جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

توبة أبي خيثمة وكعب بن مالك

انتقالٌ إلى قصص هذه الأمّة

فقد انتهينا بفضل الله ممّا اخترناه من القصص السابقة في «كتاب التوابين» لابن قدامة رحمه الله. ونحن لا نذكر كلّ القصص وإنما ننتقي؛ إذ يُغني ذكرُ بعضها عن بعض.

ثم بدأ رحمه الله في ذكر ما يتعلّق بقصص التوبة في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، وبدأ بقصص التائبين من الصحابة رضي الله عنهم.

ونستطيع أن نُقسّم هذه القصص قسمين: قسمٌ في التوبة بالمعنى المعروف عندنا — من المخالفة والتقصير والمعصية؛ وقسمٌ في التوبة من الشرك أو من معاداة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم — أي الدخول في الإسلام. وسنذكر بعد ذلك قصص من تأخّر إسلامهم من الصحابة رضي الله عنهم.

توبةٌ في المراتب العليا

ونبدأ اليوم بتوبة أبي خيثمة رضي الله عنه، ثم توبة كعب بن مالك رضي الله عنه. ويجمعهما أن زللهما كان في التخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج يريد ديار الشام لملاقاة الروم.

ولاحظ الفرق: فالقصص التي مضت تتعلّق بالتوبة بالمعنى الشائع — الظلم والتعدّي، والسرقة، والزنا، وأشباه ذلك من الكبائر التي ترد على أذهاننا.

أما هذه فتتعلّق بالتوبة في المراتب العليا؛ فالقضية التي تعلّق بها الزلل هي التخلّف عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملاقاة الروم — وهي يومئذٍ أكبر قوّةٍ سياسية واقتصادية وعسكرية.

فالزلل والتقصير عند هذه الطبقة من الناس بعيدٌ جدًّا عن مفهوم الزلل الذي يرد على أذهاننا.

لماذا وصلوا إلى هذا؟

ونُحيل ذلك إلى أثر تربية النبي صلى الله عليه وسلم وتربية القرآن. فهذا المجتمع الذي تربّى على كلام الله وعلى تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وتهذيبه، وصل إلى قدرٍ من الرقيّ والاستعداد للتضحية في سبيل الله بعيدٍ جدًّا عن واقعنا.

ونحن مفتقدون لهذه الأسس: التربية القرآنية والإيمانية، والوضع الاجتماعي الداعم، ووجود القدوات التي نستنير بنورها ونتلقّى عنها، والدعم النفسي والنماذج الحيّة.

فحالٌ ليس كحال، ووضعٌ ليس كوضع؛ وبيننا وبينهم مسافةٌ شاسعة.

قصة أبي خيثمة رضي الله عنه

قال ابن إسحاق: تخلّف أبو خيثمة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. حتى إذا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع أبو خيثمة ذات يومٍ إلى أهله في يومٍ حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطٍ له؛ قد رشّت كلّ واحدةٍ منهما عريشها، وبرّدت له فيه ماءً، وهيّأت له طعامًا.

فلمّا دخل قام على باب العريشين ينظر، ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضِّحّ والريح والحرّ، وأبو خيثمة في ظلٍّ باردٍ وطعامٍ مهيّأٍ وامرأةٍ حسناء! ما هذا بالنَّصَف.

ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهيّئا لي زادًا. ففعلتا.

ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركه حين نزل تبوك.

وقفة: «ما هذا بالنَّصَف»

و«الحائط» هو البستان المُحوَّط بالنخل من كلّ جانب، وفي داخله زرع — كما قال تعالى في قصة صاحب الجنتين: وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًاالكهف: ٣٢.

ولاحظ: كلّ ما وجده أبو خيثمة كان الوضع الطبيعي المتوقّع؛ رجلٌ يرجع إلى بيته فيجد ظلًّا وماءً باردًا وطعامًا مهيّأً. فليس ثمّة مفاجأة.

لكنّ ردّ فعله كان: «ما هذا بالنَّصَف» — أي: هذا ليس عدلًا.

فهذا يدلّ على أنّ في داخله شيئًا يعتمل. فهو ليس مرتاحًا أصلًا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو لم يخرج معه. فلمّا رأى هذا المشهد لم يستطع أن يحتمله.

فقال: إمّا أن يكون هو هنا في مثل هذا، وإمّا أن أكون أنا معه هناك.

وقفة: الناضح والراحلة

و«الناضح» هو الجمل الذي يُستقى عليه الماء. وثمّة فرقٌ بينه وبين الراحلة؛ فالإبل مستويات: منها ما يُستقى عليه، ومنها ما يُذبح ويُؤكل، ومنها الرواحل — وهي النجائب التي تصلح للسفر الطويل، فتتحمّل مشاقّ الطريق وتحمل زادك وماءك وتجتاز بك الفيافي والقفار.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الناس كإبلٍ مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة» (متفق عليه).

