جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

توبة مالك بن دينار

ما مضى

فقد كان الفضيل في أول أمره يقطع الطريق ويأتي ما يأتي من الفواحش؛ ثم منّ الله عليه بسماع القرآن، فكان ذلك سبب تغيّر مسار حياته.

وقلنا إن ثمّة أشخاصًا يصعب أن نتخيّل أن تقع في حياتهم نقلةٌ كبيرة؛ وأشخاصًا نعتقد أنهم أبعد ما يكونون عن الهداية.

لكنّ الأمر بيد الله وحده، وهو المطّلع على بواطن العباد وما فيهم من استعدادٍ للخير.

وقفة: العزم الذي يتحوّل

ولو قلنا إن الفضيل — بعد توبته — صار من أئمة أهل زمانه في العلم والعبادة والزهد، لم نكن مبالغين.

فما الذي جعل هذا التحوّل ممكنًا؟

أن شخصيّته كانت فيها جَلَدٌ وقوّةٌ وعزيمة؛ لكنّ وجهتها كانت في سبيل الشيطان. فلمّا تحوّلت الوجهة، مضى بالعزم نفسه في سبيل الله.

وقد قلنا إنه كان يقطع الطريق وحده — أي على قافلةٍ كاملة! فهذا يدلّ على قدرٍ عظيمٍ من العزم.

وفي المقابل: من يخبو بعد الهداية

لكننا نرى أحيانًا صورةً غريبة: رجلٌ عنده عزمٌ ومضاء، فإذا منّ الله عليه بالهداية خبا وافتقد جزءًا كبيرًا من ذلك الجَلَد.

وهذا ليس طبيعيًّا. فالدين لا ينبغي أن يُطفئ الطاقة؛ بل يُوجّهها.

فالمشكلة أن الشخص لا يعرف كيف يستوعب طاقته في دائرة الدين. فيقول: أُصلّي، وأقرأ القرآن، وأطلب العلم — ثم ماذا؟

فيشعر أن المساحة ضيّقة؛ فتذبل طاقته. وهذا خللٌ في الفهم لا في الدين.


قصة توبة مالك بن دينار

سُئل مالك بن دينار عن سبب توبته فقال:

كنتُ شُرطيًّا، وكنتُ منهمكًا على شرب الخمر.

ثم إني اشتريتُ جاريةً نفيسة فوقعت مني أحسن موقع، فوَلدت لي بنتًا فشُغفتُ بها. فلمّا دبّت على الأرض ازدادت في قلبي حبًّا؛ فألِفتني وألِفتها.

فكنتُ إذا وضعتُ المُسكر بين يديّ جاءت إليّ وجاذبتني عليه وهرقته على ثوبي.

فلمّا تمّ لها سنتان ماتت؛ فأكمدني حزنها.

فلمّا كانت ليلة النصف من شعبان — وكانت ليلة جمعة — بتُّ سكرانَ من الخمر ولم أُصلِّ فيها عشاء الآخرة.

فرأيتُ فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ونُفخ في الصور، وبُعثرت القبور، وحُشر الخلائق وأنا معهم.

فسمعتُ حِسًّا من ورائي، فالتفتُّ فإذا أنا بتنّينٍ أعظمَ ما يكون، أسودَ أزرق، قد فتح فاه مسرعًا نحوي. فمضيتُ بين يديه هاربًا فزعًا مرعوبًا.

فمررتُ في طريقي بشيخٍ نقيّ الثوب طيّب الرائحة، فسلّمتُ عليه فردّ السلام. فقلت: أيها الشيخ، أجِرني من هذا التنّين أجارك الله.

فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف، وهذا أقوى مني وما أقدر عليه؛ ولكن مُرّ وأسرع، لعلّ الله يُتيح لك من يُنجيك منه.

فولّيتُ هاربًا على وجهي، فصعدتُ على شَرَفٍ من شُرَف القيامة، فأشرفتُ على طبقات النيران؛ فكدتُ أهوي فيها من فزع التنّين.

فصاح صائح: ارجع؛ فلستَ من أهلها. فاطمأننتُ إلى قوله ورجعت.

فأتيتُ الشيخ فقلت: يا شيخ، سألتُك أن تُجيرني من هذا التنّين فلم تفعل!

فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف؛ ولكن سِر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائع المسلمين؛ فإن كان لك فيه وديعةٌ نصرتك.

فنظرتُ إلى جبلٍ مستديرٍ من فضّة، فيه كُوًى مخرَّمة، والستور معلّقة على كلّ خوخة، وعلى كلّ كُوّةٍ مصراعان من الذهب الأحمر مفصَّصان باليواقيت مكوكبان بالدرّ.

فلمّا نظرتُ إلى الجبل وليّتُ إليه هاربًا والتنّين من ورائي.

حتى إذا قربتُ منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور، وافتحوا المصاريع، وأشرِفوا؛ فلعلّ هذا البائس له فيكم وديعةٌ تُجيره من عدوّه.

فرُفعت الستور وفُتحت المصاريع، وأشرف عليّ من تلك المخرَّمات أطفالٌ بوجوهٍ كالأقمار.

