جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

تابع كتاب الوابل الصيب

ما انتهينا إليه: أصل العبودية

وصلنا إلى قول ابن القيم رحمه الله إن عبودية الإنسان لله مبنيّةٌ على أصلين: الحبّ الكامل والذلّ التامّ؛ وأنهما فرعٌ عن مشاهدة مِنَنِ الله ومطالعة عيوب النفس. ثم قال إن العبودية تستقيم باستقامة القلب والجوارح.

فعندنا إذًا مقدّمةٌ تؤدّي إلى نتيجة:

المقدّمة: أن يفكّر الإنسان في نِعَم الله عليه، وفي المقابل يفكّر في تقصيره في الواجب عليه.

ولاحظ: التقصير في الواجب عليه تجاه نفسه لا تجاه الله سبحانه؛ فالإنسان إنما يعمل لنفسه، والله غنيٌّ عن العالمين.

والنتيجة: أن التفكّر في النعم يؤدّي إلى محبّة الله، والتفكّر في حال التقصير يؤدّي إلى الشعور بالذلّ والخضوع له سبحانه.

فإذا تحقّق هذان فتلك هي حقيقة العبادة التي أُمرنا بها: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِالذاريات: ٥٦.

العبادة حالةٌ لا مَظهر

فحقيقة العبادة: أن يحبّ الإنسان ربه أعظم من أيّ شيءٍ آخر، وأن يخضع له كما ينبغي أن يكون الخضوع.

فنحن إذًا نتكلّم عن حالة لا عن مَظهر. وأول ما يخطر على أذهاننا حين نقول «عبادة» أشياءٌ فعلية وممارسات؛ وهذه هي الصورة الظاهرية للعبادة. أما حقيقتها فمشاعرُ في قلب الإنسان تجاه ربه: الحبّ، والخضوعُ الناشئ عن الحبّ.

فلو كان حبًّا خاليًا من الخضوع والاستسلام فليس بعبادة؛ ولو خضع الإنسان بلا حبّ فليس بعبادة كذلك.

الله يريد إقبالًا اختياريًّا

فالله سبحانه لا يريد من العبد خضوعًا قهريًّا. قال تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَالشعراء: ٣–٤.

فمعنى فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ أنه خضوعٌ ظاهريّ رغمًا عنهم — وليس هذا مراد الله. وإنما يريد أن يُقبل الإنسان عليه اختيارًا لا اضطرارًا.

فحقيقة العبادة إذًا: اجتماع المحبّة مع الخضوع.

«آمنتُ بالله ثم استقم»

وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقم» (رواه مسلم).

فالكلمة التي تجمع الإسلام — والتي لا يحتاج الإنسان بعدها أن يسأل — هي هذه: أن يؤمن ثم يستقيم على الإيمان.

فالإيمان يُعطي رؤيةً معيّنة، وتفكيرًا، وأولويات، ومنهاجًا. فإذا استقام الإنسان على المنهاج فهو مؤمنٌ فعلًا.

التناقض: أن أؤمن بشيءٍ وأعيش شيئًا آخر

ويكون الإنسان متناقضًا لو آمن بشيءٍ وعاش شيئًا آخر — اختيارًا لا اضطرارًا.

فقد يقول قائل: المجتمع له نظامٌ أمشي عليه، وهذا النظام قد يوافق أمر الله وقد يخالفه، وثمّة أشياء أستطيعها وأشياء لا أستطيعها. فأنا فيما أختار أمشي على وفق المنهج الإلهي، وثمّة جزءٌ اضطراري — والله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها.

لكنّ المشكلة الحقيقية: أن أؤمن بشيءٍ وأعيش شيئًا آخر. فأيّهما أصدق؟ الذي أعتقده أم الذي أمارسه؟ الذي أدّعي الإيمان به أم الذي أعيشه؟

وهذا سؤالٌ صعب؛ لأني حينئذٍ شخصان: شخصٌ نظري وشخصٌ عملي. والجواب: أن أفعالي أصدق في التعبير عن ذاتي من أقوالي.

فاستقامة أحوال الإنسان السلوكية والخارجية فرعٌ عن استقامة ما في الداخل.

