جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

إثبات ذات الرب جل وعلا

مقدمة: صلة النفع بين المعلِّم والمتعلِّم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد؛ فإن أول ما ينبغي أن يُبنى عليه مجلس العلم أن تقوم بين المتكلم والسامع علاقةُ نفعٍ متبادَل: أن يكون المتكلم حريصًا على نفع المتلقي، وأن يكون المتلقي مقبلًا على ما يُلقى إليه، فبهذا وحده يثمر الكلام ويصل إلى القلوب.

الإيمان هو الحياة

أول ما نبدأ به: أن الإيمان حياة. الإيمان نعمة أنعم الله سبحانه وتعالى بها علينا لنحيا بها الحياة الطيبة. وليست الحياة الطيبة أمرًا مظهريًّا ولا شيئًا خارجًا عنا، بل هي ثمرة الإيمان في القلب، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَالنحل: ٩٧.

وفي المقابل، من أعرض عن هذا الطريق فليس له إلا الضنك والشقاء، قال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًاطه: ١٢٣–١٢٤. فالضنك ضيق في الصدر، والهداية سعة فيه: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًاالأنعام: ١٢٥.

فأثر الإيمان في صدر الإنسان اتساعُه وانشراحُه، وما يقع فيه من السرور والسكينة والطمأنينة. هذه وظيفة الإيمان، لكنها لا تتحقق بمجرد العلم النظري بحقائقه؛ لا بد من تفاعلٍ بيننا وبين هذه الحقائق حتى تعمل عملها في القلب.

أركان الإيمان: الأصل والتَّبَع

الإيمان ـ كما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل ـ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. والأصل الأول والأساس في هذه الأركان هو الإيمان بالله، وبقية الأركان تَبَعٌ له وفرعٌ عنه:

فالإيمان بالملائكة إيمانٌ بهم من حيث إنهم رسل الله وخلقٌ من خلقه اصطفاهم لتنفيذ أمره، والإيمان بالكتب إيمانٌ بها من حيث إنها كلام الله المنزَّل الذي أنزله هدايةً لعباده، يُخرج به الناس من الظلمات إلى النور، والإيمان بالرسل إيمانٌ بهم من حيث إن الله اصطفاهم لينزل عليهم هذا النور. ثم الإيمان باليوم الآخر، وهو الإيمان بيوم القيامة وما فيه من الحساب والجزاء. ثم الركن الأخير: الإيمان بالقدر.

معنى القدر: أحكام الله الجارية

والقدر هو أحكام الله سبحانه وتعالى التي تجري بها مجريات الحياة والأحداث. وكلمات الله نوعان: كلماتٌ شرعية، وهي الوحي والقرآن؛ وكلماتٌ كونية، وهي التي تتحقق بها الأشياء في الوجود، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُيس: ٨٢.

لماذا يُفرَد الشيء بالذكر بعد دخوله في العموم؟

ومن سنن القرآن أن الله سبحانه وتعالى قد يُفرِد شيئًا بالذكر بعد دخوله في العموم، علامةً على اختصاصه بأهمية زائدة. ومنه قوله تعالى: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَالبقرة: ٩٨، فجبريل وميكال داخلان في «ملائكته»، ومع ذلك خُصّا بالذكر.

والفائدة الأولى في هذا التخصيص: بيان قدر هذين الملَكين العظيمين، فإن الحياة متوقفة على وظيفتهما؛ ميكائيل عليه السلام موكَّل بالقَطر ـ وهو الماء الذي به حياة الأبدان ـ وجبريل عليه السلام موكَّل بالوحي، وبه حياة القلوب. فعطف الجزء على الكل هنا لحكمةٍ هي بيان أهميته وعظم قدره.

سبب النزول: مساءلة اليهود

والفائدة الثانية أن للآية سببًا في النزول؛ فقد جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء ليمتحنوه بها. وقد كانوا من قبلُ منتظرين لهذا النبي، وكانوا يستفتحون به على المشركين، قال تعالى: وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواالبقرة: ٨٩، أي يقولون: قد أظلَّ زمانُ نبيٍّ يُبعث فننتصر به عليكم. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

وقد كانوا يعرفونه معرفةً لا تلتبس عليهم، قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَالبقرة: ١٤٦. لكن العلم وحده لا يكفي إذا لم يصحبه إذعان القلب؛ فحُيَيّ بن أخطب ـ وهو من كبار أحبار اليهود ـ عرف الحق وأنكره، وقال لمن سأله: أهو هو؟ قال: نعم. قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته ما بقيت. فالعلم شيء، والاتباع شيء آخر.

