جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

توبة بشر بن الحارث

ما مضى: قضية التحوّل

فقد تكلّمنا في المرّات الماضية عن الفضيل بن عياض ومالك بن دينار رحمهما الله؛ وذكرنا فيهما قضية التحوّل.

فكلٌّ منهما كان في زمانه يُعدّ من الأئمة الكبار من أهل الزهد والعبادة والورع والتقوى والعلم، وأصحاب المقامات العالية.

ومع ذلك فإن المقدّمات وطبيعة الحياة التي عاشوها قبل أن يمنّ الله عليهم بالهداية لم تكن تعكس أبدًا أن يحصل مثل هذا التحوّل: فذاك كان يقطع الطريق، وذاك كان يُعاقر الخمر ويُدمنها.

وربما كان أحدهم في سنٍّ متأخّرة — في آخر الثلاثينات مثلًا — وقد استقرّ على هذا الوضع مدّةً طويلة؛ فليس من السهولة أن يتحوّل.

ونحن لو رأيناهم…

فنحن لو قابلنا أمثال هؤلاء في حياتنا لما توقّعنا أبدًا أن يصلوا إلى هذه الأحوال العظيمة.

فلسنا نتكلّم عن رجلٍ انتقل من حالٍ سيّئة إلى أن صار يُصلّي فحسب — فهذا شيء؛ وإنما نتكلّم عن رجلٍ صار من أئمة الهدى ومن المصابيح التي تُنير للناس، وأصبح قدوةً لأهل زمانه.

فهذا يبدو مستحيلًا. ومع ذلك فقد وقع.

سرّ هؤلاء

وربما كان أهمّ ما يُميّزهم: أنهم لمّا أدركوا عِظَم الفوت وعِظَم الخسارة والسنين التي ضيّعوها في الطريق الذي كانوا فيه — أرادوا أن يستدركوا ما فات.

فكان عندهم عزيمة على استدراك ما مضى من أيامهم.


بشر بن الحارث الحافي

ونموذجنا اليوم: بشر بن الحارث — واشتهر بـ«بشر الحافي». وهو من أقران الإمام أحمد رحمه الله، وكان كذلك من أئمة أهل زمانه ورعًا وعبادةً وتقوى وعلمًا.

«ما كان بدء أمرك؟»

قيل له: ما كان بدء أمرك؟ فإن اسمك بين الناس كأنه اسم نبيّ.

قال: هذا من فضل الله.

كنتُ رجلًا عيّارًا، فاجتزتُ يومًا في الطريق، فإذا أنا بقرطاسٍ مرميّ فرفعتُه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. فمسحتُه وجعلتُه في جيبي.

وكان عندي درهمان ما كنتُ أملك غيرهما؛ فذهبتُ إلى العطّارين فاشتريتُ بهما غالية، وطيّبتُ بها ذلك القرطاس.

فنمتُ تلك الليلة، فرأيتُ في المنام كأن قائلًا يقول: يا بشر، رفعتَ اسمي عن الطريق وطيّبتَه؛ لأُطيّبنّ اسمك في الدنيا والآخرة.

وقفة: الحسنة المخبوءة

و«العيّار» هو الرجل صاحب الفتوّة والعصبية من أهل الشرّ.

وتأمّل هذا المشهد: الورقة مرميّةٌ على الأرض تُداس بالأقدام؛ فرفعها، ثم أنفق كلّ ما يملك — درهمين — ليُطيّبها.

فهذا يعكس أن في داخله — رغم كلّ ما هو فيه — تعظيمًا لله وإجلالًا بالغًا له.

ونحن نقول دائمًا: قد تكون النماذج فيها قدرٌ كبير من الضياع، لكن تبقى فيها حتّةٌ حسنة. وهذه الحتّة هي التي يمنّ الله بها على الإنسان ويجذبه بها إليه، ويرفع بها عنه كيد الشيطان وتسويل النفس — لأن الله مطّلعٌ على ما في داخله من خير.

وأما الصدمة نفسها…

فهذه كانت المقدّمة. وأما الموقف الذي أحدث الهزّة فهو ما يلي.

كان بشر في زمانه في داره ومعه رفقاؤه يشربون؛ فاجتاز بهم رجلٌ من الصالحين فدقّ الباب.

فخرجت إليه جارية، فقال: صاحب هذه الدار حرٌّ أم عبد؟ قالت: بل حرّ.

قال: صدقتِ؛ لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو واللعب.

فسمع بشرٌ محاورتهما، فأسرع إلى الباب حافيًا حاسرًا — وقد ولّى الرجل.

فقال للجارية: ماذا قال لكِ؟ فأخبرته بما جرى. فقال: أيّ ناحيةٍ أخذ الرجل؟ فقالت: كذا.

فتبعه حتى لحقه فقال: يا سيدي، أنت الذي وقفتَ بالباب وخاطبتَ الجارية؟ قال: نعم. قال: أعِد عليّ الكلام. فأعاده.

فمرّغ بشرٌ خدّيه على الأرض وقال: بل عبد، بل عبد، بل عبد.

ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا؛ حتى عُرف بـ«الحافي».

لماذا بقي حافيًا؟

فقيل له: لِمَ لا تلبس نعلًا؟

فقال: لأني حين صالحني مولاي كنتُ حافيًا؛ فلا أزول عن هذه الحال حتى الممات.

أي: أنا حين منّ الله عليّ لم يكن في رجليّ نعل؛ فأريد أن أبقى حافيًا لأظلّ ذاكرًا للموقف وذاكرًا لنعمة الله عليّ. فإني لو نسيتُها ربما رجعتُ عمّا أنا فيه.

وقفة: كلمةٌ واحدة

فتأمّل: الرجل لم يخطب ولم يُطل؛ إنما سؤالٌ واحدٌ صغير: حرٌّ أم عبد؟

فقد أراد أن يُنبّههم بلطفٍ على خطورة ما يصنعون، وعلى جحود الإنسان لإحسان الله ونِعَمه عليه.

ولاحظ أن هذا لم يكن لينفع لولا أن تعظيم الله موجودٌ في قلبه أصلًا — كما ظهر في موقف الورقة. لكنه كان خامدًا، فاحتاج إلى ما يُوقظه.

معنى «الحرّية»

وهذه الكلمة تكشف عن معنًى مهمّ: أن «الحرّية» بالمفهوم الذي عندنا اليوم — الحرّية المطلقة — تعني في حقيقتها ألّا يكون للإنسان إله؛ بل يكون هو إله نفسه.

قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُالجاثية: ٢٣.


مشاهد أخرى من أثر الصدمة

الأول: قصة البطّيخة

كان جماعةٌ من الشباب في مجلسٍ ممّا يُسخط الله؛ فبعثوا واحدًا منهم يشتري لهم شيئًا، فأبطأ جدًّا.

فجاء يحمل بطّيخةً وهو يضحك. فقالوا: تُبطئ وتجيء وأنت تضحك؟!

فقال: جئتكم بأعجوبة! وضع بشر بن الحارث يده على هذه البطّيخة؛ فاشتريتُها بعشرين درهمًا.

فأخذ كلّ واحدٍ منهم يُقبّلها ويضعها على عينيه.

فقال واحدٌ منهم: بأيّ شيءٍ بلغ بشرٌ هذه المرتبة؟ قالوا: بالتقوى.

فقال: أُشهدكم أني تائبٌ إلى الله.

فقال القوم كلّهم مثله، ثم خرجوا إلى طَرَسوس فاستُشهدوا كلّهم.

وقفة: ما دلالة تقبيل البطّيخة؟

فتأمّل الحال: قومٌ في مجلسٍ لا يُرضي الله، بعثوا من يشتري لهم شيئًا؛ فجاء ببطّيخةٍ بعشرين درهمًا — ثمنٌ كبير — فضاع المال ولم يبقَ لهم ما يأكلونه معها.

ومع ذلك فرحوا بها وجعلوا يُقبّلونها!

فالفكرة: أن الحياة التي نعيشها قد تكون بهذه الصورة من الخارج؛ لكن في الداخل لا يزال الإنسان يُحبّ الخير ويُحبّ الصالحين ويتمنّى أن يكون منهم.

لكنّ ذلك لا يجد له ترجمةً في السلوك؛ فيبقى مجرّد تعلّقٍ عاطفي — فالتبرّك بالبطّيخة أسهل من الاقتداء بالسلوك!

حتى جاء واحدٌ منهم فسأل السؤال الصحيح: بأيّ شيءٍ بلغ هذه المرتبة؟

فقال في نفسه: ولماذا يكون نصيبي من بشرٍ أن أُقبّل بطّيخةً وضع يده عليها؟ أفلا أقتدي به فأصل إلى ما وصل إليه؟

وقفة: أجرٌ من حيث لا يشعر

وتأمّل: بشرٌ رحمه الله كان سببًا في هداية عشرين رجلًا — ثم استُشهدوا جميعًا؛ وهو لا يدري ولا يشعر.

فقد يجعل الله الإنسانَ سببًا في هداية أقوامٍ من حيث لا يدري ولا يحتسب.

الثاني: الرجل والسكّين

تعلّق رجلٌ بامرأةٍ فتعرّض لها، وبيده سكّينٌ يحول به دون أن يدنو منه أحد. وكان الرجل شديد البدن، والناس وقوفٌ لا يقدرون عليه، والمرأة تصيح.

إذ مرّ بشر بن الحارث، فدنا منه وحكّ كتفه بكتفه، فوقع الرجل إلى الأرض. ومضى بشر.

فدنا الناس من الرجل وهو يرشح عرقًا كثيرًا، ومضت المرأة لحالها.

فسألوه: ما حالك؟ قال: ما أدري؛ ولكن حكّني شيخٌ وقال: إن الله ناظرٌ إليك وإلى ما تعمل. فضعفت قدماي، وهبتُه هيبةً شديدة.

فقالوا: ذلك بشر بن الحارث. فقال: وا سوأتاه! كيف ينظر إليّ بعد اليوم؟

فحُمّ الرجل من يومه، ثم مات بعد سبعة أيام.

وقفة: متى تنفع الكلمة؟

فهل الكلمة بذاتها هي التي هزّته؟ أم أن في قلبه ما استجاب لها؟

لا بدّ أن يكون الشخص الذي يُقال له «إن الله ناظرٌ إليك» لا يزال عنده تعظيمٌ لله.

فليس كلّ من يُقال له «اتّقِ الله» يتأثّر؛ وإنما لا بدّ أن تكون لهذه الكلمة بقيّةٌ في نفسه وقدرٌ من القيمة والتأثير.

ثم اجتمع مع ذلك هيبة الرجل نفسه.

الثالث: التاجر الذي كان يبغض الزهّاد

قال أحدهم: كان عندنا ببغداد رجلٌ من التجار صديقٌ لي، وكان كثيرًا ما أسمعه يقع في الزهّاد.

فرأيتُه بعد ذلك يصحبهم وينفق عليهم جميع ما ملك!

فقلت له: ألستَ كنتَ تُبغضهم؟ قال: ليس الأمر على ما توهّمت.

قلت: وكيف؟

قال: صلّيتُ الجمعة يومًا وخرجت، فرأيتُ بشرًا الحافي يخرج من المسجد مسرعًا.

فقلتُ في نفسي: انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد؛ لا يستقرّ في المسجد ولا يقعد بعد الصلاة! فتركتُ حاجتي وقلت: لأنظرنّ أين يذهب.

فتبعتُه، فرأيتُه تقدّم إلى الخبّاز فاشترى بدرهمٍ خبزًا مُرقّقًا. فقلت: هذا زهده؟! يشتري خبزًا مُرقّقًا؟

ثم تقدّم إلى الشوّاء فأعطاه درهمًا وأخذ شواءً. فازددتُ غيظًا.

ثم تقدّم إلى الحلوانيّ فاشترى بدرهم.

فقلتُ في نفسي: والله لأقعدنّ عليه ولأُوبّخنّه!

ثم خرج إلى الصحراء — وأنا أقول: يريد الخُضرة والماء!

فما زال يمشي إلى العصر — وأنا أتبعه وقد بسطتُ ثوبي.

فدخل قريةً فيها مسجد، وفيه مريض. فجلس عند رأسه وجعل يُلقمه.

فقمتُ أنظر في القرية ساعةً ثم رجعت، فسألتُ عنه فقيل: ذهب.

فقلت: وأين أنا من بغداد؟ قيل: بينك وبينها أربعون فرسخًا.

فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! أيّ شيءٍ عملتُ بنفسي؟ وليس معي ما أشتري به، ولا أقدر على المشي.

فقيل لي: اجلس حتى يرجع. فجلستُ إلى الجمعة القابلة.

فجاء بشرٌ في ذلك الوقت ومعه شيءٌ ليأكل منه هذا المريض. فلمّا فرغ قيل له: هذا الرجل صاحبك من بغداد، وقد بقي عندنا منذ الجمعة.

فنظر إليّ كالمُغضَب وقال: لِمَ صاحبتني؟ فقلت: أخطأت.

قال: قم فامشِ. فمشيتُ معه من العصر إلى قرب المغرب.

فلمّا قربنا قال لي: أين محلّتك من بغداد؟ قلت: في موضع كذا. قال: اذهب ولا تعُد.

قال: فتبتُ إلى الله عز وجل وصاحبتُهم؛ وأنا على ذلك.

وقفة: الحكم قبل المعرفة

فتأمّل: كلّ ذلك الغيظ والاتّهام — وهو لا يدري أن الرجل يشتري الطعام لمريضٍ في قريةٍ على أربعين فرسخًا لا أحد يرعاه!

فالإنسان كثيرًا ما يتّخذ مواقف ورؤًى تجاه أشخاصٍ أو أحداث، ثم إذا اقترب وأدرك وجد الأمر على خلاف ما ظنّ تمامًا.


شقيق البلخي

ما قدّم بين يديه

قال حفيده عليّ بن محمد بن شقيق: كان لجدّي ثلاثمائة قرية، ولم يكن له يوم مات كَفَنٌ يُكفَّن فيه؛ قدّمه كلّه بين يديه.

وقفة: أن تُقدّم بين يديك

وهذا شيءٌ عظيمٌ فاضل: أن يُقدّم الإنسان بين يديه ما يُنجيه عند الله.

لكن — في المقابل — أن يترك الإنسان لبنيه شيئًا فيه أيضًا خيرٌ وإحسان؛ ولولا ذلك ما كان للميراث معنًى، وقد قسمه الله وبيّنه في كتابه.

سبب زهده

وكان قد خرج إلى بلاد الترك لتجارته، إلى قومٍ يعبدون الأصنام.

فدخل إلى بيت أصنامهم، وعالمهم رجلٌ كهلٌ قد حلق رأسه ولحيته ولبس ثيابًا حُمرًا.

فقال له شقيق: إن هذا الذي أنت فيه باطل. ولهؤلاء ولك ولهذا الخلق خالقٌ صانعٌ ليس كمثله شيء؛ له الدنيا والآخرة، قادرٌ على كلّ شيء، رازقٌ كلّ شيء.

فقال له الرجل: ليس يوافق قولُك فعلَك!

قال: وكيف ذلك؟

قال: زعمتَ أن لك خالقًا قادرًا على كلّ شيء رازقًا؛ وقد تعنّيتَ إلى هاهنا لطلب الرزق! ولو كان كما تقول، لكان الذي يرزقك هاهنا يرزقك هناك؛ فتُريح نفسك من العناء.

قال: فكان سبب زهدي كلامَ هذا التركيّ.

وقفة: التناقض بين ما نعتقد وما نعمل

وليس المقصود ذمّ السعي في طلب المعاش؛ فهو مباح.

وإنما المقصود الصدمة: أن يُقال له: أنت تعتقد شيئًا ولا تعمل على أساسه.

ونحن للأسف عندنا كثيرٌ من هذا:

نعتقد عظمة القرآن، وأنه سبب الهداية، وأن كلّ ما نحتاجه فيه — ثم لا نقرؤه ولا نُعطيه من الاهتمام ما يستحقّ.

ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إنسانٍ وأفهم الناس بالحياة، وأنه نموذج الحياة الراقية السعيدة — ثم لا نضع القدوة في المكان الذي تستحقّه.

ونعتقد أن الدين سبب سعادة الإنسان؛ وأن الله يقول: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰطه: ١٢٣ — ثم إذا بحثنا عن السعادة طرقنا ثمانية آلاف باب، ويكون آخر ما نفكّر فيه أن نقترب من الله!

فعندنا كثيرٌ من صور التناقض.

وقفة: لماذا لم يستطع الردّ؟

ولاحظ أن ذلك الرجل لم يردّ عليه بشيءٍ يُدلّل به على صحّة دينه؛ فهو لا يقدر أن يُدافع عن ملّته.

وإنما قال له: إن كان هذا صحيحًا فأنت لستَ متديّنًا بالشكل الصحيح.

وهذا أسلوبٌ معروف: أن من أراد أن يُشكّكك في دينك اعتمد على الطعن فيك أو في من حولك — لا على تقرير صحّة ما هو عليه؛ لأن ما هو عليه ليس بقويّ.

فهو يريد أن يُحدث عندك الهزّة والتردّد؛ فإذا اهتززت سهل عليه ما بعد ذلك.


القَعْنَبي

قال ولد القَعْنَبي: كان أبي يشرب النبيذ ويصحب الأحداث.

فدعاهم يومًا، وقعد على الباب ينتظرهم.

فمرّ شعبة على حماره والناس خلفه يُهرعون. فقال: من هذا؟ قالوا: شعبة.

قال: وأيّ شيءٍ شعبة؟ قالوا: مُحدّث.

فقام إليه — وعليه إزارٌ أحمر — وقال: حدّثني!

فقال: ما أنت من أصحاب الحديث فأُحدّثك.

فأشهر سكّينه وقال: تُحدّثني أو أجرحك!

فقال: حدّثنا منصورٌ عن رِبعيّ عن أبي مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ممّا أدرك الناسُ من كلام النبوّة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» (رواه البخاري).

فرمى سكّينه ورجع إلى منزله، فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فأهراقه.

وقال لأمّه: الساعة يجيء أصحابي، فأدخليهم وقدّمي الطعام إليهم؛ فإذا أكلوا فأخبريهم بما صنعتُ بالشراب حتى ينصرفوا.

ومضى من وقته إلى المدينة، فلازم مالك بن أنس فتعلّم منه. ثم رجع إلى البصرة ليأخذ عن شعبة — فوجدهم قد خرجوا بجنازته.

وقفة: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»

فتأمّل: كلمةٌ واحدةٌ وقعت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم توجيهًا مباشرًا لوضعه بعينه.

فمعناها: أن الإنسان إذا سُلب نعمة الحياء فلا خير فيه ولا رجعة له.

وتأمّل الرحلة: من البصرة إلى المدينة ليتعلّم من أعلم أهل الأرض في زمانه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم — لأن الله جعل الحديث هو سبب هدايته.

ثم رجع بعد سنين ليشكر شعبة الذي كان سبب هدايته — فلم يُدركه حيًّا.


الجُنديّ وصاحب القصر

قال أبو إسحاق الهروي: كنتُ مع ابن الخُويطية بالبصرة، فأخذ بيدي وقال: نقوم حتى نخرج إلى المقبرة.

فلمّا قربنا منها ونحن نمشي على الشاطئ، مررنا بقصرٍ لجنديّ، وفيه جاريةٌ تضرب بالعود. وفي جانب القصر — في ظلّ القمر — فقيرٌ بخِرقتين.

فسمع الفقير الجارية وهي تقول:

كلَّ يومٍ تتلوّنْ
غيرُ هذا بك أجملْ

فصاح الفقير: أعيديه؛ فهذا حالي مع الله تعالى!

فأعادته — وهو يقول: هذا حالي مع الله — حتى غُشي عليه. ثم حملوه فأدخلوه، فإذا هو قد مات.

فلمّا سمع صاحب القصر بموته نزل وأدخله إلى القصر.

فاغتممنا وقلنا: هذا يُكفّنه من غير وجهه!

فصعد الجنديّ وكسر كلّ ما كان بين يديه. فقلنا: ما بعد هذا إلا خير. ومضينا إلى المقبرة فبتنا وأعلمنا الناس.

فلمّا أصبحنا رجعنا إلى القصر، وإذا الناس مُقبلون من كلّ وجهٍ إلى الجنازة كأنما نُودي في البصرة؛ حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم.

وإذا الجنديّ يمشي خلف الجنازة حافيًا حاسرًا حتى دُفن.

فلمّا همّ الناس بالانصراف قال الجنديّ للقاضي: اشهدوا أن كلّ جاريةٍ لي حرّةٌ لوجه الله تعالى، وكلّ ضياعي وعقاري حبيسٌ في سبيل الله، ولي في صندوقٍ أربعة آلاف دينارٍ وهي في سبيل الله.

ثم نزع الثوب الذي كان عليه فرمى به، وبقي في سراويله.

فقال القاضي: عندي مئزران من وجهٍ ما تقبّل هما. فأخذهما، فاتّزر بواحدٍ واتّشح بالآخر.

وقفة: بيتٌ من غناء

فتأمّل: الجارية تُغنّي بيتًا في العتاب — معناه أن المحبّ لا يستقرّ على حالٍ واحدة، وأن دوام الودّ أجمل.

فهم يتكلّمون في شيءٍ من أمور الدنيا. وأما ذلك الفقير فترجم البيت في عالمٍ آخر تمامًا: هذا حالي مع الله!

أي: أنا لا أستقيم مع ربي على حال؛ أُطيع مدّةً ثم أُقصّر، وأُقبل عليه ثم أُدبر.

فسيطر عليه المعنى حتى مات.

ثم كان في ذلك من الهزّة لصاحب القصر ما غيّر حياته كلّها.

وقفة: الجنازة

ولاحظ: رجلٌ مغمورٌ لا يعرفه أحد؛ ثم يخرج في جنازته أهل البصرة والقضاة والعدول — كأنما نُودي فيهم.

فقد يجعل الله للإنسان إذا كان فيه خير أن يُسخّر له من يُشيّعه ويُصلّي عليه ممّن لا يعرفهم أصلًا.


عبد الله المروزي والجمرة

كان عبد الله المروزي مع المهديّ في دنيا واسعة.

فشرب ذات يومٍ على لهوٍ وسماع، فلم يُصلِّ الظهر ولا العصر ولا المغرب — وفي كلّ ذلك تُنبّهه جاريةٌ حظيّةٌ عنده.

فلمّا جاز وقت العشاء، جاءت الجارية بجمرةٍ فوضعتها على قدمه.

فانزعج وقال: ما هذا؟!

قالت: جمرةٌ من نار الدنيا؛ فكيف تصنع بنار الآخرة؟

فبكى بكاءً شديدًا، ثم قام إلى الصلاة.

ووقع في نفسه من مقالة الجارية، فلم يرَ شيئًا يُنجيه إلا مفارقة ما هو فيه.

فأعتق الجواري، وتحلّل من المعاملات، وتصدّق بما بقي؛ حتى صار يبيع البقل. وتبعته على ذلك تلك الجارية.

«فما عوّضك؟»

فدخل عليه سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض، فوجدا تحت رأسه لِبنةً وليس عنده شيء.

فقال له سفيان: إنه لم يدع أحدٌ لله شيئًا إلا عوّضه الله منه بدلًا؛ فما عوّضك مما تركتَ له؟

قال: الرِّضا.

وقفة: قانون التعويض

وأصله قوله صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا أبدلك الله به ما هو خيرٌ لك منه» (رواه أحمد).

وهذا قانونٌ يقينيّ؛ فإن الله أكرم الأكرمين — لا يمكن أن يُقدّم الإنسان شيئًا أو يُضحّي إلا كافأه بما هو أفضل ممّا قدّم بكثير.

لكن: التعويض ليس ماديًّا بالضرورة

وهنا نقطةٌ نغفل عنها كثيرًا.

فنحن نفهم الحديث بالصورة المادّية فحسب: تركتُ عملًا فيه شبهة فيُعوّضني الله عملًا خيرًا منه؛ تركتُ ارتباطًا لا يصلح فيرزقني الله أفضل منه.

وهذا يحصل — لكنه ليس في كلّ الصور، وليس لازمًا أن يكون العوض من جنس المتروك.

فقد يكون العوض معنويًّا: لذّةً يجدها الإنسان في قلبه، أو فتحًا يُقرّبه من الله، أو تكفيرًا لسيّئاته، أو إحساسًا بالأنس بالله، أو لزومًا للطاعة.

وهذه تعويضاتٌ قد تكون أفضل بكثيرٍ من الحاجة المادّية التي فكّر فيها.

ولذلك لمّا سُئل: ما عوّضك؟ قال: الرِّضا — وهي حالةٌ نفسية، لكنها أعظم من كلّ ما ترك.

وقفة: خطر النَّدَم

ومن أخطر ما يقع للإنسان: أن يعمل خيرًا ثم يندم عليه.

فقد تأخذه لحظةٌ فيُخرج ما في جيبه، ثم يجلس بعد ذلك يحسبها ويقول: كان يكفي أقلّ من هذا!

وهذا النَّدَم قد يُفسد ثمرة الشيء وبركته.

وقفة: مراعاة الحال

ونظير ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل من كعب بن مالك رضي الله عنه أن ينخلع من ماله كلّه، بل قال: «أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خيرٌ لك».

وقبل من أبي بكر رضي الله عنه أن يخرج من ماله كلّه.

ففي غزوة تبوك جاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله. فقال له صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيتَ لأهلك؟» قال: أبقيتُ لهم مثله.

وجاء أبو بكر بماله كلّه. فقال: «ما أبقيتَ لأهلك؟» قال: أبقيتُ لهم الله ورسوله.

فقال عمر: لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا (رواه أبو داود والترمذي).

فلماذا قَبِل من هذا ولم يقبل من ذاك؟

لأن مقدار ما عند أبي بكر رضي الله عنه من اليقين — وما غرسه في قلوب أهله وذرّيته من اليقين — يحتمل ذلك ولا يقع به ضيق.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يُراعي الشخص، ويُراعي أيضًا أسرته وذرّيته: هل يحتملون؟

وشاهده: أسماء وأبو قحافة

ولمّا خرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجرًا ولم يترك في البيت شيئًا، جاء أبو قحافة — وكان كفيفًا — فقال: أراه قد فجعكم بماله ونفسه!

فقالت أسماء رضي الله عنها: كلّا يا أبتِ؛ إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. ثم أخذت أحجارًا فوضعتها في الكُوّة التي كان يضع فيها المال وغطّتها بثوب، ثم أخذت بيده فوضعها عليها.

فقال: إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن.

فتأمّل: هذه معاني اليقين مغروسةٌ حتى في البنت الصغيرة.


خاتمة: وصية حذيفة

قال أبو مسعود الأنصاري البدري لحذيفة رضي الله عنه عند موته: أوصني.

فقال: ألم يأتك اليقين من ربك؟ قال: بلى.

قال: فاعلم أن الضلالة حقّ الضلالة أن تعرف ما كنتَ تُنكر، وأن تُنكر ما كنتَ تعرف. وإياك والتلوّن في دين الله؛ فإن دين الله واحد.

شرح الوصية

فأسوأ الضلال أن تتبدّل مفاهيم الإنسان وأفكاره؛ فيصير المعروف عنده منكرًا والمنكر معروفًا.

ومن وقع في ذلك صعب عليه أن يرجع؛ لأن الميزان نفسه انقلب.

فمن نعمة الله على الإنسان أن يُثبّته على الدين والهداية والحقّ — وخاصةً في زمانٍ تتبدّل فيه الأمور وتتزلزل فيه المواقف.

وإذا رأينا من تبدّل؟

فإذا رأينا مواقف فيها تحوّلٌ أو تبدّل، فبدل أن ننشغل بالطعن في فلانٍ وعلّان — الأولى أن نحمد الله على العافية.

فقد قيل: «من عيّر أخاه بذنبٍ لم يمت حتى يعمله».

فنحمد ربنا على العافية، ونسأله الثبات واليقين، ونرحم أهل البلاء.

فالقلوب كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن؛ إن شاء أن يُقيمها أقامها، وإن شاء أن يُزيغها أزاغها.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُآل عمران: ٨.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.