القلب السليم

قال تعالى: يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍالشعراء: ٨٨–٨٩. و«السليم» أي الذي لا مرض فيه.

والمرض الذي يُصيب القلب اثنان: إمّا شبهات — وهي أفكارٌ غير مضبوطة؛ وإمّا شهوات — وهي إراداتٌ وأهواءٌ نفسية.

ولذلك قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَالإسراء: ٨٢، وقال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌفصلت: ٤٤.

فمعنى كون القرآن شفاءً أن ثمّة أمراضًا موجودة: إمّا في أفكارنا، وإمّا في ممارساتنا واختياراتنا وأهواء أنفسنا.

منهج العلاج: طبّ الأبدان وطبّ القلوب

وقد ذكرنا قبل ذلك أنه لا اختلاف بين المنهجية في طبّ الظاهر وطبّ الباطن؛ فالمنهجية واحدة:

أولًا: المشكلة عبارةٌ عن مجموعة أعراض، ووراء الأعراض سبب. فإن تعاملتُ مع الأعراض دون أصل المرض لم أصنع شيئًا، وبقيتُ أُستنزف فيها.

ثانيًا: العلاج لا بدّ أن يتناسب معي ومع حالتي؛ فليس كلّ دواءٍ ينفع كلّ إنسان — بحسب مستوى الحالة، وبحسب حساسيّته تجاه أشياء معيّنة.

ثالثًا: العلاج يحتاج مساحةً زمنية وجرعاتٍ محدّدة. فليس الأمر أن آخذ الدواء كلّه مرّةً واحدة ليعمل عمله فورًا؛ بل جرعاتٌ منتظمة على مدًى معيّن.

رابعًا: بعد مدّة لا بدّ من اختبار: أن أُقيّم بعد شهرٍ أو شهرٍ ونصف — هل أنا أتحسّن أم لا؟ فإن لم أتحسّن فثمّة خطأ في الوصفة أو في الالتزام بها.

خامسًا: بعد أن يمنّ الله بالشفاء يحتاج الإنسان إلى فترة نقاهة يستعيد فيها حالته الصحية حتى يعود طبيعيًّا تمامًا.

ونحن — كما قلنا مرارًا — منطقيّون جدًّا في أمور الدنيا، وغير منطقيّين إطلاقًا في أمر الدين. مع أن القوانين الإلهية لا تتغيّر.

ثلاث حالات

وقد يكون الإنسان تعبانًا ولم يشعر بعدُ أنه تعبان. وقد يكون تعبانًا ولا يبالي. وقد يكون عارفًا من أين جاءته المشكلة، لكنّ رغبته في الاستمرار فيما يضرّه أقوى من إحساسه بالضرر.

فهذا كمن يتناول ما يُهيّج قرحته وهو يعلم؛ فهو يرى أن استمراره في تلبية رغبته أهمّ عنده من أيّ حلّ.

الأصل الأول: أن تتقدّم محبّة الله على كلّ محبّة

قال رحمه الله: أحدهما: أن تكون محبّة الله تعالى مقدَّمةً عنده على جميع المحابّ؛ فمتى عارض حبَّ الله حبُّ غيره سبَق حبُّ الله حبَّ ما سواه، فرتّب على ذلك مقتضاه.

فليست الفكرة أن الإنسان لا يحبّ شيئًا آخر؛ فهو يحبّ نفسه ويحبّ المقرّبين إليه ويحبّ أشياء — وهذا طبيعيّ في تركيبه.

وإنما الفكرة في الميزان: أن يكون الحبّ الأعظم لله، وأن تسير المحابّ الأخرى في اتجاهٍ يوافقه لا يخالفه. وهنا يقع الصراع كلّه.

خطر أن تحلّ محبّةٌ محلّ محبّة الله

فإذا قلنا إن اجتماع المحبّة التامّة مع الخضوع القلبي هو العبادة، فأيّ شيءٍ يحلّ محلّ الله في هذين — عياذًا بالله — يصير معبودًا؛ فينتقل الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك.

ونحن نتخيّل أن العبادة أن يأتي الإنسان بصنمٍ فيسجد له؛ ولذلك عندنا مفهومٌ ضيّق جدًّا عنها.

