خلفية: ثقيف وأهل الطائف
وأبو محجن رجلٌ من ثقيف — أهل الطائف، وهو مكانٌ قريبٌ من مكة.
وقد جاء في السيرة رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد وفاة أبي طالب، خرج يدعوهم إلى الإسلام. وهو بتقدير النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أصعب موقفٍ مرّ به.
فقد قال لعائشة رضي الله عنها: «لقد لقيتُ من قومك، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال» (متفق عليه).
فقريش — مع شدّة عداوتها — ربما تحفّظت في شيء. أما ثقيف فكانوا أغلظ وأفظّ؛ حتى إنهم لمّا اكتفوا بالتكذيب أغروا سفهاءهم وصبيانهم أن يرموه صلى الله عليه وسلم بالحجارة، حتى احتمى بظلّ حائطٍ لعتبة وشيبة ابني ربيعة.
«فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب»
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لمّا خرج من الطائف أخذه الهمّ حتى قال: «فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب».
أي أنه من هول الصدمة مشى مسافةً طويلة وهو شبه غائب، فلم يُدرك أين هو إلا بعد ذلك.
فأنزل الله إليه جبريل عليه السلام ومعه ملَك الجبال يأتمر بأمره؛ فقال: إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين. فقال صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا» (متفق عليه).
وأصعب من ذلك: يطلب من يُجيره
وأصعب من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم — لمّا عاد من الطائف — بقي خارج مكة يطلب من يُجيره ليدخل إليها؛ حتى أجاره المُطعِم بن عَدِيّ.
وكان المُطعم ممّن أحسن إلى بني هاشم وهم في الشِّعب — وقد ذكرنا في خطبةٍ سابقة أن الشِّعب دخله المسلمون ومن حماهم من المشركين من بني هاشم وبني المطلب، فمكثوا فيه ثلاث سنين. فكان المُطعم ممّن يُدخل إليهم شيئًا من الطعام. وهو الذي سعى في نقض الصحيفة.
فخرج المُطعم مع أولاده مُتقلّدين السلاح إلى جوف الكعبة، وأعلن أنه قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفاء النبي ﷺ للمُطعم
وقد مات المُطعم كافرًا مشركًا بعد الهجرة بوقتٍ وجيز، قبل وقعة بدر.
فلمّا كان يوم بدر — وقد قُتل من المشركين سبعون وأُسر سبعون — قال صلى الله عليه وسلم: «لو كان المُطعم بن عديّ حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النَّتنى لتركتهم له» (رواه البخاري).
وتأمّل هذا من كريم خلاله صلى الله عليه وسلم: فهذا رجلٌ يرى أن له عليه فضلًا ويدًا — وإن كان كافرًا مشركًا — ويريد أن يُكافئه؛ لكنه لا يملك ذلك، فقد مضى الرجل إلى حيث يلقى جزاءه.
ومع ذلك أراد أن يذكره في هذا الموقف ليُبيّن عزمه وإرادته أن يشكر هذا الجميل.
ولاحظ عِظَم ما قال: فهؤلاء الأسرى أعظم الناس جُرمًا — خرجوا حربًا لله ورسوله يريدون أن يُطفئوا نور الله. ومع ذلك يقول: لو جاء المُطعم — وهو على كفره — فكلّمني فيهم بكلمة، لتركتهم له جميعًا.
حصار الطائف
ثم إن ثقيفًا كانوا من أشدّ الناس عنادًا، والناس قد أسلموا. فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم لقربهم من مكة ولئلّا يُؤمَن شرّهم.
فظلّ يُحاصرهم مدّةً ولم يستطع أن يفتح حصنهم، وأصاب المسلمين جراحاتٌ شديدة من شدّة رميهم من وراء الحصن. ثم رجع عنهم صلى الله عليه وسلم.
ثم أسلموا بعد ذلك وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقفة: النبي ﷺ قد يُعجزه أمر
وهذا موضعٌ ينبغي التنبّه له: أن النبي صلى الله عليه وسلم — مع أنه مؤيَّدٌ من الله — قد لا يُقدَّر له أن يحسم أمرًا أو يفتح حصنًا.
ولم يقل قائل: لو كان رسول الله حقًّا لفُتح له! وإنما أمر الله يمضي في عباده كما يشاء ويُقدّر ما يشاء.
وإنما هو صلى الله عليه وسلم مأمورٌ أن يمتثل أمر الله، وأن يجهد في إقامة نور الله بقدر ما أقدره الله واستطاع.
