نصّ القصة
قال أبو إسحاق السبيعي رحمه الله: لمّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال عكرمة: والله لا أسكن أرضًا فيها قاتلُ أبي الحكم. فانطلق ليركب البحر.
فلمّا كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة، وأسلمت أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة، في عشر نسوةٍ من قريش.
فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالأبطح فبايعنه؛ ودخلن عليه وعنده زوجته وابنته فاطمة ونساءٌ من نساء بني عبد المطلب.
فتكلّمت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه؛ لتنفعني رحمُك يا محمد. إني امرأةٌ مؤمنةٌ بالله مصدّقة. أنا هند بنت عتبة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مرحبًا بكِ».
فقالت: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهلُ خباءٍ أحبَّ إليّ أن يذلّوا من أهل خبائك؛ ولقد أصبحتُ وما على الأرض أهلُ خباءٍ أحبَّ إليّ أن يعزّوا من أهل خبائك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أيضًا».
ثم قرأ عليهنّ القرآن وبايعهنّ.
ثم قالت أمّ حكيم امرأة عكرمة: يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن وخاف أن تقتله؛ فأمّنه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو آمن».
فخرجت أمّ حكيم في طلبه فأدركته وقد انتهى إلى ساحلٍ من سواحل تهامة.
وقد جعل صاحب السفينة يقول له: أخلِص! فقال: أيّ شيءٍ أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله.
فقال عكرمة: ما هربتُ إلا من هذا!
فجاءته أمّ حكيم على هذا الأمر، فجعلت تقول: يا ابن عمّ، جئتُك من عند أوصل الناس وأبرّ الناس وخير الناس؛ لا تُهلك نفسك. إني قد استأمنتُ لك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أنتِ فعلتِ؟ قالت: نعم، أنا كلّمتُه فأمّنك.
فرجع معها. وجعل يريدها فتأبى عليه وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة. فيقول: إن أمرًا منعكِ مني لأمرٌ كبير.
فلمّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب إليه — وما عليه رداء — فرحًا بعكرمة.
ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف عكرمة بين يديه ومعه امرأته منتقبة.
فقال عكرمة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فسُرّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: يا رسول الله، علّمني خير شيءٍ أقوله. قال: «تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
قال: ثم ماذا؟ قال: «تقول: أُشهد الله وأُشهد من حضر أني مسلمٌ مهاجر». فقالها عكرمة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسألني اليوم شيئًا أُعطيه أحدًا إلا أعطيتُكه».
فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كلّ عداوةٍ عاديتُكها، أو مسيرٍ أوضعتُ فيه، أو مقامٍ لقيتُك فيه، أو كلامٍ قلتُه في وجهك أو أنت غائبٌ عنه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر له كلّ عداوةٍ عاداها، وكلّ مسيرٍ سار فيه إليّ يريد بذلك المسير إطفاء نورك؛ واغفر له ما نال مني من عِرضٍ في وجهي أو أنا غائبٌ عنه».
فقال عكرمة: رضيتُ يا رسول الله. لا أدع نفقةً كنتُ أُنفقها في صدٍّ عن سبيل الله إلا أنفقتُ ضعفها في سبيل الله؛ ولا قتالًا كنتُ أُقاتل في صدٍّ عن سبيل الله إلا أبليتُ ضعفه في سبيل الله.
ثم اجتهد في القتال حتى قُتل رحمه الله.
لماذا نحكي هذه القصص؟
فنحن ما زلنا نتكلّم عن الدين وعن عظمته وعن نعمة الله علينا به.
وأعظم آفةٍ مُنينا بها: أنه لم يتيسّر لنا أن نتعرّف على دين ربنا كما ينبغي أن تكون المعرفة، ولا أن نعيشه كما ينبغي أن تكون الحقيقة.
وإنما نحاول أن نُدرك عظمة هذه النعمة عبر ثلاثة: نور الوحي والقرآن، ثم التطبيق الواقعي في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في أصحابه رضي الله عنهم.
«وما محمدٌ إلا رسول»
وقد كان النصر الأعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره صاحب رسالة.
قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُآل عمران: ١٤٤.
وهذا حصر؛ أي أنه صلى الله عليه وسلم تمحّضت شخصيته في رسالته ودعوته وقضيته، فلم يبقَ له وجودٌ ذاتيّ ولا رغبةٌ شخصية ولا مطامح خارج إطار هذه الوظيفة.
فقه ابن عباس في سورة النصر
ومن أعجب ما يدلّ على ذلك: ما أدركه ابن عباس رضي الله عنهما من سورة النصر.
قال تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًاالنصر: ١–٣.
