جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

الشعور باليقين والإيمان

مراحل بناء الإيمان

كنّا وصلنا إلى كيفية بناء اليقين، وقلنا إن بناء الإيمان يمرّ بمراحل:

الأولى: تهيئة الإنسان لتلقّي الحقيقة، ومعرفة الحقّ، وسماع القرآن، والتجاوب مع ما يُعرض عليه.

الثانية: إيقاظ الوعي والتفكّر عنده.

الثالثة: تذكيره بالله سبحانه وتعالى: بعظمته ورحمته، وبغاية وجود الإنسان في الحياة، وبما يكون بعد الموت، وبما له عند الله إن أطاعه، وبما يقابله من جزاء المعصية والجحود.

الرابعة والأخيرة: انتقال الإنسان من المعرفة والإيمان إلى اليقين. واليقين هو بلوغ درجةٍ عالية وصورةٍ من صور الكمال في الإيمان.

وقد استخرجنا هذه المراحل من إدارة ذي الكفل للحوار مع الملك، وقد وقفنا معها مرّتين أو ثلاثًا.

الملك العادي والملك الذي يُتّخذ إلهًا

وقد سأله الملك: فمَن إلهي؟ ومعنى ذلك أن الرجل كان يدّعي لنفسه الألوهية ويُخضع الناس لملكه وسلطانه.

فما الفرق بين الملك العادي والملك الذي يُتّخذ إلهًا؟ الملك العادي يؤدّي وظيفةً ودورًا، والناس يخضعون له باعتبار السلطة والمنصب. أما إذا رأى في نفسه — أو رأى الناس فيه — أنه لا يُراجَع ولا يُستدرَك عليه ولا يُسأل عمّا يقول ولا عمّا يفعل، فقد وضع نفسه في مقام من قال الله فيه: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَالأنبياء: ٢٣.

ولذلك قال تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَالأعراف: ٥٤. وهذا الاقتران مقصود: فالذي له حقّ الأمر بذاته هو الذي يملك الخَلق. وأما غيره فلا بدّ له من سلطانٍ مستمدٍّ من الله كي يُطاع إذا أمر.

نقلة فرعون في أربعين سنة

وتأمّل فرعون؛ فقد قال أولًا: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ۖ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَالقصص: ٣٨، وقال: لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰغافر: ٣٦–٣٧.

ثم قال بعد ذلك: فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰالنازعات: ٢٣–٢٥. ويُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن بين الكلمتين أربعين سنة.

فما الفرق بين القولين؟

في الأولى ادّعى الألوهية: أي الحقّ في أن يأمر وينهى فيُطاع بلا مراجعة. ولاحظ أنه قال: مَا عَلِمْتُ لَكُم — بصيغة المتواضع الموضوعي! أي: على حسب معلوماتي ومبلغ علمي. ثم لمّا نازعه موسى عليه السلام وأخبر أن ثمّة إلهًا فوق السماوات، قال: وأنا رجلٌ موضوعي أحبّ أن أتحرّى؛ فابنوا لي صرحًا أطّلع منه! ثم عاد فقال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ — بصيغة الظنّ لا الجزم. فهو يبني مسرحيةً كاملة يُقنع بها الناس.

ثم لمّا طال به الأمد، وطاوعه الناس، ولم يجد وازعًا يردعه، انتقل إلى ادّعاء الربوبية — وهي أنه مصدر النعم، وأنه الذي يمدّ ويغذّي ويربّي ويدبّر. وزاد: الْأَعْلَىٰ ردًّا على ما ذكره موسى من علوّ الله سبحانه.

الربوبية مقدّمة والألوهية نتيجة

والألوهية علاقةٌ صاعدة من العبد إلى الله: أن نتعبّد له ونخضع. والربوبية علاقةٌ نازلة من الرب إلى العبد: أن يَخلق ويرزق ويُحسن ويرحم.

والكلمة التي يدخل بها الإنسان في الإسلام ليست «لا ربّ إلا الله»، وإنما «لا إله إلا الله»؛ لأن الربوبية مقدّمة والألوهية نتيجة. فلمّا كان سبحانه هو الربّ، وجب أن يكون هو الإله.

ومن هنا: كلّ من طلب من الناس أن يتّخذوه إلهًا، فلا بدّ أن يدّعي استحقاقًا لذلك عن طريق دعوى الربوبية. ولذلك انتقل فرعون من الأولى إلى الثانية بعد أربعين سنة.