وقرُب التنّين مني فتحيّرتُ في أمري. فصاح بعض الأطفال: ويحكم، أشرِفوا كلّكم؛ فقد قرُب منه عدوّه!

فأشرفوا فوجًا بعد فوج. وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت عليّ معهم.

فلمّا رأتني بكت وقالت: أبي والله!

ثم وثبت في كِفّةٍ من نورٍ كرمية السهم، حتى مثلت بين يديّ. فمدّت يدها اليسرى إلى يدي اليمنى فتعلّقتُ بها، ومدّت يدها اليمنى إلى التنّين فولّى هاربًا.

ثم أجلستني وقعدت في حجري، وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبتِ، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِالحديد: ١٦؟

فبكيتُ وقلت: يا بنيّة، وأنتم تعرفون القرآن؟

قالت: يا أبتِ، نحن أعرف به منكم.

قلت: فأخبريني عن التنّين الذي أراد أن يُهلكني.

قالت: ذلك عملك السوء، قوّيتَه فأراد أن يُغرقك في نار جهنم.

قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مررتُ به في طريقي.

قالت: يا أبتِ، ذلك عملك الصالح، أضعفتَه حتى لم تكن له طاقةٌ بعملك السوء.

قلت: يا بنيّة، فما تصنعون في هذا الجبل؟

قالت: نحن أطفال المسلمين، أسكننا الله فيه إلى أن تقوم الساعة؛ ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم.

قال مالك: فانتبهتُ فزعًا. وأصبحتُ فأرقتُ المُسكر وكسرتُ الآنية وتبتُ إلى الله عز وجل. فكان هذا سبب توبتي.


وقفات على القصة

أولًا: مرحلتان

فالله رزقه هذه البنت الصغيرة، فجعلها له راحةً بوجودها وسببًا للهداية بفقدها.

فقد كانت — وهي في هذه السنّ التي لا إدراك فيها — تحول بينه وبين المسكر، بمجرّد أنها تحسّ أنه يفعل شيئًا لا يليق.

فكانت تُؤدّي دورها وهي حيّة. فلمّا توفّاها الله جاءت في الرؤيا لتُكمل الرسالة بشكلٍ واضح — فتقول ما لم تكن تستطيع أن تقوله في الدنيا.

ثانيًا: رسالةٌ خالصة من الله

وهذه هدايةٌ محضة من الله؛ لا تدخّل لأحدٍ فيها. فلم يُكلّمه أحدٌ ولم ينصحه أحد.

وكلّ إنسانٍ منّا يُرسل الله إليه رسائل كثيرة؛ لكنه إمّا أن يستقبلها، وإمّا أن يُعرض عنها، وإمّا أن يستقبلها ثم يتركها.

ثالثًا: لماذا ينتفع بعضهم دون بعض؟

فالفارق: القرار.

فالذي لا ينتفع يتأثّر أثرًا عاطفيًّا؛ يمشي يومين أو ثلاثة — خاصةً بعد فقد قريبٍ أو حادثةٍ — ثم يعود.

وأما الذي يتغيّر فهو الذي فكّر في مصيره وحاله، فقرّر أن يُغيّر اتجاه البوصلة.

فقد يمشي ببطء؛ لكنّ وجهته صارت واضحة — مستقبلًا للقبلة بعد أن كان مستدبرًا لها.

رابعًا: تمثّل الأعمال

ولاحظ أن العمل السيّئ تمثّل في صورة حيّةٍ عظيمة تُطارده؛ وأن العمل الصالح خرج في صورة شيخٍ ضعيفٍ هزيل.

فهو يقول له في المعنى: أنت الذي أضعفتَه، وأنت الذي قوّيتَ ذاك.

فأنا الذي أدعم الشيطان؛ إذ أُضعف وسائل المقاومة التي أعانني الله بها، وأُقوّي جانب الشرّ.

فكأني أحقن الفيروس وأُضعف المناعة في وقتٍ واحد!


وقفة: كان يُصلّي

ولاحظ قوله: «بتُّ سكرانَ من الخمر ولم أُصلِّ فيها عشاء الآخرة».

فمعناه أنه كان يُصلّي؛ وإنما تخلّف تلك الليلة.

وهذا يفتح بابًا مهمًّا

فقد تكلّمنا قبل ذلك عن أن المجتمع في ظلّ الإسلام يُشبَع بمعانٍ إيمانية مستقرّة: تعظيمٌ لله، وتعظيمٌ لرسوله، وحبٌّ للدين وولاءٌ له.

ثم يوجد فيه — مع ذلك — من يقع في الشهوات. لكنّ ذلك لا يُخرجه عن دائرة الانتساب والمحبّة؛ فهو مقصّرٌ لكنه لا يترك الصلاة.

وأما في مجتمعاتنا فالصورة مختلفة: فمن يقع في هذه الأمور غالبًا لا يكون له أيّ صورةٍ من صور الانتساب للدين أصلًا.

شاهد: ماعز بن مالك

وفي مجتمع النبوّة كان ماعز بن مالك رضي الله عنه؛ وهو من أهل الإيمان في زمن النبوّة، وفي المدينة.