فأدرك ابن عباس أن هذا إيذانٌ بقُرب أجله صلى الله عليه وسلم — مع أن الآيات ليس فيها ما يُشير إلى ذلك من قريبٍ ولا بعيد؛ فظاهرها نعمةٌ تستوجب حمدًا وشكرًا.
فمن أين أدرك ذلك؟
من أنه إذا جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا — فقد انتهى دوره، وأدّى رسالته، وقام بالأمانة التي حمّله الله إياها.
فعليه حينئذٍ أن يتأهّب للقاء الله بمزيد تسبيحٍ واستغفارٍ وعبادة.
والعجب من عمر أيضًا
وليس العجب من ابن عباس وحده؛ بل من إدراك عمر رضي الله عنه لما عند ابن عباس.
فقد أراد عمر أن يُظهر لأهل الشورى من كبار الصحابة فضل ابن عباس — وهو غلامٌ في نحو الخامسة عشرة — وقد تذمّر بعضهم من إدخاله معهم وقالوا: لنا أبناءٌ مثله.
فأراد أن يُظهر ذلك عمليًّا لا بمجرّد الدعوى.
فسألهم عن هذه السورة، فقالوا: أَمَرَ الله نبيّه صلى الله عليه وسلم إذا فتح عليه أن يحمده ويستغفره.
ثم سأل ابن عباس فذكر له ما تقدّم.
فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم (رواه البخاري).
وقفة: المعنى القريب والمعنى الخفيّ
فجواب القوم صحيح — لكنه المعنى القريب المباشر.
وأما ابن عباس فأدرك الإشارة الخفيّة؛ فاستحقّ بهذا الإدراك أن يكون في ذلك المحلّ.
ولذلك كان أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه هم القرّاء — أهل القرآن؛ شيوخًا كانوا أو شبانًا.
فمعياره الفقه والفهم، لا السنّ.
ما الذي جذب الناس إليه صلى الله عليه وسلم؟
فنحن حين نمرّ بهذه القصص سريعًا يفوتنا كثيرٌ من المعاني العميقة، ومن عظمة الجانب الإنساني في شخصه صلى الله عليه وسلم.
شاهد: هبّار بن الأسود
وقد ذكرنا في المرة الماضية أنه صلى الله عليه وسلم أهدر دم هبّار بن الأسود لما كان منه من الأذى العريض؛ وكان الزبير رضي الله عنه يتمنّى أن يُدركه.
فلمّا جاء هبّار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من الجِعْرانة، رآه الصحابة، فقالوا: هذا هبّار.
فقال صلى الله عليه وسلم: «قد رأيتُه» — أي أنه رآه ولم يأمر فيه بشيء.
فماذا قال هبّار؟ اعتذر إليه، وذكر أنه كان قد هرب في البلاد وأراد أن يلحق ببلاد الأعاجم؛ ثم ذكر عائدته وفضله وبرّه وصفحه عمّن جهل عليه — فأقبل.
وقال: يا رسول الله، هربتُ منك في البلاد وأردتُ اللحوق بالأعاجم؛ ثم ذكرتُ عائدتك وصلتك وفضلك، وأنك أوصل الناس. وقد كنّا يا نبي الله أهل شرك فهدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلكة؛ فاصفح عن جهلي وعمّا كان يبلغك عني، فإني مُقرٌّ بسوءتي معترفٌ بذنبي.
قال الزبير: فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لَيُطأطئ رأسه ممّا يعتذر هبّار.
وجعل صلى الله عليه وسلم يقول: «قد عفوتُ عنك؛ والإسلام يَجُبّ ما كان قبله».
وقفة: يُطأطئ رأسه
فتأمّل: كلماتٌ فيها اعتذارٌ واضحٌ بلا مبالغة؛ ومع ذلك يستحيي صلى الله عليه وسلم من سماع هذا الاعتذار فيُطأطئ رأسه.
والسؤال
فلو لم يكن صلى الله عليه وسلم معروفًا بهذه الخلال — فماذا كان يحدث؟
كان الرجل يهرب ويدبر، ويخسر الدنيا والآخرة.
خلفية: أبو جهل وأبوه
الوليد بن المغيرة
وكان أبو جهل من بني مخزوم — أكثر قريشٍ مالًا وعبيدًا. وكانوا يطمحون إلى سيادة قريش.
وكان ينازعهم فيها بنو هاشم وبنو أميّة: فبنو هاشم أهل الشرف والكرم، وبنو أميّة أهل الرأي والسياسة.
وكان عبد المطلب سيّد قريش لا يُنازَع في ذلك. فلمّا مات جاء المغيرة المخزومي فجلس في مجلسه، فلم يستنكر ذلك أحد.