ومن أسباب صدِّهم أنهم كانوا ينتظرون نبيًّا من بني إسرائيل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل بن إبراهيم ـ لا من بني إسرائيل ـ حملهم الحسد على الرد، وقد كانوا يرجون بالنبوة سلطانًا دنيويًّا لا هدايةً ولا رحمة.

قصة عبد الله بن سلام: معيار الآخرة لا معيار الدنيا

وفي المقابل، كان من أحبارهم من نظر إلى الأمر بعين أخرى؛ فعبد الله بن سلام رضي الله عنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جاء لينظر إليه، فلما رآه قال: عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب. فإما أن يكون هذا الرجل صادقًا، فهو حينئذ من أفضل الناس؛ وإما أن يكون كاذبًا مفتريًا على الله، فهو من أسوأ الخلق. فالأمر لا يحتمل الوسط.

ثم إنه لما أراد الدخول في الإسلام أدرك أن قومه سيبهتونه ويقعون فيه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبِّئه، ثم دعا اليهود وسألهم: أيُّ رجلٍ فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: خيرُنا وابن خيرِنا، وسيدُنا وابن سيدِنا، وعالمُنا وابن عالمِنا. فلما أظهر إسلامه قالوا: شرُّنا وابن شرِّنا، وجاهلنا وابن جاهلنا. فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.

والمقصود أن المرء إذا نظر إلى الدين باعتباره الحق، وباعتبار ما عند الله من الثواب والدار الآخرة، هان عليه ما يفوته من شرف الدنيا وحظوظها. أما إذا وزن الأمر بموازين الدنيا وحدها ـ الشرف والمكانة والمنزلة ـ فسيبقى أسير هذه الموازين لا يبرحها.

لماذا جُمِع جبريل ورسول الله في العداوة؟

ثم كان اعتذارهم أنهم يعادون جبريل عليه السلام، فأنزل الله تعالى: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَالبقرة: ٩٧. فبيّن سبحانه أن معاداة جبريل معاداةٌ لله ولملائكته ورسله جميعًا؛ إذ ليس جبريل إلا سفيرًا مبلِّغًا عن الله، فمن عاداه فقد عادى مُرسِلَه.

إفراد القدر بالذكر: أشقّ ما يُسلَّم له

وعلى هذا المعنى نفسه ـ إفراد الشيء بالذكر لأهميته ـ جاء إفراد القدر بالذكر في أركان الإيمان؛ لأن الرضا بالأحكام الإلهية الكونية من أصعب ما يُسلَّم له الإنسان. يجد في نفسه حرجًا من الرضا، ويحسّ أن له حقًّا لم يُوفَّه، أو أنه كان يستحق أحسن مما وقع له.

ولذلك كانت مسألة القدر من أول ما دخلت فيه الفلسفة والخصومات، حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، فغضب حتى احمرّ وجهه، ونهاهم أن يضربوا كتاب الله بعضه ببعض؛ فهذا يحتج بآية وهذا يحتج بآية، وإنما هلك من كان قبلنا بمثل هذا الصنيع. والقرآن يصدّق بعضه بعضًا لا يضرب بعضه بعضًا.

وفي هذا الباب قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِالنساء: ٧٨، مع ما ثبت في دعاء الاستفتاح: «والخيرُ كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك» (رواه مسلم). فالخير كلُّه بيد الله، والشرّ إنما يرجع إلى أفعال الخلق وإلى المخلوقات، لا إلى فعل الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك نستعيذ فنقول: «أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق» (رواه مسلم)، فالشرّ في المخلوق لا في الخلق.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمر المؤمن كله خير، فقال: «عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمره كلّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم). فما يبدو ظاهره خيرًا فهو خير، وما يبدو ظاهره شرًّا فهو في حق المؤمن خير أيضًا.