ثلاث فوائد من هذا التدرّج

الأولى: أن الإنسان إذا استمرّ به هواه وشهوته وشيطانه، ولم يكن ثمّة وازعٌ داخلي يخاف الله، ولا نصحٌ وتذكير، ولا من يأخذ على يده — فإنه لا يقف عند حدّ، وتتعاظم ضلالاته مع الوقت.

الثانية: حِلم الله سبحانه وتعالى؛ فقد أمهله كلّ هذه المدة. وقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته» (متفق عليه). فلكلّ إنسانٍ رصيدٌ من الإمهال، فإذا استنفده أُخذ. فالمفروض أن يراجع الإنسان نفسه ويتوب فيُستأنف له، لا أن يمضي مستشريًا حتى يبلغ السقف.

الثالثة: تقديم الْآخِرَةِ على الْأُولَىٰ في العقوبة — مع أن الدنيا أسبق زمانًا — باعتبار عِظَم عقوبة الآخرة. وفي وجهٍ آخر: أن «الآخرة» هي كلمته الأخيرة و«الأولى» هي كلمته الأولى؛ فقُدّمت الأخيرة لأنها أغلظ وهي التي استوجبت هذه العقوبة.

حوار ذي الكفل مع الملك

فقال له الملك: مَن إلهي؟ قال: إله السماوات والأرض وهو خالقهما، وخالق هذه الشمس والقمر والنجوم. فوصف الله بأنه إله الكون كلّه وخالقه.

ثم ماذا يترتّب على ذلك؟ قال: فاتّقِ الله واحذر عقوبته. ثم بيّن الجزاء: فإن أنت عبدته ووحّدته رجوتُ لك ثوابًا في الدنيا والخلود في الجنان في الآخرة.

فتأمّل تمام البناء: ذِكرُ عظمة الله، ثم الأمر بتقواه، ثم بيان جزاء عبادته.

فقال الملك: أخبرني، من عبد إلهك فما جزاؤه؟ قال: الجنة إذا مات. قال: وما الجنة؟ قال: دارٌ خلقها الله تبارك وتعالى بيده فجعلها مسكنًا لأوليائه؛ يبعثهم الله يوم القيامة شبابًا مُردًا أبناء ثلاثٍ وثلاثين سنة، فيدخلهم الجنة في نعيمٍ وخلود؛ شبابٌ لا يهرمون، مقيمون لا يظعنون، أحياءٌ لا يموتون، في نعيمٍ وسرورٍ وبهجة.

قال: فما جزاء من لم يعبده وعصاه؟ قال: النار؛ مقرَّنين مع الشياطين، مغلَّلين بالأصفاد، لا يموتون أبدًا، في عذابٍ مقيمٍ وهوانٍ طويل، تضربهم الزبانية بمقامع من حديد، طعامهم الزقّوم والضريع وشرابهم الحميم. فبكى الملك.

ولاحظ: أن الإحساس بالنعمة لا يكتمل إلا بالإحساس بمقابلها؛ فلا بدّ أن يُذكرا معًا.

الكفالة: قمّة الثقة بالله

ثم قال الملك: إن أنا آمنتُ بالله فما لي؟ قال: الجنة. قال: فمن لي بذلك؟ قال: أنا لك الكفيل، وأكتب لك على الله تبارك وتعالى كتابًا.

فكتب له: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ كتبه فلانٌ الكفيل على الله تعالى لكنعان الملك، ثقةً منه بالله تبارك وتعالى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا؛ ولكنعان على الله عز وجل بكفالة فلان: إن تاب ورجع وعبد الله أن يدخله الجنة ويبوّئه منها حيث يشاء، وإنّ له على الله ما لأوليائه، وأن يُجيره من عذابه؛ فإنه رحيمٌ بالمؤمنين، واسع الرحمة، سبقت رحمتُه غضبَه». ثم ختم الكتاب ودفعه إليه.

وهذا هو غاية الثقة واليقين بالله: أن يكتب له وثيقةً على الله، متعلّقًا بأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن رحمته سبقت غضبه.

