جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

الدرس التاسع من دروس سلم الوصول إلى علم الأصول

لماذا نقتطع هذا الوقت؟

أول ما ينبغي أن نتنبّه له: أن الإنسان حين يقتطع جزءًا من وقته ويخصّصه لله سبحانه وتعالى، فإن هذا الاقتطاع نفسه ينبغي أن يتناسب مع الجهة التي اقتُطع لأجلها. وأن يكون له أثرٌ في بقية أوقاته، بحيث تكون هذه المساحة حالةَ رفعةٍ يُستعان بها على سائر اليوم.

فالهدف من هذا المجلس أن يتحقّق فيه قدرٌ من الذكر — أي قدرٌ من الحضور مع الله سبحانه وتعالى. فالإنسان يعيش في حالةٍ من الانشغال والغفلة، فيقطعها بالذكر.

وقد جاء في الحديث أن لله ملائكةً سيّارةً يتتبّعون مجالس الذكر. ومجلس الذكر ليس صورةً واحدة؛ فمجلس العلم من مجالس الذكر إذا كان العلم فيه من هذا الباب.

ما العلم النافع؟

والعلم النافع في القرآن هو ما كان أحدَ أمور:

إمّا أن يعرّفنا بالله سبحانه وتعالى، وإمّا أن يعرّفنا بما يرضيه، وإمّا أن يحقّق للإنسان واقعًا في دائرة العبودية لله، وإمّا أن يعرّفنا بالمآلات — مآل من استقام على أمر الله ومآل من خالفه، ومواضع الاشتباه والاصطدام بين هذه الرؤية وتلك، وبين هذا المنهج وذاك.

الاستعداد قبل المجلس

وقد يُقرأ عن أقوامٍ كانوا أصدق في إدارة هذا الأمر منّا؛ فكان أحدهم يخرج من بيته قاصدًا مجلس العلم، فيتصدّق في طريقه، ثم يدعو الله ألا يحجب عنه علم معلّمه، وألا يمنع بركة علمه عنه.

فانظر ماذا يصنع: هو يريد أن ينتفع، فبدأ بالصدقة — والصدقة برهانٌ على الإيمان وثقةٌ بالله، وهي تُهيّئ الإنسان إيمانيًّا لأن يستقبل. ثم دعا؛ ولاحظ أنه لم يقل «المعلومة» بل قال «بركة العلم» — أي الأثر المثمر الذي يُنتفع به، لا مجرّد المعلومة.

آفة النظر إلى نقص المعلّم

ومن أعظم ما يحجب الانتفاع: أن يشتغل الإنسان بجوانب النقص في معلّمه. وهذا لا يعني أن نعمى عن الحقّ؛ فإن المتعلّم إنما أتى إلى هذا المكان بعد اختيار، واختار بحيثيّاتٍ رأى أنها تصلح للاقتداء.

لكننا نعيش في زمنٍ لن نجد فيه رجالًا من زمن الصحابة والتابعين. والجوّ العامّ للمجتمع يصبغ أهله جميعًا بصبغةٍ معيّنة؛ فمن ارتفع قليلًا فهو أحسن حالًا، لكنه لن يخلو من نقص.

والعين بطبعها تلتقط النقص: فلو كان ثوبٌ أبيض فيه بقعةٌ صغيرة لالتقطتها العين قبل الثوب كله. وقد قيل في المثل: يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجِذع في عينه. فالإنسان غالبًا يبصر جوانب النقص الصغيرة فيمن حوله، ويغفل عن نقصٍ في نفسه قد يكون أكبر منها.