والحقيقة أن عابد الصنم نفسه لم يكن مختلًّا عقليًّا. فهو يعلم أن الحجر حجر؛ لكنه رمز لشيءٍ يعتقد أنه مؤثّر في الحياة — من الجنّ، أو من الصالحين، أو من الملائكة. فهو يحبّه ويلجأ إليه لأنه يعتقد أن هذه الممارسة تجلب له خيرًا وتدفع عنه شرًّا.

ولذلك كان الرجل منهم في السفر يأخذ ثلاثة أحجارٍ ينصب عليها قِدره ويأخذ الرابع فيعبده. فهو رمزٌ لا أكثر — كأيّ رمزٍ يُوضع على مكتب.

ونحن نقول: أولئك العرب كانوا متخلّفين. فماذا عن أمم متقدّمةٍ علميًّا ومعرفيًّا اليوم وهم يعبدون الأصنام؟

هل ارتقى الإنسان فعلًا؟

فهل ارتقى الإنسان حقًّا؟ المادّة ترتقي، والتقنيات تتطوّر — هذه حقيقة. لكنّ الإنسان بقي إنسانًا بخصائصه ومشكلاته وشهواته.

قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْآل عمران: ١٤–١٥.

فالمظاهر تغيّرت؛ صار الجمل يختًا. لكن الفكرة هي هي.

وقال: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰالأعلى: ١٦–١٧.

فالارتقاء الحقيقي إنما يكون فيما يختصّ به الإنسان وفيما كرّمه الله به: الفكر، والمعرفة، والأخلاق، والسلوك، والتعامل، والمشاعر. أما الأمور المشتركة بينه وبين الحيوان فلا تُميّزه.

فإذا كان الإنسان يُبالغ في هذه المشتركات، وينزل فيما يُكرمه الله به — فهو ينحدر.

ومن الغَمطة الشديدة وعدم وضوح الرؤية والتقليد الشديد للنموذج الغربي، صرنا إمّا فاقدين للمعايير تمامًا، وإمّا لدينا معايير خاطئة. فالذين لا حصانة لهم انقادوا لهذه المعايير؛ والذين عندهم شيءٌ من الحصانة لم يقدروا على مقاومة الضغط الجماعي — فأحدهم تارةً يفيق وتارةً يذهب.

هل يمكن تقوية المحبّة؟

فإن وجدتُ محبّتي لله ضعيفة — هل يمكن تقويتها؟

نعم. فالعلاقة بالله تُبنى وترتقي. وما الذي يُقوّي محبّة الإنسان لربه؟

أشياء تحتاج وقتًا وزمنًا ومجموعة تجارب: الإحساسُ بكثيرٍ من فضل الله ومنّته، ومزيدُ التعرّف عليه من خلال معرفة صفاته، وإدراكُ نِعَمه، والتفكّرُ في عظمته المبثوثة في هذه الحياة — سواءٌ في القرآن أو في الكون.

فهذا هو الذي يزيد عند الإنسان محبّة ربه.

عقوبة الإيثار

قال رحمه الله: وما أكثر ما يُقدّم العبد ما يحبّه هو وهواه، أو يحبّه كبيرُه أو أميرُه أو شيخُه أو أهلُه، على ما يحبّه الله تعالى.

ومن سنّة الله تعالى فيمن هذا شأنه أن يُنكّد عليه محبوبَه ويُنغّصه عليه، فلا ينال منه شيئًا إلا بنكَدٍ وتنغيص؛ جزاءً له على إيثاره هواه أو من يُعظّمه من الخلق أو يحبّه على محبّة الله تعالى.

فإذا وجد الإنسان عنده هذه المشكلة فأهملها إيثارًا لهواه، فالمشكلة أن الشيء الذي تعلّق به وأراد أن يستمتع به سيُنغَّص عليه.

فنحن لم نكسب شيئًا — لا دنيويًّا ولا أُخرويًّا. وهي الخسارة التامّة.

قانون الحبّ: خمسة أركان

ثم ذكر رحمه الله قانونًا عامًّا من خمسة أركان، وقال إنه قضاءٌ لا يُردّ ولا يُدفع — أي سنّةٌ إلهية لا تتخلّف:

الأول: من أحبّ شيئًا سوى الله عُذّب به ولا بدّ.