فوقع فيما وقع فيه. لكنه لم يترك الأمر؛ بل ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب الحدّ.

فأعرض عنه، فجاء من ناحيةٍ أخرى؛ فاعترف على نفسه أربع مرّات.

فقال صلى الله عليه وسلم: «أبك جنون؟» ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يُخرجه منه إلا أن يُقام فيه الحدّ (رواه مسلم).

وقفة: ماذا كان يطلب؟

فهو يرى أن هذه المعصية قد دنّسته، وأنه يريد أن يُطهّره الله.

وكان يمكنه أن يتوب؛ فالتوبة كافية. لكنه أراد شيئًا مضمونًا — والحدّ كفّارةٌ يقينًا.

ثم جاءت الغامدية رضي الله عنها فصنعت مثله.

فما الذي يجعل هذا ممكنًا؟

أن ثمّة تعظيمًا لله وحياءً منه ووَجَلًا وضغطَ ندمٍ كبيرًا.

ولماذا يُوجد هذا هناك ولا يُوجد هنا؟

لأن عندنا نضوبًا وجفافًا إيمانيًّا في المجتمع.

فمجتمعاتنا — تأثّرًا بالغرب وبالعولمة — في حالةٍ من المادّية الطاغية وضعفٍ كبير في جانب الإيمان والروح.

الفرق بين المجتمعين

ففي مجتمع الإيمان: الخير غالب، والمشاكل موجودة لكنها تُعالَج، والمجتمع يُساعد على العلاج.

فمن أراد أن يكون حسنًا كانت المنظومة تُيسّر له؛ ومن أراد أن ينحرف وجد تضييقات تحمله على أن يلمّ نفسه.

وأما عندنا فالعكس: من أراد أن يكون حسنًا فالأمر في غاية الصعوبة؛ ومن أراد أن يضيع فالسبل متاحةٌ جدًّا بلا أيّ عوائق.

لكن: الصلاة هي الخيط

فالصلاة صلةٌ بين الإنسان وربه؛ ولا ينبغي أن يقطعها الإنسان مهما كان.

فقطعُها قرارٌ يتّخذه المرء بجرأةٍ شديدة — أن يقطع ما بينه وبين السماء!

فكيف يعيش بعدها؟ فإذا جاءته لحظاتٌ صعبةٌ أو ضيق، فأين يذهب؟


أحاديث في فقد الولد

الأول: «صغارهم دعاميص الجنة»

في صحيح مسلم أن رجلًا قال لأبي هريرة رضي الله عنه: إنه قد مات لي ابنان؛ فما أنت مُحدّثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثٍ تطيب به أنفسنا عن موتانا؟

قال: نعم. «صغارهم دعاميص الجنة؛ يتلقّى أحدهم أباه فيأخذ بثوبه — أو بيده — كما آخذ أنا بصَنِفة ثوبك هذا، فلا يتناهى حتى يُدخله الله وأباه الجنة».

وقفة: أين يذهب المكروب؟

فتأمّل: الرجل تعرّض لمصيبةٍ عظيمة، فذهب إلى صحابيٍّ يطلب منه كلامًا عن النبي صلى الله عليه وسلم تطيب به نفسه.

فهو يعلم يقينًا أن النبي صلى الله عليه وسلم عنده الدواء؛ وأن هذا الدواء لا يوجد عند غيره.

فهو يعرف أين يذهب.

وقفة: ونحن أين نذهب؟

ونحن نجرّب كلّ شيء إلا هذا؛ على قطاعٍ عريضٍ من المجتمع، كبارًا وصغارًا.

فالحلول موجودة عندنا في الدين — لكننا لسنا مشغولين بها. ولذلك لا نصل إلى شيء.

الثاني: «قد احتظرتِ بحظارٍ شديدٍ من النار»

وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه: جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابنٍ لها فقالت: يا رسول الله، إنه يشتكي وإني أخاف عليه؛ وقد دفنتُ ثلاثة.

فقال: «لقد احتظرتِ بحظارٍ شديدٍ من النار».

وقفة: لم يُكلّمها عن الولد

فتأمّل: هي جاءت خائفةً على الرابع؛ فلم يُكلّمها عن الولد أصلًا، بل وجّهها وجهةً أخرى تمامًا.

أي: أنتِ محميّةٌ من النار بحمايةٍ شديدة بسبب أولادك الذين ماتوا وصبرك.

فمعناه: أن هذا حبٌّ من الله لا مصيبة. وبالتالي فسواءٌ عاش الولد أو لم يعش، فليست أزمة.

وقفة عظيمة: الحدث والترجمة

فالحدث هو هو لم يتغيّر؛ وإنما ترجمتي له هي التي تغيّرت.

فأنا أرى أن هذه مصيبةٌ كبيرة؛ وهي في باطنها نعمةٌ عظيمة.

ولذلك فالإنسان في النهاية ليس عبارةً عن أحداثٍ ومواقف؛ وإنما عن أحاسيس وترجمات.