شاهدٌ من حوار هرقل
ويُناسب هذا ما ورد في حوار هرقل مع أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه.
فقد كان هرقل أعلم بأخبار المرسلين وسنن الله فيهم؛ فهو يملك المعايير، وأبو سفيان يملك المعلومات. وبهما معًا يتمّ الحكم.
فأيّ إنسانٍ لكي يحكم على أمرٍ يحتاج شيئين: معايير صحيحة ومعلومات صادقة. فإن غابت المعايير لم يقدر أن يحكم؛ وإن غابت المعلومات أو كانت مشوّهة لم يستطع أن يتّخذ قرارًا ولا أن يبني رؤية.
ولاحظ أن أسئلة هرقل كلّها أسئلةٌ محكمةٌ مغلقة، لا تترك لأبي سفيان مجالًا للمناورة. ولذلك قال أبو سفيان: فوالله ما أمكنني كلمةٌ أُدخل فيها شيئًا غير أني قلت: ونحن منه في مدّةٍ لا ندري ما هو صانعٌ فيها.
سؤال السِّجال
ثم سأله: «فكيف كان قتالكم إيّاه؟» قال: الحرب بيننا وبينه سِجال؛ يُدال علينا ويُدال عليه.
فأبو سفيان أراد بهذا انتقاصًا؛ إذ المفهوم عنده أن الرسول المؤيَّد من الله لا ينبغي أن يُدال عليه الكفار.
فقال هرقل: «وكذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لهم العاقبة».
فعنده قانون يعرفه من سنن الله في المرسلين: أن الأمر يكون سِجالًا، لكنّ المآل النهائي سيادة الحقّ ونصر المرسلين.
والمقوقس عنده المعلومات نفسها
وقد سأل المقوقس حاطبَ بن أبي بلتعة رضي الله عنه سؤالًا شبيهًا، فقال له مثل ما قال أبو سفيان.
لكنّ الفرق: أن هرقل كان يبحث عن الحقيقة فعلًا، فيُركّز في الأسئلة ويريد أن يخرج بإجابة. وأما المقوقس فكان يُريد أن يُلقي الشكوك والشبهات.
فالمعلومات عند هذا هي المعلومات عند ذاك؛ لكن اختلفت النيّة، فاختلفت النتيجة.
وفد ثقيف: «لا خير في دينٍ لا صلاة فيه»
فلمّا جاء وفد ثقيف يُسلمون، اشترطوا شروطًا: ألّا يُعشَّروا — أي لا تُؤخذ منهم الزكاة، وألّا يُحشروا — أي لا يخرجوا للجهاد، وألّا يُصلّوا.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن الأولين، وقال في الثالثة: «لا خير في دينٍ لا صلاة فيه» (رواه أبو داود).
وقال: «أما إنهم سيتصدّقون ويجاهدون إذا أسلموا».
وقفة: لماذا سكت عن هذا ولم يسكت عن ذاك؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل إسلامًا بلا صلاة؛ فلا دين بغير صلاة.
قال صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر تركُ الصلاة» (رواه مسلم)، وقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر» (رواه الترمذي).
والصلاة قرينة الإيمان في كتاب الله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْالبقرة: ١٤٣ — أي صلاتكم.
وأما الزكاة والجهاد فسكت عنهما؛ لأنه يعلم أن البناء الإيماني مع الصلاة سيضبط كلّ ما بعده. فإذا أسلموا صلّوا، وإذا صلّوا زكّوا وجاهدوا من غير أن يُطالَبوا.
وفي المقابل: بشير بن الخصاصية
وفي المسند أن بشير بن الخصاصية رضي الله عنه جاء يُبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فقال: بايعني على أن لا صدقة عليّ؛ فليس لي إلا عشر ذوداً هنّ رِسْل أهلي وحمولتهم. وأما الجهاد فقد زعموا أنه من ولّى فقد باء بغضبٍ من الله؛ وأنا أخاف إذا حضرتُ القتال أن أفرّ.
فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: «لا صدقة ولا جهاد؟ فبِمَ تدخل الجنة إذًا؟»
فقال: يا رسول الله، أُبايعك. فبايعه عليهنّ كلّهنّ.
فلماذا قبل من أولئك ولم يقبل من هذا؟
لأن ثقيفًا قبيلةٌ بحالها؛ فإسلامها فتحٌ عظيم، ويُرجى أن ينضبط أمرها بعد الدخول. وأما بشير فرجلٌ واحد.