أي: لو وجدتَ في كلّ مئةٍ من الناس واحدًا عنده استعدادٌ وصبرٌ لتحمّل الأعباء والمسؤوليات، بحيث إذا أُوكل إليه أمرٌ قام به ولم يُضيّعه — فذلك شيءٌ حسن.

ولاحظ: لم يكن عند أبي خيثمة راحلة! فربما كان عدم تهيّؤ الأسباب من موانع حركته. لكنه لمّا عزم أخذ ناضحه ومضى — وهو يعلم أنه لا يصلح للسفر الطويل. فهو خلاص عازم، ولا ينفع أن يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

استطراد: «إن المُنبَتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»

وقد كان يُقال: «إن الدين متين، فأوغل فيه برفق؛ فإن المُنبَتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى».

أي أن من أجهد دابّته وشقّ عليها، فلا هي أكملت معه فيجتاز، ولا هو حافظ عليها لتستمرّ — فينقطع في الطريق.

فالإنسان ينبغي أن يترفّق؛ لأن طريقه إلى الله طويل، ويحتاج سكينةً وتُؤدةً ليقدر أن يصل إلى آخره.

ولذلك الدفعات الحماسية غير المنضبطة لا تُكمل مع الإنسان كثيرًا. فمن يجري في سباقٍ طويل لا يحرق طاقته كلّها في البداية؛ بل يمشي قليلًا ويقف قليلًا ويستريح، ويكون هدفه أن يُكمل السباق إلى آخره لا أن يُحرز رقمًا.

فهدفنا أن نصل إلى الله على حالٍ يرضاها.

«كن أبا خيثمة»

وأدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهب الجُمَحي في الطريق. فلمّا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير: إن لي ذنبًا؛ فلا عليك أن تتخلّف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل.

فلمّا طلع قال الناس: هذا راكبٌ مُقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة». فلمّا دنا قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة.

فلمّا أناخ وسلّم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خيثمة». ثم أخبره الخبر، فقال له خيرًا ودعا له.

وقفة: أن يذكرك النبي ﷺ من بين عشرة آلاف

وتأمّل: أبو خيثمة تخلّف في المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم في تبوك ومعه نحو عشرة آلاف. ومع ذلك يفتقده ويرجو له أن يأتي، فيقول: «كن أبا خيثمة»!

وقوله «أولى لك» كلمة تأنيبٍ ووعيد — كما قال تعالى: أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰالقيامة: ٣٤–٣٥.

قصة مُخَشِّن بن حُمَيِّر

قال ابن إسحاق: وقد كان رهطٌ من المنافقين — منهم مُخَشِّن بن حُمَيِّر، حليفٌ لبني سلمة — مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلقٌ إلى تبوك. فقال: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأني بكم غدًا مُقرَّنين في الحبال!

فأطلع الله نبيّه صلى الله عليه وسلم عليهم. فأتوا يعتذرون. وقال مُخَشِّن بن حُمَيِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي.

فعُفي عنه. وفيه نزل قوله تعالى: إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَالتوبة: ٦٦ — وهو الطائفة التي عُفي عنها.

فسُمّي عبد الرحمن، وسأل الله أن يُقتل شهيدًا لا يُعلم مكانه. فأُصيب يوم اليمامة، فلم يُوجد له أثر.

وقفة: خوف بني الأصفر

فقد كان العرب يقاتلون قريشًا وغطفان — وهم أشباهٌ لهم. أما الروم فتاريخٌ وقوّةٌ عسكرية كبيرة ونظامٌ عسكريّ وجيوشٌ نظامية. والعرب لا نظام لهم بهذا المعنى.

فالجوّ كان مُخيفًا؛ ومن هنا خرجت هذه الكلمة.

وقفة: «طائفة» تُطلق على الواحد

ولاحظ أن الله عفا عن رجلٍ واحد وسمّاه طائفة. فهذا يدلّ على أن كلمة «طائفة» تُطلق على النفر الواحد.

الفائدة الأولى: معانٍ في القلب يجبر الله بها

ففي قصة أبي خيثمة رضي الله عنه: أن الإنسان قد يتكاسل ويتباطأ ويتأخّر ويزلّ؛ لكن إذا كانت في قلبه معانٍ إيمانية، فإن الله يجبر بها حاله ويرفعه.

فأبو خيثمة لم يكن وجدانيًّا مُعرضًا ولا غير مهتمّ بنبيّه وحبيبه صلى الله عليه وسلم؛ وإنما التكاسل هو الذي أدّى به إلى التخلّف. لكنّ في داخله أشياء تعتمل — وهذه هي التي جبره الله بها.

ولذلك كان أبو خيثمة — إلى أن خرج — يبدو ظاهريًّا كمن تخلّف من المنافقين. لكنّ أولئك في قلوبهم نفاق، وهو في قلبه إيمان. فتباينت الأحوال، وتباينت معاملة الله للناس بتباين ما في القلوب.

