جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

توبة ذي الكلاع

مقدّمة: الافتقار إلى الله

قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَالحجر: ٨٧–٨٨.

والإنسان في النهاية فقيرٌ محتاجٌ إلى الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُفاطر: ١٥.

جهتان من الافتقار

وكلّ إنسانٍ مفتقرٌ إلى الله من جهتين عظيمتين:

الأولى: من جهة الإيمان نفسه؛ فالإيمان هو الذي يُعطي الإنسان السكينة والطمأنينة والراحة التي يبحث عنها.

الثانية: من جهة قضاء الحوائج ودفع الضرّ.

فالذي يظنّ أنه مستغنٍ عن الله فهذا ظنّه فحسب؛ وهو في الحقيقة غير مستغنٍ. وهذا هو الذي يُؤدّي إلى الطغيان.

قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰالعلق: ٦–٧.

ولاحظ: أَن رَّآهُ — أي أنه رأى نفسه مستغنيًا، لا أنه استغنى حقيقةً. فهو تخيّلٌ لا واقع.

حين تنكشف الحقائق

قال تعالى: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ۖ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُسبأ: ٥١–٥٤.

فتأمّل: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ. فماذا يشتهون؟

يشتهون شيئين: شيئًا أمامهم — أن يُنيلهم الله الإيمان الذي فات وقته؛ وشيئًا وراءهم — أن يبقوا في متاعهم الذي انقطع عنهم الآن.

فحيل بينهم وبين هذا وذاك.


قصة ذي الكلاع

ويحكي ابن قدامة رحمه الله عن ذي الكلاع الحِميري — وهو ملكٌ من ملوك اليمن.

وقد أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، فلم يستجب وبقي على دينه. ثم بقي كذلك في زمن أبي بكر رضي الله عنه، ثم أسلم في زمن عمر رضي الله عنه.

كيف كان في الجاهلية؟

قال أحدُ من شهده في الجاهلية والإسلام:

بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع بهديّة، فأقمتُ ببابه سنةً لم يُؤذَن لي.

ثم اطّلع اطّلاعةً من قصره، فلم يبقَ حول قصره أحدٌ إلا خرّ له ساجدًا.

ثم أمر بهديّتي فقُبلت.

وقفة: ماذا يفعل السلطان بالنفوس؟

فتأمّل مقدار التعظيم: أن يقف الرجل سنةً كاملة على الباب ليُسلّم هديّة!

وهذا معنًى مرّ بنا: أن الملك والسلطان وتعظيم الناس قد يجعل الشخص يتجاوز طوره وقدره وما يستحقّه بمقتضى العبودية.

فأن يكون ملكًا يتصرّف في أموال الناس وأمورهم — هذا مفهوم. لكنّ المشكلة أن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ.

وشاهده فرعون؛ قال تعالى: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَالزخرف: ٥١–٥٤.

فالمُلك، وطاعة الناس، والأنهار التي تجري من تحته — كلّ ذلك حمله على أن يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِيالقصص: ٣٨.

«مضاهاة الربوبية»

وقد ذكرنا مرّةً كلامًا لابن القيم رحمه الله في «المدارج» غايةً في الخطورة؛ وهو أن في النفس مضاهاةً للربوبية.

أي أن في داخل الإنسان نزوعًا إلى الاستعلاء؛ فإن لم يُلجم بلجام الإيمان فإنه يريد أن يستعلي على الناس حتى يُعاملوه كما يُعامَل الإله، ويُنازع الله في سلطانه — كما فعل فرعون.

فما العلاج؟

وقد ذُكر أن علاج ذلك: أن يذلّ الإنسان لله؛ فيتحقّق بذلّ العبودية. وهو أربعة أنواع:

الأول: ذلّ الافتقار — أن يستحضر الإنسان أن الناس كلّهم محتاجون إلى الله، وأنه سبحانه هو الكامل والعبدَ يعتريه الضعف والنقص والقصور؛ فهو دائمًا محتاجٌ أن يسأل الله حوائجه ويكشف عنه ما يعتريه.

الثاني: ذلّ العبادة — وهو الخضوع لله والسجود له. ولذلك استحقّ إبليس ما استحقّ حين أبى السجود.

الثالث: ذلّ المحبة — وهو خضوع القلب لمن يُحبّ.

