الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
كنا في حديث سابق حول ما يَصدف الإنسان ويصرفه عن ربه عز وجل، الذي الخير كل الخير في طاعته والتقرب إليه، والبلاء كل البلاء والهلاك كل الهلاك في مباعدته والفرار منه سبحانه وتعالى؛ بل إن هذا مما يناقض فطرة الإنسان التي فُطر عليها. قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (الأعراف: ١٧٢-١٧٣).
فبيّن الله عز وجل – العليم الخبير – أن علة هذا البُعد إنما هو شعور الإنسان الوهمي بأنه لا يحتاج إلى ربه، وأنه مستغنٍ عنه. قال الله تبارك وتعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (العلق: ٦-٧)؛ أي: ظنّ نفسه استغنى، أنه ليس في حاجة إلى الله، وبالتالي لا يحتاج أن يتقرب إلى الله، ولا يحتاج أن يلجأ إلى الله، ولا يحتاج أن يدعو ربه تبارك وتعالى.
وهذا الوهم إنما ينشأ عنه – أو ربما يترتب عليه – وهمٌ آخر تكلمنا عنه في المرة الماضية، وهو وهم الاستحقاق: شعور الإنسان بأن ما هو فيه من خير ونعمة ليس من محض فضل الله تبارك وتعالى عليه، وإنما بما لديه من علم وخبرة وذكاء وفطنة وقدرة؛ قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي (القصص: ٧٨). فهذا هو الوهم الأول: شعور الإنسان بأنه قويّ، أنه متمكّن، أنه يملك هذه الأدوات، وينسى أن هذا مما وهبه الله له، ومن إحسان الله إليه: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (النحل: ٥٣-٥٤).
أما ما نتحدث عنه اليوم فهو وهم آخر من أوهام الاستحقاق: وهم الاستحقاق للكرامة؛ وهم الإنسان أنه يستحق ما هو فيه لأنه كريم على الله، محبوب لله، وأن الله إنما آتاه ذلك لمحبته له ولتفضيله له على غيره من الخلق.
فذكر الله تبارك وتعالى في كتابه ذكر رجلين، وصفهما الله سبحانه وتعالى بأنهما كانا متصاحبَين – وهذا كثيرًا ما يحدث في هذه الحياة: أن يتصاحب شخصان، ربما لاجتماع في مقاعد الدراسة أو للجيرة أو لغيرها، ثم يضرب الزمان ضرباته، وتمرّ بهم الأيام، وتتعادى بهم السنون، ثم يتباين حال هذا الشخص عن حال صاحبه دنيويًا، وتزداد الفروق يومًا بعد يوم. فهو سبحانه وتعالى يتحدث عن رجل رزقه الله قدرًا من الإيمان والتقوى، وعن صاحبه الذي لم يكن على هذه الحالة، وإن كان في جملة عباد الله المسلمين؛ ثم تُسفر الأحداث عن نوع من الحسد في قلب هذا العبد على صاحبه، لأنه ربما يراه أكثر تقوى وأكثر إيمانًا منه – وهذا شرّ أنواع الحسد؛ فغالب الحسد في أمور دنيوية: أن يحسد الإنسان غيره على ما آتاه الله من ملك أو سلطان أو مال أو ولد أو جاه أو نفوذ أو شهرة، وهذا هو المعروف المشهور؛ لكن ربما يحسد الإنسان غيره لأنه يراه أطوع لله منه وأكثر حرصًا على التقرب من الله وهو ليس كذلك، فيُضمر ذلك في نفسه.
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (الكهف: ٣٢-٣٤).
مقتضى الصحبة: حينما يمنّ الله تبارك وتعالى على عبد من عباده أن يعود ببعض هذا الخير على أصحابه أو إخوانه الذين رافقوه في مسيرة حياته الطويلة، إذا رآهم أضعف حالًا أو أرقّ حالًا أو أشد فقرًا أو أكثر احتياجًا وهو قد وسّع الله عليه – ماذا ننتظر منه؟ أن يأتي ببعض هذه المنّة في طريقه، أو في سبيل الإحسان إلى هؤلاء الأصحاب. لكن الذي حدث عكس ذلك؛ بدأ بالتفاخر والتكبر والتعالي على صاحبه ليثبت له أنه في الحقيقة أفضل منه وخير منه وأقرب إلى الله منه؛ ومعنى ذلك: “لما آتاني الله تبارك وتعالى كل هذا النعيم وحرمك أنت، فأنا إذن خير منك وأقرب وأرضى عند الله تبارك وتعالى” – وإن كان ظاهر الحال لم يُفصح عن ذلك.
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (الكهف: ٣٥-٣٦). دخل جنته متفاخرًا بها، متطلعًا إلى ما فيها من مظاهر الجمال والكثرة والعظمة، ويلتفت إلى صاحبه فيقول له: “أنا أكثر منك مالًا وأعزّ نفرًا”، ثم ينظر إلى جنته فيقول: “ما أظن أن تبيد هذه أبدًا” – فيها كل مقومات البقاء عنده؛ ما الذي يمكن أن يزيل عنه هذه النعمة؟ حتى إذا قُضي عليه الأجل، فما وهبه الله من أولاد سوف يستمرون في تثمير هذه الجنة التي تبقى أبدًا في ظنه. ثم يقول: وليس هناك ما يدل، أو ما يمكن أن نقطع به، أن هناك قيامة أو ساعة أو لقاء لله عز وجل – ربما كان هذا وهمًا، وإن كان بالأمس ممن يؤمن بذلك، لكنه اليوم يتشكك فيه؛ ولو افترضنا وجوده، فهو لا ينفي بيقين أن لقاء الله حق، ولكنه يقول: أنا شاكٌّ في ذلك. “ولئن رُددت إلى ربي” – بما أن ربنا سبحانه وتعالى قد أعطاني هذا تفضيلًا ومحبةً، فقطعًا سوف لا يحرمني خيرًا من ذلك حينما أعود إليه؛ فإذا كانت هذه الدنيا – على ما فيها من الضيق والقلة – قد أعطاني فيها ما أعطاني، فإذا كانت كما تزعمون جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فلا بد أن يكون عطاؤه لي خيرًا وأكبر وأوسع وأعظم من هذا العطاء الذي أعطانيه في هذه الحياة الدنيا: “ولئن رُددت إلى ربي لأجدنّ خيرًا منها منقلبًا”.
وانظروا في المقابل: حينما رأى سليمان عليه السلام عرش ملكة اليمن بين يديه، ماذا قال؟ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (النمل: ٤٠).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين. قال له صاحبه وهو يحاوره: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (الكهف: ٣٧-٣٩). هذا أمر قد طرأ عليه، لم يكن عليه بالأمس؛ “أكفرت؟” – إذن كان قبل ذلك ليس على هذه الحال، وإنما لما استغرق في النعمة ونسي المنعمَ تبارك وتعالى، تمادى به الحال حتى انتهى إلى هذا الوضع الذي نسأل الله تبارك وتعالى أن يجنّبنا إياه، وأن يثبّتنا على الإيمان، وألا يقبضنا إلا مسلمين موحّدين مؤمنين. هذه القلوب الضعيفة التي لم تتحمّل النعمة التي آتاها الله إياها، فبدلًا من أن تشكر بدأت تجحد وتكفر.
ثم أدّى صاحبُه حقّ النصيحة له، فوجّهه بمقتضى الصحبة القديمة وواجب النصيحة إلى ما كان ينبغي عليه فعله: كان ينبغي حينما تخطو إلى هذه الجنة أن تقول: ما شاء الله، إنما كان هذا العطاء بمشيئة الله وإرادته وعطائه ومنّته وقدرته؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. “ولولا إذ دخلت جنتك قلت: هذا بمشيئة الله وفضله، لا قوة إلا بالله” – إنما كان هذا بقوة الله تبارك وتعالى وتقديره وقدرته، ليس لي فيه حَولٌ ولا قوة، فأنا لم أهب نفسي هذه النعم، وإنما هي عطاء ومنّة وفضل من الله تبارك وتعالى؛ “إن ترني أنا أقلّ منك مالًا وولدًا” فتعيّرني بذلك وتتكاثر عليّ بما آتاك الله: فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (الكهف: ٤٠-٤١).
فتعويض الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين في الجنة تعويضٌ لا يُقادَر قدره، ولا يُدرى ما عظمته، وما قدر إكرام الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين فيه؛ كما قال سبحانه: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (الأعلى: ١٧)، ووَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ (طه: ١٣٢)، ووَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (يونس: ٢٥).
وكأن صاحبه كان ينظر من وراء حُجب الغيب: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (الكهف: ٤٢-٤٤). فلم ينفق في جنته المال والجهد والاستثمار فحسب، بل استهلك فيها إيمانه بالله تبارك وتعالى، وشكره لله، وقبوله لإحسان الله إليه، وإيمانه باليوم الآخر؛ استنفد فيها قلبه وروحه ونفسه وجسده وقواه، ثم أصبحت خاوية على عروشها.
وإذن فمن أسوأ ما يتوهّمه العبد إزاء نعم الله عليه: توهّمُ الإنسان أنه حينما يُعطى من هذه النعم فهذا دليل محبة الله تبارك وتعالى له؛ وإنما هذا – كما أخبر الله تبارك وتعالى – محض ابتلاء. فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا (الفجر: ١٥-١٦). كلّا: “لا ده بيفكّر صح، ولا ده بيفكّر صح” – فكِلا الموقفين خاطئ؛ بيّن سبحانه وتعالى أن هذا ابتلاء، وهذا ابتلاء: ابتلاء النعمة يستوجب الشكر، وتضييعه بالكفر والجحود والادّعاء للاستحقاق؛ وابتلاء التضييق يستوجب الصبر، ومعرفة أن الله عز وجل إنما ابتلاه ليُكفّر عنه سيئاته ويرفع من درجاته، لم يبتله ليعذّبه، وليس هذا دليلًا على سخط الله عليه. لكنه حينما لا يجتاز هذا الاختبار، يتوجه بفكره إلى أن ذلك إنما هو إذلال وإهانة من الله تبارك وتعالى له – عياذًا بالله وحاشاه – فيتسخّط على قدر الله تبارك وتعالى، فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا وتتوب علينا، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغنا إلى حبك.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا. متعنا اللهم بسمعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.