الأثر
يُروى عن الحسن البصري رحمه الله قال:
حضر الناسُ بابَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيهم سهيل بن عمرو والحارث بن هشام وأبو سفيان بن حرب.
فخرج آذنُه فأَذِن لأهل بدر: لصهيبٍ وبلالٍ وعمّارٍ وأشباههم من أهل بدر — وكان عمر يُحبّهم وقد أُوصي بهم.
فقال أبو سفيان: ما رأيتُ كاليوم قطّ! إنه ليُؤذَن لهؤلاء العبيد ونحن جلوسٌ لا يُلتفت إلينا.
فقال سهيل بن عمرو — قال الحسن: يا لله للرجل! ما كان أعقلَه:
«أيها القوم، إني قد أرى الذي في وجوهكم. فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم. دُعي القومُ ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم.
أما والله، لما سبقوكم به من الفضل أشدُّ عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه.
أيها القوم، إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم إلى ما سبقوكم إليه. فانظروا هذا الجهاد فالزموه؛ عسى أن يرزقكم الله الشهادة».
ثم نفض ثوبه وقام.
فلحق بالشام وخرج بأهله، فماتوا كلّهم إلا ابنته هندًا. وقُتل ابنه شهيدًا باليرموك.
وكذلك الحارث بن هشام خرج بأهله فلم يرجع منهم إلا ولده عبد الرحمن.
وقفة على العنوان
وقد عنون ابن قدامة رحمه الله بـ«توبة سهيل بن عمرو والحارث بن هشام»؛ وهذا يحتاج إلى بيان.
فالقصص السابقة كانت إمّا في رجلٍ كان معرضًا عن الله ثم أقبل عليه، وإمّا في رجلٍ كان على غير الإسلام ثم أسلم.
أما هنا فلم يُنسب إلى أيٍّ منهما شيءٌ من ذلك؛ فهما مسلمان منذ فتح مكة، وقد مضى على إسلامهما نحو اثنتي عشرة سنة أو أكثر.
فلماذا سمّاها «توبة»؟
لأن التوبة هنا معناها: عزيمةٌ يأخذها الإنسان على نفسه أن يُقيم نفسه على أمر الله حقًّا.
فقد يمرّ على الإنسان زمنٌ وهو مسلم؛ لكنّ إسلامه في حدود «الحدّ الأدنى» — دخل الباب وجلس عند العتبة. ثم يأتي عليه وقت — أو يمنّ الله عليه — فيتّخذ قرارًا: أن يمتثل حقًّا ما أمره الله به، وأن يستدرك ما فاته.
فهذه توبةٌ من نوعٍ آخر: توبةٌ من التوقّف عند الحدّ الأدنى.
الخلفية: أبو سفيان والمعايير القديمة
مَن الحاضرون؟
فالذين وقفوا بالباب هم كبار رجالات قريش ممّن تأخّر إسلامهم: أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو.
وأما الذين أُذن لهم فصهيبٌ وبلالٌ وعمّارٌ رضي الله عنهم — من السابقين الأوّلين، وكانوا من الموالي والمستضعفين.
«هؤلاء العبيد»
ولاحظ التعبير: «هؤلاء العبيد». فهو يصفهم بما كانوا عليه قبل الإسلام.
وهذا يكشف أنه لا يزال يستصحب معايير الجاهلية.
والله سبحانه قد وضع المعيار: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْالحجرات: ١٣.
فالمعايير التي يُقيم بها الدينُ الناسَ هي: التقوى، والإيمان، والقرب من الله، والسابقة إلى الدين.
ومعاييرنا نحن؟
وأما بعيدًا عن الدين فلنا معايير أخرى: المنصب، والواجهة الاجتماعية، ومقدار المال، والمكان الذي يسكنه، ومستوى السيارة التي يركبها.
فهذه هي المعايير التي يُقيَّم بها الناس عمليًّا.
وقفة: قد يدخل الإنسان الدين ولا يتخلّص من رواسبه
فهذا يدلّ على أن الإنسان قد يدخل في الدين ولا يزال لم يتخلّص تمامًا من السوابق التي كانت عنده قبل دخوله.
وخاصةً إذا كان قد قضى زمنًا طويلًا في الحياة الأخرى.
فأبو سفيان أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو عشر سنين؛ فيكون عند فتح مكة قد جاوز السبعين — وهو زعيم قريش، المتفرّد بزعامتها بعد بدر.
فبعد أن قُتل في بدر سبعون من كبراء قريش — وأكثرهم ساداتها — صار أبو سفيان هو السيد.