«المؤمن مرآة أخيه»

ولا نستطيع أن نعالج الإنسان قبل أن نعرف ماهيّته؛ ما تعريفه، وما طبيعته، وما صفاته، وما الذي نريد أن نعالجه فيه.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن مرآة أخيه» (رواه أبو داود). وتأمّل هذه الكلمة الواحدة كيف تعطيك رؤيةً كاملة:

أولًا: المرآة إنما يُستعمَل فيها التحسين والتجميل؛ فهذه وظيفتها. فأنا حين أقول لأخي كلمة نصح، لا بدّ أن يظهر في أسلوبي أنني أحبّه وأحرص عليه. فلا يستقيم أن يكون الأسلوب جارحًا ثم أدّعي المحبة.

ثانيًا: الغرض من المرآة أن يصير الشكل بعدها أحسن. فالمرآة ليست غاية، وإنما وسيلة إلى تحسين.

ثالثًا: المرآة لا تُشهّر ولا تنقل ما رأته إلى غيرك؛ فهي تريك عيبك سرًّا.

والسؤال الذي ينبغي أن أسأله لنفسي: هل أنا أذكر عيب أخي ليأخذ الله بيده فيتغيّر، أم لأسجّلها عليه؟

ولماذا سُمّيت «النصيحة»؟

وتأمّل كلمة «النصيحة»؛ فأصلها من «النُّصح» بمعنى الخياطة — ومنه «المِنْصَحة» وهي الإبرة. والإبرة وظيفتها أن ترتق الخرق وتضمّ ما تفرّق وتستر ما انكشف.

فالكلمة نفسها تتضمّن أسلوبًا ومنهجًا وطريقةً في التعامل: أن أضمّ لا أن أمزّق، وأن أستر لا أن أفضح. وهذا هو الأثر الطبيعي للإيمان؛ فإن الإيمان في أصله علاقةُ حبّ، والحبّ والرحمة يقتضيان هذا.

مفارقة: نبالغ لأمر الدنيا ونتهاون لأمر الآخرة

ولو أن رجلًا وقف في طريق قطارٍ مقبل، لصحتُ به وجذبتُه بيدي ولو أغضبته؛ ولو لامني أحدٌ لاعتذرتُ بأن الأمر كان أخطر من مراعاة الشعور. وهذا مقبولٌ عند الناس جميعًا.

فإذا جئنا إلى ما هو أخطر — أمرِ الدين والآخرة — صار الأمر عندنا ثانويًّا، وصرنا نتحرّج ونتكلّف. فهذا يكشف أن ترتيب الأولويات في نفوسنا مقلوب: نُصنّف حفظ الحياة والمال أمرًا مهمًّا لازمًا، ونُصنّف أمر الله والدار الآخرة أمرًا هامشيًّا.

«فبما رحمةٍ من الله لنت لهم»

قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِآل عمران: ١٥٩.

وهذه آيةٌ عظيمة الخطر؛ فلنتأمّلها. مَن المخاطَب؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومَن المتحدَّث عنهم؟ الصحابة الكرام رضي الله عنهم — وهم يعتقدون فيه أنه رسول الله. ومع ذلك يقول الله: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَآل عمران: ١٥٩.

فمعنى ذلك أنهم — مع يقينهم بنبوّته — لو عُومِلوا بالفظاظة والغلظة لانصرفوا؛ لا إنكارًا للنبوّة، بل لعدم احتمال المعاملة. فأثرُ الأسلوب في بقاء الناس حول الحقّ أعظم مما نظنّ.

وتأمّل ترتيب الآية: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ — فالرحمة هي المعنى القلبي الذي هو الأصل؛ ثم لِنتَ لَهُمْ — وهو الأثر السلوكي الظاهر. فالخُلق القلبي له أثرٌ مباشر في السلوك. ومن ثمّ: إن وجدتُ نفسي أتعامل بخلاف اللين، فالعلاج ليس في تكلّف اللين، وإنما في تأسيس الرحمة في القلب أولًا؛ فإذا وُجدت في الداخل نضحت في الخارج.