الرابع: ما يقع من الإنسان من الخطايا والمعاصي؛ فإنها تُشعره بالضعف فتكسر فيه الشعور بالاستعلاء.


ثم رآه في الإسلام

قال: ثم رأيتُه في الإسلام بعدما أسلم في زمن عمر رضي الله عنه؛ وقد اشترى لحمًا بدرهم، وهو على فرسٍ وقد ضمّ اللحم إليه.

وهو يقول: أفٍّ للدنيا إذا كانت كذا! كلّ يومٍ أنا منها في أذًى؛ تقِلّ وتتبدّل.

قد كنتُ إذا ذُكر مَن أنعم الناس معاشًا كنتُ أنا؛ ثم بُدّلتُ بعيشٍ شَظَف. حبّذا هذا الشقاء، حبّذا!

وقفة: أيّ شقاءٍ هذا؟

فلماذا قال «حبّذا هذا الشقاء»؟

لأنه انتقل — باختياره. فقد كان يستطيع أن يبقى على ما هو عليه؛ ولو ضاقت به الجزيرة لانتقل بأمواله وعبيده إلى حيث شاء.

لكنه قرّر — بعدما كان يُدّعى له ما يُدّعى — أن يعيش كما يعيش العبد.

وأما تسميته شقاءً فبمقتضى المفهوم الدنيوي؛ وإلا فإن هذا ليس شقاءً في الحقيقة.

قال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰطه: ١٢٣–١٢٤.

فالشقاء الحقيقي شقاءٌ نفسيّ؛ والله قد نفاه عمّن اتّبع هداه نفيًا تامًّا. فقد يُصيب المسلم شيءٌ من الثقل الدنيوي، لكن هذا لا يُسمّى شقاء.


إسلامه وعتق عبيده

ولمّا سمع بالإسلام وفد على عمر رضي الله عنه ومعه ثمانية آلاف عبد، فأسلم على يديه.

وأعتق من عبيده أربعة آلاف.

فقال له عمر رضي الله عنه — لمّا رأى أنه لا يستطيع أن يُوفّي أثمان الباقين من بيت مال المسلمين: أمهلني يومي هذا أُفكّر فيما قلت.

ثم مضى إلى منزله فأعتقهم جميعًا.

فلمّا غدا على عمر قال: ما رأيُك فيما قلتُ لك في عبيدي؟

قال: قد اختار الله لي ولهم خيرًا ممّا رأيت؛ هم أحرارٌ لوجه الله.

ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني ما أظنّ أن الله يغفر لي.

قال: ولِمَ؟

قال: تورّيتُ عمّن يتعبّد لي، ثم أشرفتُ عليهم من مكانٍ عالٍ فسجد لي زُهاء مئة ألف إنسان.

وقفة: لماذا استعظم ذنبه؟

فتأمّل: هو لا يستعظم قتلًا ولا ظلمًا؛ وإنما يستعظم أن يكون قد بلغ به التعظّم أن يُسجد له.

ولاحظ التدبير: تورّى عن الناس — أي احتجب — مدّةً حتى اشتاقوا؛ ثم أشرف عليهم من مكانٍ عالٍ جدًّا وهم في الأسفل. فاجتمع علوّ المكان مع طول الاحتجاب، فخرّوا سجّدًا.

فهذا أعلى ما يكون من التعظّم وتجاوز العبد لحدّه.

جواب أحمد

وقد قال الإمام أحمد رحمه الله في هذا الباب: التوبةُ بالإخلاص، والإنابةُ بالإقلاع؛ يُرجى معهما مغفرة الأوزار.

فـالندم على ما مضى، والإنابة هي الرجوع وتغيير الحال.

لا أشرف من العبودية

فأيّ إنسانٍ بلغ ما بلغ، فليس ثمّة أعلى ولا أشرف ولا أعظم قدرًا من أن يكون عبدًا لله.

قال تعالى: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًاالنساء: ١٧٢.

وقال في عظمته سبحانه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَالزمر: ٦٧.

وعدُ بلوغ الدين

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين؛ بعزّ عزيزٍ أو بذلّ ذليل: عزًّا يُعزّ الله به الإسلام، وذلًّا يُذلّ الله به الكفر» (رواه أحمد).