شاهدٌ من القرآن: أسرى بدر

وقد ذكرنا قبل ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌالأنفال: ٧٠.

ومن هؤلاء؟ مشركون كانوا قبل ساعاتٍ يحملون سيوفهم لقتال المؤمنين وإطفاء نور الله؛ وقتلوا منهم بالفعل.

ومع ذلك يقول الله: إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا.

ولاحظ الترتيب: يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ أولًا — وهو المال الذي يدفعونه فداءً؛ ثم وَيَغْفِرْ لَكُمْ — وهي الأعظم.

فلماذا قُدّم المال؟ لأنه هو الذي يشغلهم الآن. وهذا نظير ما ذكرناه في تقديم سورة الفلق على سورة الناس: أن الله يُطمئن الإنسان أولًا فيما يشغله، ثم يُخاطبه بما هو أولى وأعظم — وهو أمر الدين والآخرة.

قصة العباس رضي الله عنه

وكان العباس رضي الله عنه ممّن أُسر في بدر. وقد أسره أبو اليسر الأنصاري رضي الله عنه — وكان رجلًا قصيرًا، والعباس رجلٌ طويلٌ عريض.

فقال العباس: ما أسرني هذا؛ إنما أسرني رجلٌ أجلح من أحسن الناس وجهًا، على فرسٍ أبلق. فقال أبو اليسر: أنا أسرتُه يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: «اسكت؛ فقد أيّدك الله بملَكٍ كريم».

ثم بعد سنين — لمّا جاء المال من البحرين — قال العباس: يا رسول الله، إني فديتُ نفسي وفديتُ عقيلًا. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من المال. فجعل يأخذ ويأخذ حتى عجز عن حمله، فقال: مُر بعضهم يرفعه عليّ. فقال: «لا». فوضع بعضه ثم حمل، وانطلق وهو ينظر إليه.

فهذا مصداق: يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْالأنفال: ٧٠.

شاهدٌ آخر: بنو سلمة وبنو حارثة

قال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَآل عمران: ١٢١–١٢٢.

وهذا في أُحد؛ حين انسحب عبد الله بن أُبيّ بثلث الجيش — نحو ثلاثمئة من ألف.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى البقاء في المدينة، فلمّا رأى أكثر الناس يريدون الخروج نزل على رغبتهم. ثم إن الصحابة أحسّوا أنهم استكرهوه فقالوا: يا رسول الله، استكرهناك. فقال: «ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه».

لأن التردّد بعد العزم مُفسدٌ للعزائم: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِآل عمران: ١٥٩.

فلمّا خرجوا، قال ابن أُبيّ: أطاعهم وعصاني! ورجع بمن معه — وقد عزم على ذلك من الأصل ليُخذّل بأكبر قدرٍ ممكن.

وأما بنو سلمة وبنو حارثة فقد همّتا أن تفشلا، فقال الله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا. فكانوا يقولون بعدها: ما نحبّ أنها لم تنزل — أي أنهم فرحوا بالآية رغم ما فيها؛ لأن الله وصفهم بأنه وليّهم.

فمن كان في ولاية الله ففيه إيمان: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواالبقرة: ٢٥٧، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَالجاثية: ١٩، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَالأعراف: ١٩٦.

فالإنسان إن لم يحفظه الله بحفظه لم يستطع أن يحفظ نفسه؛ فالنفس والهوى والشيطان تغلبه.

ولذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «يا حيّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث؛ أصلح لي شأني كلّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (رواه الحاكم).

الفائدة الثانية: إمكان الاستدراك

وفي قصة مُخَشِّن بن حُمَيِّر: أن الإنسان قد يكون في وضعٍ بعيدٍ أو سيّئ؛ لكنه إذا أدرك أنه خالف أو زلّ وأراد أن يستدرك، فرحمة الله واسعة.

فقد عفا الله عنه ونصّ على ذلك في كتابه؛ لأنه كان صادقًا في أنه أساء وأنه يريد أن يستدرك. ثم انظر إلى المكانة العالية التي سألها فاستجاب الله له.

فالإنسان يمكن أن ينتقل من حالٍ إلى حالٍ مختلفةٍ تمامًا، ويرتقي عند الله إلى المحلّ الأعظم — إذا كانت عنده رغبةٌ حقيقية في استدراك ما فات.

قصة كعب بن مالك رضي الله عنه

وهذه قصةٌ يرويها صاحبها عن نفسه؛ فيها من التفاصيل النفسية ما لا يوجد في غيرها.

قال كعب: لم أتخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ غزاها حتى كانت غزوة تبوك — إلا بدرًا؛ ولم يُعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا تخلّف عن بدر، إنما خرج يريد العير، فخرجت قريشٌ يُغيثون عيرهم، فالتقوا على غير موعدٍ كما قال الله تعالى.