وماذا كان الموقف الذي نزلت فيه؟

وانظر متى قيل هذا. كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع الرماة على الجبل وقال لهم ما قال، وأكّد عليهم ألّا يبرحوا مكانهم سواءٌ رأوا النصر أو رأوا الطير تخطف أصحابهم. ثم وقع ما وقع من مخالفة، وترتّب عليها ما ترتّب — من الهزيمة، وما أصابه صلى الله عليه وسلم في شخصه، وما لحق بالمسلمين.

ثم بعد هذا كلّه يأمره الله بثلاثة أمور متصاعدة:

فَاعْفُ عَنْهُمْ — أي عن حقّه الشخصي فيما أصابه من أذًى نتيجة المخالفة.

وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ — فلا يكفي أن يعفو، بل يسأل الله أن يغفر لهم.

وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ — وهذا أصعبها؛ فقد كانت المشورة الأولى هي التي أفضت إلى هذا كلّه، ومع ذلك يُؤمر بأن يستشيرهم مرّةً أخرى.

والدرس: أن المبدأ يبقى مبدأً، والقيمة تبقى قيمة. فإن أخطأنا في تطبيقٍ أصلحنا التطبيق، ولا نُلغي الأصل. فالشورى مبدأٌ ثابت: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْالشورى: ٣٨؛ فإذا أسيء استعمالها رُشِّدنا إلى حسن استعمالها، ولم تُلغَ.

ونحن — للأسف — نفكّر بالعكس: نُلغي المبدأ لأجل خطأٍ في التطبيق، ونقول: الحلّ في المستبدّ العادل! وقد تقتضي الظروف أحيانًا تدبيرًا استثنائيًّا مرحليًّا — كما تُباح المحظورات للضرورات وتُقدَّر بقدرها — لكنه لا يصير أصلًا ولا يستمرّ. فمن اضطُرّ فأكل الميتة، لا يجعل الميتة طعامه الدائم.

الاستفادة من كلّ مصدر: قصة أبي هريرة والشيطان

وممّا يوسّع تصوّرنا لمعنى التعلّم قصة أبي هريرة رضي الله عنه حين وكّله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فجاءه آتٍ يحثو من الطعام ثلاث ليالٍ. وفي الليلة الثالثة قال له: دعني أعلّمك كلماتٍ ينفعك الله بها. قال: ما هي؟ قال: إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح.

فلمّا أخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب. تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قال: لا. قال: «ذاك شيطان» (رواه البخاري).

وفي هذه القصة ثلاث فوائد عظيمة:

الأولى: أن دائرة الانتفاع بالمعرفة في هذا الدين واسعةٌ حتى إنها تشمل الاستفادة ممّا يقوله العدوّ إذا كان صدقًا. فهذه معلومةٌ دينية تُتلقّى في هذا السياق.

الثانية: قوله: «صدقك وهو كذوب»؛ ففرّق بين صدق الخبر في هذه الواقعة وبين كون قائله محلًّا للثقة. فقد أقبل الخبر ولا أجعل صاحبه موضع أمان.

الثالثة: أن الخبرة العملية والاستقراء مصدرٌ من مصادر المعرفة. فالشيطان من أين جاء بهذا؟ إنما جاء به من التجربة والاستقراء: فهو يعالج أمره مع بني آدم، فوجد أن من يُحرَس منه ليلًا يشترك في قراءة هذه الآية. فبنى المعرفة على تتبّع الحالات واستخراج القدر المشترك بينها.

والمشكلة أننا حين نمرّ بهذا الحديث لا نأخذ منه إلا «آية الكرسي» فنجعلها معلومةً مخزّنة، ونترك كلّ هذا البناء المنهجي. ولو تعاملنا مع الدين على هذا الوجه لوجدناه يعطينا صورةً كاملة.

لغة الواقع والتجديد

ونحن نقول إن الدين منهاجٌ كاملٌ للحياة، فإذا جئنا نوظّفه لم نجده — لا لأنه قاصر، بل لأننا لم نأخذه على وجهه.

وقد قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْإبراهيم: ٤. فثمّة شيءٌ اسمه «لغة الواقع».