لطف الله الخفيّ: قصة يوسف عليه السلام

ومن أعظم ما يربّي القلبَ على هذا المعنى أن يعلم أن الله يسوق إليه الخير من الطرق الخفية التي لا تبدو له، بل قد يبدو ظاهرها ابتلاءً ومحنة. وأوضح ما ضُرب لذلك من الأمثلة قصة يوسف عليه السلام؛ فإنها من أولها إلى آخرها ابتلاءات متتابعة، ومع ذلك افتتحها الله بالبشارة، قال تعالى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَيوسف: ٤، ثم قال: وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌيوسف: ٦.

فالوعد بالاجتباء وإتمام النعمة في أول السورة، ثم تأتي الأحداث كلها ـ الجبّ والبيع والسجن ـ في صورة المحن. ولذلك جاءت قصة يوسف كلها في موضع واحد من القرآن، بخلاف قصص نوح وهود وصالح وشعيب وموسى وآدم عليهم السلام، فإنها تتوزع على مواضع متعددة، يُذكر في كل موضع منها ما يناسب المقام؛ لأن قصة يوسف لا تظهر عظيم حكمتها إلا بجمعها متتابعةً من أولها إلى آخرها، حتى إذا وصلتَ إلى آخر السورة أدركتَ معنى قوله: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُيوسف: ١٠٠، أي يَصِل برحمته ولطفه إلى ما يشاء من حيث لا يحتسب العبد.

الإيمان يَخْلَق كما يَخْلَق الثوب

وهذه المعاني الإيمانية نحن نستهلكها في حياتنا اليومية، فإن لم نجدّد شحنها ضعفت وبَلِيت. قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الإيمان ليَخْلَقُ في جوف أحدكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فاسألوا الله أن يجدِّد الإيمان في قلوبكم». ومعنى «يَخْلَق» أي يَبْلى؛ فكما أن الثوب مع طول الاستعمال تضعف ألوانه ويَبْهَت نسيجه، فكذلك الإيمان في القلب.

وتأمّل ختام الحديث: «فاسألوا الله أن يجدِّد الإيمان في قلوبكم»؛ فجعل الطريق إلى التجديد الدعاءَ. فأنا أحاول أن أستعيد معاني الإيمان بالعبادة وبالقرآن وبالذكر، ثم أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجدّده لي؛ فالدعاء يجمع بين بذل السبب وطلب الثمرة من المسبِّب سبحانه.

القرآن ربيع القلب

ومن الدعاء المأثور في هذا الباب أن يسأل العبد ربه أن يجعل القرآن ربيع قلبه ونور صدره وجِلاء حَزَنه وذهاب همّه. والربيع هو المطر الذي تحيا به الأرض الميتة؛ فمعنى «ربيع القلب» أن هذا الوحي هو الحياة التي يحيا بها القلب كما تحيا الأرض بالماء.

وحال الداعي بهذا الدعاء كحال من ذهب إلى الطبيب فوُصف له الدواء، فهو يتناوله ويدعو الله أن يجعله سببًا للشفاء؛ فالقرآن أقرأه، وأسأل الله أن يجعله ربيعًا لقلبي ونورًا لصدري.

الإيمان أساس البنيان: حديث معاذ

والإيمان هو أساس البنيان الذي يُبنى عليه كل ما بعده. وقد بيّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن داعيًا ومعلِّمًا وقاضيًا، فقال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أوّل ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله ـ وفي رواية: إلى أن يوحّدوا الله ـ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلِمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (متفق عليه). فأول ما يُبدأ به المعرفةُ بالله والتوحيد، ثم يأتي بعده التكليف بالعمل.

المعرفة طريق الخشية

ولذلك كانت المعرفة بالله هي مصدر الاستقرار ومصدر الخشية، قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُفاطر: ٢٨، فالعلم بالله هو الطريق إلى خشيته. وقال صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلمُكم بالله وأشدُّكم له خشيةً» (متفق عليه بنحوه). فالرابطة بين العلم والتقوى، وبين المعرفة والخشية، رابطةٌ لازمة: كلما ازدادت المعرفة ازدادت الخشية.