ولعَمري إن أشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بدر؛ وما أحبّ أني كنتُ شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام.

وقفة: لماذا العقبة أحبّ إليه من بدر؟

فالناس تعتبر بدرًا في المحلّ الأعظم؛ وهو يرى بيعة العقبة أفضل. ولماذا؟

لأنه لولا تلك البيعة لما كانت بدرٌ ولا هجرة. فالأنصار بايعوا في العقبة الثانية على أن يقدم عليهم المدينة، وأن يمنعوه ممّا يمنعون منه نساءهم وذراريهم.

فلولاها لما كانت هجرةٌ ولا دارٌ للإيمان ولا مكانٌ يقوم فيه الدين وينتشر منه النور.

استطراد: يثرب والمدينة

ولذلك أول ما وطئت قدمه صلى الله عليه وسلم يثرب سمّاها المدينة.

ولماذا؟ لأن «يثرب» من التثريب — وهو اللوم؛ ومن الثَّرب بمعنى الفساد. فهو لا يريد فيها فسادًا ولا تنازعًا ولا تلاومًا.

وقال صلى الله عليه وسلم: «أُمرتُ بقريةٍ تأكل القرى، يقولون: يثرب؛ وهي المدينة» (متفق عليه).

و«المدينة» محلُّ التحضّر والرقيّ. وقد تكلّمنا في خطبةٍ قديمة عن المدينة والمدنيّة، وأنها أصل المدنية.

وقلنا: ليس ثمّة شيءٌ اسمه «مدنية» في مقابل «دينية»! فكلمة «مدنية» أصلها من أهل المدينة الذين يَدينون بالولاء لقانونٍ ونظامٍ يسوسهم. فالمدينة إنما سُمّيت مدينةً لأن أهلها اجتمعوا على نظامٍ يسوسهم — و«الدِّين» أصله الدينونة والخضوع.

فهذه المدينة هي المدينة الكاملة؛ لأن النظام الذي يسوس أهلها هو القرآن المنزَّل — وهو أعلى وأرقى بما لا يُقارن بأيّ نظامٍ يضعه البشر.

وشاهده قوله تعالى: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِيوسف: ٧٦ — أي في نظامه وقانونه. فسمّاه «دينًا». فالفرق إذًا في مصدر هذا الدين لا في وجوده.

«الحرب خدعة»

قال كعب: ثم لم أتخلّف بعدُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ غزاها حتى كانت غزوة تبوك — وهي آخر غزوةٍ غزاها.

وآذن النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالرحيل، وأراد أن يتأهّبوا أُهبة غزوهم؛ وذلك حين طابت الظلال وطابت الثمار. وكان كلّما أراد غزوةً ورّى بغيرها، وكان يقول: «الحرب خدعة» — إلا غزوة تبوك.

ولماذا كان يُورّي؟

وقد ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم حين خرج لفتح مكة لم يُعلن؛ ولم يطّلع على السرّ إلا عددٌ قليل.

وكان منهم حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه — وهو من السابقين ومن أهل بدر — فبعث كتابًا إلى قريش يُخبرهم. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا والزبير رضي الله عنهما إلى روضة خاخ ليأخذوا الكتاب من المرأة.

ولماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يريد قتالًا على مشارف مكة. فلو سمعت قريشٌ مبكّرًا لجمعوا واستعدّوا وقاتلوا. أما لو فوجئوا فليست عندهم قوّةٌ حقيقية للمقاومة.

فهو يريد أن يكفكف من حدّة القتال بقدر ما يستطيع، ويحفظ الدماء.

«خُدعة» و«خَدعة»

و«خُدعة» بالضمّ: أي أن الحرب قائمةٌ على الخداع والدهاء، وهو أهمّ فيها من المواجهة المباشرة — لأنه يُوفّر جزءًا كبيرًا من الجهد والطاقة ويحفظ الدماء.

و«خَدعة» بالفتح: أي أنها فرصةٌ واحدة؛ فمن اهتبل الفرصة كانت له اليد العليا، والآخر لا يستطيع أن يستدرك.

ولماذا أفصح في تبوك؟

لأن المسافة بعيدة، والمشقّة شديدة، والعدوّ قويّ. فإذا كان الأمر عظيمًا فلا بدّ أن تكون الأمور واضحةً بيّنة؛ حتى لا يُوضع من لا يقدر في موقفٍ لا يحتمله نفسيًّا ولا إيمانيًّا.

الظروف الصعبة

فالوقت حرٌّ شديد، والمسافة بعيدة. وفي الوقت نفسه: «طابت الظلال وطابت الثمار» — أي أنه الوقت الذي أينعت فيه ثمار البساتين؛ وهو الوقت الذي يجني فيه الإنسان ثمرة تعبه طول الموسم.

