جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

القصة الثانية من كتاب التوابين

غلامٌ في اختبار التوكّل

مضت أيام، فإذا شابٌّ قد لحق بالرَّكب في بعض الطريق، يمشي يومًا وليلة لا يزال يلهث حتى وقع في سجدة عند بئر، وكان معه أبوه فسأله شيخ الرَّكب عن حاله وقد لاحظ فيه انقطاعًا عن الصلاة، فقال: يا غلام، ما لك لا تصلي؟ والصلاة أوجب عليك من الحج ومن كل خير. فقال الغلام: يا شيخ، ما عليَّ صلاة، ولستُ من أهلها. فقال الرجل: يا هذا، أنت لست بمسلم إذن! فقال: في أيّ شيءٍ أنت؟ قال: نصرانية، ولكن إشارتي في النصرانية إلى التوكّل، وقد دعتني نفسي أني أحكمتُ حالَ التوكل، فلم أُصدّقها فيما ادّعت حتى أخرجتُها إلى هذه الفلاة التي ليس فيها موجود غير المعبود، أُثيرُ ساكنها وأمتحن خاطري.

فقد كان هذا الشاب يريد أن يمتحن نفسه: هل هو متوكل حقًّا على الله في هذه الفلاة الخالية من الزاد، أم أن دعواه كانت مجرد كلام؟ وهذا شأن النفس؛ إذ الأصل في طبيعتها أن تميل إلى التفريط، وقليل من الناس من يبقى على همّةٍ في الاستزادة من العبادة، وهذا حال أكثر البشر. وقد يميل بعضهم إلى الإفراط والغلوّ، فيجاوز طاقته، وذلك أيضًا مذموم. قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰالبقرة: ١٩٧، أي إن ما ينبغي أن يستزيد منه المسافر إلى الحج ليس الطعام والشراب فحسب، بل التقوى.

إبراهيم بن أدهم واختبار المتوكِّل

وهذا يذكّرنا بموقف قريب منه: أن رجلين خرجا للحج زاعمَين أنهما من المتوكّلين، فقالا لمن معهما من الركب: نحن متوكّلون، لا نحتاج زادًا. فلما نزلوا ليأكلوا ويشربوا استحيا أحدهم أن يسأل، فأخرج له من زاد الرَّكب سرًّا، حتى قال إبراهيم بن أدهم: دعه يكون معك. ثم استمر الركب حتى بلغوا بطن مرّ قريبًا من مكة، فنزع إبراهيم بن أدهم خرقته القديمة ولبس ثانية، وسأل الرجل: ما اسمك؟ فقال: عبد المسيح. فقال: يا عبد المسيح، هذا حرمُ مكة، وقد حرّم الله على أمثالك دخوله، وقرأ: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَالتوبة: ٢٨، ثم قال: أما الذي أردتَ أن تختبر به نفسك فقد اختبرتها. فتركه ومضى.

وبعد مدة، عاد الرجل بنفس الإحرام، فأقبل عليه وقبَّل رأسه، فسأله إبراهيم: ما وراءك يا عبد المسيح؟ فقال: هيهات هيهات! أنا اليوم عبدٌ من عبيد المسيح، رَبِّ المسيح. وقصّ عليه أنه لما وقعت عينه على الكعبة انهار قلبه، فأسلم واغتسل وأحرم. فقال إبراهيم بن أدهم لمن معه: انظروا إلى بركة الصِّدق في النصرانية كيف هدَته إلى الإسلام. وذلك أن هذا الرجل كان صادقًا في رغبته في التعبد لله والتقرب إليه، فوفّقه الله سبحانه وتعالى.