الأحد والصمد: المعرفة ثم العبادة

وقد جاء التعريف بالله في أوجز صورة وأتمّها في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُالإخلاص: ١–٢. و«الأحد» معناه المتفرّد؛ وثمّة فرقٌ بين «الواحد» و«الأحد»: فالأحدية أبلغ في التفرّد، فهو سبحانه المتفرّد بالكمال في كل شيء، وفي كل أسماء العظمة الإلهية. ولذلك اكتُفي بهذه الكلمة في التعبير عن العظمة الإلهية كلها.

ثم كان «الصمد» نتيجةً طبيعية للأحدية؛ فإذا كان هو المتفرّد بالكمال وحده، فهو الذي يُصمَد إليه وحده. ومعنى الصمد أن يقف الإنسان على باب الله سبحانه وتعالى لا يبرحه، ليس له وجهةٌ ثانية ولا طريق آخر ولا إله سواه يلجأ إليه، فيَنتصب على هذا الباب منتظرًا أن يفتح الله له.

فـ«الأحد» هو مقام المعرفة، و«الصمد» هو مقام العبادة؛ والأرضية الأولى التي تُبنى عليها العبادة هي أرضية المعرفة، فإذا صحّت المعرفة صحّت العبادة وقامت على أساس متين.

كل خللٍ في السلوك أصلُه خللٌ في المعرفة

وتأمّل هذا المثال: رجلٌ يغرق في الماء، وعلى الشاطئ رجلٌ قويٌّ قادر على إنقاذه، وإلى جواره صافرةٌ أو آلةٌ لا تُغني شيئًا. فلو أن الغريق أعرض عن الرجل القادر واستغاث بالصافرة، فما تفسير ذلك إلا أنه يعتقد ـ وهو مخطئ ـ أن الأضعف أقدرُ على إنقاذه من الأقوى.

فكذلك من توجّه بالعبادة إلى غير الله، أو استغاث بمن لا يملك له نفعًا ولا ضرًّا، فإنما بُني فعله على اعتقادٍ فاسد. وهذه قاعدة مطّردة: كل خللٍ في السلوك فأصله خللٌ في المعرفة والإدراك والتصوّر. فإذا أردتَ إصلاح السلوك فابدأ بإصلاح التصوّر؛ فإن المعايير إذا اختلّت اختلّت المخرجات، وإن صحّت المدخلات صحّت النتائج.

فالحاجة الأولى إذًا: تأسيس معرفةٍ إيمانية صحيحة سليمة، مستمدّة من وحي الله سبحانه وتعالى ومن السنة النبوية التي عرّفتنا بربنا جل وعلا.

الإيمان والأمن

وقد قلنا في أول الدروس إن «الإيمان» مشتقٌّ من «الأمن»؛ فالإيمان هو ما يورث الإنسان الشعور بالأمان، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَالأنعام: ٨٢.

ولما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على الصحابة رضي الله عنهم فقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك، إنما هو الشرك؛ ألم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: يا بُنَيَّ لا تُشرك بالله، إنّ الشرك لظلمٌ عظيم» (رواه البخاري). فالمقصود بالظلم هنا الشركُ: أن لا يوحَّد الله، ولا يُعظَّم كما يستحق، لا مطلقُ ظلم الإنسان لنفسه بالذنب.

فإن الخطأ من طبيعة الإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون» (رواه الترمذي). لكن المؤمن لا يُقيم على الخطأ، بل يرجع ويتوب؛ فمناط الأمن ليس انتفاء الذنب، وإنما سلامةُ أصل الإيمان من الشرك.

آمن به وآمن له

وللإيمان في القرآن استعمالان: «آمن بـ» و«آمن لـ». فـ«آمن به» أي صدّق بحقائقه، كما قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِالبقرة: ٢٨٥. و«آمن له» أي وَثِق به فاتّبعه وانقاد له.

ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَيوسف: ١٧، أي: لن تثق بنا ولن تصدّقنا ولو كنا على الحق؛ لأنهم علموا أن في قلبه ميلًا إلى يوسف، وأن الثقة قد سقطت بينهم وبينه. وقد جاءوا على قميصه بدمٍ كذب، ونسوا أن القميص لو افترسه الذئب لتمزّق؛ فالعلامة تكذّبهم، ومع ذلك تعلّقوا بالحيلة.