فالنفوس مالت إلى الراحة، والدنيا أقبلت.

«وأنا أيسر ما أكون»

قال كعب: ولم أكن قطّ أيسر ولا أخفّ منّي حين تخلّفت عنه في تلك الغزاة. والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قطّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة.

وأنا في ذلك أُصغي إلى الظلال وطيب الثمار.

فتأمّل: «أُصغي» — وهو صوت. فأيّ صوت؟ إنه صوتٌ داخليّ في النفس.

فهو ليس عنده مشكلةٌ مالية، ولا صحّية، ولا أعباء. بل جمع راحلتين — يستطيع أن يحمل معه غيره!

وهذه دقّة كعب بن مالك رضي الله عنه: فهو شخصيةٌ رقيقة مرهفة، ينقل لنا ما في داخله من التجاذب والصراع؛ بخلاف قصة أبي خيثمة التي نرى فيها الصورة من الخارج فقط.

التسويف

فلم أزل كذلك حتى غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا — وذلك يوم الخميس، وكان يُحبّ أن يخرج يوم الخميس.

فقلت: أنطلق غدًا إلى السوق فأشتري جهازي ثم ألحق به. فانطلقتُ من الغد فعسُر عليّ بعض شأني، فرجعتُ وقلت: أرجع غدًا إن شاء الله فألحق بهم. فعسُر عليّ بعض شأني أيضًا. فقلت: أرجع غدًا.

فلم أزل كذلك حتى تلبّس بي الذنب، وتخلّفتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقفة: «قل إن شاء الله»

فالمشكلة كانت التسويف؛ وأنه كان يعتقد أن الأمور متاحةٌ في يده — ما لم يأتِ اليوم يأتي غدًا.

والمفروض أن يرجع الإنسان في كلّ أموره إلى الله؛ فما لم ييسّره الله لا يتيسّر.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِالأنفال: ٢٤.

فالقلب بيد الله لا بيدي. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد، يُصرّفه حيث يشاء» (رواه مسلم).

«ما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك جلّه»

ولاحظ الفرق بينه وبين أبي خيثمة: فأبو خيثمة استدرك ومضى، وأما كعب فقال: «خلاص، تلبّس بي الذنب» — أي رأى أن الأمر لم يعد يُستدرك.

وكان يستطيع أن يفعل كما فعل أبو خيثمة؛ لكنّ هذه الدفعة لم تأتِه.

وهذه آفةٌ عندنا: أن الإنسان إذا دخل في أمرٍ ففاته بعضه قال: خلاص خربت ولم تعد تنفع. وكثيرٌ من الأشياء يمكن استدراكها، لكنه يُحسّ أنها انتهت.

ومنشؤها المثالية: أن يريد الإنسان الأمر على الصورة التي في ذهنه بالضبط؛ فإن لم تأتِ كذلك ألغاها.

والقاعدة: ما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك جلّه.

الوحشة في المدينة

فجعلتُ أخرج فأمشي في الأسواق وأطوف في المدينة، فيُحزنني ألّا أرى أحدًا تخلّف إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممّن عذر الله.

و«مغموصًا عليه في النفاق» أي مطعونًا عليه، معروفًا عند الناس بالنفاق. فالباقون إمّا معذورون بمرضٍ أو عجزٍ مالي، وإمّا معروفون بالنفاق.

وقد جاء نظيره في وصف صلاة الجماعة: «ولقد رأيتُنا وما يتخلّف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق» (رواه مسلم).

وقفة: النبي ﷺ لا يُسقط أحدًا

وتأمّل: عشرة آلافٍ في تبوك، ومع ذلك يفتقد أبا خيثمة، ويفتقد كعب بن مالك!

فكلّ الناس في دائرة اهتمامه، والمؤمنون كلّهم لهم في قلبه مكان. لا يسقط أحد.

ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يمرّ بأبي عُمَير — أخي أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو طفلٌ صغير — وكان له نُغَير (عصفور صغير) فمات، فكان كلّما رآه قال: «يا أبا عُمَير، ما فعل النُّغَير؟» (متفق عليه).

فتأمّل: يُكنّي طفلًا صغيرًا! وكانوا يُكنّون الصغار لأنهم يريدونهم أن يكبروا؛ فهو يُربّيه على أنه كبير.

ومع كلّ الأعباء والمسؤوليات، ففي قلبه صلى الله عليه وسلم مكانٌ لأبي عُمَير ولعصفوره.

«ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه»

قال تعالى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِالتوبة: ١٢٠.

وتأمّل: لم يتكلّم الله هنا عن أحكام القتال ووجوبه؛ وإنما تكلّم عن الحبّ.

فلا ينبغي أن يبقى الإنسان في المدينة ويخرج هو، ولا أن يتركه في موطن هلكةٍ ويقي نفسه به.