ثم قال الملك: كيف أصنع؟ قال: قُم فاغتسل والبس ثيابًا جددًا. ففعل. ثم قال: كيف أعبد ربي؟ فعلّمه الشرع والصلاة. فقال: يا ذا الكفل، استُر هذا الأمر ولا تُظهره حتى ألحق بالنُّسّاك. فتخلّى عن ملكه وخرج سرًّا، فجعل يسيح في الأرض.

وفاء الوعد

وفقده أهل مملكته فطلبوه، فلمّا لم يقدروا عليه طلبوا ذا الكفل وقالوا: هو الذي غرّ إلهنا. ثم قدروا على الملك على مسيرة شهرٍ من بلادهم، فلمّا نظروا إليه قائمًا يصلّي خرّوا له سجّدًا؛ فانصرف إليهم وسلّم عليهم وقال: اسجدوا لله ولا تسجدوا لأحدٍ من الخلق؛ فإني آمنتُ بربّ السماوات والأرض والشمس والقمر. ثم وعظهم وخوّفهم.

ثم عرض له وجعٌ وحضره الموت، فقال لأصحابه: لا تبرحوا؛ فإن هذا آخر عهدي بالدنيا. فإذا متّ فادفنوني. وأخرج كتابه فقرأه عليهم حتى حفظوه، وقال: هذا كتابٌ كتبه لي على ربي عز وجل؛ فادفنوه معي. فلمّا جهّزوه وضعوا الكتاب على صدره ودفنوه.

فبعث الله ملَكًا فجاء بالكتاب إلى ذي الكفل وقال: يا ذا الكفل، إن ربك قد وفى لكنعان بكفالتك، وأدخله الجنة؛ وهذا الكتاب الذي كتبتَه له. وإن الله عز وجل يقول: هكذا أفعل بأهل طاعتي.

فلمّا جاءه القوم يقولون: أنت الذي غرّرتَ بملكنا وأخفيتَه — قال: لم أغرّر به ولم أُخْفِه، ولكن دعوتُه إلى الله وتكفّلتُ له بالجنة. وقد مات ملككم اليوم في ساعة كذا، ودفنه أصحابكم، وهذا الكتاب الذي كتبتُه له على الله عز وجل بالوفاء، وقد وفّاه الله حقّه.

فحبسوه حتى قدم أصحابهم فقصّوا عليهم القصة، وأخرجوا وصف الكتاب فإذا هو هو، وحسبوا اليوم فإذا هو اليوم الذي أخبرهم به. فآمنوا، وبلغ من آمن به عددًا عظيمًا.

سؤال: لماذا لم يبقَ الملك في ملكه؟

وهنا سؤالٌ يتكرّر في هذه القصص؛ فقد ذكرنا قبل ذلك قصّتين على النمط نفسه: ملكٌ من ملوك بني إسرائيل، وآخر من الملوك، وكلاهما ترك موضعه ومضى.

والنظرية المستقرّة عندنا تقول: «الناس على دين ملوكهم». فالمفترض أن يبقى الملك في مكانه فيتبعه الناس، خصوصًا وهم يدّعون له الألوهية! فلماذا يرحل؟

الجواب الأول: أن هذا الخضوع لم يكن خضوعًا حقيقيًّا، وإنما كان مبنيًّا على هوًى مشترك بينهم. فإذا جاء الحقّ تباينت المواقف، ولم تقع الاستجابة التي نتخيّلها.

وشاهدُه ما ذكرناه من قصة هرقل؛ فقد قال لأبي سفيان رضي الله عنه: «ولو أني أعلم أني أخلُص إليه لتجشّمتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدمه» (رواه البخاري). ثم إنه جمع قادته وكبار رجال دولته وقساوسته في دارٍ وأغلق أبوابها، ثم عرض عليهم الدخول في هذا الدين — فحاصوا حَيصة حُمُر الوحش إلى الأبواب. فلمّا رأى نفرتهم قال ما يستدركه، فرضوا عنه وسجدوا له.

فقد كان يختبر مستوى ثباتهم؛ فتبيّن له أنهم لن يتبعوه في هذا التحوّل.

الجواب الثاني: أن الملك آمن بالحقيقة نفسها بغير آية، وأما هؤلاء فآمنوا بعد أن رأوا الآية. وفرقٌ بين المرتبتين.

الناس ليسوا في مرتبةٍ واحدة: قصة طالوت

وشاهد ذلك قصة طالوت. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْالبقرة: ٢٤٦.