هارون الرشيد يبحث عمّن يعظه

وننتقل إلى قصةٍ أخرى في الباب نفسه — وهي في حقيقتها بحثٌ دائمٌ عن التذكير.

سفيان بن عيينة

قال الفضل بن الربيع: حجّ أمير المؤمنين هارون الرشيد.

فبينا أنا نائمٌ بمكة إذ سمعتُ قرع الباب. فقلت: من هذا؟ قال: أجب أمير المؤمنين.

فخرجتُ مسرعًا فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أرسلتَ إليّ لأتيتُك.

قال: ويحك! قد خطر في نفسي شيء؛ فانظر لي رجلًا أستعيده.

فقلت: هاهنا سفيان بن عيينة. قال: امضِ بنا إليه.

فأتيناه فقرعتُ الباب. فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين.

فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلتَ إليّ لأتيتُك.

قال: قم لما جئناك له، رحمك الله.

فحادثه ساعة، ثم قال له: عليك دَين؟ قال: نعم. قال: يا عبّاسي، اقضِ دَينه.

فلمّا خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبُك شيئًا؛ انظر لي رجلًا آخر أسأله.

عبد الرزاق بن همّام

فقلت: هاهنا عبد الرزاق بن همّام. قال: امضِ بنا إليه.

فأتيناه فقرعتُ الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين.

فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلتَ إليّ لأتيتُك.

قال: قم لما جئناك له، رحمك الله.

فحادثه ساعة، ثم قال: عليك دَين؟ قال: نعم. قال: يا عبّاسي، اقضِ دَينه.

فلمّا خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبُك شيئًا؛ انظر لي رجلًا أسأله.

وقفة: لماذا لم تُغنِ مواعظهم؟

فهؤلاء أئمّة: سفيان إمام أهل مكة، وعبد الرزاق إمام أهل اليمن. وقد كان يتكلّم معهم فينصحونه — لكنّ الموعظة لم تقع بالقدر الذي يبحث عنه.

فهو يدور على شيءٍ أعمق.

الفضيل بن عياض

فقلت: هاهنا الفضيل بن عياض. قال: امضِ بنا إليه.

فأتيناه، فإذا هو قائمٌ يُصلّي يتلو آيةً من القرآن يُردّدها.

قال: اقرع الباب. فقرعتُه، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين.

فقال: ما لي ولأمير المؤمنين!

فقلت: سبحان الله! أما عليك طاعة؟

فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج، ثم انضمّ إلى زاويةٍ من زوايا البيت.

فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا؛ فسبقت كفُّ هارون كفّي إليه.

فقال: يا لها من كفٍّ ما ألينَها وأنعمَها! إن نجت غدًا من عذاب الله.

فقلتُ في نفسي: ليُكلّمنّه الليلة بكلامٍ نقيٍّ من قلبٍ تقيّ.

وصايا مشيري عمر بن عبد العزيز

فقال له هارون: قم لما جئناك له، رحمك الله.

فقال الفضيل: إن عمر بن عبد العزيز لمّا وَلي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القُرَظي، ورجاء بن حيوة. فقال لهم: إني قد ابتُليتُ بهذا البلاء، فأشيروا عليّ.

فقال له سالم بن عبد الله: إن أردتَ النجاة من عذاب الله فصُم عن الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت.

وقال له محمد بن كعب: إن أردتَ النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم عندك أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا. فوقّر أباك، وأكرم أخاك، وتحنّن على ولدك.

وقال له رجاء بن حيوة: إن أردتَ النجاة من عذاب الله فأحبّ للمسلمين ما تُحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مُت إذا شئت.

ثم قال الفضيل: وإني لأقول لك هذا، وإني لأخاف عليك أشدّ الخوف يومَ تزلّ فيه الأقدام. فهل معك — رحمك الله — مثلُ هؤلاء من يُشير عليك؟

فبكى هارون بكاءً شديدًا حتى غُشي عليه.

فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين!

فقال: يا ابن أمّ الربيع، تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟!

فأفاق هارون وقال: زدني، رحمك الله.

وقفة: أول شيءٍ في الوصايا

ولاحظ أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سمّى الخلافة بلاءً! فهذا أول ما ينبغي التنبّه له.

ثم لاحظ أن الوصايا الثلاث كلّها تدور على شيءٍ واحد: النجاة من عذاب الله. فليس فيها كلامٌ عن السياسة ولا عن التدبير؛ وإنما عن المآل.

كتاب عمر إلى عامله

قال الفضيل: بلغني يا أمير المؤمنين أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز شكاه أهلُ عمله.

فكتب إليه: «يا أخي، أُذكّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد؛ فإنك إن ذكرتَ ذلك سلمتَ. وإياك أن يُنصرف بك من عند الله إلى النار فيكون آخر العهد ومنقطع الرجاء».

فلمّا قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر.

فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعتَ قلبي بكتابك؛ لا أعود إلى ولايةٍ حتى ألقى الله.

وقفة: أهذه قصصٌ فحسب؟

وهنا سؤال: هل هذه قصصٌ للتسلية، أم أنها أشياء وقعت حقًّا؟

ونحن نعيش في زمانٍ صار فيه هذا الكلام أشبه بالقصص؛ لكنه وقع حقيقةً.

فما الذي جعل هؤلاء هكذا؟ تعظيم الله.

فالكلمة إنما تُؤثّر إذا وجدت في الداخل ما يستقبلها. فلو لم يكن في القلب شيءٌ أصلًا لما وقعت موقعًا.

ولذلك ما من قانونٍ يردع الإنسان كما يردعه خوفه من الله.

وكان عمر رضي الله عنه يقول: لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.

وقفة مهمّة: عمر لم يصنع الإسلام

ولا يُقال: إن عمر رضي الله عنه صنع الإسلام؛ وإنما الإسلام هو الذي صنع عمر وأمثاله.

فهم إنما قاموا بهذا لأنهم كانوا خائفين من الله؛ ربّاهم القرآن وهذّبهم وخوّفهم وجعلهم من أهل الخشية.

فنحن إذًا نتعلّق بالدين لا بالأشخاص؛ فالدين هو الذي يعمل في الناس. أما التعلّق بالأشخاص فمنتهاه أن الأشخاص يتبدّلون.

والدين موجودٌ والقرآن موجودٌ بحاله لم يتغيّر ولم يتبدّل؛ وإنما نحن الذين نتغيّر ونتبدّل.

حديث الإمارة

ثم قال الفضيل: يا أمير المؤمنين، إن العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليه فقال: يا رسول الله، أمّرني على إمارة.

فقال له صلى الله عليه وسلم: «يا عباس، يا عمّ رسول الله، نفسٌ تُحييها خيرٌ من إمارةٍ لا تُحصيها. إن الإمارة حسرةٌ وندامةٌ يوم القيامة؛ فإن استطعتَ ألّا تكون أميرًا فافعل».

فبكى هارون وقال: زدني.

قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة. وإياك أن تُصبح وتُمسي وفي قلبك غشٌّ لأحدٍ من رعيّتك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيّةً فيموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيّته إلا حرّم الله عليه الجنة» (متفق عليه).

فبكى هارون بكاءً شديدًا.

«دَينٌ لربي»

ثم قال له: عليك دَين؟

قال: نعم، دَينٌ لربي لم يُحاسبني عليه؛ فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم أُلهَم حجّتي.

قال: إنما أعني من دَين العباد.

قال: إن ربي لم يأمرني بهذا؛ إنما أمرني أن أُصدّق وعده وأُطيع أمره. قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُالذاريات: ٥٦–٥٨.

فقال له هارون: هذه ألف دينارٍ خُذها، فأنفقها على عيالك وتقوَّ بها على عبادة ربك.

فقال: سبحان الله! أنا أدلّك على طريق النجاة وأنت تُكافئني بهذا؟ سلّمك الله ووفّقك.

ثم صمت فلم يُكلّمنا.

وقفة: لماذا رفض؟

فهذا المال لم يُخرجه هارون من جيبه؛ وإنما هو من بيت المال — أي أنه حقٌّ للمسلمين.

وأعمق من ذلك: أن أخذ المال في تلك اللحظة كان سيهدم كلّ ما بناه.

فهو يقول له في المعنى: أنا أعظك وأدلّك على النجاة، فتُريد أن تُكافئني بشيءٍ من الدنيا؟! فهذا يُفسد العمل كلّه.

