جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

القصة الثالثة من كتاب التوابين

الخطبة الأولى

ذكرنا قصتين: قصة إسماعيل الناصري الذي أسلم، وقصة النصراني الذي كان يعبد الله بالتوكل ووكَد الطريق من العراق إلى مكة ماشيًا. وفي الأولى رأينا أثر القرآن وتأثيره في نفوس الناس، وفي الثانية رأينا حرص الإنسان على التقرب إلى الله ورغبته في نيل القرب منه. واليوم نجمع من هذه القصص خلاصات ثلاث.

الأولى: أن أسرار الهداية والتوبة ليست عشوائية، وإنما فيها حكمة وعلم إلهي يجعل الله سبحانه وتعالى الهداية عند من يستحقها. والثانية: أن ندرك عظمة الدين وعظمة النعمة التي أنعم الله بها علينا، فنحن غالبًا لا نشعر بقيمتها لأننا وُلدنا فيها، كما أن من وُلد معافًى لا يشعر بنعمة الصحة كمن حُرمها ثم منَّ الله عليه بها. والثالثة: أن نتذكر أن هذا الدين نعمة لكل الناس، وأن كل إنسان في أي بقعة من الأرض هو أحوج ما يكون إلى هذا النور، وأن من واجب المسلم أن ينقل هذا النور لغيره، كما كان الصحابة يفعلون بفطرتهم.

هل نحن موقنون بهذه النعمة؟

السؤال: هل نحن حقًّا موقنون بأننا أصحاب النعمة، وأن كل من هو خارج دائرة الإيمان يعاني الضلال والشقاء، كما قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰطه: ١٢٤، أم أصبحنا ننظر إلى المجتمعات الغربية بوصفها مجتمعات السعادة والرفاهية التي نطمح إليها؟ إن قدرًا كبيرًا من مشكلتنا أننا لا نحسّ بقيمة ما نملكه، فتراوح حياتنا بين جري وراء الدنيا لا نلحقها، بينما فرصة العبادة والتقرب من الله متاحة أمامنا دون أن نلتفت إليها.

وقد صدق من قال إن “تجار الدين” كثيرون: من يتّجر بالدين يجعله وسيلة لغرض شخصي، ومن يتّجر للدين يسعى إلى نشره وتقديمه للناس بأحسن صورة. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فقال: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍالصف: ١٠، فالدين تجارة رابحة مع الله سبحانه وتعالى، ونحن مطالَبون بأن نأخذ بيد الناس إليها لا أن نكتفي بالحديث عنها.

وقد قال بعض أهل العلم في مطلع أحد كتبه: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترةٍ من الرسل بقيةً من أهل العلم، يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون بنور الله أهل العمى؛ فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيَوه، وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هدَوه! فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم! قال تعالى: أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِالرعد: ١٩.

ميراث الأنبياء

يُروى أن بعض العلماء كان في السوق فسمع مناديًا يقول: إن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقسم في المسجد! فقام أهل السوق يهرولون، وبقي هو جالسًا. فسُئل: ألا تذهب؟ فقال: إن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو العلم الذي يُقرأ في المسجد، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر». وقال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَالأنبياء: ١٠٥. فحقيقة الميراث أن يُورَث الإنسان الجنة، وذلك لا يكون إلا بالعلم الذي يدلّ على طريقها.

الدين نظام حياة لا شعائر فحسب

وليس الدين مجرد صلة خاصة بين العبد وربه في دار العبادة، بل هو منهج ينظّم حياة المجتمع بأسره. ومن أعظم آيات القرآن وأطولها آية الدَّين، تنظّم أدقّ تفاصيل المعاملات بين الناس؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْالبقرة: ٢٨٢. فهذه الدقة كلها إنما شُرعت لسدّ أبواب النزاع من أساسها، وحفظًا للحقوق بين الناس.

ومن أدرك هذا أدرك أن الميزان الحقيقي عند الله ليس مجرد المظهر؛ فقد رُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقّف في قبول شهادة رجل حتى يشهد له من يعرف معاملته الظاهرة، فلا يكفي أن يُرى المرء يصلي، بل العبرة بصدقه في تعامله المالي والاجتماعي؛ إذ قيل: انظروا إلى صدق الرجل في معاملته لا إلى تمتمته في صلاته، فذلك هو الاختبار الحقيقي للإيمان.

