رضي الله عنهم في دائرة المحاباة، فنحن أولى ألا ندخلها.

وقد كان الذين أمامهم كفّارًا خُلَّصًا يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم، ومع ذلك كانت لهم الغلبة في ذلك الموطن — لا لأنهم يستحقّون، بل لأننا افتقدنا أسباب الاستحقاق.

الميزان الشخصي والميزان الجماعي

وثمّة فرقٌ ينبغي إدراكه بين ميزانين:

الميزان الشخصي: وفيه يتجاوز الله عن نقص الإنسان ويقبله على عَجَره وبُجَره؛ وفيه سَعةٌ ورحمةٌ كثيرة، لأن الإنسان مطبوعٌ على التقصير.

الميزان الجماعي: وهو حين تنسب نفسك إلى الدين وترفع رايته وتقول: أنا أمثّل الإسلام. فهنا لا يُقبل النقص؛ لأنك تتحدّث باسم شيءٍ أكبر منك.

خاتمة: التحقّق لا الادّعاء

فينبغي أن نراجع انتسابنا إلى الإسلام: هل هو انتسابٌ حقيقي أم دعوى؟ فإن الله سبحانه سيحاسب الناس على مقدار التحقّق لا على مقدار الادّعاء؛ والدعوى سهلة، يدّعيها كل أحد.

والإسلام نعمةٌ عظيمة حُرم منها كثيرون، ولو لم نشكرها سُلبت: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُممحمد: ٣٨، فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَالأنعام: ٨٩، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُالمائدة: ٥٤.

فإن كنّا نستشعر عِظَم هذه النعمة حقًّا، فلنعاملها بالتعظيم الذي تستحقّه، ولنُعطها قدرها الصحيح. وجزاكم الله خيرًا.