ومن هنا كان معنى التجديد الذي امتنّ الله به على هذه الأمة؛ ووظائفه ثلاث:

أولًا: أن المعاني يصيبها شيءٌ من البهوت، فتحتاج من يُعيد إليها جِدّتها.

ثانيًا: أن تستجدّ نوازلُ لم تكن موجودة، فتحتاج من يجتهد فيها.

ثالثًا: أن أساليب الناس وطرائق تفكيرهم تتبدّل، فيحتاج الأمر إلى تغيير شكل الخطاب ولغته ليكون أقرب لمن يسمع.

لكن شرط ذلك أن يكون صاحبه متشبّعًا من الأصول أولًا.

من صحبتَ فلا بدّ أن تخرج بشيء

وقاعدةٌ مهمّة: أنك إن صحبتَ أيّ أحد فلا بدّ أن تخرج منه بشيء — إمّا خيرٌ تكتسبه، وإمّا سلبيّةٌ تراها فتتجنّبها. فأقلّ الفائدة أن ترى سلوكًا يستفزّك فتعزم ألا تفعله.

ومن أشهر ما يُنقل في هذا قول الإمام الشافعي رحمه الله: «صحبتُ الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين: قولهم: الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك؛ وقولهم: ونفسُك إن لم تشغلها بالحقّ شغلتك بالباطل».

وتأمّل: الشافعي رحمه الله عالمٌ من كبار العلماء، ومن تلاميذ الإمام مالك، وصاحب مذهب. فلماذا يصحب هؤلاء؟ لأنه لم يكن يبحث عندهم عن الدراسة العلمية والمعرفية — فهذه عنده — وإنما كان يبحث عن جانبٍ آخر: جانب التربية والزهد والعبادة والمعايشة. فهو يريد أن يجد عندهم ما ليس عنده.

أخذ النظر وترك الممارسة

ثم لاحظ: لماذا خرج بحرفين فقط؟ لأنه أخذ الجانب النظري السليم، ولم يأخذ الممارسة التي رآها غير صحيحة — من الاجتماع على الإيقاع والحركة التي رأى أنها تصدّ عن القرآن.

وهذا يعلّمنا أمرًا: قد يكون الإطار النظري عند قومٍ راقيًا وصحيحًا، وممارستُهم غير مطابقةٍ له. فلا يمنعك خطأ الممارسة من أخذ الصحيح، ولا يحملك حُسن النظر على قبول الممارسة.

وقد كانوا يقولون كلمةً في هذا المعنى: «لا تركن إلى عملي؛ ينفعك قولي ولا يضرّك تقصيري». وهذا صحيح؛ فأداء واجب شكر نعمة العلم واجبٌ مستقلّ. فعليّ أن أُبلّغ ما علّمني الله وإن قصّرتُ في العمل — لأني مسؤولٌ عن الواجبين معًا: واجب تبليغ النعمة وواجب امتثالها؛ فإن قصّرتُ في أحدهما لم يسقط الآخر.

ولذلك لا ينبغي أن يتحرّج الإنسان من الكلام في الحق لأنه لا يلتزمه كلّه؛ فمن ذا الذي لا نقص فيه؟ ولو انتظرنا الكمال ما تكلّم أحد.

الحرف الأول: الوقت

والوقت أخطر ما يملكه الإنسان؛ لأن الوقت يساوي الإنسان نفسه. أما المال فشيءٌ يملكه، وأما الوقت فهو عمره.

ولذلك أقسم الله بالعصر: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِالعصر: ١–٣ (العصر). فالخسارة إنما هي في الزمن؛ ومعيار الفلاح ما فُعل بهذا العمر: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وقال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري). فالفراغ مساحةٌ زمنية متاحة للاستثمار، والصحة هي الآلة التي أُوظّفها في استثمار هذه المساحة.