ثم دارت الدنيا فصار يقف بالباب لا يُؤذَن له.
«إنها النبوّة»
وممّا يُبيّن هذا المعنى ما وقع لأبي سفيان ليلة الفتح.
فقد خرج يطلب الأمان لقريش. وكان المسلمون قد أمروا أن يُوقد كلّ واحدٍ نارًا؛ فصارت مكة بالليل كأنها بالنهار — فلم يبقَ معنًى للمقاومة.
فأخذه العباس رضي الله عنه فأوقفه في موضعٍ تمرّ عليه الكتائب.
فجعلت القبائل تمرّ، وهو يسأل: من هؤلاء؟ فيُقال: بنو فلان. حتى مرّت الكتيبة الخضراء — كتيبة المهاجرين والأنصار.
فقال أبو سفيان: يا عباس، لقد أصبح مُلك ابن أخيك اليوم عظيمًا!
فقال العباس: ويحك! إنها النبوّة.
فقال: فنعم إذًا.
وقفة: ما الفرق بين المُلك والنبوّة؟
فأبو سفيان كان يتكلّم بلغة المُلك؛ أي: انتصر فسيفعل بنا ما يفعله الملوك.
ومعايير المُلك معروفة: من كان فوق يصير تحت، ومن كان تحت يصير فوق؛ ومن أخرجه أهل البلد لا بدّ أن ينتقم منهم إذا عاد.
قال تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةًالنمل: ٣٤.
فقال له العباس: لا؛ إنها النبوّة. أي أن هذا الدخول مختلفٌ تمامًا عن دخول الملوك.
فقال: «فنعم إذًا» — وهي كلمةُ قبولٍ فيها بقيّةُ اضطراب.
لماذا شرع الله التأليف؟
ومن هنا نفهم لماذا جعل الله من مصارف الزكاة المؤلّفة قلوبهم.
وهذا يبدو مُشكلًا: فما علاقة المال بالمعتقد؟
ترتيب المصارف
قال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌالتوبة: ٦٠.
فبدأ بـالفقراء — وهم المعدَمون الذين لا دخل لهم؛ لأنهم أمسّ الناس حاجة.
ثم المساكين — وعندهم دخلٌ لكنه لا يُغطّي حاجتهم.
وشاهده قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِالكهف: ٧٩. فعندهم سفينةٌ يعملون عليها — أي لهم دخل؛ ومع ذلك سمّاهم الله مساكين، لأن دخلهم لا يفي حاجتهم.
ثم العاملين عليها — وهذا أجرٌ مقابل عمل؛ وفيه أيضًا معنًى آخر: أن يُغنى الشخص لئلّا تتعلّق عينه بهذا المال الذي هو أمانةٌ في يده.
ثم المؤلّفة قلوبهم
ثم ذكر المؤلّفة قلوبهم — وقدّمهم على الغارمين وعلى الرقاب.
وهؤلاء قد يكونون أغنياء، بل قد يكون فيهم من ليس بمسلم!
فلماذا؟
إمّا ليُحبَّب في الدين فيدخل فيه.
وإمّا لأن له رئاسةً في قومه؛ فإذا أُعطي بعد إسلامه تبعه من وراءه.
وإمّا لأن في نفسه ضعفًا أو بقيّة ضغينة، فيُجبر بهذا العطاء.
وقفة: مراعاة تباين الأحوال
وقد يُقال: المفروض أن يدخل الإنسان في الدين قناعةً لا بالمال!
والجواب: أن هذا هو الأصل والأفضل؛ لكن الناس متباينون.
فمنهم من عنده قدرٌ عالٍ من اليقين، ومنهم من هو أضعف قلبًا.
فمن رحمة الله بهؤلاء أن يُعطَوا من المال ما يجبر هذا الضعف ويُعينهم على إزالة ما في نفوسهم.
عطاء حنين
وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان من غنائم حنين مئةً من الإبل.
فكان أبو سفيان يقول: ما زال يُعطيني حتى صار أحبّ الناس إليّ.
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه».
حتى إنه أعطى رجلًا غنمًا بين جبلين؛ فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يُعطي عطاء من لا يخشى الفاقة (رواه مسلم).
ولاحظ الدلالة: فأيّ إنسانٍ يضنّ بالمال إنما يخاف أن ينفد؛ فهو مسؤولٌ عن نفسه وعن غيره. أما هذا فعطاؤه يدلّ على أنه يركن إلى سندٍ كبير لا يخاف معه النفاد.