فسعادة الإنسان تنشأ من داخل نفسه، وشقاؤه ينشأ من داخل نفسه — بقطع النظر عن العوامل المحيطة.

شاهد: ابن المأمون والحمّال

وقد ذكرنا في المرة الماضية قصة عليّ بن المأمون مع الحمّال — ذلك الرجل صاحب الكِسَر اليابسة، الذي يُنفق على أمٍّ مريضةٍ وأختٍ مُقعدة.

فرأى الأميرُ أن هذا الرجل أسعد حالًا منه! فاختار أن ينتقل من عيشة القصر إلى عيشة الكِسَر.

وهذا لا يكون إلا إذا كان مقتنعًا حقًّا أن ذاك أسعد.

وقفة: ماذا يُؤثّر فعلًا؟

فالذي أثّر فيه أنه رأى رجلًا يعيش حياةً حقيقية مع ربه — يقول «الحمد لله» بصدق.

وأما صورة الحياة الشكلية التي نعيشها نحن، فلا تُؤثّر في أحد.

فالشيء إذا لم يُؤثّر فيّ أنا شخصيًّا، لا يمكن أن يُؤثّر في الآخرين. فلا بدّ أن ينضح من الداخل.

الثالث: «واثنين واثنين»

وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء: «ما منكنّ امرأةٌ تُقدّم بين يديها من ولدها ثلاثةً إلا كانوا لها حجابًا من النار».

فقالت امرأة: واثنين؟

فقال: «واثنين» (متفق عليه).

فتأمّل تلقّفها للأمر؛ فقد كان الحديث في ثلاثة، فحرصت أن تسأل عن الاثنين.


القصة الثانية: مالك والجارية

قال مالك بن دينار: إنه كان يومًا ماشيًا في أزقّة البصرة، فإذا هو بجاريةٍ من جواري الملوك راكبةً ومعها الخدم.

فلمّا رآها مالك نادى: أيتها الجارية، أيبيعك مولاكِ؟

قالت: كيف قلت يا شيخ؟ قال: أيبيعك مولاكِ؟

قالت: لو باعني كان مثلك يشتريني؟ أنت لا تُطيق ثمني!

قال: نعم، وخيرًا منكِ.

فضحكت وأمرت أن يُحمل إلى دارها. فدخلت إلى مولاها فأخبرته، فضحك وأمر أن يُدخَل إليه.

فدخل، فوقعت له الهيبة في قلبه لمّا رآه — رجلًا وقورًا محترمًا.

فقال: ما حاجتك؟ قال: بِعني جاريتك.

قال: أوَتُطيق أداء ثمنها؟

قال: ثمنها عندي نواتان مسوّستان.

فضحك وقال: وكيف كان ثمنها عندك هذا؟

قال: لأني عرفتُ عيوبها.

قال: وما عيوبها؟

قال: إنها إن لم تتعطّر زَفِرَت، وإن لم تستكِ بَخِر فوها، وإن لم تمتشط تلبّد شعرها؛ وإن تُعمَّر عن قليلٍ هرمت. ولعلّها لا تودّك إلا لنفسها، ولا تُحبّك إلا لما تُحبّ لنفسها؛ لا تفي بعهدك ولا تصدق في ودّك، ولا يخلف عليها أحدٌ من بعدك إلا رأته مثلك.

قال: صدقت. فما جاريتك التي هي خيرٌ منها؟

قال: جاريةٌ خُلقت من نور؛ لو بُزق بريقها أُجاجُ البحر لعذُب، ولو دُعي بكلامها ميّتٌ لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونها، ولو بدت في الليل لسطع نورها، ولو واجهت الآفاق بحُليّها وحُلَلها لتزخرفت. نشأت بين رياض المسك والزعفران، وقُصرت في أكنان النعيم؛ فلا تُخلف عهدها ولا يتبدّل ودّها.

قال: فما ثمنها رحمك الله؟

قال: اليسير المبذول:

أن تُفرغ ساعةً من ليلك فتُصلّي ركعتين تُخلصهما لربك؛

وأن يُوضع طعامك فتذكر جائعك فتُؤثر الله على شهوتك؛

وأن ترفع عن الطريق حجرًا أو قذرًا؛

وأن تقطع أيامك بالبُلغة، وترفع همّتك عن دار الغفلة — فتعيش في الدنيا بعزّ القنوع، وتأتي غدًا إلى موقف الكرامة آمنًا، وتنزل في الجنة مخلَّدًا.

فقال الرجل لجاريته: أسمعتِ ما قاله الشيخ؟ قالت: نعم. قال: أصدقٌ أم كذب؟ قالت: بل صدقٌ وبرٌّ ونُصح.

قال: فأنتِ حرّةٌ لوجه الله؛ وضيعة كذا وكذا صدقةٌ عليكِ. وأنتم أيها الخدم أحرار؛ وضيعة كذا وكذا لكم.

ثم مدّ يده إلى سترٍ خشنٍ كان على بعض أبوابه فاجتذبه، وخلع جميع ما كان عليه واستتر به.

فرمت الجارية بكسوتها ولبست ثوبًا خشنًا وخرجت معه.