الصحة خيرٌ من الغنى

وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم — أو سُئل رجلٌ بحضرته — : كيف أصبحت؟ فقال: بخير، أحمد الله. ثم خاض القوم في ذكر المال؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحةُ لمن اتقى خيرٌ من الغنى، وطِيبُ النفس من النعيم» (رواه أحمد وابن ماجه بنحوه).

فتأمّل ثلاثة معانٍ:

أولًا: «لا بأس بالغنى لمن اتقى» — بشرط التقوى؛ وفي حديثٍ آخر: «نِعْمَ المالُ الصالح للرجل الصالح». فالمال في ذاته ليس خيرًا ولا شرًّا، وإنما يُقيَّد بصلاح المصدر وصلاح صاحبه.

ثانيًا: «والصحة لمن اتقى خيرٌ من الغنى». ويُروى أن هارون الرشيد قال لابن السمّاك: عِظني. فقال له ما معناه: لو حُبست عنك شربةُ ماءٍ وأنت تموت عطشًا، بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي. قال: فلو احتُبست في جوفك فلم تخرج، بكم كنت تفتديها؟ قال: بنصف ملكي الآخر. قال: فمُلكٌ قيمته شربةُ ماءٍ لا يستحقّ أن يُتنافس عليه.

ثالثًا: «وطِيبُ النفس من النعيم». فليس المطلوب أن يكون الإنسان دائمًا فرحًا مبتهجًا؛ فالهموم والأعباء تعتري الناس جميعًا حتى الأنبياء — بل الابتلاء نفسه من سنن الله. وإنما المقصود أن طيب النفس نعمةٌ تُذكر مع النعم.

ومجتمعنا يقيس كلّ شيءٍ بالميزان المالي، ويعتقد أن المال يشتري كلّ شيء، وأن المال يحقّق النفوذ والنفوذ يحقّق المال. وفي أمثالنا الشعبية: «الرجل ما يعيبه إلا جيبه» — وهذا معيارٌ خطير؛ فإذا لم تكن ثمّة دائرةٌ دينية وأخلاقية، صارت كلّ وسيلةٍ متاحةٍ لتحصيل المال مباحة.

وفي أمثالنا نقيضُه أيضًا: أن الرجل يُقاس بشيءٍ آخر غير جيبه. فنحن ننتقي من أمثالنا كما ننتقي من ديننا: ما يوافق هوانا أو يستلطفه.

فتنة السَّعة مرّةً أخرى

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا» (متفق عليه). ونحن — إن صدقنا مع أنفسنا — لسنا خيرًا ممن سبق؛ فمتى بُسطت لنا الدنيا وقعنا فيما وقعوا فيه.

ومن رحمة الله بالناس أحيانًا أن يضيّق عليهم؛ لأن الضيق يقلّل فرص الفساد، ويدفع إلى الالتجاء: فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَالأنعام: ٤٢.

وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما معناه: ابتُلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضرّاء فصبرنا، ثم ابتُلينا بالسرّاء بعده فلم نصبر. وتأمّل: بالضرّاء معه، وبالسرّاء بعده؛ فقد اجتمع أمران: تبدّل نوع الابتلاء، وغياب الشخص القدوة.

ولذلك ثلاثة أمور تُعين على اجتياز الضرّاء وتغيب في السرّاء: أن الضرّاء تدفع إلى الالتجاء إلى الله، وأنها تقلّ فيها الإمكانات المتاحة للانحراف، وأن وجود القدوة الماثلة أمام العين أعظم أثرًا من وجودها في الذاكرة.

وقد كان عمر رضي الله عنه يكره خروج كبار الصحابة من المدينة؛ لأن اجتماعهم فيها يحفظ المركز ويجعل مادّة الخير مركّزة، فإذا تفرّقوا تخلخلت. ثم انتشروا بعد ذلك لنشر الدين وتعليم الناس — وهو مقصدٌ أعظم — لكنّ التخفّف من التركيز كان له أثره.

