Generic selectors
المطابقات الدقيقة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
البحث حسب التصنيف
أحداث جارية
أسماء الله الحسنى
الأذكار
التلون
السيرة النبوية
القصص في القرآن
الكتب
بني آدم والشيطان
بني إسرائيل
تراجم
تربية
تفسير
جهد الغلبان في تبيان فضائل القرآن
خطب الجمعة
خطو خاتم الأنبياء ما بين اقرأ وإذا جاء
دروس
دروس تربية
رمضان 1436هــ - 2015م
سلم الوصول إلى علم الأصول
عقيدة
غير مصنف
كتابات
كلمة التراويح
مسألة الرزق
من قصص كتاب التوابين
من هدي النبوة
مواسم الخير
هذه أخلاقنا

وحسبوا ألا تكون فتنة – 02

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (الفتح: ٢٨)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا، ثم أما بعد:

حسبوا ألا تكون فتنة… فعموا وصموا

لقد قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (المائدة: ٧٠). أخذ الله سبحانه على بني إسرائيل العهد بطاعته وامتثال أمره، ثم تمّت عليهم المنّة إذ أرسل إليهم الرسل يبلغونهم وصايا ربهم ويهدونهم إلى سواء السبيل، فكلما جاءهم رسول بعدما أخذوا على أنفسهم العهد والميثاق بالإيمان وطاعة الله، جاءهم بما لا تهوى أنفسهم، بما لا يتوافق مع أغراضهم وأهوائهم وميولهم وشهواتهم، ففريقًا كذّبوا وفريقًا يقتلون.

فما الذي حملهم على ذلك؟ قال تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (المائدة: ٧١). ظنّوا وتوهّموا أنه لا عقاب عليهم، وأن الله تبارك وتعالى لا يؤاخذهم على هذه الجرائم وهذا الإفك الذي يفترون؛ حسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا: لا تنفذ إليهم النصائح والتحذيرات والتخويف والتنبيه من الاستمرار على هذه المسالك التي تورث العاقبة السيئة والهلاك والبوار، فعموا وصموا: لا نريد أن نرى العبر والعِظات، ولا نريد أن نسمع النصيحة، وكل هذا مبنيّ على حسبانهم ألا تكون فتنة. ثم أدركتهم رحمة الله فتاب عليهم، ثم عاد كثير منهم فعموا وصموا، والله بصير بما يعملون.

وقد ذكر الله تبارك وتعالى عنهم أنهم قالوا: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ (آل عمران: ٢٤)، بين يدي توليهم عن طاعة أمر الله واتباع كتابه.

فما الذي يخوّف الإنسان، أو يردعه، أو يجعله يتمسك بتقوى الله تبارك وتعالى؟ إما أن تكون الآخرة نُصب عينيه، فهو خائف من يوم اللقاء والوقوف بين يدي الله؛ فإذا فسد هذا الخوف عنده، لم تفسد عليه جهة واحدة فحسب، بل تفسد عليه هذه الحياة الدنيا التي جعلها غاية أمله وطموحه ومنتهى إرادته، وإذا فسد هذا الأصل فسد معه ذلك الحسبان والظن الذي ظن فيه أنه قد اكتسب به الأمان. والنتيجة كما قال حكماء العرب من قديم: «من أمِن العقوبة أساء الأدب»؛ فالإنسان إذا أمن العقوبة تمادى في الغيّ والظلم والشهوات واتباع الأهواء. فما الذي يُحدث في الإنسان هذا الشعور باللامبالاة والاستخفاف بأوامر الله؟ إنه عدم التنبه للرسائل التي يرسلها إليه الله تبارك وتعالى؛ وهذه هي حالة الحسبان والظن والوهم الخاطئ.

الأمن من مكر الله

قال تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (هود: ٤٢). يصف ربنا سبحانه وتعالى الموج بأنه يبلغ أعالي الجبال، قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ (هود: ٤٣). هذا هو الحسبان، هذا هو الظن، هذا هو التوهم: أن يركن الإنسان إلى شيء يعتقد أن فيه نجاته، وأن عنده طريقة يأمن بها من عقاب ربه سبحانه وتعالى وعذابه. قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (هود: ٤٣).

فأكبر خطر يتهدد الإنسان أن تفسد عقيدته، أو أن يُسوِّل له الشيطان ظنونًا وأوهامًا تُدخله في دائرة من دوائر الأمان الكاذب. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (الأعراف: ٩٩).

تفريط الفرص… وقصة كعب بن مالك

ثمة مستوى آخر: دائرة الذين مَنَّ الله عليهم فآتاهم الهداية فقبلوها، وآتاهم فرصًا كثيرة للتقرب منه سبحانه، ولفعل الخيرات واكتساب الحسنات؛ لكنهم ظنوا وحسبوا وتوهموا أن هذه الفرص التي يوليهم الله إياها ستبقى معهم أبد الدهر، وأنها موجودة متى شاءوا، أو أنه سيهتبلها متى أراد. وهذه الفرص قد تروح وقد تضيع، ولن تظل واقفة على بابنا تطرقه طوال الوقت، فتصيبنا العاقبة التي أخبر الله عنها: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (الأنعام: ١١٠). فأول مرة حين أتتهم الفرصة لم يشعروا بقيمتها، ولم يكونوا رافضين لها، بل كانت موجودة، وربما كنا منشغلين بأمور أخرى على أمل أن ننتهي منها وننجزها ثم نعمل بها ونحن قادرون على ذلك.

وسيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه يحكي عن نفسه في غزوة تبوك، حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للقاء الروم، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يتجهزون لهذا الغزو وعندهم احتياجات لا بد أن يحصّلوها، فيقول: «كنتُ في تلك الأيام في أحسن أحوالي، صحةً وبدنًا ومالًا، لم يَعُزني شيء، فكنت أخرج إلى السوق لأشتري احتياجاتي ثم أرجع ولم أقضِ من جهازي شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك متى أردت. ثم استمر بالناس الجِدّ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا، فأخرج ثم أرجع ولم أقضِ من جهازي شيئًا، ثم تفارط الغزو، فأردتُ أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت! ثم لم يُقدَّر لي ذلك» (من حديث توبة كعب بن مالك رضي الله عنه، متفق عليه). فقد كان يظن أنه مالكٌ لزمام الأمر، وأنه قادر أن يدرك الفرصة أي وقت شاء، لكن التواني والتقصير أضاعا عليه الفرصة، ثم لم يقدر بعد ذلك أن يستدركها.

الخطبة الثانية

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين.

كتاب الله: العاصم من الفتن

وحسبوا ألا تكون فتنة! يروي الحارث الأعور أنهم كانوا جلوسًا مع علي رضي الله عنه، فذكر الفتن التي ستصيب الأمة مما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن الناس أصابهم الخوف مما سمعوا، فقالوا: فما المخرج منها؟ فأجاب رضي الله عنه: «بكتاب الله عز وجل، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد». فمن ابتغى العلم من غير كتاب الله فقد ابتغاه من غير طريقه؛ فكتاب الهداية أمامه، يدور به نحو نجاته وسعادته وإقامة حياته. «من ابتغى العلم من غيره أضله الله، ومن ولي من هذا الأمر جبارًا يحكم بغيره قصمه الله؛ هو الذكر الحكيم، والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل» (من أثر الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه، رواه الترمذي).

وهو الذي لما سمعته الجن لم تكد أن قالت: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ (الجن: ١-٢)؛ فمجرد سماع القرآن كان سبب اهتدائهم واستجابتهم. «وهو الذي لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه»؛ فمهما قرأت، ومهما استمددت، ومهما استخرجت من كتاب الله من حكم، فلن تبلغ ولن تستخلص كل ما فيه من الآثار والمعاني والمنافع والفوائد التي يكتسبها العبد من كلام الله، وحقٌّ له ذلك، فهو كلام الله، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه. فأين المخرج؟ إنه الاستمساك بكتاب الله.

ماذا يمنحنا كتاب الله؟ الحق والسنة والعظة

فماذا يعطي كتاب الله تبارك وتعالى لعباده؟ هو كلام الله، لا يمكننا أن نُحصي ما فيه من البركة والخير، لكن فيما يتعلق بما نذكره الآن نريد أن نؤكد على ثلاثة أمور: يعطي الحق، ويعطي السنة، ويعطي العظة.

أما الحق: فعندما تقرأ في كتاب الله تعرف الحقيقة، لكيلا يبقى الإنسان عائشًا أو بانيًا حياته على ظنون كاذبة أو أوهام، يكتشف بعد ذلك أنها لم تكن حقيقة، في وقت لا يملك فيه أن يستدرك ما فات، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ (سبأ: ٥٤).

وأما السنة: فهي القوانين التي تُدار بها هذه الحياة، والتي يتعامل بها الرب تبارك وتعالى مع عباده؛ فثمّ قانون للاستبدال: إذا أنعم الله على قوم بنعمة فلم يحفظوها ذهبت عنهم، وثمّ قانون للفسق والخروج عن طاعة الله، وقانون للظلم، وقانون لشكر النعم وعدم شكرها: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (إبراهيم: ٧). فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (الصف: ٥)، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (الرحمن: ٦٠). فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (الأنعام: ٨٩)، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (الأعراف: ١٨٢-١٨٣).

وأما العظة: فالقرآن يصل إلى شغاف القلب؛ فقد نكون مقتنعين بالصواب قناعة ذهنية، لكن القناعة الذهنية وحدها لا تُحدث عملًا، بل لا بد أن يحسّ القلب ويتأثر حتى يتحرك الإنسان للعمل بما كان مقتنعًا به. «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه). ولذلك لما ذكر الله تبارك وتعالى المنافقين أوصى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (النساء: ٦٣)؛ أي: أنت تعرف حقيقتهم وتفهمهم جيدًا، لكنك لن تُظهر لهم أنك مطّلع على ذلك، بل أعرض عنهم، وعِظهم، وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا.

الدعاء

اللهم أرِنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهوّن به علينا مصيبات الدنيا.

متّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا.

اللهم يا وليّ الإسلام وأهله، ثبّت الإسلام حتى نلقاك عليه.

اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرّبنا إلى حبك.

اللهم إذا أردتَ بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

اللهم خذ بأيدينا إليك أخذ الكرام عليك، لا تُخزنا بين خلقك ولا بين يديك.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.