فالإيمان إذًا أمران: تصديقٌ بحقيقة، وثقةٌ بشخصٍ هو القدوة المتبوعة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

أحبّ الأسماء وأصدقها

ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «أحبُّ الأسماء إلى الله عبدُ الله وعبدُ الرحمن، وأصدقُها حارثٌ وهمّام» (رواه أبو داود). فـ«عبد الله» فيه تحقيق العبودية لله المعبود سبحانه، و«عبد الرحمن» فيه التعلّق برحمة الرحمن؛ فجمع الاسمان بين العبادة والثقة بالرحمة، وهما مادة الإيمان.

وأما «أصدقها حارث وهمّام» فلأن هذين الاسمين ينطبقان على مسمّاهما في كل إنسان قطعًا؛ فالحارث هو الكاسب العامل، والهمّام هو صاحب الهمّ والعزم. فكل إنسان فيه حركةٌ بالجوارح ـ وهي الحرث ـ وحركةٌ في النفس ـ وهي الهمّ. وهل يستطيع الإنسان أن يتجرّد من الحركة؟ لا، فهو متحرّك لا محالة؛ فإما أن تكون حركته على بصيرة، وإما أن تكون على غير هدى. فليست القضية أن نوقف الحركة، بل أن نصحّح وجهتها بالإيمان.

ما يشدّد فيه الشرع دليلُ ضرورته

والشرع لا يوجب علينا شيئًا إلا لأنه ضروريٌّ لنا. ولذلك شدّد الله سبحانه وتعالى في الصلاة، وجعلها علامة الإيمان، ولم يُسقطها عن العبد في مرضٍ ولا سفرٍ ولا خوف؛ لأننا أحوج ما نكون إليها. فكلما كان الشيء أشدّ ضرورةً لنا كان أوجبَ علينا وأشدَّ تأكيدًا. فإذا رأيت الشرع يشدّد في أمرٍ فاعلم أنه ضروري لك، وإذا رأيته يشدّد في تحريم شيء فاعلم أنه من أضرّ الأشياء عليك.

ولكن الإنسان قد يفقد هذا الإدراك، فيظن أن الأوامر والنواهي أعباءٌ وقيود، ويظن أن المحرّمات أشياء محبوبة قد حُرم منها. وهذا خطأ كبير في التصوّر؛ فليس المطلوب أن تعيش الضيق في الدنيا لتنعم في الآخرة، بل أوامر الله نفسها مصلحةٌ ومنفعةٌ وهدايةٌ واستقرارٌ وسعادة في الدنيا قبل الآخرة.

والدليل على أن المحرّم قليل قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْالأنعام: ١٥١، وقوله: قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍالأنعام: ١٤٥. ثم إن الحرام نفسه يُباح عند الضرورة بقدرها: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِالبقرة: ١٧٣. والواجب نفسه يُرخَّص فيه عند المشقة: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَالبقرة: ١٨٤. فالواجب يُرخَّص فيه، والحرام يُباح للمضطر؛ وهذا كله رحمةٌ من الله بعباده.

مدخل الشيطان: من موضع الضعف

لكن الشيطان يعمل على تشويه هذا التصوّر، فيصوّر للإنسان أن الله إنما حرّم عليه ما فيه خيره. وهذا ما فعله مع أبينا آدم عليه السلام؛ فإن الجنة كلها مباحة له إلا شجرة واحدة، فجاءه من جهة تلك الشجرة وحدها فقال: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰطه: ١٢٠، وقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَالأعراف: ٢٠. فمضمون كلامه: أن الله يحرم على الإنسان ما فيه خيره؛ وهذا طعنٌ في علم الله ورحمته وحكمته.

وقد كان الله سبحانه قد حذّره من قبل وبيّن له العدوّ وبيّن له مقصده: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰطه: ١١٧–١١٩. فبيّن العداوة، وبيّن غاية العدوّ ـ وهي الإخراج من الجنة ـ وبيّن أثر ذلك، وهو الشقاء.