حين يعيش القلب في الآخرة

وممّا يعوّض غياب القدوة أن يستحضر الإنسان الصورة؛ ولذلك كثُر في كلامنا الحديثُ عن مجالس الصحابة، لأنها تمثّل منهجًا في سَوق الحياة. وقد كانوا يقولون: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنّا نراهما — فتصير القيمة الغيبية كأنها مشاهَدة.

وتأمّل خواتيم سورة المطفّفين: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَالمطففين: ٢٩–٣٤.

فانظر إلى التبديل في الزمن: كَانُوا — بصيغة الماضي، مع أن الحال قائمةٌ حينئذٍ. فالخطاب للصحابة وهم يتعرّضون للضغط، والله يحكي لهم الأمر كأنه قد مضى وانقضى. ثم: فَالْيَوْمَ — أي يوم القيامة.

فقد نقلهم وجدانيًّا إلى الآخرة؛ فصار إحساسهم مختلفًا وإن كانت الظروف المحيطة كما هي. ومن انتقل قلبه إلى الآخرة صار كأنه قد استلم عوضه وأخذ حقّه، فهانت عليه الدنيا.

الحرف الثاني: «ونفسُك إن لم تشغلها بالحقّ»

وقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه كلمته المشهورة: «والله لأُنسينّ الرومَ وساوسَ الشيطان بخالد بن الوليد».

وتأمّل ما فيها: أن من انشغل بشاغلٍ حقيقيٍّ جادّ لم يجد الشيطان عنده مساحةً للوسوسة. وأبو بكر رضي الله عنه هنا يُدير جبهتين: جبهة الفرس وجبهة الروم. فهو يرى أن معارك الفرس متطاولةٌ على مراحل يمكن أن تُبطَّأ ويُكتفى فيها بالمناوشة — ولذلك يترك المثنّى بن حارثة، وهو من فرسان بني بكر العارفين بالفرس ونظامهم، يحفظ المكتسبات. ثم يسحب خالدًا ليدفع به إلى الروم؛ لأن تلك المواجهة يريد أن يحسمها.

وكان في جبهة الروم من كبار الصحابة: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص وغيرهم — وكلّهم عظماء. لكنه رأى أن الأمر يحتاج قيادةً بصفةٍ معيّنة. وقد وُصف خالد بأنه «لا ينام ولا يُنيم» — أي لا ينام هو ولا يترك عدوّه ينام.

فهذه إدارةٌ من طرازٍ رفيع: أن تعرف مَن تضع، وأين تضعه، ومتى. ولولا الإسلام لما سمعنا بخالد ولا بعمر ولا بأبي بكر؛ ولبقوا رجالًا من العرب يعيشون قليلًا ثم يموتون، بلا مشروعٍ ولا قضية.

«المشغول لا يُشغَل»

ومن القواعد الفقهية: «المشغول لا يُشغَل»؛ ومثاله المرهون والمسبَّل — فالشيء المشغول بحقٍّ لا يُشغَل بحقٍّ آخر.

فإذا كانت الوساوس إنما تدخل من الفراغات، فمعنى ذلك أننا نتعامل مع قلبٍ فارغ. فالنفس إن شغلتها بالحقّ انشغلت، وإن تركتها فارغةً اشتغلت بالباطل — لا لشيءٍ إلا لأنها لا تحتمل الفراغ.

وقد يكون الشُّغل بأمرٍ مباح: بأن يجعل الإنسان لنفسه برنامجًا فيه ما ينفع، ولو كان صغيرًا؛ فالمهم أن تكون هناك مساحةٌ مشغولة.

تحذير: البرنامج البديل

ومن أخطر ما يقع فيه الإنسان: أن يجد البرنامج الصحيح صعبًا، فبدل أن يعترف بصعوبته ويجاهد فيه — فينجح مرّةً ويُخفق مرّة — يصنع لنفسه برنامجًا بديلًا أسهل يُريح ضميره.

وهذا خطرٌ عظيم؛ لأن الأصل أن الباب يُفتح لمن يقرعه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَالعنكبوت: ٦٩.

وتأمّل سورة العنكبوت: أولها أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَالعنكبوت: ٢ — فالاختبار مقرَّر؛ وآخرها هذه الآية — فهي الخلاصة: كيف تنجو من الفتنة؟ بالمجاهدة، فتأتيك الهداية والمعيّة.

هل نحن مسؤولون عمّا نسمع؟

ونحن مسؤولون عن هذه الكلمات — أنا وأنتم — ما دام الله قد أرشدنا ووضعنا على الطريق. قال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَالأعراف: ٦، وقال: وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَالصافات: ٢٤، وقال: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَالقصص: ٦٥.

فمن أيقن أن ثمّة امتحانًا لا بدّ آتٍ، فلا بدّ أن يستعدّ له. والسؤال الذي على كلٍّ منّا أن يسأله لنفسه: أين المشكلة تحديدًا؟ ما الذي يمنعني من أن أرتقي وأستمرّ في الرقيّ؟

مشكلة منهجية: أين التدرّج والتقييم؟

وثمّة مشكلةٌ نقع فيها جميعًا في مجالس العلم: غياب التدرّج والتقييم.

ففي أيّ نظامٍ تعليمي: هناك مرحلةٌ أولى وثانية وثالثة، وهناك اختبارٌ يُعرف به هل استوعب الطالب ما يكفي لينتقل ويبني عليه أم لا. أما نحن فنكرّر الدورة نفسها سنةً بعد سنة، ونتعامل معها بشيءٍ من «التمدين» — يزيد الأسلوب قليلًا ويتحسّن المضمون قليلًا، لكن لا انتقال ولا بناء.

والنتيجة: لا المُلقي قادرٌ على تغيير المستوى، ولا السامعون منتقلون. فتصير الحلقة مغلقة.

ومن مشكلات الإلقاء أيضًا أن كلّ سامعٍ ينزّل ما يسمع على خلفيّته المستقرّة عنده، فتنطبع المعلومات عنده على وفق ما عنده لا على وفق ما أُريد. ثم إن كثيرًا منّا يرى أن وضعه مختلفٌ وله ظروفٌ خاصة وتركيبةٌ نفسية مختلفة — وهذا كلام صحيح في نفسه، لكنه لا يجد له مكانًا في صيغة الإلقاء.

اقتراح

فلعلّنا نحاول شيئًا أكثر إنتاجية: أن يأخذ كلٌّ منّا فرصةً ليعرض تجربته ورؤيته واقتراحاته وما يراه من صعوباتٍ خاصة به؛ فيسمع بعضنا من بعض. لسنا نلغي الدرس، ولكن نبحث عن وسيلةٍ نؤدّي بها ما هو أوضح وأنفع.

خاتمة: قياس الأولوية

وأختم بقياسٍ قد يبدو غريبًا، لكنه يوضّح المعنى: إذا اشتدّت بالإنسان حاجةٌ ملحّةٌ من حاجات البدن، فإن هذه الحاجة تسيطر على تفكيره سيطرةً تامّة، فلا يستطيع أن يفكّر في شيءٍ آخر مهما كان مهمًّا — لا لأنه اختار ذلك، بل لأن الأمر بلغ درجةً من الإلحاح لا تُحتمل.

فالخلاصة: أن الشيء إذا صار عندي مهمًّا ومُلِحًّا حقًّا، سيطر على ذهني تلقائيًّا بلا تكلّف. وإذا كان لا يشغلني، فالسؤال: لماذا لا يشغلني؟ لأنه ليس في دائرة الأهمية التي يستحقّها عندي.

ولن نطمع أن يبلغ الدين عندنا هذه الدرجة القصوى؛ لكن لنحاول أن نقرّبه منها ولو مرتبة. فالمطلوب من كلٍّ منّا حين يخرج من هنا أن يبقى في ذهنه شيء — أيّ شيء.