مشاكل ترتّبت على العطاء
ذو الخويصرة
ونتيجةً لهذا العطاء وقعت مشكلات.
فقد جاء ذو الخويصرة التميمي فقال: يا محمد، اعدل!
فقال صلى الله عليه وسلم: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل».
وفي روايةٍ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟» (متفق عليه).
وتأمّل: هو يعتقد أنه رسول، ثم يجيء ليُصحّح له! فأيّ جرأةٍ هذه؟
وقد كان هذا — كما قيل — أصل منبت الخوارج.
ما وجد الأنصار في أنفسهم
وأما الأنصار فكان الأمر عندهم مختلفًا.
فهم لم يُعطَوا؛ لأن العطاء إنما ذهب إلى المؤلّفة قلوبهم — وأكثرهم حديثو عهدٍ بإسلام. فوجدوا في أنفسهم.
ولاحظ الفرق: ذو الخويصرة اعترض على القسمة نفسها ورأى أنها ليست عدلًا. وأما الأنصار فلم يعترضوا على العدل؛ وإنما ترجموا الأمر على أنه تأخيرٌ لهم وتقديمٌ لغيرهم.
خطبته صلى الله عليه وسلم فيهم
فجمعهم صلى الله عليه وسلم وحدهم، ثم قال:
«يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، وجِدةٌ وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلّالًا فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألّف الله بين قلوبكم؟»
قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل.
قال: «ألا تُجيبونني؟» قالوا: بماذا نُجيبك يا رسول الله؟
قال: «أما والله لو شئتم لقلتم فلَصدقتم وصُدّقتم: أتيتَنا مُكذَّبًا فصدّقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك».
ثم قال: «أوَجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعاعةٍ من الدنيا تألّفتُ بها قومًا ليُسلموا، ووكلتُكم إلى إسلامكم؟
أما ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟»
فقالوا: بلى يا رسول الله، رضينا.
وقفة: «ووكلتُكم إلى إسلامكم»
فتأمّل هذه الجملة: «ووكلتُكم إلى إسلامكم».
أي: هؤلاء محتاجون إلى ما يجبر ضعفهم؛ وأما أنتم فأَكِلُكم إلى مقدار اليقين الذي عندكم.
ثم قال: «ترجعوا برسول الله إلى رحالكم» — أي أن هذا العطاء ليس علامةً على القرب ولا على المحبّة؛ وإنما أنا معكم، والمال معهم.
الأهمّ: عطاءٌ للآخرة
ونحن عندنا اليوم مثل هذا: الإعطاء لتأليف القلوب.
لكنّ الأولى أن يكون العطاء لأجل الآخرة لا لأجل الدنيا؛ فحاجة الإنسان في الآخرة أعظم من حاجته في الدنيا.
فأن نُنفق لنضع الناس على الطريق الذي يُوصلهم إلى الجنة — هذا أهمّ وأعظم وأخطر.
وقفة: لماذا سبقهم عمر؟
وسهيل بن عمرو أسلم بعد أبي سفيان؛ بل إن أبا سفيان هو الذي وقّع اتفاقية التسليم.
وسهيلٌ كان إلى آخر لحظةٍ يُقاتل ولم يقبل، ثم دخل بيته ثم أسلم.
فالطبيعي أن يكون أبو سفيان هو المتقدّم.
لكنّ الذي حصل أن سهيلًا كان أعمق فهمًا وأصدق تعاملًا.
فليست القضية متى أسلم؛ وإنما كيف تعامل مع الأمر، ومقدار تأثّره بالدين.
سهيلٌ في الحديبية
وقد ذكرنا مرارًا موقفه في الحديبية؛ فقد كان في قمّة التعنّت: اعترض على «بسم الله الرحمن الرحيم»، واعترض على «محمد رسول الله».
وحين جاء ابنه أبو جندل رضي الله عنه يرسف في قيوده مسلمًا، أصرّ على ردّه — وضربه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حتى كاد بعض الصحابة أن يبطش به.
وشاهدٌ آخر: خطيب قريش
وقد أُسر يوم بدر. فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أنزع ثنيّتيه فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا.
فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أُمثّل به فيُمثّل الله بي وإن كنتُ نبيًّا. وعسى أن يقوم مقامًا لا تذمّه».
وقد كان: فلمّا مات النبي صلى الله عليه وسلم وارتدّ من ارتدّ، قام سهيلٌ في أهل مكة خطيبًا فثبّتهم، وقال لهم ما معناه: لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتدّ.