خارج البيت

فخرجنا من عنده. فلمّا صرنا على الباب قال هارون: يا عبّاسي، إذا دللتني على رجلٍ فدُلّني على مثل هذا؛ هذا سيد المسلمين.

ثم دخلت عليه امرأةٌ من نسائه فقالت: يا هذا، قد ترى ضيق حالنا؛ فلو قبلتَ من هذا المال شيئًا لفرّجتَ به عنّا.

فقال: مثلي ومثلكم كمثل قومٍ كان لهم بعيرٌ يأكلون من كسبه؛ فلمّا كَبِر نحروه وأكلوا لحمه.

وقفة: معنى المثل

ومعناه: أنّي بالنسبة إليكم مجرّد مورد؛ فإذا انتهت منفعتي فلا قيمة لي عندكم.

وهذا فيه من صعوبة الحال على النفس ما فيه — أن يشعر الإنسان أن الناس إنما يقربون منه لما ينالونه.

الجارية السوداء

فلمّا سمع هارون هذا الكلام قال: نرجع؛ فعسى أن يقبل المال.

فدخل. فلمّا علم الفضيل خرج فجلس على تراب السطح.

وجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يُكلّمه فلم يُجبه.

فبينا نحن كذلك إذ خرجت جاريةٌ سوداء فقالت: يا هذا، قد آذيتَ الشيخ منذ الليلة! فانصرف رحمك الله.

فانصرفنا.


عمر يُذكّر نفسه على المنبر

وقد صعد عمر رضي الله عنه المنبر فقال — وهو يُخاطب نفسه:

«يا عمر، قد كنتَ ترعى غنمًا لخالاتك بقراريطَ لآل الخطّاب!»

ثم نزل. فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما زدتَ على أن حقّرتَ نفسك.

فقال: ويحك يا ابن عوف! إني خلوتُ فحدّثتني نفسي أنّي أمير المؤمنين، فأردتُ أن أُعرّفها قدرها.

وقفة: المراقبة

فتأمّل: هو يُخاطب نفسه على المنبر أمام الناس!

فحتى في أعلى المراتب تميل النفس إلى شيءٍ من هذا. لكنّ الفارق أنه منتبهٌ لنفسه، يُراقبها ويُصلحها كلّما مالت.

وهذا ما يُسمّيه العلماء المراقبة: أن يُراقب الإنسان نفسه، مستحضرًا أن الله رقيبٌ عليه.

قال تعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَالانفطار: ٩–١٢.


لماذا يبحث الحاكم عن ناصح؟

فالسلطان بطبيعته يُورث الإنسان قدرًا من التعاظم والتعلّق بالدنيا؛ فمن كان مُدركًا لذلك حاول أن يجمع نفسه ويُراجعها كلّ حين.

ومن أهمّ ما يُدركه: أن الحاشية عادةً تسير مع السلطان لا العكس.

ولماذا؟ سببان

الأول: أنهم لا يريدون أن يُغضبوه لئلّا يفقدوا مكانتهم.

الثاني: أن مطالبهم ومصالحهم — من نفوذٍ أو منفعة — لا تتمّ إلا في ظلّ صورةٍ فيها شيءٌ من الجَور. فلو قامت الأمور على العدل التامّ ضاقت عليهم؛ فيصعب عليهم أن يأخذوا صورة العدل.

«ما أنصفتمونا»

ولذلك كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: يا معشر الرعيّة، ما أنصفتمونا! تطلبون منّا سيرة أبي بكر وعمر، ولا تسيرون فينا بسيرة رعيّة أبي بكر وعمر.

فهي علاقةٌ تبادلية من جهة الحاكم ومن جهة المحكوم.

جواب عليّ رضي الله عنه

وسُئل عليٌّ رضي الله عنه عن سبب تبدّل الحال من خلافة أبي بكر وعمر إلى ما بعدهما، فقال — بما معناه:

«إن أبا بكر وعمر كانا واليَين على مثلي ومثل عثمان؛ وأنا اليوم والٍ على مثلك ومثل أصحابك».

فتغيّر أوضاع الناس يُؤدّي إلى تغيّر في أحوال الولاية.

وسببٌ آخر: سعة الدنيا

وقيل لعبيدة السلماني نحوٌ من ذلك، فأجاب بما معناه: أن الدنيا كانت على أبي بكر وعمر ضيّقة، ثم وسّعها الله على من بعدهما.

فسعة الدنيا في زمن عثمان وعليّ كانت أكثر بكثير؛ فتغيّرت معها الأوضاع.


وقفة: كيف كان يُعظّم العلماء؟

حيلة الزنديق

ومن الشواهد على تقدير هارون لأهل العلم: أنه أُتي برجلٍ من الزنادقة فأمر بقتله.

فقال الرجل: تقتلني وقد وضعتُ فيكم ألف حديث؟!

فقال هارون: لا عليك؛ فأين أنت من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك؟ يُنخِلانها فيُخرجانها حرفًا حرفًا.

فتأمّل: هو يعرف من هم أهل هذا الشأن، ويعرف قدر علمهم بالأسانيد؛ فاختار اسمين بعينهما من كبار أئمة الحديث في زمانه.

«ما على الأرض أعزّ عليّ منه»

ويقول عبد الرزاق: كنتُ جالسًا مع سفيان بن عيينة بمكة، فمرّ هارون.

فقال سفيان: الناس يكرهون هذا، وما على الأرض أعزّ عليّ منه.

ثم قال: لو أنه ذهب لرأيتَ أمورًا عظامًا.

فلمّا مات هارون وجاء المأمون ووقعت الفتنة، قال تلميذه: كان شيخنا أعلم منه.

وقفة: فقه النظر إلى المآل

فتأمّل: سفيان رحمه الله كان ينصح هارون ويشدّ عليه؛ ومع ذلك يتمنّى بقاءه.

لماذا؟ لأنه ينظر إلى المآل: أن الذي يأتي بعده سيكون أشدّ.

وقد كان: فجاء المأمون، ووقعت فتنة القول بخلق القرآن، ولقي الأئمة ما لقوا.

فهارون — على ما فيه — كان عنده تعظيمٌ للسنّة وتعظيمٌ للعلماء. وأما المأمون فكان مُثقّفًا مُولعًا بالفلسفة، ولم يكن عنده ذلك القدر من تعظيم السنّة ولا العلماء.

شاهدٌ على تعظيمه للسنّة

ويحكي أبو معاوية الضرير أنه كان في مجلس هارون فذكر حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام.

فقال رجلٌ من الحاضرين: وأين لقيه؟

فغضب هارون غضبًا شديدًا وقال: عليّ بالنَّطع والسيف! زنديقٌ يطعن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فما زال أبو معاوية يُهدّئه ويعتذر عن الرجل حتى سكن.

فتأمّل: مجرّد أن بدرت منه بادرةٌ يُفهم منها الاستنكار أو التشكيك في الحديث — اعتبره طعنًا.


خاتمة: التذكير المستمرّ

وقد ذكرنا أن هذا كلّه يدخل في باب التوبة؛ لكنه في الحقيقة بحثٌ دائمٌ عن التذكير.

ونحن محتاجون دائمًا إلى الاستذكار المستدام؛ لأن الإنسان بطبعه يغفل وينسى ويُفتن ويغلبه الشيطان.

فلو لم يكن ثمّة تذكيرٌ مستمرّ لتراجع.

«إن الإيمان ليَخلَق»

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ليَخلَق في جوف أحدكم كما يَخلَق الثوب؛ فاسألوا الله أن يُجدّد الإيمان في قلوبكم» (رواه الحاكم).

فالإيمان يَبلى كما يَبلى الثوب؛ فيحتاج الإنسان أن يُجدّده في كلّ حين.

مثال الشاحن

والأمر أشبه بجهازٍ له بطّارية: فأنت تستخدمه طول اليوم فتنفد شحنته.

وكذلك الإنسان يستخدم نفسه في الحياة استخدامًا يُدنّسها ويُنقصها؛ فيحتاج إلى شحنٍ دائم.

ولذلك لا بدّ أن يكون الشاحن معك دائمًا — أي أن يكون التذكير مستمرًّا لا منقطعًا. فأنت لا تعرف متى تنفد الطاقة.

فالمطلوب: أن يكون التذكير والاستمداد من الله عملًا يوميًّا لا موسميًّا.