وقفات على القصة الثانية

أولًا: بيان صورة المتاع الدنيوي

فهو لم يُنكر أن هذه الأشياء موجودة؛ ولا الجارية أنكرت ما قال.

وإنما أراد أن يُبيّن أن صورة الدنيا ومتاعها متخيَّلة؛ وأن في المقابل صورةً عالية صافية لا شائبة فيها.

وأنك تقدر أن تصل إليها، وأن الله يسّر الطريق إليها.

ثانيًا: لم يجعلها ثقيلة

ولاحظ أنه لم يُثقل عليه؛ بل قال: «اليسير المبذول».

فهذه أشياء في الطاقة والإمكان، ليست صعبة. فما ننفقه في الدنيا كثير؛ ولو أنفقنا عُشره للآخرة لكفانا.

ثالثًا: لاحظ الترتيب

فقد بدأ بـركعتين — وهي أحبّ شيءٍ إلى النفس وأيسره.

ثم شيءٌ من الصدقة والإحسان — أن تأكل فتعطي جزءًا.

ثم إماطة الأذى عن الطريق — وهي غير مُجهدة.

ثم — في الآخر — الأصعب: أن ترفع همّتك عن الدنيا فتتعلّق بالآخرة.

فلم يبدأ بالأصعب؛ لأن الأولى تُعين على الثانية لا العكس.

فالتقرّب إلى الله والدعاء والعبادة هي التي تُعطي القوّة على الخطوة الأخيرة.

رابعًا: الاعتدال في المعاش

و«البُلغة» هي القدر الذي يُبلّغ الإنسان حاجته.

فليس المقصود ترك الدنيا؛ وإنما أن يأخذ منها بمقدارٍ معقول — لا إسرافٌ ولا إقتار.

وإنما المقصود: ترفع همّتك — أي نظرك وتعلّقك وطموحك.


القصة الثالثة: الشابّ وقصر الجنة

قال جعفر بن سليمان: مررتُ أنا ومالك بن دينار بالبصرة، فبينما نحن ندور فيها إذا نحن بقصرٍ يُبنى.

وإذا شابٌّ جالسٌ ما رأيتُ أحسنَ وجهًا منه، وهو يأمر بالبناء ويقول: افعلوا واصنعوا.

فقال لي مالك: ما ترى إلى هذا الشابّ وإلى حسن وجهه وحرصه على هذا البناء؟ ما أحوجني إلى أن أسأل ربي أن يُخلّصه؛ فلعلّه يجعله من شباب الجنة. يا جعفر، ادخل بنا إليه.

قال جعفر: فدخلنا فسلّمنا فردّ السلام، ولم يعرف مالكًا. فلمّا عرّفوه به قام إليه.

فقال مالك: كم نويتَ أن تُنفق على هذا القصر؟ قال: مئة ألف درهم.

قال: أفتُعطيني هذا المال فأضعه في حقّه، وأضمن لك على الله تعالى قصرًا خيرًا من هذا القصر؛ بولدانه وخدمه وقبابه وخيمه، من ياقوتةٍ حمراء مرصّعةٍ بالجواهر، ترابه الزعفران وملاطه المسك، أفيح من قصرك هذا، لا يخرب ولا تمسّه يد، ولم يبنِه بنّاء — وإنما قال له الجليل: كن فكان؟

قال الشابّ: أمهلني الليلة.

قال جعفر: فبات مالك وهو يُفكّر في الشابّ. فلمّا كان وقت السحر دعا وأكثر من الدعاء.

فلمّا أصبحنا غدونا، فإذا الشابّ جالس. فلمّا عاين مالكًا هشّ له وقام يستقبله.

ثم قال: ما تقول فيما قلتُ بالأمس؟ قال: أفعل.

فأحضر البِدَر، ودعا بدواةٍ وقرطاس. ثم كتب مالك:

«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان: أني ضمنتُ لك على الله قصرًا بدل قصرك بصفته كما وُصف — والزيادة على الله؛ واشتريتُ لك بهذا المال قصرًا في الجنة أفيحَ من ظلٍّ ظليل، بقرب العزيز الجليل».

ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشابّ، وحملنا المال.

فما أمسى مالكٌ وبقي عنده مقدار قوة ليلة؛ فرّقه كلّه على فقراء أهل البصرة.

فما أتى على الشابّ أربعون ليلةً حتى صلّى مالكٌ ذات يومٍ الغداة، فلمّا انفتل فإذا الكتاب بين يديه.

فأخذه فنشره، فإذا في ظهره مكتوبٌ بلا مداد: «هذه براءةٌ من الله العزيز الحكيم لمالك بن دينار: إنّا قد وفّينا الشابَّ القصرَ الذي ضمنتَ له، وزدناه سبعين ضِعفًا».

فبقي مالكٌ متعجّبًا. فأخذ الكتاب فقمنا فذهبنا إلى منزل الشابّ.

فإذا الباب مفتوح والبكاء في الدار. فقلنا: ما فعل الشابّ؟ قالوا: مات البارحة.

فأحضرنا الغاسل فقلنا: أنت غسّلته؟ قال: نعم.