ولذلك جاء التنبيه الإلهي
ولا تكاد تجد أحدًا وُوجه في كتاب الله بمثل ما وُوجه به الوليد بن المغيرة؛ لأنه — على وفق ما أعطاه الله — كان حقيقًا به أن يقف موقف الاتّباع للحقّ.
فلمّا لم يفعل، وليته سلك مسلك أبي جهل في العداوة الظاهرة! بل أراد أن يبدو بصورة الرجل العاقل الكبير الذي يتوسّط.
وهذه الصورة قد تنطلي على الناس؛ فاحتاج الأمر إلى بيانٍ من الله.
قال تعالى: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَالقلم: ١٠–١٥.
وقال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًاالمدثر: ١١–١٦.
«إن له لحلاوة»
وقد سمع الوليد القرآن فلم يملك نفسه، فقال:
«والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمُثمر، وإن أسفله لمُغدق؛ وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما يقول هذا بشر».
فهذه الكلمات لم يقلها اختيارًا؛ وإنما هو سلطان القرآن.
كيف سحب أبو جهل هذا الكلام؟
فأتاه أبو جهل فقال: إن قومك يجمعون لك مالًا. قال: ولمَ؟ قال: ليُعطوكه؛ فإنك أتيتَ محمدًا لتعرض لما قِبله.
فقال الوليد: قد علمت قريشٌ أني من أكثرها مالًا.
فقال أبو جهل: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك مُنكرٌ له.
وقفة: من أين دخل عليه؟
فتأمّل: أبو جهل يعرف من أين يدخل.
فالوليد كان متعاظمًا في نفسه؛ فأتاه من هذه الجهة: أن يُشاع أنه طمع في مال محمد!
ثم ثنّى بالأشدّ: «حتى تقول فيه شيئًا» — أي أن قومك لن يرضوا عنك. وهو يريد الزعامة؛ والزعامة تحتاج إجماعًا.
ثم البحث عن مخرج
فأخذ الوليد يبحث عن كلمةٍ يقولها: أهو شاعر؟ أهو كاهن؟ أهو مجنون؟
فكلّها لا تنطبق. فلم يجد إلا أقرب شيء: السحر — لأنه يُشبهه في بعض أثره؛ فإنه يُفرّق بين المرء وزوجه وبين الولد ووالده.
قال تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَالمدثر: ١٨–٢٦.
وقفة: تحليل نفسيّ دقيق
فتأمّل الترتيب:
«فكّر» — أدار الموضوع في ذهنه.
«وقدّر» — وازن بين الاحتمالات ليختار ما يمشي.
«ثم نظر» — بدأ يتّجه إلى اتجاهٍ معيّن.
«ثم عبس وبسر» — كلح وجهه واسودّ؛ لأنه غير مقتنع.
«ثم أدبر واستكبر».
ثم لاحظ كثرة المؤكّدات في قوله: «إن هذا إلا سحرٌ يؤثر» — فهو يُحسّ أن كلامه ضعيف، فيحشد كلّ وسائل التوكيد.
وهذا حال من يقول ما لا يعتقد.
أبو جهل: العداوة على بصيرة
ثم مات الوليد، وبقيت زعامة الحرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبضة أبي جهل.
وقد كان يُحارب على بصيرة.
قال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَالأنعام: ٣٣.
وقفة: ليس التكذيب هو المانع
فكثيرٌ من صدود الإنسان عن الحقّ ليس ناشئًا عن اعتقاده أنه باطل؛ وإنما عن أنه لا يُناسبه.
فهو يحسب أن اتّباع هذا الحقّ يُضرّ بما يتصوّره من مصلحته.
ولو فقه الإنسان حقّ الفقه لأدرك أن مصلحته قطعًا في اتّباع الحق؛ فالله مصدر كلّ خيرٍ وإحسانٍ في الأولى والآخرة.
لماذا لم تنفع أبا جهل؟
فهو كان يريد الزعامة. والدين يهدم ذلك:
عمومًا: لأنه يجعل الناس سواسية — «لا فضل لعربيٍّ على أعجميّ، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى».
فأيّ مجتمعٍ يقوم على الطبقية لا يقبل هذا. فالدين يجعل سميّة وياسرًا وعمّارًا في مصافّ أبي الحكم.
وخصوصًا: ما قاله بنفسه — «تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا وأطعمنا، وحملوا وحملنا، وأعطوا وأعطينا؛ حتى إذا تجاثينا على الرُّكَب وكنّا كفرسَي رهانٍ قالوا: منّا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء! فمتى نُدرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نُصدّقه».
وقفة: «كفرسَي رهان»
فتأمّل الصورة: فرسان في سباقٍ متساويان تمامًا — الرُّكَب في مستوى الرُّكَب.