وتأمّل دقّة التعبير: الشقاء في الجنة منفيٌّ لأن حاجات الإنسان فيها مكفيّة كلها لا يُتعب في تحصيلها؛ فلما هبط إلى الأرض صار مطالَبًا بالسعي في تحصيل قوته وستره وشرابه وظلّه. وقد أُسند الشقاء إلى آدم وحده ـ «فتشقى» ـ وإن كان الخروج لهما معًا، لأنه هو المكلَّف بالسعي والكسب.

ثم كانت النتيجة: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَاطه: ١٢١. فانظر من أين دخل الشيطان: لم يدخل من موضع القوة، وإنما دخل من موضع الضعف ـ الحرص على البقاء والخلد والملك. وهذه سنّته مع بني آدم: يأتي كلَّ إنسانٍ من ثغرة ضعفه.

مراتب اليقين

ولذلك كان الإيمان والمعرفة أعظمَ ما نحتاجه، وكان طلب الازدياد منهما مطلبًا للأنبياء قبلنا؛ فإبراهيم عليه السلام قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِيالبقرة: ٢٦٠. فهو مؤمنٌ موقن، لكنه أراد المرتبة الأعلى: الطمأنينة والسكون التام. فأمره الله أن يأخذ أربعةً من الطير فيصرّهنّ إليه، ثم يجعل على كل جبلٍ منهنّ جزءًا ثم يدعوهنّ فيأتينه سعيًا.

واليقين مراتب: علمُ اليقين، وعينُ اليقين، وحقُّ اليقين. فعلم اليقين أن تعلم الخبر ممن تثق به فتصدّقه، وعين اليقين أن تراه بعينك، وحقّ اليقين أن تباشره وتخالطه. قال تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِالتكاثر: ٥–٧. فنحن في الدنيا لو بلغنا علم اليقين لكنا كمن يرى؛ ثم يكون في الآخرة عين اليقين.

ومن هذا الباب حديث حنظلة رضي الله عنه، لما كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكّرهم بالجنة والنار حتى كأنهم يرونها رأي العين، فإذا خرجوا وعافسوا الأزواج والأولاد والضيعات نسوا كثيرًا؛ فقال: نافق حنظلة. فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أنها ساعةٌ وساعة، وأنهم لو داموا على تلك الحال لصافحتهم الملائكة في الطرقات، ولكنّ النفس البشرية لا تحتمل هذا الحضور الدائم.

أثر الإيمان في السلوك والمجتمع

والإيمان المعرفيّ الذي يبقى حبيس الذهن لا يؤثّر؛ وإنما يؤثّر الإيمان حين يصير ممارسةً ودخولًا في الحياة. فإذا وجدتَ في سلوكك خللًا فاعلم أن وراءه ضعفًا في الإيمان، وإذا أردتَ علاج السلوك فارجع إلى أصله.

ومثال ذلك القلب: هذه المضغة تضخّ الدم إلى الجسد، تأخذ الدم المستعمل من الجوارح وتردّ إليها دمًا محمّلًا بما يحيا به البدن، وبينها وبين الرئة صلةٌ يتجدّد بها الهواء. فكذلك القلب في الجانب المعنوي: يأخذ من الجوارح ما استُهلك، ويضخّ فيها من جديدٍ ما تحيا به. ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى البنيان المعنوي كالبنيان الحسّي قائمًا على القلب، وفي الحديث أن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.

وكذلك المجتمع؛ فالرحمة والحياء والأخلاق هي المادة اللينة التي تجعل الاحتكاك بين الناس محتمَلًا، فإذا جفّت هذه المادة صار كل احتكاكٍ بين الناس خشونةً وصدامًا. فصلاح المجتمع تابعٌ لصلاح القلوب، وصلاح القلوب تابعٌ لصحة المعرفة بالله.

الخلاصة

فأهمّ ما نحتاجه: المعرفة. المعرفة الصحيحة بالله سبحانه وتعالى، المستمدّة من وحيه ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإنها هي التي تؤدّي تلقائيًّا إلى الموارد الإيمانية التي تحيا بها القلوب. وليست المسألة أن نسمع الكلام ونمضي، بل أن نتفاعل معه تفاعلًا حقيقيًّا حتى يصير جزءًا من حياتنا. نسأل الله أن يجدّد الإيمان في قلوبنا، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا.