ما مضى: هارون الرشيد والفضيل
كنّا ذكرنا في المرة الماضية قصة هارون الرشيد مع الفضيل بن عياض رحمه الله.
وخلاصتها: أن الرشيد ذهب إلى الحجّ، فقال للربيع حاجبه: انظر لي رجلًا أستعيده — أي يعظني ويُذكّرني.
فذهب به إلى سفيان بن عيينة إمام أهل مكة، فتكلّم معه ساعةً ثم قال له: عليك دَين؟ قال: نعم. فقضى دينه.
ثم طلب أن يذهب به إلى رجلٍ آخر، فأتى به إلى عبد الرزاق بن همّام الصنعاني إمام أهل اليمن — وكان شاهدًا للموسم. فتكلّم معه ثم قال له مثل ذلك.
ثم طلب غيره، فذهب به إلى الفضيل بن عياض.
وقفة: لماذا كان يطلب الموعظة؟
فهارون الرشيد هو الذي كان يطلب النصح والإرشاد. وهذا يدلّ على أنه مُدركٌ لطبيعة وضعه وطبيعة الفتنة التي يواجهها.
فقد انفتحت عليه الدنيا، وهو صاحب السلطان الذي ليس فوقه أحدٌ من البشر؛ يُعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويُعاقب من يشاء.
فهو يريد أن يتصدّى له العلماء لينصحوه؛ لعلّ النصيحة تقع منه موقعها فيكون لها أثر.
لماذا لم تقع مواعظ الأوّلين موقعها؟
والذين ذهب إليهم ليسوا مغمورين ولا عديمي المكانة؛ بل هم أهل قدرٍ وعدالةٍ وتقوى ودين — ليسوا من نوعية من يُسمّون «علماء السلطان».
لكنّ كلامهم لم يقع منه موقعه. ولماذا؟
لأنه ليس فيه شيءٌ جديد يسمعه! فهم سيُذكّرونه بالله والمسؤولية والآخرة والوقوف بين يدي الله — وهو يعرف ذلك كلّه.
فهو لا يدور على معلومة؛ هو يدور على ما يهزّه.
الفارق في الاستقبال
ولاحظ الفرق منذ البداية:
فلمّا طرقوا على سفيان قيل: من هذا؟ قالوا: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعًا. وكذلك عبد الرزاق.
وأما الفضيل فلمّا قيل: أجب أمير المؤمنين، قال: ما لي ولأمير المؤمنين!
فأول شيء: بُعده — فهو غير مُستشرفٍ للقاء، بل ربما يدفع المقابلة.
مشهد الظلمة
ثم فتح الباب وصعد إلى المكان، فأطفأ السراج وقام يُصلّي. فجعلوا يتحسّسون في الغرفة حتى وجده هارون.
فلماذا الظلمة؟
لأنه يريد أن تقع النصيحة موقعها. فهو يُهيّئ جوًّا من السكون والظلمة — ربما ذكّر بالقبر، وربما ذكّر بالصراط؛ ويحمل الإنسان على أن يُركّز فيما يُلقى إليه ولا يشغله شيءٌ عنه.
فالحواسّ كلّها تنصرف إلى الكلام وحده، فلا يبقى ما يُشوّش الذهن؛ فتقع الكلمة من القلب موقعها.
«ما ألينها»
فلمّا وضع هارونُ يدَه عليه، قال الفضيل: يا لها من كفٍّ ما ألينها! إن نجت غدًا من عذاب الله.
فتأمّل: هو يذكر النعيم الذي هو فيه، ثم يُعلّق بقاءه واستمراره بشرطٍ واحد: النجاة غدًا.
فالنعيم الحقيقي أن يدوم؛ وهو لا يدوم إلا إذا نجا الإنسان في موقف الحساب.
ثم بدأ يذكر شيئًا من سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وصفة من كانوا حوله وكيف كانوا ينصحونه.
«أنت وأصحابك تقتلونه»
فوقع ذلك من هارون موقعًا عظيمًا حتى بكى بكاءً شديدًا.
فقال الربيع: ارفق بأمير المؤمنين! فقال الفضيل: يا ابن أمّ الربيع، تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟!
فتأمّل: هو يقول لهم: أنتم الذين تقتلونه بالمداهنة وتزيين الباطل، ثم تُطالبونني بالرفق!
ثم لمّا تمالك نفسه طلب المزيد؛ فذكّره أيضًا بسير الصالحين من الولاة والأمراء.
«دَينٌ لربي»
فلمّا انتهى سأله: عليك دَين؟
فقال: نعم، دَينٌ لربي لم يُحاسبني عليه؛ فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم أُلهَم حجّتي.
وقفة: لماذا لم يأخذ المال؟
ولاحظ أنه لم يقل «لا»؛ بل قال «نعم» — ثم صرف المعنى.
ولماذا لم يأخذ؟
ليس لأن أخذ المال غلط في نفسه؛ فقضاء الديون حقٌّ من حقوق الزكاة، وأهل العلم لهم حقٌّ في عطاءات بيت المال، والحاكم يتصرّف في مال المسلمين.
لكنه رأى أن المال في هذا الموقف بالذات قد يُفسد أو يُشوّش أو يُنقص من قيمة التأثير الذي أوقعه؛ فأراد أن يبقى الأثر كما هو صافيًا.
وقفة: صورة التنبيه
وهذه من صور التنبيه التي لها أثرٌ كبير: أن تُصرف الكلمة من معناها الدارج إلى معناها الأعمق.
ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» (رواه مسلم).
فهو صلى الله عليه وسلم لم يُنكر أن ذاك مفلس؛ لكنه بيّن أن ثمّة إفلاسًا أخطر — إفلاس الآخرة الذي لا يمكن استدراكه.
«ما أمرني ربي بهذا»
ثم قال هارون: إنما أعني من دَين العباد.
فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا؛ إن ربي أمرني أن أُصدّق وعده وأُطيع أمره. ثم تلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُالذاريات: ٥٦–٥٨.
فعُرضت عليه ألف دينارٍ فأبى أن يقبضها.
فمن أين جاء الفضيل؟
فنحن نتكلّم عن شخصٍ على هذه الحال من الزهد والصلاح والجرأة في النصيحة وعدم المهابة للملوك وأصحاب السلطان — وهذه قمّةٌ ينبغي أن يرتقي إليها أهل العلم.
فمن أين جاء هذا الرجل؟
قصة التوبة
كان الفضيل بن عياض يقطع الطريق وحده.
فخرج ذات ليلةٍ ليقطع الطريق، فإذا هو بقافلةٍ قد انتهت إليه. فقال بعضهم لبعض: اعدلوا بنا إلى هذه القرية؛ فإن أمامنا رجلًا يقطع الطريق يُقال له الفضيل.
فسمع الفضيل فأُرعد، وقال: يا قوم، أنا الفضيل! جوزوا. والله لأجتهدنّ ألا أعصي الله أبدًا.
فرجع عمّا كان عليه.
وقفة: «يقطع الطريق وحده»
وهذا وصفٌ له دلالة. فقطع الطريق يكون عادةً بجماعة؛ فأن يفعله وحده يعكس قدرًا كبيرًا من العتوّ والتجبّر، وقدرًا كبيرًا من القوّة والثقة بالنفس.
وفي روايةٍ أخرى
ويُروى أنه كان يهوى جاريةً، فبينما هو يتسوّر إليها سمع تاليًا يتلو: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّالحديد: ١٦.
فقال: بلى والله، قد آن. فكان هذا مبتدأ توبته.
ما الذي هزّه في المشهد الأول؟
فتأمّل: هو كان مُتصيّدًا في مكانٍ خرب، والقافلة نزلت في المكان نفسه لا تدري أنه فيه — فقعدوا ينتظرون الصبح؛ لأن الفضيل أمامهم في الطريق.
فهو قاعدٌ يسمعهم وهم يتحدّثون عنه بالخوف والفزع.
فبدأ يُحسّ بمقدار سوء ما يفعل: أنه يُدخل الفزع والرعب في قلوب المسلمين.
بعد التوبة
قال إبراهيم بن الأشعث: سمعتُ الفضيل ليلةً وهو يقرأ سورة محمد ويبكي، ويُردّد هذه الآية:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْمحمد: ٣١.
ويقول: وتبلو أخبارنا! إن بلوتَ أخبارنا فضحتنا وهتكتَ أستارنا. إن بلوتَ أخبارنا أهلكتنا وعذّبتنا.
لومه لنفسه
وسمعتُه يقول: تزيّنتَ للناس، وتصنّعتَ لهم، وتهيّأتَ لهم، ولم تزل بهم حتى عرفوك فقالوا: رجلٌ صالح؛ فقضوا لك الحوائج، ووسّعوا لك في المجلس، وعظّموك. خيبةً لك! ما أسوأ حالك إن كان هذا شأنك.
وسمعتُه يقول: وما عليك ألّا تُعرف؟ وما عليك ألّا يُثنى عليك؟ وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس إذا كنتَ عند الله محمودًا؟
وقفة: لماذا ذكر هذه الثلاث؟
وكأنه أراد أن يُشير إلى أن أعظم ما كان عليه الفضيل بعد توبته أمران:
كثرة اللوم والعتاب للنفس.
وشدّة الحرص على ألّا يشتهر أمره ولا يُمدَح — لتبقى أعماله خالصةً لوجه الله، فلا يفتح على نفسه باب رياء.
الخلاصة
فأيّ إنسانٍ — مهما ساءت أحواله — يمكن أن يقع في دائرة التوبة إذا أذن الله له.
بل يمكن أن يرتقي بعد التوبة مراقيَ لا يصل إليها من قضى عمره في هذا السبيل من طلب العلم والعبادة.
لأنه كما كان عنده عزمٌ في طريقه الأول، صار عنده عزمٌ في طريقه الثاني. فهو كان في طريق الشرّ بقوّة — حتى قطع الطريق وحده؛ فلمّا هداه الله سلك طريق الخير بالقوّة نفسها.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد، يُصرّفه حيث يشاء» (رواه مسلم).
قصة الشِّبلي مع أمير الأعراب
قال الشِّبلي: كنتُ في قافلةٍ بالشام، فخرج الأعراب فأخذوها، وجعلوا يعرضونها على أميرهم.
فخرج جِرابٌ فيه سكّرٌ ولوز، فأكلوا منه — والأمير لا يأكل.
فقلت له: لِمَ لا تأكل؟ فقال: أنا صائم.
فقلت: تقطع الطريق، وتأخذ الأموال، وتقتل النفس — وأنت صائم؟!
فقال: يا شيخ، أجعلُ الصلح موضعًا.
قال الشِّبلي: فلمّا كان بعد حينٍ رأيتُه يطوف حول البيت وهو مُحرِمٌ كالشنّ البالي.
فقلت له: أنت ذاك الرجل؟ قال: ذاك الصوم بلغ بي هذا المقام.
وقفة: «أجعل الصلح موضعًا»
وهذه عبارةٌ عجيبة. فهو يريد أن يترك بابًا مفتوحًا يلج منه يومًا ما إلى الله.
فهو ليس غافلًا تمامًا؛ بل الله في فكره وعلى باله، ويُحدّث نفسه بالتوبة ويتمنّاها، ويريد أن يعمل شيئًا لعلّ الله يرحمه به.
و«الشنّ البالي» هو القربة القديمة المتهرّئة. فقد أصابه من الهزال ما أصابه — وهذا غالبًا حال الإنسان كثير البكاء كثير التضرّع الذي يرجو أن يغفر الله له ما مضى.
قصة ابن هارون الرشيد
قال عبد الله بن الفرج: احتجتُ إلى صانعٍ يصنع لي شيئًا من أمر الرُّوزْجارِيّين — أي العمّال باليومية.
فأتيتُ السوق، فإذا في آخرهم شابٌّ مُصفَرّ، بين يديه زنبيلٌ كبير، وعليه جُبّة صوفٍ ومئزر صوف.
فقلت له: تعمل؟ قال: نعم. قلت: بكم؟ قال: بدرهمٍ ودانق.
فقلت له: قم. فقال: على شريطة. قلت: وما هي؟ قال: إذا كان وقت الظهر فأذّن المؤذّن، خرجتُ فتطهّرتُ وصلّيتُ في المسجد جماعة، ثم رجعت؛ وإذا كان وقت العصر فكذلك.
قلت: نعم.
فقام معي، فجئنا المنزل، فوقفتُه على ما يُنقل من موضعٍ إلى موضع. فشدّ وسطه وجعل يعمل ولا يُكلّمني.
حتى أذّن المؤذّن للظهر، فقال: يا عبد الله، قد أذّن المؤذّن. فخرج فصلّى.
فلمّا رجع عمل عملًا جيّدًا إلى العصر. فلمّا أذّن قال مثل ذلك، فخرج فصلّى ثم رجع، فلم يزل يعمل إلى آخر النهار.
فوزنتُ له أجرته وانصرف.
«من سبتٍ إلى سبت»
فلمّا كان بعد أيامٍ احتجنا إلى عمل، فقالت لي زوجتي: اطلب لنا ذلك الصانع الشابّ؛ فإنه قد نصحنا في عملنا.
فجئتُ السوق فلم أره. فسألتُ عنه، فقالوا: تسأل عن ذلك المُصفَرّ المشؤوم؟ لا نراه إلا من سبتٍ إلى سبت، ولا يجلس إلا وحده في آخر الناس.
فلمّا كان يوم السبت لقيتُه في السوق فاستعملته.
فلمّا وزنتُ له الأجرة زدتُه، فأبى أن يأخذ الزيادة. فألححتُ عليه، فضجر وتركني ومضى.
فغمّني ذلك، فاتّبعتُه وداريتُه حتى أخذ أجرته فقط.
وقفة: لماذا يعمل يومًا واحدًا؟
فهو يعمل يوم السبت بدرهمٍ ودانق، ويتقوّت كلّ يومٍ بدانق. فالأجرة تكفيه أسبوعًا كاملًا؛ فلا يحتاج أن يعمل أكثر.
وأما الناس فيرونه «مشؤومًا» — لأنه لا يُخالطهم ولا يتكلّم معهم ولا يهزل، ويقف وحده في آخر الناس. فهو في نظرهم غريبٌ معوجّ.
مرضه ووصيّته
فلمّا كان بعد مدّةٍ احتجنا إليه، فمضيتُ يوم السبت فلم أُصادفه. فسألت، فقيل لي: هو عليل.
فسألتُ عن منزله، فأتيتُه فوجدتُه في بيت عجوز، مريضًا وتحت رأسه لِبنة.
فسلّمتُ عليه وقلت: لك حاجة؟ قال: نعم، إن وفيت.
قال: إذا أنا متّ، فخذ جُبّتي هذه ومئزري وكفّنّي بهما. وافتق جيب الجُبّة؛ فإن فيها خاتمًا. وانظر يوم يركب هارون الرشيد، فقف له في موضعٍ يراك، فكلّمه وأرِه الخاتم؛ فإنه سيدعو بك، فسلّم إليه الخاتم. ولا يكون هذا إلا بعد سنين.
عند الرشيد
فلمّا مات فعلتُ به ما أمرني.
ثم نظرتُ اليوم الذي يركب فيه الرشيد فجلستُ له على الطريق. فلمّا مرّ ناديتُه: يا أمير المؤمنين، لك عندي وديعة! ولوّحتُ بالخاتم.
فأمر بي فأُخذتُ وحُملتُ حتى أُدخلتُ إليه. ثم نحّى جميع من عنده وقال: من أنت؟ قلت: أنا عبد الله بن الفرج.
قال: هذا الخاتم من أين لك؟ فحدّثتُه قصة الشابّ.
فجعل يبكي حتى رحمتُه.
فلمّا أنِس إليّ قلت: يا أمير المؤمنين، من هو منك؟ قال: ابني.
قلت: وكيف صار إلى هذه الحال؟
قال: وُلد لي قبل أن أبتدئ بالخلافة، فنشأ نشوءًا حسنًا وتعلّم القرآن والعلم. فلمّا وردت الخلافة تركني، ولم يَنَل من دنياي شيئًا.
فدفعتُ إلى أمّه هذا الخاتم — وهو ياقوتٌ يُساوي مالًا كثيرًا — وقلت: تدفعينه إليه، وتسألينه أن يكون معه؛ فلعلّه إن احتاج إليه يومًا أن ينتفع به. وتوفّيت أمّه فما عرفتُ له خبرًا إلا ما أخبرتني به أنت.
ثم قال: إذا كان من الليل فاخرج معي إلى قبره.
فلمّا كان الليل خرج وحده معي يمشي حتى أتينا قبره، فجلس إليه فبكى بكاءً شديدًا حتى طلع الفجر.
ثم قال: تعاهدني في الأيام حتى أزور قبره. فكنتُ أتعاهده فنخرج حتى نزوره ثم نرجع.
وقفة: لماذا فرّ من القصر؟
فهذا ابن الخليفة؛ ومع ذلك اختار أن يعمل عاملًا باليومية — وهو لا يُحسن صنعةً؛ فليس عنده إلا أن يحمل.
ولماذا؟ لأنه رأى أن الحياة هناك لن تُمثّل نموذج الصفاء الذي يدور عليه: فيها مجالسها ومشاكلها، وفيها قدرٌ من الاستطالة، وقدرٌ من الظلم يقع أو يُسكَت عنه — أو على الأقلّ الناس الذين حوله يظلمون باسمه.
فهو لا يقبل ذلك؛ فقرّر أن ينسحب.
وقفة: رحمة الله بأمثاله
وقد رحمه الله فلم يُطل عليه المدّة؛ فإن هذه الحياة صعبة، فعجّل الله له.
فيكفيه الاختيار الذي اختاره، والصبر الذي صبره.
قصة عليّ بن المأمون مع الحمّال
وهذه قصةٌ أخرى — عن عليّ بن المأمون؛ والمأمون هو ابن الرشيد.
قال عبد الحميد بن محمد: كان المأمون يَجِد بابنه عليٍّ وجدًا شديدًا، ويُقدّمه على جميع أولاده. وكان من أجمل الناس، مع أدبٍ وفصاحة.
قال: وكنتُ إذا دخلتُ الدار أمررتُ إليه فأُسلّم عليه، فأرى معه حياءً وبشاشة، ولا أرى فيه كِبرًا ولا عُتُوًّا. يُضاحك خدمه ويُلاطف جلساءه. ثم ما رأيتُ أسخى منه ولا أحسن خُلقًا ولا أطيب نفسًا.
وقفة: لماذا يُثني على أمرٍ طبيعي؟
فقد يُقال: وما وجه المدح في أنه ليس متكبّرًا؟ أليس هذا هو الأصل؟
والجواب: أن الأصل في هذه الشريحة بالذات غير ذلك؛ لأن كلّ أسباب الترفّع مجتمعةٌ عندهم.
فهم خلفاء بني العباس، وجدّهم العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعندهم شرف النسب، وعندهم المنصب، وعندهم الأموال. فليس ثمّة ما هو أكثر من ذلك.
فأن يخلو من الكبر مع اجتماع هذه الأسباب — هذا هو موضع الثناء.
سبب تزهّده
قال: وكان سبب تزهّده فيما أخبرني به شاكر: أنه كان في يومٍ صائفٍ شديد الحرّ، فأتاه خادمٌ فقال: يا سيدي، أمير المؤمنين قد دعا بطعامه وهو ينتظرك.
قال: ويحك! الحرّ شديد ويؤذيني، وأكره الخروج. فارجع وأعلمه أنك وجدتني نائمًا.
فمضى، فلم يكن أسرع من مراجعته وقال: قد قال: أدخل عليه ونبّهه.
فقام وهو كارِه، فحضر الطعام. ثم قعد أمير المؤمنين في الشراب — فقام عليٌّ وخرج من المجلس.
فانصرف إلى قصره، وأمر أن يُفرش له في بعض مستشرفاته على دجلة، وأُلقي فيه الماء والثلج.
وقعد على سريرٍ عليه غلالة ينظر إلى الناس وإلى دجلة، ودعا بقيانه وندمائه.
مشهد الحمّال
فبينما هو كذلك، إذ نظر إلى حمّالٍ قد أقبل عند الزوال؛ عليه دُرّاعةُ صوفٍ قد ابيضّ صوفها من البِلى، بلا قميصٍ تحتها ولا سراويل، وعلى رجليه خِرَقٌ من الحرّ، وعلى عنقه كارَزْنة وطبق.
فأتى دجلة فقعد في بعض السفن — والأمير ينظر إليه لا يصرف بصره عنه.
فوضع طبقه وكارَزْنته، وخلع نعليه، وألقى الخِرَق عن رجليه، ودنا من دجلة فغسل يديه ورجليه.
ثم انصرف إلى موضعه، فأخرج جِرابًا له ففتحه، وأخرج منه كِسَرًا يابسةً مختلفة الألوان. وأخرج قصعة خشبٍ فغسلها وجعل فيها ماءً، وألقى تلك الكِسَر في الماء.
ثم أخرج صُرّةً ففتحها وأخرج منها ملحًا فنثره على الخبز، وقليلًا من الصَّعتَر. وتركها مقدار ما بلّ الكِسَر.
ثم تربّع على الرمل، وسمّى الله تبارك وتعالى، وأكل أكلَ رجلٍ يشتهي الطعام — وهو مع ذلك يشكر الله تعالى.
والأمير عيناه إليه حتى فرغ. فغسل القصعة وردّها إلى جرابه مع كُسيراتٍ بقيت، وشدّ خِرقة الملح.
ثم دنا من الشطّ فاغترف في كفّه من الماء وقال: يا سيدي ومولاي، لك الحمد على هذه النعمة التي تفضّلتَ بها عليّ؛ فلك الحمد على أياديك عندي، ولك الحمد ولك الشكر.
ثم وضع رأسه على كارَزْنته وتمدّد على الرمل ساعة، ثم قام فتهيّأ للصلاة وقام يُصلّي.
استدعاؤه
فقال الأمير للغلمان: ليذهب أحدكم إلى الرجل القائم المصلّي فيأتيني به مع طبقه وكارَزْنته، ولا يُرعبه، وعليه بالرفق.
فمضى بعض الغلمان فأقام عنده حتى سلّم، ثم قال: قم معي حتى تحمل لي متاعًا من قصر الأمير.
فقال: اطلب غيري؛ فإني ما تُقلّني بدني.
قال: الموضع قريب والحمل خفيف.
قال: يا حبيبي، خلّصني وأنت تُصيب غيري؛ ساعِفني، فإني أكره دخول الدار.
قال: لا بدّ منه؛ إن قمتَ وإلا أقمتُك.
فقام الرجل، وألقى كارَزْنته في عنقه وحمل الطبق، وقرأ: وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْالبقرة: ٢١٦.
الحوار
فأدخله الغلام القصر، ثم أصعده حتى أوقفه بين يدي الأمير. فأمره بالقعود.
فقال له الندماء: أيها الأمير، من هذا حتى تأمره بالقعود مع وسخه؟!
فأسكتهم، ثم قال: من أهلها أنت؟ قال: نعم.
قال: ما صناعتك؟ قال: ما ترى.
قال: وكم عيالك؟ قال: نحن عيال الله. لي والدةٌ عجوزٌ مُقعدة، وأختٌ عمياء زَمِنة.
قال: فأهلٌ وولد؟ قال: ما لي أهلٌ ولا ولد.
قال: فكم يكون الكسب؟ قال: على قدر ما أُرزَق؛ إلا أنه لا ينصرف يومٌ إلا ونحن فيه في كفايةٍ من فضل الله تعالى.
قال: فتُطيق الحملة كلّ يوم؟
قال: إذا صلّيتُ الفجر خرجتُ فتعرّضتُ للرزق إلى وقت الزوال، ثم أتفرّغ لنفسي إلى فراغي من ساعة العصر، وأُجِمّ نفسي من العصر إلى الليل.
قال: فليس تكون بالليل جِمامًا؟
قال: إن أجممتُ نفسي بالليل تركتني فقيرًا يوم القيامة.
قال: إني رأيتُك تأكل وحدك؛ فكيف لا تأكل مع والدتك؟ قال: إنهما تصومان، فأجعل عشائي مع فطرهما.
رفض العطاء
قال: أخرج الكِسَر. ففتح جرابه فأخرج منه كِسَرًا يابسةً سوداء وحمراء وبيضاء.
فنظر إليها الأمير ساعةً يتأمّلها متفكّرًا.
ثم قال: يا شاكر، ائتني بخمسة آلاف درهمٍ صِحاح. فجاءه بها ليفتح بها حاله.
فقال: أيها الأمير، أنا غنيٌّ عنها، لا حاجة لي فيها.
فجهد به على أن يأخذها فأبى.