الثاني: من خاف غير الله سُلّط عليه.

الثالث: من اشتغل بشيءٍ غير الله كان نكدًا عليه.

الرابع: من آثر غيره عليه لم يُبارك له فيه.

الخامس: من أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولا بدّ.

الأول: من أحبّ شيئًا سواه عُذّب به

فمن قدّم محبّة شيءٍ على محبّة الله — بحيث يوافق هوى نفسه بعيدًا عمّا يُرضي الله — فلا بدّ أن تصيبه العذابات.

وصورة التعلّق الشديد قد تنتهي بصاحبها إلى ما هو أسوأ. فالمشكلة أين؟

القلب مساحةٌ إجمالية. والمفروض أن الأصل فيه: أن يحبّ الإنسان ربه، ويحبّ رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحبّ الدين؛ وحول هذه الدائرة إطارٌ من المحابّ المباحة تدور في الفلك نفسه والمدار نفسه — لا في مدارٍ عكسي. ولكلٍّ حجمُه ومساحتُه.

فإن أخذت المحبّة الفرعية أكبر من حجمها الطبيعي وقعت المشاكل.

العلاج: شحنٌ لا تفريغ

فإن أردتُ أن أُعالج ذلك، فأنا لا أستطيع أن أسحب المحبّة الموجودة سحبًا؛ وإنما أضخّ قدرًا أكبر من المحبّة الصحيحة، بحيث يُعاد تشكيل النسبة الداخلية في القلب.

فالقلب لا يمكن تفريغه، وإنما يُعالَج بـالشحن. فالأهواء النفسية لا أستطيع أن أنتزعها انتزاعًا؛ لا بدّ أن يشغلها شيءٌ آخر، فأُحوّل المسار إلى جهةٍ أصحّ وأنفع وأرقى.

الثاني: من خاف غير الله سُلّط عليه

فمن رأى أن ثمّة من هو أعظم تأثيرًا أو أعظم قدرةً من الله — نظريًّا أو عمليًّا — وأن أحدًا يملك أن يؤذيه، فدخل فيما يُردي طلبًا لدفع الأذى — فلن يحدث ما أراد، بل العكس.

قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًاالجن: ٦.

فقد كانوا في أسفارهم إذا نزلوا واديًا موحشًا قال أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه — أي يستجير بكبير الجنّ في المنطقة من صغارهم. فماذا كانت النتيجة؟ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا — أي سُلّطوا عليه أكثر.

فبدل أن يُهادن، صار في قلقٍ دائم.

«فيتعاظم حتى يصير مثل البيت»

ومن أعظم ما يوضّح هذا: أن رجلًا كان رديفًا للنبي صلى الله عليه وسلم على دابّته، فعثرت الدابّة، فقال: تعِس الشيطان. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقل: تعِس الشيطان؛ فإنك إذا قلتَ ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت، ويقول: بقوّتي. ولكن قل: بسم الله؛ فإنك إذا قلتَ ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب» (رواه أبو داود).

فتأمّل: حين أنسب الأمر إلى الشيطان فهو ليس بزعلان؛ بل بالعكس — يُحسّ أنه فعل شيئًا فيستطيل عليّ أكثر.

ونحن نُعظّم الشيطان، ونُعظّم المشاكل، ونُعظّم الأوهام. فأيّ وهمٍ نعيشه إذا ركّزنا عليه وعظّمناه تجبّر؛ فإذا تجبّر أحسسنا أننا لا نقدر عليه.

والعلاج: «بسم الله» — أي الاستعانة بالله. فأنا أستعين بالقويّ سبحانه، فيُعطيني القوّة والقدرة. فلا أُكبّر الأشياء الصغيرة.

فتأمّل قدر ما في هذا التنبيه القصير — قيل في لحظةٍ عابرة — من العلم والحكمة ومعالجة الإنسان عقليًّا ونفسيًّا.

الشيطان: قدرةٌ كبيرة وعقلٌ صغير

والجنّ عمومًا نشاطهم كبير وقدرتهم كبيرة، لكنّ إدراكهم محدود. ولذلك جعل الله الرسل من الإنس، والجنّ هم الذين يتّبعون — لا العكس.