فقهٌ دقيق: الاستثناء في الظاهر لا في الباطن

وقد استثنى الله من التخلّف أعذارًا: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَالتوبة: ٩٢.

لكنّ قوله وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ لا يُستثنى منه أحد! فحتى من لم يخرج لعذر، لا ينبغي أن يكون في داخله أنه يرغب بنفسه عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالمعنى الإيماني الوجداني الذي في الداخل لا يسقط بحال.

ونظيره في مراتب تغيير المنكر: «من رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» — وفي روايةٍ: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل» (رواه مسلم).

فالذي في الخارج قد يسقط للأعذار والظروف؛ وأما الذي في الداخل فلا.

سؤال النبي ﷺ عنه

قال كعب: ولم يذكرني النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك. فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟»

فقال رجلٌ من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه والنظر في عِطفيه!

فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا.

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقفة: من الذي قال هذا؟

ولاحظ: الذي قال هذا الكلام الجارح من قومه — من بني سلمة! أي من أقرب الناس إليه.

و«حبسه بُرداه والنظر في عِطفيه» أي: شغله ثوبه وهيئته والإعجاب بنفسه.

الرجوع والتفكير في المعاذير

قال: فلمّا قضى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وقفل راجعًا إلى المدينة، جعلتُ أتذكّر بماذا أخرج من سخط النبي صلى الله عليه وسلم، وأستعين على ذلك بكلّ ذي رأيٍ من أهلي.

حتى إذا قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم مُصبحكم غدًا — زاح عني الباطل، وعرفتُ أني لا أنجو منه إلا بالصدق.

وقفة: جمع عقول الآخرين

ولاحظ: هو لم يكتفِ بالتفكير وحده، بل سأل كلّ ذي رأيٍ من أهله. وكعب بن مالك ليس رجلًا محدود العقل؛ لكن من تمام العقل أن يجمع الإنسان عقول الناس إلى عقله.

ثم لمّا قيل إنه قادمٌ غدًا — زاح عني الباطل. أي أن كلّ تلك السيناريوهات والمعاذير التي رتّبها انمحت في لحظة.

وعرف أنه لن ينجو إلا بالصدق؛ لأنه في النهاية يُخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قدومه ﷺ

فقدم النبي صلى الله عليه وسلم ضُحًى، فصلّى في المسجد ركعتين — وكان إذا قدم من سفرٍ فعل ذلك.

ثم جلس، فجعل يأتيه من تخلّف عنه فيحلفون له ويعتذرون إليه؛ فيستغفر لهم ويقبل علانيتهم، ويَكِل سرائرهم إلى الله عز وجل.

ولاحظ: كان يدخل المدينة نهارًا لا ليلًا؛ لئلّا يُزعج الناس أو يطرق أهله على غِرّة. وأول ما يبدأ به المسجد.

«تبسّم المُغضَب»

فدخلتُ المسجد فإذا هو جالس. فلمّا رآني تبسّم تبسّم المُغضَب.

فجئتُ فجلستُ بين يديه. فقال: «ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟» قلت: بلى يا نبيّ الله.

قال: «فما خلّفك؟»

فقلت: والله لو بين يدي أحدٍ من الناس غيرك جلستُ لخرجتُ من سخطه بعذر؛ ولقد أُوتيتُ جدلًا. ولكني والله لقد علمتُ لئن حدّثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عني ليُوشكنّ الله أن يُسخطك عليّ؛ ولئن حدّثتك حديث صدقٍ تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عُقبى الله. والله ما كان لي عذر؛ والله ما كنتُ قطّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفتُ عنك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق. قم حتى يقضي الله فيك».

وقفة: تبسّمٌ يحمل عتابًا

فهو صلى الله عليه وسلم لم يُكشّر في وجهه ولم يعبس؛ وإنما ابتسامةٌ فيها عتاب. فهو دائم التبسّم، حتى أن المعتبة تظهر عنده في صورة تبسّم.

وقفة: «ما ينفع معك هذا»

وقوله «لو بين يدي أحدٍ من الناس غيرك» — أي: مع أيّ أحدٍ آخر كان الأمر عاديًّا؛ فأنا رجلٌ شاعرٌ لسِنٌ أعرف أن أُقنع أيّ إنسان.

لكن هذا مؤيَّدٌ بالوحي؛ فلا ينفع معه ذلك.

وهذا هو الإيمان: أن يكون عند الإنسان ما يمنعه ولو قدر. فقد يكون ظرفه المالي ضيّقًا ويستطيع أن يأخذ حرامًا بسهولة — ولا شيء أسهل من ذلك؛ لكن ثمّة ما هو أقوى.

وكان عمر رضي الله عنه يقول: «لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون». أي: لولا الآخرة ما أدرتُ الأمر بهذه الطريقة؛ ولأدرتُه بالطريقة التي يُديرها بها من لا يوقن بالحساب.