الحاجة
فقال الأمير: فلي إليك حاجة. قال: وما حاجة مثلك إلى مثلي؟
قال: هي حاجةٌ مهمّة.
فأخذ بيده فأدخله بعض غرفه وقال: قد عرفتَ حالي وقصّتي وموضعي، وما أنا فيه من هذا المُلك ونعيم الدنيا ولذّتها. فادعُ الله تبارك وتعالى أن يُزهّدني في الدنيا ويُرغّبني في الآخرة.
الوصية
فقال له الحمّال: يا حبيبي، ما لي عند الله من المنزلة ما أدعوه بها. إلا أن بعض الحكماء يقول: من خاف أَدلَج، ومن أَدلَج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.
افرض على نفسك كلّ يومٍ وساعةٍ شيئًا معلومًا من خصال الخير؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك جاءتك العزيمة بالعون من الله تعالى على ذلك.
ولا تُؤخّر عمل يومك لغد.
ولا تُكلّف نفسك ما لا طاقة لها به.
وأكثِر ذِكر الموت؛ فإن ذكره يُكثّر قليلًا ويُقلّل كثيرًا.
وعليك بتقوى الله تعالى وطاعته واجتناب معاصيه.
ثم رفع يديه وطأطأ رأسه ودمعت عيناه وقال:
«يا من رفع السماء بقوّته، ودحا الأرض بمشيئته، وخلق الخلق بإرادته، واستوى على العرش بقدرته — يا مالك الملك، وجبّار الجبابرة، وإله العالمين، ومالك يوم الدين: أسألك برحمتك وجودك وقدرتك أن تُخرج حبّ الدنيا من قلب عبدك عليّ، وتُوفّقه لطاعتك ولأعمالٍ تُقرّبه إلى مرضاتك، وتُجنّبه معاصيك، وتختم له بالرضوان يا أرحم الراحمين».
وقفة: «رُبَّ أشعثَ أغبر»
وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرين، لو أقسم على الله لأبرّه» (رواه مسلم).
فأنت إذا رأيتَه لم تظنّ أنه يُنفع في شيء. فلمّا تكلّم تبيّن أنه ليس صاحب حالٍ وعبادةٍ فحسب؛ بل صاحب عقلٍ وفطنةٍ وفهم. ولو وُزن بأولئك الندماء لما وزنوا عنده شيئًا.
ولذلك لا ينبغي أن يحتقر الإنسان أحدًا.
وقد صعد ابن مسعود رضي الله عنه شجرةً يجتني منها سِواكًا، فنظر الصحابة إلى دقّة ساقيه فضحكوا. فقال صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من دقّة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد» (رواه أحمد).
فالوزن عند الله مختلف؛ وإنما يُثقّلهما الإيمان الذي يجري في مفاصله.
شرح الوصية
«من خاف أَدلَج» — والإدلاج السير بالليل. أي أن من خاف أن يفوته شيءٌ تحرّك مبكّرًا؛ ومن تحرّك مبكّرًا بلغ المنزل. فعليك أن تتعجّل إلى الله.
«افرض على نفسك شيئًا معلومًا» — أي اعمل لنفسك برنامجًا؛ حاجات محدّدة وأورادًا محدّدة. فالإنسان لا يرتقي بالكلام العامّ، وإنما بخطواتٍ محدّدة.
ثم قال: «فإنك إذا فعلتَ ذلك جاءتك العزيمة بالعون من الله». فأنت تأخذ الخطوة الأولى من المجاهدة والعزم، ثم يجذبك الله إليه.
قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «من تقرّب إليّ شبرًا تقرّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة» (متفق عليه).
«ولا تُؤخّر عمل يومك لغد»
وهذه من أعظم آفاتنا: التسويف.
ومثاله جدول المذاكرة! فالوقت ضيّق، والإنسان لا يريد أن يُذاكر؛ فيقضي اليوم كلّه في عمل جدول. ثم في اليوم التالي يجد الجدول قد تعطّل، فيعمل جدولًا جديدًا — وهكذا.
ومثله: «من أول يناير أُقلع»، أو «من أول رمضان أبدأ»، أو «من الجمعة القادمة إن شاء الله».
وهذه من أهمّ حِيَل الشيطان في خداع الإنسان؛ فإن الذي لا يعمله اليوم لن يعمله غدًا — لأن غدًا ستأتي فيه الصوارف نفسها.
«ولا تُكلّف نفسك ما لا طاقة لها به»
أي أن يكون البرنامج واقعيًّا في حدود القدرة والطاقة.
فلا ينبغي أن يقرأ الإنسان ترجمةً لأحدٍ كان يفعل شيئًا عظيمًا فيريد أن يفعل مثله فورًا — فينقطع.
«وأكثِر ذِكر الموت»
فذكر الموت يُكثّر القليل ويُقلّل الكثير.
أي أن تذكّر الآخرة يُصغّر الدنيا، وتذكّر الموت يُحقّرها. فإذا صغُرت الدنيا في عين الإنسان زهد فيها.
ما بعد اللقاء
فبكى الأمير بكاءً شديدًا. ثم قال الحمّال: لو قبلتَ مني شيئًا؟ قال: لا أريده؛ وحاجتي أن تُعجّل بسراحي.
فأمره بالخروج، فخرج.
وانصرف الأمير إلى موضعه وهو متفكّرٌ قد ذهب نشاطه.
ثم التفت إلى ندمائه فقال: يا قوم، لو شهدتم طعام أمير المؤمنين، ورأيتم ما يُرفع ويُوضع من صنوف الأطعمة… ثم جعل يصف ذلك الطعام: الخبز يُتنوَّق في بياضه وجودته، يُنخل بالشعر ثم بالكرابيس ثم بالحرير حتى يبقى مُخّه فقط؛ وتُوقد ناره بالقصد، فإذا سكن وهجُها بُخّر التنّور بالعود القُماري…
ثم قال: وهذا الحمّال طعامه ما قد رأيتم، ومائدته سبقٌ من سعف النخل.
ثم طأطأ رأسه وجعل ينكت بإصبعه على الحصير.
استدعاء النموذج
ثم قال: يا غلام، ائتني بخزانة الكتب.
فأخرج سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجعل ينظر فيها ويقول:
اسمعوا ما كان طعام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: عُراقٌ ولحمُ قِدرٍ مطبوخٌ بماءٍ وملح، وأقراصٌ من شعيرٍ غير منخول.
فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو أكلتَ غير هذا الطعام؛ فقد وسّع الله على المسلمين.
فقال: إن الله تبارك وتعالى عيّر قومًا بأكلهم فقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَاالأحقاف: ٢٠.
ثم قال: يا غلام، أخرِج لي سيرة عمر بن عبد العزيز. فأُخرجت إليه، فجعل ينظر فيها ويصف لندمائه.
وقال: أبعد الله بطنًا يُعقِب صاحبَه ندمًا يوم الحسرة في عرصة القيامة!
هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما اشتهى عنبًا فلم يذقه. وهذا سعيد بن المسيّب يقول: ليت الله جعل رزقي في مصر في خصار… وهذا الربيع بن خُثيم اشتهى خبيصًا فلم يذقه. وهذا مالك بن دينار…
ثم قال — وتدمع عيناه: ترى القوم لم يشتهوا طيّب الطعام؟ بل اشتهوه؛ ولكنهم ذهبوا عن الفاني إلى الباقي، وباعوا القليل بالكثير، وصبروا في دنياهم فنالوا ما طلبوا. خرجوا من الدنيا خِماصًا جياعًا حُفاةً عُراة؛ فلم تأكل الأرض منهم شحمًا ولا لحمًا، بليت الجلود على العظام والعروق.
ثم أخرج ساعده كأنه قضيب فضّة، وقال: إن هذا الساعد مع هذا البدن رُبّي بالأطعمة والأشربة التي وصفتُ لكم؛ ليَبلينّ في التراب كما يَبلى ساعد ذلك الحمّال.
ثم أرسل عينيه فبكى بكاءً شديدًا.
ثم قال: يا غلمان، ارفعوا هذين — يعني آلات المعازف — قبّحهما الله! فما أُميتهما للقلوب، وأضرّهما، وأذلّهما.
فرُفعت، وانصرف الندماء والخدم والغلمان، وبقي وحده متفكّرًا لا يأذن لأحدٍ عليه.
الخروج
حتى إذا مضى بعض الليل دعاني فقال: يا شاكر، خُذ مفاتيح الخزائن فاحفظها مع جميع ما في الدار؛ فإني منطلقٌ إلى سيدي.
فخرج وعليه إزارٌ قد أخذه على رأسه، ونعلٌ طاقٌ في رجليه. وقال: لا يتبعني منكم أحدٌ بشمعة.
فخرج معه غلامٌ صغير، وتخلّف عنه الخدم والغلمان.
فلمّا أصبحنا افتقدناه. فجاء الغلام فسألتُه عنه، فقال: لم يدخل دار أمير المؤمنين، ولكنه أخذ نحو دجلة، وقال لي: قف هاهنا ولا تبرح. فلا أدري أين ذهب؛ إلا أنه دنا من ملّاحٍ فناوله دنانير وقال: لي حاجةٌ مهمّة بواسط، فتعجّل بي. وهو لا يعرفه. فأدخله الزورق ومضى به إلى واسط.
ثم لم يكن بواسط حتى خرج إلى البصرة.
حياته في البصرة
وتنكّر ولبس الخشن على ذلك الجسد النقيّ، واشترى طبقًا وتهيّأ بما رأى من زيّ الحمّالين. وجعل الطبق على عاتقه، يعمل على مقدار قوّته ويحمل على رأسه بالقطع والكِسَر.
بالنهار صائم، وبالليل قائمٌ يُصلّي. يمشي حافيًا حتى تقطّعت رجلاه. يبيت في المساجد ويتخلّلها كي لا يُفطَن له.
وكان أمير المؤمنين لمّا وقف على أمره كتب في الآفاق إلى العمّال في كلّ بلدٍ أن يُطلب، ووُضعت عليه العيون؛ فلم يُوقَف على أمره.
وفاته
فمرض في بعض المساجد وتغيّرت حاله. فلمّا اشتدّت به العلّة دخل بعض الخانات ببصرة، فاكترى غرفةً وألقى نفسه على بارية.
فلمّا أيِس من نفسه دعا صاحب الخان، فناوله خاتمه ورقعةً مختومة وقال: يا هذا، إذا أنا قضيتُ نحبي فاخرج إلى صاحبكم — يعني الوالي — فأرِه خاتمي وعرّفه موضعي، وناوله هذه الرقعة.
فمات رحمه الله. فسجّاه صاحب الخان، وخرج نحو باب الأمير فنادى: النصيحة! فأُدخل، فأراه الخاتم.
فلمّا نظر إليه الوالي عرفه وقال: ويحك! أين صاحب الخاتم؟ قال: في غرفةٍ في الخان ميّت. وناوله الرقعة مختومةً مكتوبًا عليها: لا يفكّها إلا المأمون أمير المؤمنين.
فركب الأمير حتى أتى الخان، وحوّله إلى قصره، وطُيّب بالكافور والمسك والعنبر، ولُفّ في قباطيّ وثيابٍ بيضاء من كتّان.
وحمله في الماء إلى المأمون، وكتب إليه يُعرّفه قصته: أنه وجده في غرفةٍ على باريةٍ في بعض الخانات، ما تحته مِهاد ولا عنده باكية؛ مُغمض العينين، مستنير الوجه، طيّب الرائحة.
عند أبيه
فلمّا وصل كتابه إلى أمير المؤمنين وأُدخل عليه، قام فكشف عن وجهه وأكبّ عليه فقبّله وشهق، ووقعت الصيحة والبكاء في الدار.
ثم فكّ الرقعة، فإذا فيها مكتوب:
«يا أمير المؤمنين، اقرأ سورة الفجر إلى رابعة عشرة آية فاعتبر بها؛ واعلم أن الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون».
ثم أمر المأمون فغُسّل وكُفّن وأُخرج، والمأمون يمشي حتى صلّى عليه.
فلمّا وُضع في حفرته أمر الخدم فقال: اخرجوا من القبر. ثم اطّلع في القبر فقال:
«يا بنيّ، رحمك الله وأعطاك أمنيّتك ورجاءك. إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد أسعدك ونفعني بك؛ فنِعم الولد كنت. جمع الله بيني وبينك وبين ابن عمّي المصطفى صلى الله عليه وسلم».
ثم قال: سوّوا عليه. فدخل الخدم فأطبقوا عليه ألواحه.
ثم قال: أهيلوا عليه التراب — وهو واقفٌ يُصيبه الغبار، والخدم قيامٌ معهم المناديل يردّون عنه الغبار.
فقال: إليكم عني! يقع عليه التراب وتردّون عني الغبار؟!
والرقعة في يده لا يضعها.
فدعا محمد بن سعد فأمره أن يقرأ سورة الفجر. فجعل يقرأ ويبكي حتى رحمه من حضر.
ثم تصدّق عنه بألف ألف درهم، وأمر بعرض السجون فأطلق منهم، وكاتب العمّال بإنصاف الرعيّة وردّ المظالم، ونزع عن أمورٍ كثيرة.
وبقي بعده لا يذكره إلا بكى، وهو مكروبٌ لا يرتاح للذّةٍ ولا لشهوة؛ ويَنتاب مجلسَه الفقهاءُ يُصبّرونه ويُعزّونه. فما زالت تلك حاله.
الخلاصة
فمن رحمة الله أن جعل الولد نموذجًا وعبرة؛ حتى صارت وفاته خيرًا لأبيه، فحمله ذلك على مراجعة نفسه وتذكّر الآخرة.
وتأمّل: هو كان يعرف سيرة عمر بن الخطاب وسيرة عمر بن عبد العزيز؛ لكنه لم يكن يستدعيها.
وكان يعلم أن المعازف تُميت القلب؛ لكنه لم يكن يواجه نفسه بذلك.
فالإنسان يتغافل عن كثيرٍ ممّا يعلم. لكن حين يجد نموذجًا حيًّا أمامه — يرى فيه إيثار الآخرة على الدنيا حقيقةً لا كلامًا — فإن ذلك يهزّه ويُغيّره.
وقفة أخيرة: زهد الاضطرار وزهد الاختيار
ونحن قد نكون زهّادًا — لكن بالاضطرار. وأما الزهد بالاختيار فهو الصعب: أن يملك الإنسان ثم يتخلّى.
ومن رحمة الله بهؤلاء أنهم لا يُعمَّرون كثيرًا؛ فإن ما هم فيه معاناةٌ وتجربةٌ صعبة، فيتغمّدهم الله برحمته ويضمّهم إليه سريعًا.
ويبقى لمن حولهم أثرٌ كبير؛ فإن الأحداث والتجارب والنماذج تُؤثّر في حياة الناس تأثيرًا عظيمًا — من كان منهم على حالٍ حسنة أو غير حسنة.