ولذلك نُهي عن السجود وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأنها تطلع بين قرني شيطان — فهو يقف عندها ليُوهم من يسجد أنه إنما يسجد له.

وقد ذكرنا قبل ذلك أن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه. فهو يريد أن يتشبّه بالله سبحانه: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاهود: ٧.

«هو السلام المؤمن»

فإن كبّر الإنسان أحدًا وجعله سلطانًا مع الله، جاءه العكس تمامًا؛ فبدل أن يدخل في دائرة الأمان يدخل في دائرة الأذى الزائد.

ولماذا؟ لأن من يخافه الإنسان هذا الخوف لا بدّ أن يكون ظالمًا؛ إذ لو كان صاحب خيرٍ وعدلٍ لما ظلم ولما وضع الناس في دائرة الأذى. فهو ظالمٌ يستطيب الظلم؛ فإن أحسّ أنك تُكبّره أراد أن يزيد عليك لتزداد خضوعًا.

والحلّ أن الله سبحانه هو السلام وهو المؤمن: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُالحشر: ٢٣. فالسلام من الله، والأمن من الله؛ فأنا أهرب من هنا إلى محلّ الأمان.

الثالث والرابع: النكَد وذهاب البركة

فأفضل ما يشغل الإنسان علاقتُه بربه وما له عنده. فإن اعتبر أشياء أخرى أهمّ فانشغل بها وجعل الله وراءه، صارت هذه الأشياء نكدًا عليه.

ومن آثر غيره على الله لم يُبارك له فيه.

الخامس: كتاب عائشة إلى معاوية

وأما الخامس فأوضح ما فيه ما كتبته عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه — وهو خليفة — حين طلب منها الموعظة:

«أما بعد؛ فإنه من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس. والسلام».

وفي روايةٍ: «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».

فالمآل النهائي — لا المباشر — أن يرضى الله عنه أولًا، ثم يُرضي عنه الناس آخرًا. فتتحوّل قلوب الناس من حالٍ إلى حال؛ لأن قلوب الناس بيد الله.

وإن أرضى الناس بسخط الله فلن يبقى له رضاهم في المآل النهائي؛ فربما تحقّق له ذلك، لكنه لن يدوم.

«ادفع بالتي هي أحسن»

قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِفصلت: ٣٤–٣٦.

وهذه حالةٌ تبدو غير طبيعية؛ فالسيّئة يُقابلها في العُرف سيّئة. أما أن أُقابل السيّئة بالإحسان فلا يبدو فعلًا طبيعيًّا.

لكنّ الله يُخبر أن الصبر على ذلك لا بدّ أن يكسر شيئًا في نفس من أتعامل معه — إن كان إنسانًا. فإن الحامل على العداوة شيءٌ في النفس؛ فأنا أكسره، فيستوي نفسيًّا وينكسر ويستحيي ويتحرّج، فيخضع.

لكنّ هذا يحتاج صبرًا ومساحةً زمنية؛ ولذلك: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا.

وأما إن كان الذي أمامك قد تحوّل إلى خصائص الشياطين، فهذا لا ينفع معه؛ وإنما تُستعاذ بالله منه.

آفة الاستعجال

ومشكلتنا أننا نريد كلّ شيءٍ سريعًا. وهذا كمن يتناول الدواء يومين ثم يقول: لم ينفع — والدواء يحتاج أسبوعًا كاملًا ليعمل عمله.

فطبيعة الإنسان كذلك: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍالأنبياء: ٣٧. ويحتاج أن يُعالج ذلك في نفسه.

الأصل الثاني: تعظيم الأمر والنهي

قال رحمه الله: الأمر الثاني الذي يستقيم به القلب: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئٌ عن تعظيم الآمر الناهي.

فإن الله تعالى ذمّ من لا يُعظّمه ولا يُعظّم أمره ونهيه، فقال سبحانه: مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًانوح: ١٣. قالوا في تفسيرها: ما لكم لا تخافون لله عظمة.

فأعظم شيءٍ عند الإنسان أن يُعظّم الله؛ وعلامة تعظيمه أن أُعظّم أمره فأمتثله وأحرص عليه، وأُعظّم نهيه فأتجنّبه وأُباعد ما استطعت عمّا يُغضبه.