فتأمّل: لو نُزعت ثنيّتاه ما استطاع أن يقوم بهذا.
خروجه من مكة
ثم إن سهيلًا خرج من مكة قاصدًا الشام مجاهدًا.
فجزع أهل مكة جزعًا شديدًا — فلم يبقَ أحدٌ ممّن يُطعم الطعام إلا خرج معه يُودّعه.
حتى إذا كان بأعلى البطحاء وقف وقال:
«أيها الناس، إني والله ما خرجتُ رغبةً بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيارًا لبلدٍ على بلدكم.
ولكن كان هذا الأمر، فخرجت فيه رجالٌ ما كانوا من ذوي أنسابها ولا في بيوتها. فأصبحنا — والله لو أن جبال مكة ذهبًا أنفقناها في سبيل الله — ما أدركنا يومًا من أيامهم.
والله لئن فاتونا في الدنيا لنلتمسنّ أن نُشاركهم في الآخرة. فاتّقوا الله».
ثم خرج فتوجّه إلى الشام؛ وكان مع عكرمة والحارث بن هشام.
وقفة: الرجل الذي فقد عينه
وسهيلٌ رضي الله عنه كان قد فقد إحدى عينيه يوم الطائف؛ ثم فقد الأخرى باليرموك.
وأما الحارث بن هشام فخرج بأهله كلّهم، فلم يرجع منهم إلا ولده عبد الرحمن.
وقفة: الحارث وأخوه أبو جهل
والحارث بن هشام هو أخو أبي جهل — لأبيه وأمّه.
ومع ذلك فالفرق بينهما عظيم.
فالحارث رجلٌ سمحٌ محسنٌ متصدّقٌ حريصٌ على فعل الخير. وأما أبو جهل فشخصيةٌ أخرى تمامًا: هو الذي يقف وراء كلّ أذًى؛ صاحب الصحيفة، والقائم على مقاطعة بني هاشم، والذي لا يكاد يترك مكانًا يجتمع فيه الناس إلا كان فيه.
«اللهم أعزّ الإسلام»
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب» (رواه الترمذي).
فلماذا دعا بأبي جهل ولم يدعُ بالحارث — وهو أفضل منهما خُلقًا؟
لأن طبيعة هاتين الشخصيّتين — أبي جهل وعمر — فيها القوّة والأثر؛ فإسلامهما يُعزّ الإسلام في مكة.
وأما الحارث فحالةٌ حسنة، لكنه لا يملك ذلك التأثير.
نظير ذلك: موسى وهارون
ونظيره الفرق بين موسى وهارون عليهما السلام.
فكلاهما نبيٌّ مقرّب؛ لكنّ هارون كان محبَّبًا إلى بني إسرائيل، وموسى كان مهيبًا.
ولذلك لمّا ذهب موسى إلى ميقات ربه وصنع السامريُّ العجل، لم يستطع هارون أن يمنعهم: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰطه: ٩٠–٩١.
فقالوا له في المعنى: أنت على جنب حتى يرجع موسى!
ولمّا رجع موسى عليه السلام أنهى الأمر في لحظات؛ ثم أخذ برأس أخيه يجرّه إليه. فقال: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَالأعراف: ١٥٠.
فبنو إسرائيل قومٌ لا ينضبطون إلا بالقوّة.
وشيءٌ من خير أبي سفيان
ومع ما ذكرنا، فقد كان في أبي سفيان خير.
فقد اعترض حين لام بعضُهم حكيم بن حزام رضي الله عنه على إدخاله الطعام إلى بني هاشم في الشِّعب.
فقال أبو سفيان: دعوه؛ فإنما وصل رحمًا، وقد كان أولى بنا أن نفعل ما فعل. وقال: والله ما كنتُ راضيًا بما فُعل؛ وقد تكون العداوة دون هذا.
أي: بيننا وبينهم عداوة — نعم؛ لكنها لا تبلغ هذا المستوى من الإيذاء وقطيعة الرحم.
فهذه بقيّة خيرٍ في نفسه؛ ولذلك منّ الله عليه بالإسلام، ولم يكن كأبي جهل ولا أميّة بن خلف ولا الوليد بن المغيرة الذين هلكوا على الشرك.
«رجلٌ يُحبّ الفخر»
ومن ذلك ما قاله العباس رضي الله عنه يوم الفتح: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ يُحبّ الفخر؛ فاجعل له شيئًا.
فقال صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (رواه مسلم).
وقد كان الأمان أصلًا لمن دخل بيته أو دخل المسجد. لكنّ النصّ على اسمه فيه مراعاةٌ لنفسه — وهذا لا يضرّ أحدًا ولا يضرّ الدين، وفيه تطييبٌ لقلبه.