وقفة: «صدقكم الحديث» — والتغافل

وقوله «أما هذا فقد صدق» يدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم كان يفهم ما يقوله المعتذرون؛ لكنه يُفوّت.

وهذه هي السيادة بالتغافل. فمن يسوس الناس لا بدّ أن يكون عنده قدرٌ من التغافل — لا الغفلة.

فالغفلة بلاهة؛ وأما التغافل فأن يُفوّت الإنسان عن قصدٍ وبمزاجه.

وقد قيل:

ليس الغبيُّ بسيّدٍ في قومِه
لكنّ سيّدَ قومِه المتغابي

فمن يقف عند كلّ صغيرة لا تُطيقه الناس وينفرون منه. لكنه أحيانًا يُشعر الرجل أنه فهمه.

استطراد: عمر وولاية الأذكياء

ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه كان يرى أن المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه من الأذكياء جدًّا، ومع ذلك كان يتحرّج من توليتهما.

وكان يقول ما معناه: لا أُحبّ أن أحمل على الناس فَرْطَ عقولهم. أي أن هذا الذكاء الزائد قد لا يحتمله الناس.

ونظيره أنه لم يكن يُؤمّر البراء بن مالك رضي الله عنه — مع شجاعته العظيمة؛ لأنه شجاعٌ فوق الحدّ، ولو أمّره على جيشٍ لأهلكه.

فالذكيّ جدًّا لا يصلح أميرًا بالضرورة، والشجاع جدًّا لا يصلح أميرًا بالضرورة.

ونحن — والله — لا نعرف شيئًا من هذا؛ ونعتقد أننا نعرف كلّ شيء. ونحتاج أن نتعلّم كثيرًا من كتاب ربنا ومن هدي نبيّنا صلى الله عليه وسلم ومن الصحابة.

فهم كانوا أهل فطنةٍ وفهمٍ عميقٍ لا سطحي. ونحن نتخيّل أننا متقدّمون عليهم؛ وهم الذين كانوا قدّامنا، ونحن رجعنا إلى الوراء.

المقاطعة

فقمتُ. وثار رجالٌ من بني سلمة فاتّبعوني، فقالوا: والله ما علمناك أذنبتَ ذنبًا قبل هذا! لقد عجزتَ ألّا تكون اعتذرتَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلّفون؛ فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك.

فوالله ما زالوا يُؤنّبونني حتى أردتُ أن أرجع فأُكذّب نفسي.

ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العَمْري، وهلال بن أميّة الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة.

فمضيتُ حين ذكروهما لي.

وقفة: خطر الزنّ وأثر القدوة

فتأمّل: من كثرة الإلحاح كاد أن يرجع فيكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم — مع أنه غير مقتنع بذلك أصلًا! فهذا ضغط.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهبَ للُبّ الرجل الحازم من إحداكنّ» (متفق عليه). فـ«اللُّبّ» هو خلاصة العقل.

ثم لمّا ذُكرت له القدوة — رجلان صالحان من أهل بدر — ثبت. فوجود شركاء صالحين في الموقف يُثبّت الإنسان.

فالإنسان بطبيعته تتأثّر نفسه بمن حوله.

تنكّر الأرض والحيطان

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلّف عنه.

فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكّرت لي في نفسي الأرض؛ فما هي بالأرض التي أعرف.

فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.

فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنتُ أشبّ القوم وأجلدهم؛ فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يُكلّمني أحد.

وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام أم لا؟

ثم أُصلّي قريبًا منه وأُسارقه النظر؛ فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني.

وقفة: العتاب الذي يحمل حبًّا

فتأمّل هذا المشهد الدقيق: هو يُسارق النظر إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه إذا انشغل بالصلاة، فإذا التفت أعرض.

فماذا يعني هذا لكعب؟ يعني: أنه لا يزال يحبّني ومهتمٌّ بي ومركّزٌ معي — حتى وأنا أُصلّي. فهو مخاصمٌ لكنه غير مُهمل.

وهذا عالمٌ آخر تمامًا غير عالمنا.

كتاب ملك غسّان

فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطيٌّ من نبط أهل الشام ممّن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يُشيرون له إليّ.

حتى جاءني فدفع إليّ كتابًا من ملك غسّان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مَضْيَعة؛ فالحق بنا نُواسك.

فقلتُ حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء! فتيمّمتُ بها التنّور فسجرتُها بها.

وقفة: لماذا أحرقها فورًا؟

فلماذا اعتبرها بلاءً؟

لأنها أشدّ من الأولى. فهي بابٌ يُفتح له ليخرج من هذه الضائقة إلى صورة إكرام — لكن أين؟ بعيدًا عن دار الإيمان، بعيدًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

ولاحظ أنه لم يكتفِ بتمزيقها؛ بل أوقد التنّور خصّيصًا وأحرقها — حتى لا يبقى لها أثر، ولئلّا يفتح الشيطان بها بابًا.