قلنا: فحدّثنا كيف صنعت. قال: قال لي قبل الموت: إذا متُّ وكفّنتني فاجعل هذا الكتاب بين كفني وبدني. فجعلتُه ودفنتُه معه.

فأخرج له مالك الكتاب فقال الغاسل: هذا الكتاب بعينه! والذي قبضه، فقد جعلتُه بين كفنه وبدنه.

وقفة: أساليب متكرّرة

فلاحظ أنه فعل هنا ما فعله في القصة السابقة بالضبط: قارن بين الدنيا والآخرة.

ففي الأولى قارن الجارية بالحور؛ وهنا قارن القصر بقصر الجنة.

وهو يعرف وصف الآخرة معرفةً جيّدة من وصف النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيقدر أن يُقرّب الصورة تقريبًا مؤثّرًا حقيقيًّا.

وقفة: أول ما فكّر فيه

ولاحظ أول ما خطر بباله حين رأى الشابّ: «ما أحوجني إلى أن أسأل ربي أن يُخلّصه».

فأول شيء: الدعاء — أن يستمدّ من الله؛ لأن القلوب بيده.

ثم بات ليلته يُفكّر فيه، ودعا في السَّحَر وأكثر من الدعاء.

وقفة: الدعوة والدعاء

فلا بدّ من الاثنين معًا: دعوةٌ ودعاء.

فالتأثير بيد الله سبحانه؛ فمن اقتصر على الكلام بلا دعاءٍ فقد أغفل الأصل.

وقفة: لماذا رُدّ الكتاب؟

فلماذا أرجعه الله؟

الأول: ثقةً لمالك نفسه.

والثاني: آيةً للآخرين. فلولاه لظنّ أهله أن شيخًا خدعه فأخذ منه مئة ألفٍ بوعدٍ لا يتحقّق.

والثالث: ليطمئنّ الناس أن هذا الشابّ لم يخسر الصفقة. وهذا وحده يُخفّف كثيرًا من وقع صدمة الموت.

وقفة: «أمهلني الليلة»

وهذه مهمّةٌ جدًّا: أنه لم يُقرّر بشكلٍ متسرّع.

بل بات يُقلّب الأمر؛ فلمّا قلّبه واتّخذ القرار، كان قرارًا راسخًا نابعًا من تحوّلٍ داخلي حقيقي.


القصة الرابعة: مالك واللصّ

تسوّر لصٌّ دار مالك بن دينار، فلم يجد في الدار شيئًا يسرقه.

ورآه وهو قائمٌ يُصلّي. فأوجز في صلاته، ثم التفت إلى اللصّ وسلّم عليه وقال:

يا أخي، عفا الله عنك! دخلتَ منزلي فلم تجد فيه ما تأخذه؛ ولا أدعك تخرج بغير فائدة.

ثم قام فأتاه بإناءٍ فيه ماء وقال: توضّأ وصلِّ ركعتين؛ فإنك تخرج بخيرٍ ممّا جئتَ في طلبه.

فقال اللصّ: نعم وكرامة. فقام فتوضّأ وصلّى ركعتين.

ثم قال: يا مالك، أتأذن لي أن أزيد ركعتين أخريين؟ قال: زِد ما قدّر الله لك.

فلم يزل اللصّ يُصلّي حتى أصبح.

فقال له مالك: انصرف راشدًا. فقال: يا سيدي، أتأذن لي أن أُقيم عندك هذا اليوم؛ فإني قد نويتُ صيامه؟

فقال مالك: أقِم ما شئت.

فأقام عنده أيامًا صائمًا قائمًا.

فلمّا أراد الانصراف قال: يا مالك، قد نويتُ التوبة.

فقال مالك: ذلك بيد الله عز وجل.

فتاب اللصّ وحسُنت توبته وخرج من عنده.

فلقيه أحد اللصوص فقال: أظنّك وقعتَ بكنز!

فقال: يا أخي، وقعتُ بمالك بن دينار؛ جئتُ لأسرقه فسرقني! أنا جئتُ أسرقه، فهو الذي خطفني وخطفني إلى الله عز وجل. وها أنا ملازمٌ لبابه.

وقفة: «يا أخي»

فتأمّل أول كلمة: «يا أخي».

فهي كلمةٌ تكسر الحاجز النفسي بين الشيخ واللصّ. ثم: «عفا الله عنك» — دعاءٌ بالتوبة.

وقفة: كيف عالج الموقف؟

ولاحظ الترتيب:

أولًا: حُسن الاستقبال والتعامل — وهذا وحده هزّة.

ثانيًا: العرض الذي عرضه عليه — «تخرج بخيرٍ ممّا جئتَ في طلبه». وهي الفكرة نفسها: الجنة أفضل من المسروق.

ثالثًا: أنه لم يُكرهه على الصلاة؛ بل عرض عليه ركعتين فقط. فلمّا صلّى وناجى ربه تجاوب قلبه، فطلب المزيد بنفسه.

رابعًا: أن اللصّ طلب أن يُقيم عنده — أي أراد أن يبقى في البيئة الحاضنة؛ لأنه لو خرج فورًا إلى وسطه القديم لما استطاع أن يُكمل.