قصص من إيطاليا: أحمد صاحب المترو

يحكي أحد الدعاة أنه كان في جدة، فلقي إيطاليًّا يقف قريبًا يستمع إلى محاضرة دينية، فأخبره بقصته قائلًا بلغة عربية مكسّرة: كنت شابًّا أجوب شوارع ميلانو، ألبس الحلقَ في أذني اليسرى وأفعل المحرَّمات بأشكالها. وذات يوم دعاني رئيسي في العمل، وكان مخمورًا كعادته، فأخذ يشتم المسلمين ويقول: أنتم أيها المسلمون كنتم في يومٍ من الأيام سادة هذا العالم، وأما اليوم فأنتم عبيدٌ تعملون عند أقدامنا! فوجدتُ الدمَ يفور في عروقي، وقلت له لشعوري لا إراديًّا: هل تعرف محمدًا؟ فقال: تكلَّم بسرعة. فقلت: عندما كان المسلمون متمسّكين بكتاب الله ساد العالم، وحين تركوه ساد الفساد. وسأخرج من مكتبك الآن لأشتري قرآنًا مترجَمًا للإيطالية، أقرؤه وأطبّقه، ثم أرجع فأدوسك تحت قدمي.

يقول: فخرجت وقد فقدتُ عملي، وذهبت إلى غرفتي وغسلت وجهي وأنا أبكي بكاءً حارقًا، ثم سجدت منهارًا على الأرض حتى ظنّ من معي في السكن أنني أُصبت بالجنون. ثم قصدت المركز الثقافي الإسلامي بميلانو فاستُقبلت بحفاوة، وأشهرت إسلامي على الفور. ثم خرجتُ مع رجلٍ من المركز نمشي في حديقة، فدخل وقت الظهر، فتوضّأتُ من عينٍ باردة جدًّا وصلّينا وسط ذهول عاشقَين كانا تحت الشجرة، حتى اجتمع بنا نحو عشرين مصلّيًا، إذ تصادف وجود مجموعة من المسلمين في الحديقة نفسها.

قصة أحمد الثري وصاحب الرغيف

ويحكي الداعية نفسه قصة شابٍّ إيطالي آخر اسمه أحمد، ورثَ عن أبيه ثروة كبيرة من القصور والمصانع، وكان يعيش حياة لهوٍ ومجونٍ لا تعرف حدًّا، حتى ضاق صدره رغم كل ما يملك. جلس ذات ظهيرة في مقهى يقرأ جريدة، فجاءه رجلٌ عجوز فقير يطلب منه مائة ليرة دَينًا يردّها بعد شهر، فأعطاه إياها دون اكتراث. وبعد شهر، عاد إليه الرجل بذات المبلغ يردّه في موعده تمامًا. فاستغرب أحمد أشدّ الاستغراب، إذ من يستدين مبلغًا يسيرًا كهذا لا يردّه غالبًا، فسأله عن سرّ صدقه، فقال: ديني أمرني أن أردّ ما استقرضتُ مهما كان صغيرًا. قال: وما دينك؟ قال: الإسلام.

فاستهزأ أحمد بادئ الأمر، لكن الرجل أخذ يأتيه كل يوم بمطويةٍ صغيرة عن الإسلام، فقرأها أحمد، حتى إذا انقضت عشرة أيام شرح الله صدره فأشهد الشهادتين، وسمّى نفسه أحمد. ولمّا رأت أمه تغيّره ورقّته بعد أن كان يضربها كل يوم، سألته فأخبرها، فأسلمت هي أيضًا، ثم رأى أخته تقرأ المصحف المترجم في غرفته سرًّا فأسلمت بدورها. ويقول أحمد: من عجائب ما حدث لي أنني بمجرد اعتناقي الإسلام ذهب عني إدماني للمخدرات فورًا من غير علاج ولا مستشفى، فعلمتُ أن الإسلام يمحو ما قبله.

خاتمة: عظمة النعمة التي لا نشعر بها

هذه القصص كلها تدلّ على أن أبواب الهداية كثيرة جدًّا، وأن كثيرًا منها أيسر مما نتخيّل؛ فقد تكون كلمة عابرة، أو موقفًا بسيطًا، أو صدقًا في معاملة صغيرة، سببًا لتحوّل حياة إنسان بأكملها. وأن الناس في كل مكان محتاجون إلى هذا النور الذي نحن فيه، وإن كنا لا نشعر بقيمته لأننا وُلدنا فيه. فليكن لنا في هذه القصص عبرة، وليكن لنا نصيب من نشر هذا الخير الذي أكرمنا الله به. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.