قال تعالى: ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِالحج: ٣٢، وقال: ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِالحج: ٣٠.

فتعظيم الشعائر بامتثالها، وتعظيم الحرمات باجتنابها.

ثلاث علاماتٍ لتعظيم الأمر

وأحسن ما قيل في تعظيم الأمر والنهي — وهو قول شيخ الإسلام: ألّا يُعارَض بترخّصٍ جافٍّ، ولا يُعارَض بتشديدٍ غالٍ، ولا يُحمَل على علّةٍ تُوهي الانقياد.

«ترخّصٌ جافٍّ» — أي المبالغة في تتبّع الرخص، وهذا يميل إلى حافّة التفريط.

«تشديدٌ غالٍ» — أي أخذ النفس بالشدّة المفرطة، وهذا يميل إلى حافّة الغلوّ.

«ولا يُحمَل على علّةٍ تُوهي الانقياد» — أي ألّا أُعلّق امتثالي على معرفة وجه الحكمة.

شرح الثالثة

فلو أنّ الله أمرني بشيء، فهل أعمل به أم لا أعمل حتى أُدرك حكمته؟

فتتبّع الحكمة — وعدم الامتثال إلا بها، أو التركيز عليها — يُوهي جانب الانقياد؛ أي يُضعف في القلب معنى التسليم. فأنا حينئذٍ لا أعمل لأصل التعظيم لله، وإنما أعمل بعد أن اقتنعتُ.

ولا يعني هذا أن التفكّر في حكمة الله مذموم؛ بل هو حسنٌ — فأنا أؤمن أن الله هو الحكيم، والتفكّر في حكمه شيءٌ طبيعي.

لكن لو أوقفتُ الفعل على الحكمة، فأنا كأنّي أعبد الحكمة لا الحكيم! ولو أردتُ أن أُدرك حكمة الله في كلّ شيءٍ لكان معنى ذلك أن أكون إلهًا — فلن يرقى علم الإنسان ولا خبرته ولا إدراكه إلى تقدير حكمة الله في كلّ شيء.

ففيه حاجاتٌ أُدركها، وحاجاتٌ لا أُدركها؛ لكني على يقينٍ أن لله فيها الحكمة البالغة — فأُسلّم وأنقاد.

وهذه مشكلةٌ إيمانية

وحين يجد الإنسان في نفسه أنه لا يستجيب إلا بعد أن يقتنع، فليعلم أن المشكلة إيمانيةٌ في أصلها.

قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًاالأحزاب: ٣٦، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِالنساء: ٦٤.

فالمشكلة أن هذه المعاني موجودةٌ في الدين، لكنها غير مستقرّةٍ في أذهاننا. فنحن نفترض أن أشياء موجودةٌ عندنا وهي غير موجودة.

الفرق بين المعرفة والإيمان

فأهمّ شيءٍ هو الإيمان؛ ومداره على معرفة الإنسان بالله وتعظيمه له وإحساسه برحمته، وثقته بأن كلّ ما يأتيه من الله فهو خير.

فمن كان كذلك يُسارع في الخيرات أول ما يسمع؛ لأنه يعلم أن الله لا يأمر إلا بالرحمة والحكمة والعدل والخير والمصلحة.

فإن لم أُسارع، فأنا لستُ مقتنعًا بهذه الأصول حقًّا.

فثمّة فرقٌ بين المعرفة والإيمان: المعرفة موجودةٌ عندنا كلّنا؛ وأما الإيمان فهو الإحساس والتأثّر والتفاعل. والإيمان منسوبٌ يزيد وينقص.

«إنما أنا لكم بمنزلة الوالد»

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلّمكم» (رواه أبو داود والنسائي).

ولماذا قال «الوالد» ولم يقل «المعلّم»؟ لأن مفهوم الوالد أعظم؛ فالوالد يحرص على أولاده حرصًا شديدًا من فرط الحبّ، ويريد لهم أن يستقيموا ويُحسنوا وينجحوا. فهذا إشفاق.

وثمّة معنًى ثانٍ: أن الوالد هو الشخص الوحيد الذي يتمنّى لولده أن يكون خيرًا منه. أما غيره فقد يضنّ ويُمسك؛ لأنه يعلم أنه لو أعطاه كلّ شيءٍ صار مثله أو أفضل منه.