الحارث بن هشام وأمّ هانئ
قال ابن عبد البرّ: أسلم الحارث بن هشام يوم الفتح فحسُن إسلامه، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، وكان من المؤلّفة قلوبهم.
ويُقال إن أمّ هانئ بنت أبي طالب استأمنت له النبي صلى الله عليه وسلم فأمّنه يوم الفتح؛ وكانت قد أمّنته، فأراد عليٌّ قتله.
فدخل النبي صلى الله عليه وسلم دار أمّ هانئ فاغتسل وصلّى ثماني ركعات.
فقالت: يا رسول الله، زعم ابن أمّي عليٌّ أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرتُه.
فقال صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرتِ يا أمّ هانئ» (متفق عليه).
«لَشَريف»
ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الحارث بن هشام وفعله في الجاهلية من قِرى الضيف وإطعام الطعام، فقال: «إن الحارث لَشريف، وإن كان أبوه لشريفًا».
فقد نال شرفًا بأخلاقه، وكان أبوه كذلك.
الخلاصة
أولًا: أن التغيّر ممكن
فنحن نتكلّم عن أشخاصٍ لهم تاريخٌ صعبٌ جدًّا في العداء لله وللدين: أبو سفيان، وسهيل، وعكرمة، والحارث.
فهل يمكن أن يتغيّر هؤلاء؟ الواقع يقول: نعم.
فلا ينبغي أن يفقد الإنسان الثقة ولا الأمل في الله — لا فيما يتعلّق بنفسه ولا فيما يتعلّق بمن حوله.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد، يُصرّفه حيث يشاء» (رواه مسلم).
ثانيًا: أن الاستدراك ممكن
وأن الإنسان حتى لو تأخّر عن أمورٍ كثيرة، فبإمكانه أن يُعوّض كثيرًا ممّا فات.
قال تعالى — بعد أن ذكر أعظم الكبائر: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًاالفرقان: ٦٨–٧٠.
فتأمّل: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ — أي أن الذي كان مكتوبًا عليه في الصحيفة سيّئاتٍ يُحوّله الله إلى حسنات!
وهذا معنًى تعجز الكلمات عن التعبير عن عظمته.
ثالثًا: خطر اليأس
ولذلك كان أسوأ ما يصير إليه الإنسان أن ييأس من رحمة الله.
قال تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَيوسف: ٨٧، وقال: وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَالحجر: ٥٦.
فاليأس صورةٌ من صور سوء الظنّ بالله وعدم معرفته.
رابعًا: اغتنام الفرصة
ولا بدّ أن يغتنم الإنسان الفرصة إذا منّ الله عليه.
فالإنسان لا يشعر بقيمة ما يأتيه سهلًا؛ وإنما يشعر بقيمة ما عانى في تحصيله — أو ما فقده بعد أن كان معه.
وربما كان من رحمة الله أن يُحسّ الإنسان أن النعمة توشك أن تذهب، فيتشبّث بها.
خامسًا: النعمة تُحفظ بالشكر
قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌإبراهيم: ٧.
وأعظم نعمةٍ منّ الله بها علينا نعمة الإسلام، ونعمة معرفة الطريق إليه.
وهذا فضلٌ من الله لا من العبد: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُالنور: ٢١.
ولاحظ: مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا — نفيٌ عامٌّ مطلقٌ لا يُستثنى منه أحد.
وكان الصحابة يرتجزون: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدّقنا ولا صلّينا» (متفق عليه).
خاتمة: «آمنتُ بالله ثم استقم»
وسأل رجلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك.
قال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقم» (رواه مسلم).
فكلمتان: أن يؤمن، ثم يستقيم على مقتضى الإيمان.
وسُئل عمر رضي الله عنه عن الاستقامة فقال: أن تستقيم على أمر الله فلا تَروغ رَوَغان الثعالب.
«اهدنا الصراط المستقيم»
ولذلك جعل الله في كلّ ركعةٍ من صلاتنا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَالفاتحة: ٦–٧.
وقد يُقال: نحن مهتدون؛ فلماذا نسأل الهداية؟
والجواب: أن سؤال الهداية بعد الوصول أعظم؛ فإن الحفاظ على الإيمان، وتثبيته، وزيادته، وعدم الارتداد عنه — أصعب من مجرّد بلوغه.
فنحن أحوج ما نكون إلى هذه الكلمات: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَالفاتحة: ٥–٦.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.