وقفة: «ذلك بيد الله»

ولمّا قال: نويتُ التوبة، لم يقل مالك: أحسنت، أنا الذي هديتُك!

بل قال: «ذلك بيد الله».

ولماذا؟ ليعرف أن الهداية من الله؛ فيعرف ممّن يطلبها وكيف يُحافظ عليها.

فلو اعتبرها من نفسه لضاعت منه.


خلاصة: صفات مالك بن دينار

أولًا: الحرص على أن يكون سببًا للهداية

فقد منّ الله عليه بالهداية، فصار حريصًا أن يُوصلها لغيره.

وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم زيّنّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتدين».

فـ«مهتدين» أن يمنّ الله بالهداية على الإنسان نفسه؛ و«هُداة» أن يُهدي بها غيره — وهي الأرقى.

ثانيًا: أنه يبحث ويتلمّس الفرص

فهو الذي يدور على الناس، لا ينتظر أن يأتوا إليه.

فهو يمشي في الشارع فيرى شابًّا أو جارية أو لصًّا، فيتلمّس فيه الخير ويُحاول أن يدنو إليه.

وقفة: صناعة الفرصة

وهذا معنًى مهمّ: أن الداعية يصنع الفرصة ولا ينتظرها.

فهو كاللاعب الذي يصنع لنفسه الفرصة؛ يذهب إلى الكرة، ويقف في المكان المناسب، ويتحرّك بلا كرة.

ولا كمن ينتظر أن تُصنع له مئتا فرصةٍ فيُضيّعها.

ثالثًا: أن يعرف من يُخاطب

فلكي تُؤثّر في شخص لا بدّ أن تكون فاهمًا له وفاهمًا لظروفه.

فالعموميّات لا تُجدي كثيرًا؛ لأن كلّ واحدٍ من الناس عنده حياته ومشاكله وبرنامجه وأسلوب تفكيره وطموحه.

فالخطاب الديني العامّ يُعطي رؤيةً عامّة للتوجّه؛ لكنّ الشخص لكي يتحرّك يحتاج أن يُترجَم له الدين على ظروفه الشخصية وبرنامجه.

ولذلك مالك بن دينار لم يقعد في المسجد يُلقي الدروس فحسب؛ بل نزل إلى الشارع بين عباد الله.


وقفة: «لأن يهدي الله بك رجلًا»

قال صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النَّعم» (متفق عليه).

و«حُمر النَّعم» هي الإبل الحمراء — وهي أنفس أموال العرب.

وسياقه مهمّ

فقد قيل ذلك يوم خيبر، وهو ذاهبٌ لفتح الحصن.

فهو يُقارن بين فتح الحصن وفتح القلوب؛ ليقول: إن فتح القلوب أعظم.

ولذلك كانت فتوحات الصحابة مختلفة

فقد كانت فتحًا للقلوب قبل أن تكون فتحًا للبلاد.

وأما الفتوحات المتأخّرة فصارت عسكريةً أكثر منها إيمانية.

ولذلك فتح العثمانيون بلادًا في أوروبا، فلمّا انسحبوا بقي أهلها على نصرانيّتهم — بل صاروا أشدّ تمسّكًا بها.

لأن صورة الصحابة كانت مختلفة تمامًا.


وقفة: لا تحكم قبل أن تُتيح الفرصة

فأيّ إنسانٍ — أيًّا كان — هو في دائرة الهداية.

وقد ذكرنا قول عامر بن ربيعة رضي الله عنه: «لا يُسلم حتى يُسلم حمار الخطاب» — ثم أسلم عمر.

فلماذا قالها؟ لأن ظاهر عمر في ذلك الوقت لا يدلّ على ذلك؛ من شدّة العداء والمحاربة.

لكنّ الله — العليم ببواطن العباد — رأى في قلب عمر ما لم نره نحن من ظاهره.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إني لم أُومر أن أُنقّب عن قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم» (متفق عليه).

ومثالٌ يوضّح

فأنا لا أستطيع أن أحكم على طالبٍ بالفشل إن لم أكن مدرّسًا جيّدًا.

فلا بدّ أن أُوفّر له تدريسًا جيّدًا وحرصًا وأبوّة، ثم أحكم عليه.

وكذلك لا أستطيع أن أحكم على مجتمعٍ بالضلال قبل أن أُتيح له فرصةً حقيقية.

قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَالتوبة: ١١٥.

وقال: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِالنساء: ١٦٥.

وقال: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍالأنفال: ٤٢.


وقفة: آفة الاستعجال

فلا بدّ من الصبر؛ فالثمرة قد لا تظهر سريعًا.

قال صلى الله عليه وسلم: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل؛ يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي» (متفق عليه).

فيستحسر — أي ييأس — فيدع الدعاء.

ولو كُشف الحجاب

فربما كنتَ أقرب ما تكون إلى نيل الثمرة؛ ولو كُشف لك الغيب لرأيتَ أنه لم يبقَ إلا جملةٌ واحدة.