وأعمق من ذلك: أن بشيرًا رضي الله عنه إنما قرّر أصلًا عظيمًا: أن الجنة لا تُنال إلا ببذلٍ ومجاهدة.
قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن سلعة الله غالية؛ ألا إن سلعة الله الجنة» (رواه الترمذي)، وقال: «حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات» (متفق عليه).
وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاالعنكبوت: ٦٩، وقال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَالتوبة: ١١١.
فالشيء ذو القيمة العظيمة يحتاج إلى تضحية.
وقفة: عثمان بن أبي العاص
ومن وفد ثقيفٍ كان عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، وهو أصغرهم سنًّا. وكان إذا نزل القوم يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم يتعلّم ويقرأ.
فلمّا أرادوا الانصراف قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. فقال: «أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، واتّخذ مؤذّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» (رواه أبو داود).
وتأمّل: هو بمقتضى القاعدة إمامهم — لأنه أقرؤهم وأفقههم. لكنه أراد النصّ على ذلك؛ لأنه يعرف قومه، ويخشى أن يأبى الكبار أن يؤمّهم شابٌّ صغير.
قصة أبي محجن
وكان أبو محجن الثقفي رضي الله عنه قد قتل عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بحصن الطائف — رماه بسهمٍ فأصابه، فتوفّي على أثر ذلك الجرح بعد فترة.
ثم أسلم أبو محجن وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلًا شاعرًا فارسًا. لكنه كان يُعاقر الخمر؛ فلمّا أسلم ظلّ يُعاقرها بين حينٍ وحين، فيُؤتى به فيُجلد.
وقد جلده عمر رضي الله عنه في الخمر سبع مرّاتٍ أو ثماني.
القادسية
ثم خرج إلى العراق لقتال الفرس؛ فشرب الخمر أو ذُكرت عنه، فحبسه سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه — وكان أمير المسلمين.
وكان سعدٌ قد أصابه داءٌ في جسده حتى صار لا يستطيع أن يركب فرسًا؛ فنُصبت له خيمةٌ في مكانٍ عالٍ يُتابع منها المعركة ويُديرها. وحُبس أبو محجن مُقيّدًا.
فلمّا بدأت المعركة دعا أبو محجن سلمى امرأة سعد فقال: يا بنت آل خصفة، هل لكِ إلى خير؟ قالت: وما هو؟ قال: تُخلّين عني، وتُعيريني فرس سعدٍ البلقاء. فلله عليّ إن سلّمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد؛ وإن أُصبتُ فما أكثر ما أُفلت.
فقالت: وما أنا وذاك! سعدٌ ينكر عليّ. فلم تُجبه.
أبياته في القيد
فقال أبو محجن:
كفى حَزَنًا أن تُطرَدَ الخيلُ بالقَنا
وأُترَكَ مشدودًا عليّ وثاقياإذا قمتُ عنّاني الحديدُ وأُغلِقت
مصاريعُ دوني قد تُصِمُّ المُنادياوقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ
فقد تركوني واحدًا لا أخا لياولله عهدٌ لا أخيسُ بعهدِه
لئن فُرِّجت أن لا أزورَ الحوانيا
و«لا أخيس بعهده» أي لا أُخلفه. و«الحوانيا» الحانات — أي لا يعود إلى معاقرة الخمر.
فأطلقته
فرقّت له سلمى وقالت: إني استخرتُ الله ورضيتُ بعهدك. فأطلقته، ولم تُعطه الفرس — فأخذها هو، وأخرجها من باب القصر فركبها.
ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبّر، ثم حمل على ميسرة القوم. ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة، فكبّر وحمل على ميمنة القوم. ثم عاد إلى القلب فصنع مثل ذلك.
فجعل يُقاتل قتالًا شديدًا، ويُصيب منهم إصاباتٍ شديدة.
وقفة: أقسام الجيش
والجيش يُقسَّم أقسامًا: مُقدّمة، وقلب في الوسط، وميمنة، وميسرة، وساقة — وهم الذين معهم الزاد والمؤن.
ولذلك سُمّي الجيش الخميس لأنه خمسة أقسام. ومنه قول يهود خيبر لمّا خرجوا صباحًا بمساحيهم فرأوا الجيش مُقبلًا: محمدٌ والخميس!
من هذا؟
فتعجّب الناس منه وهم لا يعرفونه، ولم يروه من أول النهار.
