جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

القصة الأولى من كتاب التوابين

الخطبة الأولى

كنا نتكلم في التوبة، وقلنا إن التوبة نوعان: توبة من الإعراض، وتوبة من الإشراك. فأما توبة الإشراك فهي أن يكون الإنسان أصلًا خارج الإسلام، يهوديًّا أو نصرانيًّا أو وثنيًّا يعبد ما شاء من دون الله، فإذا منّ الله عليه بالإيمان سُمّي ذلك توبة، لأنه رجوع إلى الفطرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فكل قصص إسلام الصحابة، وإسلام أي إنسان في أي عصر، هي في حقيقتها صورة من صور هذه التوبة الكبرى: عودة الإنسان إلى أصل الفطرة.

وأما توبة الإعراض فهي توبة من كان بعيدًا عن ربه، مقيمًا على المعصية أو الغفلة، في حالة من التِّيه لا يدرك فيها معنى وجوده. وكلا النوعين نحتاج أن نتكلم فيه، لأننا كلنا محتاجون أن نرجع إلى ربنا سبحانه وتعالى.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»، فكل بني آدم يقعون في الخطأ، إلا أن الناس ينقسمون إلى مُصِرّ يُكمل على خطئه، وتائبٍ يفزع منه ويرجع. قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَالنور: ٣١، وقال سبحانه: وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَالحجرات: ١١. فالناس قسمان: تائب يرجع إلى ربه، وظالم يستمر على ما هو عليه.

قصة إسلام أبي إسماعيل النصراني

يُروى أنه كان بالموصل رجل نصراني يُكنى أبا إسماعيل، فمرّ ذات ليلة برجل يتهجّد على سطحه وهو يقرأ قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَآل عمران: ٨٣، فصرخ صرخة وغُشي عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح، فلما أصبح أسلم. ثم أتى فتحًا المَوصِلي فاستأذنه في صحبته، فكان يصحبه ويخدمه، وكان يبكي حتى ذهب نور إحدى عينيه وعشِّي في الأخرى.

وحدّث يومًا عن فتح، فقال: كان والله كهيئة الروحانيين، معلَّق القلب بما هنالك، ليس له في الدنيا راحة. شهدتُ العيدَ معه ذات يوم، فرجعنا بعدما تفرّق الناس، فنظر إلى الدخان يتصاعد من نواحي المدينة فبكى وقال: قرّب الناسُ قرابينهم، فليتَ شعري ما فعلتَ يا ربي في قرباني عندك، يا محبوب. ثم غُشي عليه.

الصحبة لا العلم وحده

هذا الرجل لما سمع الآية، هزّته وأثّرت فيه، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل بحث عن أفضل من يعرفه في تلك البلدة، وهو فتح الموصلي، وطلب أن يصحبه ويخدمه. فالمعلومة وحدها غالبًا لا تكفي، وإنما تحتاج إلى المعايشة والقدوة، حتى نتعلم كيف نعيش ما نعرفه لا أن نكتفي بمعرفته. ولذلك سُمّي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم “صحابة” لا “تلاميذ”، لأنهم عايشوه في حياته اليومية لا في مجالس العلم فحسب، وكذلك سُمّي أصحاب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما من الأئمة “أصحابًا” لا “تلاميذ”، لأن الصحبة معايشة والتلمذة تلقٍّ.

ومن ذلك ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه في الحديث الطويل عن أحوال الميت في قبره وخروج روحه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه من خلال المواقف لا من خلال الدرس المجرد. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بصاحب طعام فأدخل يده فيه فوجد بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس منّا».

خاتمة

وهذا الرجل الذي اتّبع فتحًا الموصلي إنما أثّرت فيه هذه الصحبة، لأنه اكتسب من مخالطته ما لا يُكتسب من مجرد قراءة أو استماع. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا صحبة صالحة تعيننا على طريق التوبة، وأن يجعلنا من التوابين لا من المصرّين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.