وتأمّل: مَن الذي طلب؟ الْمَلَأ — أي كبار القوم ووجوههم؛ وهم الذين يتبعهم الناس. فمعنى ذلك أن ضغط الذلّ والمهانة قد وصل إلى الجميع، فاتّخذوا قرارًا موحّدًا أن يلجؤوا إلى الله ويطلبوا من نبيّهم أن يسأل الله أن يبعث لهم ملكًا. وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها المجتمع أن يأخذ اتجاهًا حقيقيًّا للإصلاح: حين يصير المطلب مطلبَ من فوق ومن تحت جميعًا.

ثم لاحظ جوابهم: وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا؛ فالدافع مختلط: أهو القتال في سبيل الله، أم استرداد ما فُقد؟ ولذلك كانت النتيجة: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا.

ثم: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُالبقرة: ٢٤٧.

فمعاييرهم: النسب والمال. وأما المعيار الصحيح فهو بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ؛ فهم يريدون قائدًا لمعركة، فيحتاجون إلى دِرايةٍ تحسن التخطيط، وإلى قوّةٍ وهيبةٍ تفرض نفسها.

ثم مع ذلك احتاجوا إلى آية: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُالبقرة: ٢٤٨.

فقد كانت النخبة قد انتقلت، وبقي الجمهور وراءها؛ فالجمهور يحتاج إلى آيةٍ ليتابع. والله سبحانه لا يبخل بأسباب الهداية، لكنه يضعها في وقت الحاجة الحقيقية إليها.

ونظيره قصة قارون؛ فقد انقسم المجتمع قسمين: قسمٌ عنده علمٌ وإدراكٌ للحقائق وتعظيمٌ للآخرة فرأوها فتنة، وجمهورٌ قالوا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ — فاحتاجوا إلى الآية؛ فلمّا خُسف به قالوا: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُالقصص: ٨٢.

عظمة مجتمع النبوّة: تقارب الصفوف

ومن هنا نُدرك عظمة المجتمع الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لم تكن فيه مسافاتٌ واسعة بين الطبقات الإيمانية والمعرفية.

أما نحن فالمسافات بيننا واسعة: بين مَن فوق ومَن تحت، دينيًّا وإيمانيًّا، وعلميًّا وثقافيًّا. وأيّ مجتمعٍ فيه تباينٌ كبير — طبقيٌّ أو ماليٌّ أو ثقافي — ففيه خللٌ بنيوي.

فالمطلوب: أن يكون ثمّة حدٌّ أدنى متوفّر من الوعي والفهم والإدراك والإيمان والأخلاق، ثم مراتبُ متقاربة، والذي فوق يشدّ الذي تحت.

الأصل: البصيرة لا التبعية

ويوم القيامة يقول أهل النار: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاالأحزاب: ٦٧. فالناس لا تتّبع المناصب بقدر ما تتّبع «السادة» و«الكبراء» — أي أصحاب المكانة المعنوية.

وشاهدُه إسلام سعد بن معاذ رضي الله عنه سيّد بني عبد الأشهل؛ فقد أسلم بالنهار، ثم قال لقومه: كلامُ رجالكم ونسائكم عليّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فأسلمت بنو عبد الأشهل كلّها بالليل. فهم تابعوه لا لمنصب، بل لمكانةٍ معنوية.

لكنّ هذا ليس هو الأصل. الأصل في الدين أن يعقل كلّ شخصٍ ويعي ويؤمن على بصيرة: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِييوسف: ١٠٨.

ولذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «لا يكوننّ أحدكم إمَّعة» قالوا: وما الإمَّعة؟ قال: «يقول: أنا مع الناس؛ إن أحسنوا أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأت. ولكن وطّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم».

«هل كان فيهم نُخالة؟»

ومن الآثار في هذا الباب: أن ابن عمر رضي الله عنهما دخل على عبيد الله بن زياد فقال له: يا بنيّ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ شرّ الرِّعاء الحُطَمة» (رواه مسلم) — وهو الوالي العنيف الشديد الذي يقسو على الناس فيحطمهم — فإيّاك أن تكون منهم.

فقال له: اجلس، إنما أنت من نُخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! — يريد أنك لستَ من كبارهم. فقال ابن عمر: «وهل كان فيهم نُخالة؟! إنما النخالة فيمن بعدهم».

والنخالة هي ما يبقى في المنخل من الشوائب. فمعنى كلمته: أن ذلك المجتمع لم يكن فيه فضلات ولا شوائب — وهذه عظمةٌ نغفل عن قدرها. أما مجتمعنا فقد صار المنخل فيه لا يفرز شيئًا.

ضمانة بقاء المجتمعات: الإصلاح لا الصلاح

قال تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْهود: ١١٦، وقال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَهود: ١١٧.

وتأمّل: لم يقل «صالحون» بل قال مُصْلِحُونَ. فضمانة بقاء المجتمع ليست وجود صالحين في أنفسهم، وإنما وجود من يسعى في الإصلاح ولا ييأس من رحمة الله.

ونظيره: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَالأعراف: ١٧٠. فالصلاة سلوكٌ شخصي فردي وعصمةٌ للنفس، والإصلاح مدُّ اليد لإصلاح الآخرين.

وقد استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فزعًا يقول: «ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» — وحلّق بإصبعيه. فقالت زينب بنت جحش رضي الله عنها: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخبث» (متفق عليه). فتأمّل: قالت «الصالحون» فأثبت الهلاك؛ وفي الآية قال «مصلحون» فنفى الهلاك.

أصحاب السبت: ثلاثة أقسام

قال تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَالأعراف: ١٦٣.

فكانوا قومًا صيّادين، حُرّم عليهم العمل يوم السبت لأنه يوم عبادتهم. فكان السمك يأتيهم يوم السبت ظاهرًا على وجه الماء حتى يُؤخذ باليد بلا شبكةٍ ولا صنّارة، فإذا مضى السبت لم يأتِهم شيءٌ سائر الأسبوع. وهذه في ذاتها آية.

وكان المفروض أن يقفوا ويتساءلوا: لماذا يحدث هذا؟ فيرجعوا. لكنهم مضوا في اتجاه الحيلة: فوضعوا الشباك يوم الجمعة، فإذا جاء السبت وقع فيها السمك، فأخذوه يوم الأحد وقالوا: نحن لم نصطد يوم السبت!

وانقسم المجتمع ثلاثة أقسام: قسمٌ يفعل، وقسمٌ ينهى، وقسمٌ ساكت. قال تعالى: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَالأعراف: ١٦٤.

وتأمّل: أُمَّةٌ — أي شريحةٌ كبيرة؛ وهي التي وقفت تلوم الناصحين لا المخالفين! فهي تنصح الناصح بأن يكفّ، بدل أن تنصح المخطئ.

فكان الجواب في كلمتين: مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ — أي إن الله سيسألني ماذا صنعت، وأنا لا أملك سلطة، لكني أملك أن أنصح؛ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ — فالقلوب بيد الله ولا يدري أحد.

ثم كانت النتيجة: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَالأعراف: ١٦٥.

فذكر النجاة للناهين والعذاب للظالمين، وسكت عن الساكتين. وكان بعض السلف إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: لا ندري ما فُعل بالساكتين!

لماذا مُسخوا قردة؟

ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَالأعراف: ١٦٦.

ولماذا القردة تحديدًا؟ لأنهم صنعوا شيئًا يُشبه الدين وليس بدين؛ حيلةً على أمر الله ظاهرها الامتثال وباطنها المخالفة. فكان الجزاء من جنس العمل: صورةٌ تشبه الإنسان وليست بإنسان.

والقاعدة: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُالرحمن: ٦٠، وفي المقابل: ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَسبأ: ١٧. وصيغة الاستفهام الإنكاري تفيد الحصر: لا يكون إلا هذا.

من أين يبدأ الإصلاح؟

فأين نبدأ؟ نحن منذ مدّةٍ طويلة في حالةٍ من الضياع: لا نعرف ما هو المصروف بالضبط، ولا ما هي الغايات التي نريد تحقيقها؛ والتروس تدور بسرعةٍ في مكانها.

وأوّل ما نحتاجه: أن نستعيد علاقتنا بالله سبحانه وتعالى؛ أن نستعيد إيماننا به إيمانًا حقيقيًّا: صدقًا معه، واستشعارًا لنعمه، وتعظيمًا له، وركونًا إليه، واعتمادًا عليه، وطاعةً وتوكّلًا، وتذكّرًا للآخرة وتعظيمًا لشأنها، واستعادةً للثقة في هذا الدين بأنه فعلًا سبيل السعادة.

وكثيرًا ما يُتكلَّم عن إقامة الأحكام والشريعة؛ والسؤال: على أيّ شيءٍ تُبنى الأحكام؟ تُبنى على الإيمان. فالترتيب القرآني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثم يأتي الأمر — لا العكس.

ونحن نفترض أن الإيمان موجود، فنبني عليه ثم نجد البناء ينهار؛ لأننا بنينا على رمل. والفرق بين المعرفة والإيمان قلناه كثيرًا: المعرفة معلوماتٌ مخزّنة، والإيمان شيءٌ متأثّرٌ به معيشٌ في الحسّ والوجدان والسلوك والحياة.

تحذير: أن نسلك سَنَن من قبلنا

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِالنساء: ٤٧.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لتتبعنّ سَنَن من كان قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لدخلتموه» قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن؟» (متفق عليه).

فالخطاب في القرآن يتوجّه تارةً لـالَّذِينَ آمَنُوا وتارةً لـالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ؛ ونحن نفترض أننا في الأولى. والمطلوب أن نتحقّق من ذلك؛ فإن «آمنوا» فعلٌ ماضٍ له أثرٌ عملي واقعي.

البناء الهرمي للدين

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم بناء الدين بناءً هرميًّا فقال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» (رواه الترمذي).

فالأساس هو الإسلام: التسليم لله والثقة به وتعظيمه. ثم يقيمه بالصلاة — وهي العمود؛ لأنها الممارسة العملية لمعاني الإيمان، بها أعبد الله وأعظّم في نفسي مقامه. ثم تأتي الذروة.

ولا يقوم البناء إلا على هذا الترتيب.

هل الناس ترفض الخطاب الإيماني؟

ويُقال: الناس لا تتقبّل. وليس الأمر كذلك؛ فنحن منقسمون سياسيًّا، أما فوق الدين فلا. فإذا جئتَ تتكلّم عن الله وعن نعمه ورحمته، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته وأخلاقه، أو عن الصلاة وقيمتها والسكينة التي تُورثها — هل ينفر منك أحد؟ قد ينشغل ويمضي، لكنه لا يرفض المبدأ.

فالمشكلة ليست في رفض الناس، وإنما في أننا نفترض عندهم مستوًى معيّنًا ونطالبهم بآثاره، وهو غير موجود أصلًا.

وليست القضية أن نصنع انقسامًا؛ فالانقسام في زمن النبوّة كان ثمرةً لبثٍّ دينيٍّ قويٍّ مؤثّر أقام الحجّة على الناس، فانقسموا: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍالأنفال: ٤٢، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَالتوبة: ١١٥.

حديث عياض بن حمار

وفي الحديث القدسي الذي رواه عياض بن حمار رضي الله عنه: «إنّ الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمَقَتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب… وإني إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان» (رواه مسلم).

وتأمّل: نظر إليهم نظر المقت، ثم ماذا؟ لم يُتبع ذلك بالإهلاك، بل أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم. والذين استجابوا من الصحابة كانوا بالأمس داخلين في هذا الوصف. فالمقت لم يكن حكمًا نهائيًّا، وإنما وصفًا لحالٍ أعقبه البعث والرحمة.

كيف نعرض «سلعة الله»؟

وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إنّ سلعة الله غالية، ألا إنّ سلعة الله الجنة» (رواه الترمذي).

وأيّ إنسانٍ يروّج سلعةً يعتقد أنها عظيمة، يحرص على أن يجذب الناس إليها بكلّ وجوه العرض الحسن. فكيف نعرض نحن سلعة الله؟ فإن كان عرضُنا منفّرًا فقد أخطأنا الطريق؛ فالطرح المنفّر لا ينفع.

وهذه أمانةٌ ومسؤولية: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَالأعراف: ٦، وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَالصافات: ٢٤. فكلّنا مسؤول؛ ومن فهم فوظيفته أن يُفهّم من لم يفهم. قال صلى الله عليه وسلم: «بلّغوا عني ولو آية» (رواه البخاري).

الرحمة: أن تُبعد الناس عن العذاب

وقال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (رواه أبو داود والترمذي). والرحمة تشمل الشفقة، والإحسان، وكفّ الأذى، واحتمال قدرٍ من الأذى.

وهل هذه الرحمة دنيوية أم أخروية؟ الأصل أنها أخروية؛ فالدنيا محدودةٌ منقضية، والآخرة هي الباقية.

وتأمّل نوحًا عليه السلام: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَهود: ٤٣، ثم وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَهود: ٤٤، ثم وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُهود: ٤٥.

فمتى نادى؟ بعد أن غرق ابنه وانتهى الأمر. فليس مطلبه إنقاذه من الغرق — فقد وقع — وإنما إنقاذه من الخلود في النار. فهذه موازين النبيّ: الغرق ليس هو المصيبة، وإنما ما بعده.

سعادة الدنيا وسعادة الآخرة طريقٌ واحد

قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًاطه: ١٢٤. فالبعد عن الله عذابٌ دنيويٌّ معجَّل قبل العذاب الأخروي المؤجَّل.

وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» — يريد أن طاعة الله وعبادته والقرب منه هي جنّة الدنيا.

ومن رحمة الله أن أيّ خيرٍ تعمله، أو إحسانٍ تُسديه، أو عبادةٍ تتعبّدها — تجد أثرها معجَّلًا: تصلّي بشيءٍ من الصدق فتجد راحة، وتتصدّق أو تُحسن إلى أحدٍ فتجد صدرك منشرحًا. والجزاء معجَّلٌ ليحملك على المزيد.

الإخلاص في الإحسان

ومن أعظم ما يحرّك القلوب أن يشعر الناس أن عندك قدرًا حقيقيًّا من الإخلاص: أنّي أهتمّ بك لأني أهتمّ بك، وأساعدك لأني أحبّ أن أساعدك، وليس وراء ذلك شيء.

وهذا هو منطق القرآن: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًاالإنسان: ٨–١٠.

فإن صار الإحسان وسيلةً لتحصيل عوضٍ من الناس، فقد خرج عن أصله وفسدت الصورة؛ ولا بدّ أن نعود بها إلى وضعها الطبيعي: ابتغاء مرضاة الله.

كيف نتعامل مع العداوة؟

قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِفصلت: ٣٤–٣٦.

فذكر الله نوعين من العداوة:

عداوةٌ إنسية: صاحبها لا يزال فيه معاني الإنسانية؛ فهذا يُستصلح بالإحسان وكفّ الأذى والصبر — حتى يصير كأنه وليٌّ حميم. وهذا التحوّل ممكن، لكنه لا يُنال إلا بالصبر.

وعداوةٌ شيطانية: صاحبها قد تحوّل إلى صورة الشياطين؛ فهذا لا حيلة فيه، وإنما تُستعاذ بالله منه.

فكيف نفرّق؟ بصفات إبليس المستخرجة من قصته:

الكِبر: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُالأعراف: ١٢، أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَالبقرة: ٣٤.

الحسد لمن فُضّل عليه.

رفض التوبة: فقد طلب المهلة لا للمراجعة، بل ليُغوي: أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَالأعراف: ١٤.

الغَواية: أن يحرص على أن يأخذ معه من استطاع.

فمن اجتمعت فيه هذه فهو من شياطين الإنس؛ ومن كان دون ذلك — إنسانًا يخطئ ويصيب ويغضب ويرضى — فهذا يمكن علاجه واستصلاحه.

خاتمة

فخلاصة الأمر أمران:

الأول: أن صمّام الأمان في المجتمع هو بقاء المُصلحين لا الصالحين. فما دام ثمّة ناسٌ تحاول أن تُصلح، بقي المجتمع بعيدًا عن حلول العذاب.

الثاني: أن الناس جميعًا مفتقرون إلى الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِفاطر: ١٥. وهم اليوم في أشدّ مراحل الشعور بالضغط والاحتياج، ولا ينقصهم إلا من يقترب منهم ويأخذ بأيديهم؛ وستجد قدرًا كبيرًا من الاستجابة — بشرط الصبر، فالأمر ليس مرّةً ولا مرّتين.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «فطوبى للغرباء» قيل: ومن الغرباء؟ قال: «الذين يُصلحون إذا فسد الناس». فلم يقل «يَصلحون» بل «يُصلحون».

اللهم اجعلنا هُداةً مهتدين، غير ضالّين ولا مُضِلّين، واجعلنا من المصلحين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.