فنحن محتاجون ألّا نُبقي وراءنا ذيولًا؛ حتى لا يسحبنا الشيطان منها.

فلنقطع الخطوط الخلفية: العلاقات السابقة، والذكريات، والارتباطات التي ليس من الحسن أن نبقى معلّقين بها — مهما كانت الدواعي والمبرّرات. فإننا نضعف كثيرًا.

اعتزال النساء

حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك.

فقلت: أُطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك.

فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أميّة شيخٌ ضائعٌ ليس له خادم؛ فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربك». قالت: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيء؛ والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان.

أبو قتادة

قال كعب: فلمّا طال عليّ البلاء اقتحمتُ جدار حائط أبي قتادة — وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ.

فسلّمتُ عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلام.

فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أُحبّ الله ورسوله؟ فسكت.

فعدتُ فناشدتُه، فسكت. فعدتُ فناشدتُه، فقال: الله ورسوله أعلم.

ففاضت عيناي، وتولّيتُ حتى تسوّرتُ الجدار.

فتأمّل: أحبّ الناس إليه، وكلّ ما يريده كلمةٌ واحدة — أنه لا يزال على العهد، وأنه لم ينقض عقد الإيمان والحبّ.

الفرج

فلمّا مضت خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، صلّيتُ صلاة الفجر صباح خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من بيوتنا.

فبينا أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله عز وجل — قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت — سمعتُ صوت صارخٍ أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر!

فخررتُ ساجدًا، وعرفتُ أن قد جاء فرج.

وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر. فذهب الناس يُبشّروننا. وذهب قِبَل صاحبيّ مُبشّرون، وركض إليّ رجلٌ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم فأوفى على الجبل — وكان الصوت أسرع من الفرس.

فلمّا جاءني الذي سمعتُ صوته يُبشّرني، نزعتُ له ثوبيّ فكسوتهما إيّاه ببشراه. والله ما أملك غيرهما يومئذٍ؛ فاستعرتُ ثوبين فلبستهما.

وقفة: ولماذا أخّر إبلاغهم؟

وكانت التوبة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلث الليل. فقالت أمّ سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله، ألا نُبشّر كعبًا؟ فقال: «إذًا يحطمكم الناس ويمنعونكم النوم سائر الليلة».

أي أن الناس سيفرحون فرحًا شديدًا بتوبة إخوانهم، فيجتمعون ويزدحمون. فأخّر ذلك حتى الفجر.

وكانت أمّ سلمة رضي الله عنها مُحسنةً في شأن كعب، تحزن بأمره.

«أبشر بخير يومٍ مرّ عليك»

فانطلقتُ أتأمّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلقّاني الناس فوجًا فوجًا يُهنّئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك.

حتى دخلتُ المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ حوله الناس، ووجهه يستنير كاستنارة القمر — وكان إذا سُرّ استنار وجهه.

فقمتُ بين يديه، فقال: «أبشر بخير يومٍ مرّ عليك منذ ولدتك أمّك».

قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله».

ثم تلا عليهم: لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُالتوبة: ١١٧–١١٨.

«ثم تاب عليهم ليتوبوا»

وتأمّل: وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ — فقد وصلوا إلى حالة التسليم التامّ واللجوء التامّ إلى الله. حتى أبو قتادة لم يُقدّم شيئًا؛ فلم يبقَ إلا التضرّع إلى الله.

ثم: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا — فالتوبة الأولى من الله هي التهيئة وفتح الباب، ثم يتوب العبد.

«وكونوا مع الصادقين»

ثم قال تعالى بعدها مباشرةً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَالتوبة: ١١٩.

فتأمّل: بالأمس كان ينهاهم أن يسلكوا مسلكهم في التخلّف؛ واليوم يأمرهم أن يسلكوا مسلكهم في الصدق!

قال كعب: وفينا نزلت أيضًا: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

خاتمة كعب

قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله.

قال: «أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خيرٌ لك». قلت: فإني أُمسك سهمي الذي بخيبر.

وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق؛ وإن من توبتي ألّا أُحدّث إلا صدقًا ما بقيت.

فوالله ما علمتُ أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ ممّا أبلاني. ما تعمّدتُ منذ ذكرتُ ذلك كذبةً إلى يومي هذا؛ وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.

الخلاصة

فمن شكر الله على أن جعل نجاته بالصدق، أن يلتزم الصدق. فإذا فتح الله للإنسان باب خيرٍ أو نعمة، فليستمسك به ولا يدعه.

وقوله «أبلاه الله» يدلّ على أن الابتلاء يأتي في السرّاء وفي الضرّاء؛ فهو اختبار — يجلب خيرًا أو عكسه، بحسب نجاح الإنسان فيه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.