فتتركه في اللحظة الأخيرة!

ولذلك جاء الأمر بالصبر.


وقفة: النبي الذي ليس معه أحد

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: «ورأيتُ النبيّ ومعه الرهط، والنبيّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيّ ليس معه أحد» (متفق عليه).

وقفة: ماذا يعني هذا؟

فهذا نبيّ! لا نقص في أسلوبه ولا في أخلاقه ولا في تعامله ولا في الصورة التي يُقدّمها.

ومع ذلك أمضى عمره فلم يستجب له أحد.

فتخيّل حال شخصٍ جعل هذه خطّة حياته، ثم لا يجد استجابة! وهذا شيءٌ صعبٌ جدًّا على النفس.

ولذلك قال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم: فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍفاطر: ٨.

فلماذا أرسله الله إذًا؟

الأول: إقامة الحجّة؛ لئلّا يقول أحد: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَطه: ١٣٤.

والثاني: أن هذا الشخص لو لم يُرسله الله لكان عبدًا صالحًا؛ فرفعه الله بهذه الوظيفة إلى منزلة النبوّة — حتى لو لم تُثمر.


وقفة: ما وظيفة الداعية؟

فوظيفة الرسول البلاغ لا تحصيل الاستجابة.

قال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍالغاشية: ٢١–٢٢.

وقال: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُالنور: ٥٤.

تطبيق: خلافٌ معاصر

وقد وقع نقاشٌ بين بعض من يشتغل بالدعوة؛ حين قال أحدهم إن نبيًّا من الأنبياء ذهب إلى قومه فلم يستجب له أحد، فرجع — وعبّر عن ذلك بلفظ «الفشل».

فردّ عليه آخرون بأنّ هذا انتقاصٌ من مقام النبوّة.

والتحقيق

أن المعنى الذي أراده صحيح؛ وهو أن على المرء السعي وليس عليه إدراك النجاح، وأن أصحاب المقامات الرفيعة لم يكونوا دائمًا يبلغون مبتغاهم.

لكنّ التعبير خاطئ؛ فـ«الفشل» معناه عدم القدرة على إنجاز المهمّة. والمهمّة هي البلاغ — وقد أنجزها.

فهو لم يفشل؛ بل نجح بمجرّد أنه بلّغ ودعا وأدّى ما أمره الله به. فهذه قمّة النجاح بالنسبة له.

والخطأ الحقيقي

فالمشكلة أنه — بهذا التعبير — يُظهر أنه لم يستوعب وظيفة الرسول؛ إذ تخيّل أن النجاح مربوطٌ بالاستجابة.

وأما طريقة الردّ

فأن يُقال: «هذا هو الفاشل وأفشل أهل الأرض» — فهذا لا يُفيد شيئًا.

فما استفدنا؟ لا صحّحنا المفهوم، ولا أصلحنا شيئًا.

ودور من يتصدّى للدعوة أن يُصحّح الأخطاء لا أن ينتقص الأشخاص.

مثالٌ آخر

فحين يقول قائل: إن إبليس لم يكفر — لأنه لم يُكذّب، بل كان مؤمنًا بوجود الله.

فهذا خطأٌ في فهم حقيقة الإيمان؛ إذ يظنّ أن الكفر هو التكذيب وحده.

والحقّ أن من أيقن بالحقّ ثم عانده فهو كافر — بل هذا أشدّ من المكذّب.

قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّاالنمل: ١٤.

فالمطلوب: أن أُصحّح هذا المفهوم، أو أُصحّح لمن سمعه — لا أن أنتقص القائل.


خاتمة: صمّام الأمان

فنحن لو أدّينا الأدوار التي أُمرنا بأدائها لكانت الأمور أحسن كثيرًا.

لكنّ الإنسان لا يُولد وعنده علم؛ فلا بدّ أن يتعلّم، وأن يفهم، وأن يُقدّم نموذجًا.

وهذا أمرٌ ضروريّ لينجو المجتمع.

«أولو بقيّة»

قال تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْهود: ١١٦.

وقال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَهود: ١١٧.

فصمّام الأمان

هو وجود شريحةٍ في المجتمع يرحم الله بها بقيّة الناس.

فإذا ازدادت عددًا وعمقًا كانت ضمانة الأمان.

فإن لم توجد فعلينا أن نصنعها؛ ولو لم نقدر فلنُحاول أن نُساعد ونُهيّئ لذلك بقدر ما نستطيع.

فهذا نجاتنا في الدنيا والآخرة.

«فيمَ كنتم؟»

فإن سُئلنا غدًا: فِيمَ كُنتُمْالنساء: ٩٧ — فماذا نُجيب؟

فلا بدّ أن يكون عندنا شيءٌ مجهَّز؛ حتى لو لم يكن ذا وزنٍ كبير.

فربنا رحيم، يتقبّل من الإنسان الأشياء البسيطة — ما دامت تعكس أنه كان صادقًا في محاولته، وأنه كان يُحاول أن يُؤدّي شيئًا من أجله.

وجزاكم الله خيرًا؛ سبحانك اللهم وبحمدك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.