فمنزلة الوالد فيها الإشفاق وفيها عدم الضنّ بالعلم.

مثالٌ عملي: تعجيل الفطر وتأخير السحور

ومن أوضح ما يُبيّن معنى «التعظيم» أن يُنظر إلى الحدود التي وضعها الشرع فتُلتزم كما هي.

فقد كان الصحابة يريدون مزيدًا من العبادة، فيميلون إلى تأخير الفطر أو تقديم السحور. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخيرٍ ما عجّلوا الفطر» (متفق عليه). وقال: «لا تزال أمّتي بخيرٍ ما عجّلوا الفطر وأخّروا السحور» (رواه أحمد).

وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِالبقرة: ١٨٧ — فأباح إلى الحدّ.

فمعنى العبودية التامّة: أن أستمتع بما أحلّ الله إلى الحدّ الذي أحلّه، فإذا جاء التحريم توقّفت. فالمقصود الالتزام بالحدّ، لا الزيادة عليه.

وكذلك في حديث الوصال؛ فقد واصل الصحابة رضي الله عنهم فنهاهم، فقالوا: إنك تُواصل! فقال: «إني لستُ كهيئتكم؛ إني أبيت عند ربي يُطعمني ويسقيني» (متفق عليه).

فهو صلى الله عليه وسلم عنده من الزاد الروحاني ما يُغني عن الزاد الحسّي؛ ونحن نشترك معه في جزءٍ من ذلك — فالذكر والقرآن يُغنيان الإنسان — لكن لا نستغني به استغناءً كاملًا.

وقفةٌ شخصية: الكتاب

ومن أعجب ما جرّبته في نفسي: أني كنتُ أبحث عن كتابٍ سنواتٍ طويلة — ما يقرب من عشرين سنة — أدور عليه في كلّ مكان، ولا أجده. فكلّما ذُكر عندي ازددتُ حرصًا عليه.

ثم أخيرًا وجدته. فماذا حدث؟ نزّلته على الجهاز، ولم أفتحه أصلًا!

وهذا شيءٌ عجيب. فقد كنتُ حريصًا عليه عشرين سنة، فلمّا صار في يدي فتر الشوق.

فهكذا الإنسان: الحاجة ما دامت بعيدةً عنه فهو أشدّ ما يكون حرصًا عليها، ويُحسّ أن حياته متوقّفةٌ عليها. فإذا صارت في يده هدأ الشوق.

فالمشكلة إذًا ليست في الشيء نفسه، وإنما في عين الإنسان وقلبه: فما دامت العين تتطلّع إلى ما لم تنله بقي الشوق؛ فإذا نالته انصرفت إلى غيره.

خاتمة

فخلاصة الموضوع: أن الإنسان لكي يُحقّق عبوديته لله لا بدّ أن يكون قلبه في حالة استقامة. وحالة الاستقامة هذه أمران:

الأول: أن يحبّ الله أعظم من أيّ شيء؛ فلا يحبّ أحدًا أكثر منه.

الثاني: أن يُعظّم الله أعظم من أيّ شيء؛ فلا يُعظّم شيئًا أكثر من تعظيمه لله. وهذا هو الأصعب.

ونحن لا نُولد بهذا؛ وإنما نُولد وعندنا الاستعداد للتعظيم. ثم يرتقي مع الوقت ومع الجهد، ومع أدواتٍ وطرقٍ ومعايير.

وهذه العلامات إنما ذُكرت لتختبر بها نفسك: هل عندي ميلٌ إلى ترخّصٍ زائد، أم إلى تشديدٍ زائد؟ وهل أنا مسلّمٌ تمامًا للحكمة الإلهية أم لا؟

ونتكلّم في المرة القادمة إن شاء الله عن كيفية تمثّل ذلك في الواقع: كيف أختبر عمليًّا هل هذه العلامات موجودةٌ عندي، وبأيّ قوّةٍ أو ضعف.

فمدار الموضوع كلّه على استقامة القلب: الحبّ والتعظيم. وهذه أشياء يستطيع الإنسان أن يُحقّقها بإذن الله — لكن عليه أن يأخذ خطواتٍ في هذا الاتجاه.