فقال بعضهم: هذا أصحاب هاشم — أو هاشمٌ نفسه. (وهو هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وكان مشهورًا بالفروسية؛ وقد أمدّ به عمر رضي الله عنه أهل العراق).
وقال بعضهم: لو كان الخضر يشهد الحروب لقلنا هو صاحب البلقاء.
وقال بعضهم: والله لو أن الملائكة تُباشر القتال لقلتُ ملَكٌ بيننا.
وجعل سعدٌ يقول: والله لولا حبس أبي محجن لقلتُ إن هذا أبو محجن، وهذه البلقاء!
وقفة: قتال الملائكة
وقولهم «تُباشر» دقيق؛ فالملائكة لا تُقاتل مباشرةً كما يُقاتل البشر.
وقد كان قتالها في بدر يُعرف بأثره: قال تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍالأنفال: ١٢. فكانت الرقبة تُوجد مقطوعةً بغير أثر سيفٍ ظاهر.
العودة إلى القيد
فلمّا تحاجز الناس وتراجع المسلمون، أقبل حتى دخل من حيث خرج، ووضع عن نفسه سلاحه ورَدّ الفرس، وأعاد رجله في القيد.
الكشف
فجاء سعدٌ فقالت له امرأته: كيف كان قتالكم؟ فجعل يُخبرها ويذكر رجلًا على فرسٍ بلقاء ويقول: لولا أني تركتُ أبا محجن في القيد لقلتُ إنها بعض شمائل أبي محجن.
فقالت: والله إنه لأبو محجن؛ وكان من أمره كذا وكذا. فقصّت عليه القصة.
فدعا به فحلّ قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبدًا.
فقال أبو محجن: قد كنتُ أشربها إذ يُقام عليّ الحدّ فأتطهّر منها؛ فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها أبدًا.
وقفة: «إذ بهرجتني»
ومعنى «بهرجتني» أي أسقطتَ عني الحدّ وأهدرتَه.
فهو يقول: كنتُ أشربها وأنا أعلم أن الحدّ سيُقام عليّ فيُطهّرني منها؛ فأما وقد رُفع عني الحدّ ولم يعد لي مُطهّر، فوالله لا أشربها أبدًا.
وهذا فقهٌ دقيق: أن الحدود طهارة وليست انتقامًا.
«لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم»
ومن أنفع ما يُقال في بابه: أنه أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجلٍ قد شرب، فجُلد. فقال بعض القوم: ما له؟ أخزاه الله!
فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هكذا، لا تُعينوا عليه الشيطان» (رواه البخاري). وفي روايةٍ: «لا تلعنوه؛ فوالله ما علمتُ إنه يُحبّ الله ورسوله».
ما وجه النهي؟
الأول: أنك بدل أن تدعو له بالرحمة تدعو عليه. وهذا ليس من حقّ المسلم على المسلم.
الثاني: أن يشعر الشخص أن المجتمع المتديّن قد لفظه؛ فيبحث عن مجتمعٍ بديل يقبله. وهنا الطامّة.
فالمجتمع الإيماني لا ينبغي أن يلفظ الضعيف؛ بل يصبر عليه ويحتويه.
«فوالله ما علمتُ إنه يُحبّ الله ورسوله»
وهذه الكلمة عظيمةٌ جدًّا: أن ثمّة فرقًا بين قوّة النفس وضعفها، وبين قوّة الإيمان وضعفه.
فقوّة الإيمان تحمل الإنسان على أن يدفع عن نفسه هذه الوقائع. فإذا ضعف الإيمان سقط في الامتحان.
فما الحلّ إذًا؟ أن يستمرّ في الدعاء، ويستمرّ في المجاهدة، ويُقوّي جانب الإيمان.
قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِالعنكبوت: ٤٥. فإن لم تفعل الصلاة ذلك، فالعلاج أن نُقوّي الصلاة والقراءة والقربة الإيمانية.
نقطةٌ لا خط
وقد قلنا كثيرًا: إن الفرق بين معصية المؤمن ومعصية غير المؤمن أن الأولى نقاط في طريق الحياة، والثانية خطّ.
فالمؤمن يُخطئ فيستغفر ويتوب ويمشي، ثم يُخطئ فيستغفر. فهي نقطٌ متباعدة.
وأما غير المؤمن فلا يُبالي؛ فقلبه مُصرٌّ عليها. فثمّة خطٌّ قلبيّ متّصل، والمعاصي الظاهرة نقطٌ على هذا الخط.