قصة عبد الواحد بن زيد وعابد الجزيرة

قال عبد الواحد بن زيد: كنت في مركب فقذفتنا الريح إلى جزيرة، فإذا فيها رجل يعبد صنمًا. فقلنا: يا رجل، من تعبد؟ فقام إلى صنمه. فقلنا: إن معنا في المركب من يسوّي هذا، وليس هذا إلهًا يُعبد. فقال: فأنتم لمن تعبدون؟ قلنا: الله، الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه. قال: فوجَّه إليكم هذا الملك رسولًا كريمًا؟ قلنا: نعم، فأدَّى الرسالة. قال: فما ترك عندكم علامة؟ قلنا: بلى، ترك عندنا كتاب الملك. قال: أروني كتاب الملك، فينبغي أن تكون كتب الملوك حسانًا! فأتيناه بالمصحف فقرأنا عليه سورة من القرآن، فما زلنا نقرأ ويبكي حتى ختمناها، فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام ألا يُعصى! ثم أسلم، وعلّمناه شرائع الإسلام وصورًا من القرآن.

ولما جنَّ الليل وصلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا، قال لنا: يا قوم، هذا الإله الذي دللتموني عليه، إذا جنَّ الليل ونام، هل ينام هو أيضًا؟ قلنا: لا يا عبد الله، هو عظيم قيوم لا ينام. فقال: بئس العبيد أنتم، تنامون ومولاكم لا ينام! فلما وصلوا عُمان، جمعوا له دراهم وأعطوه إياها، فقال: ما هذا؟ ألا إله إلا الله، دللتموني على طريق ما سرقتموه، إني كنت في جزيرة من جزائر البحر أعبد صنمًا من دونه فلم يُضيّعني وأنا أعبد غيره، أفيُضيّعني وأنا أعرفه؟ ثم بعد أيام مرض فسألوه: هل من حاجة؟ فقال: قضى حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي. ثم مات، فرآه عبد الواحد في المنام في قبةٍ يُقرأ عليه والملائكة تدخل عليه من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم.

حسن الظن بالله واليقين

وهذه القصة تجمع بين معنيين: أن بساطة الوصول إلى الإسلام قد تكون في آياتٍ قليلة تُقرأ بصدق، إذ إن القرآن يفعل فعله في القلب متى استُقبل بقلب حاضر، لكن المشكلة أن كثيرًا منا اعتاد سماعه فطال عليه الأمد فقست القلوب. قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْالحديد: ١٦.

والمعنى الثاني: أن هذا الرجل، رغم قِصر عهده بالإسلام، بلغ من حسن الظن بالله ما لم يبلغه كثير ممن سبقوه في الدين، إذ قال حين رزقه الله: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، كما قال نوح عليه السلام: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًانوح: ١٠-١١، وقال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُالطلاق: ٢-٣. فعمق الإيمان ليس بكثرة العبادات الظاهرة، وإنما هو صلة القلب بربه وحسن ظنه به.

وهذا يذكّرنا بقصة الرجل الذي شكا إلى عمر رضي الله عنه أن أخاه اشتكى بطنه، فأمره أن يسقيه عسلًا عملًا بقوله تعالى: فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِالنحل: ٦٩، فسقاه فازداد استطلاقًا، فرجع يشكو، فقال عمر: اذهب فاسقه عسلًا، صدق الله وكذب بطن أخيك. فأعاد الرجل الكرّة حتى استقام أمر أخيه، وذلك درسٌ في أن اليقين بصدق وعد الله لا يتزعزع باختلاف ظاهر الحال، وأن على المؤمن أن يُحسن الظن بربه ويسلّم الأمر إليه ولا يستعجل، قال تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُالنحل: ١.

دعوة عمر بن الخطاب

ومن أعظم الأمثلة على أن الهداية توفيقٌ من الله لا تُقاس بالمظاهر، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام»، فاختار الله عمر بن الخطاب، وكان قبيل إسلامه بدقائق يسير شاهرًا سيفه ليقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تحوّل في تلك الأثناء نفسها إلى الإيمان. وكان عمر رضي الله عنه، قبل إسلامه، يتأثر بسماع القرآن حتى يبكي إذا سمعه عند الكعبة، رغم قسوة ظاهره؛ فذلك دليل أن في قلبه استعدادًا كان الله سبحانه وتعالى يعلمه ولا نعلمه نحن.

ثقة أم إسماعيل

ونختم بقصة أمّ إسماعيل عليه السلام حين تركها إبراهيم عليه السلام في الوادي غير ذي زرع، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يُضيّعنا. فانتقلت من القلق الشديد إلى الثقة والطمأنينة بمجرد أن عَلمت أن الأمر من عند الله، فأكرمها الله بزمزم على يد جبريل عليه السلام. وهذا هو الفارق بيننا وبينهم: أننا نعرف الله معرفة نظرية لا معرفة يقين، فمن عرف ربه حق المعرفة وأحسن الظن به لم يخذله أبدًا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.