ولا تيأس
قال تعالى: وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَيوسف: ٨٧.
والحساب في الآخرة حسابٌ إجمالي وميزانُ حسناتٍ وسيئات؛ فإن رجحت الحسنات رحم الله العبد.
ماذا غيّره؟
فما الذي غيّر أبا محجن؟
رجلٌ ظلّ يُجلد سبع مرّاتٍ أو ثمانيًا ولم يتوقّف؛ ثم في موقفٍ واحد ترك الخمر فلم يعد إليها أبدًا.
والجواب: أن الله أعانه بسبب الخير الذي قدّمه.
فهو لمّا خرج في سبيل نصرة الدين — وكان يستطيع أن يهرب بالفرس؛ فقد أخذها ولا أحد يعرفه، وقاتل ولم يعرفه أحد — ومع ذلك رجع فوضع رجله في القيد بنفسه.
فهذا تمام الإخلاص: لم يُرد أن يراه أحد، ولم يُرد أن يُثبت لأحدٍ شيئًا؛ وإنما أراد وجه الله.
فكافأه الله بأن كتب له التوبة وأعانه عليها.
شاهد: أهل بدر
ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (متفق عليه).
وقوله لعثمان رضي الله عنه في جيش العسرة — وقد جهّزه مرّةً بعد مرّة: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» (رواه الترمذي).
فثمّة مواقف كبيرة في حياة الإنسان يُقدّمها لله، فلا يعبأ الله بعدها بشيءٍ من تقصيره.
قصة حاطب
ونظيره ما وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين كتب إلى قريش. فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه؛ فإنه قد نافق!
فقال صلى الله عليه وسلم: «إنه قد شهد بدرًا؛ وما يُدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم».
فذرفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم (متفق عليه).
فتأمّل: هذه هي شخصية عمر رضي الله عنه — فيها قوّة وفيها شدّة؛ ومع ذلك فيها لينٌ ورقّةٌ حين يأتي أمر الله ورسوله.
وصية أبي محجن عند الموت
ويُروى أنه قال قبل توبته:
إذا مِتُّ فادفنّي إلى جنبِ كَرمةٍ
تروّي عظامي بعد موتي عروقُهاولا تدفننّي بالفلاةِ فإنني
أخافُ إذا ما مِتُّ أن لا أذوقَها
فتأمّل مبلغ التعلّق: أن يفكّر فيها حتى بعد الموت، وهو في عالم العظام البالية!
ثم انظر إلى التحوّل بعد التوبة — فهذا هو الذي يُبيّن عِظَم ما منّ الله به عليه.
خلاصة: أين نحن من هذا؟
ونحن نحتاج أن نعرف بالضبط ما مراد الله من الإنسان، وكيف يعيش الإنسان عيشًا حقيقيًّا يُدرك فيه عظمة الله ونعمته عليه.
وثمّة أصولٌ ينبغي أن تستقرّ:
الأول: ألّا ييأس الإنسان؛ فإنه ما دام في دائرة المحاولة فالباب مفتوح.
الثاني: أن إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِهود: ١١٤.
الثالث: أن العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية. فالإنسان في بداياته تعتريه أشياء كثيرة؛ لكنه مع الوقت ينضبط ويقوى.
الرابع: أن الأمر كلّه فضلٌ من الله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُالنور: ٢١.
«اهدنا الصراط المستقيم»
ولذلك جعل الله في كلّ ركعةٍ من صلاتنا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَالفاتحة: ٦.
فنحن نقرؤها في اليوم عشرات المرّات. فلو صدقنا فيها مرّةً واحدة لكان لها أثرٌ عظيم.
لكننا نُصلّي ونقرأ ولا نكاد نصدق في واحدة.
وقفة أخيرة: التزكية والدفن
قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَاالشمس: ٧–١٠.
ولماذا قُدّم فُجُورَهَا على تَقْوَاهَا؟ لأن النفس إذا تُركت وشأنها مالت إلى الفجور؛ فهو الأسهل عليها.
و«دسّاها» — من الدسّ، أي أخفاها. فمن أخفى نفسه عن مصادر النور خاب.
فإذا أردتُ أن أُزكّي نفسي وأُطهّرها، فعليّ أن أعرضها لمصدر النور — لكتاب الله وهدي نبيّه صلى الله عليه وسلم؛ لا أن أدسّها وأُخفيها.