ثم فجأةً يظهر ما يحسم السباق نهائيًّا؛ فأنّى لهم أن يُدركوه؟
استراق السمع
وقد كان أبو جهل وأبو سفيان بن حرب والأخنس بن شريق يأتون بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل يستمعون القرآن.
وكلٌّ منهم لا يعلم بالآخر؛ فيجلس عند حائط.
فلمّا انصرفوا في السَّحَر التقوا في الطريق، فلام بعضهم بعضًا وقالوا: لا تعودوا؛ فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا.
ثم عادوا في الليلة الثانية، ثم الثالثة؛ حتى تعاهدوا وتواثقوا ألّا يعودوا.
وقفة: القرآن أقوى من مواثيقهم
فتأمّل: اتّفقوا ألّا يعودوا، ثم عادوا — مرّةً بعد مرة.
فالقرآن كان أقوى من عزائمهم؛ مع أن موقفهم العدائي لم يتغيّر.
الحوار في الصباح
فلمّا أصبحوا أخذ الأخنس عصاه وأتى أبا سفيان فقال: ما تقول فيما سمعت؟
قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعتُ أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها، وسمعتُ أشياء ما عرفتُ معناها ولا ما يُراد بها.
ثم أتى أبا جهل فسأله. فقال أبو جهل: ماذا سمعت؟ ثم ذكر كلمته السابقة في «فرسَي الرهان».
وقفة: إدراك أبي جهل أعمق
فأبو سفيان يقول: بعضه فهمته وبعضه لم أفهمه.
وأما أبو جهل فلم يقل ذلك؛ لأنه فهمه تمامًا — وهذا هو أصل المشكلة عنده.
ولماذا لم يُعارضوه؟
وقد تحدّاهم الله بالقرآن مرارًا، فلم يفكّر أحدٌ منهم أن يُعارضه — لأنهم يعلمون أن ذلك مضيعةٌ وفضيحة.
قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَالأنفال: ٣١.
فهذا آخر ما يقدرون عليه: «لو نشاء» — ولم يشاؤوا قطّ!
وقال المكذّبون
وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَفصلت: ٢٦.
فتأمّل أمرين:
«لا تسمعوا» — لماذا؟ لأنه قد يُؤثّر فيهم.
«والغوا فيه» — أي أحدثوا لغطًا؛ لأن مجرّد الامتناع عن السماع لا يكفي.
ثم: «لعلّكم تغلبون» — وهي كلمة رجاء؛ أي أنه ليس عندهم يقينٌ بالنجاح.
فهم يعلمون أن أحدًا لن يقف أمام هذا السلطان؛ لكنهم يُحاولون إطالة الأمد بقدر ما يستطيعون.
شهادة أبي جهل للمغيرة
وجاء المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يسأل أبا جهل عن هذه الدعوة.
فقال له: يا ابن أخي، والله إني لأعلم أنه صادق. ولكنّا قلنا: كانت لنا الحجابة فقالوا نعم؛ وفينا الرفادة فقالوا نعم؛ وفينا السقاية فقالوا نعم. ثم قالوا: منّا نبيّ! فمتى نُدركهم؟
فالموضوع كلّه إذًا صراعٌ على الزعامة.
لماذا دعا النبي ﷺ بأبي جهل أو عمر؟
ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يُؤيّد دينه بأحدهما: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب» (رواه الترمذي).
واختارهما لأن لهما عزّةً وتأثيرًا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يعرف أقدار الرجال ومنازلهم.
ولماذا استُجيب في عمر دون أبي جهل؟
لأن الله يعلم من يستحقّ الهداية ومن لا يستحقّها؛ فالهداية ليست عشوائية.
فعمر رضي الله عنه كان يظنّ أنهم على حقّ، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم أتى بما يُفرّق ويُفسد.
وأما أبو جهل فكان يُحارب نور الله على بصيرة وعلمٍ.
ولذلك اختلف أثر السماع
فأبو جهل كان يسمع القرآن ليرى بماذا يردّ.
وأما عمر فلمّا أخذ الصحيفة من أخته وقرأ آياتٍ من سورة طه — كان في حالة تقبّل.
ومع أنه دخل بيتها بغضبٍ وشدّة، وكان قبل لحظاتٍ قاصدًا دار الأرقم؛ إلا أنه لمّا رأى أخته وأصابته الرقّة ذهبت عنه الحميّة، فوقع القرآن موقعه.
عكرمة على درب أبيه
وكان عكرمة رضي الله عنه على سبيل أبيه؛ فالصورة متأصّلة فيه.
ولذلك لمّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال: «والله لا أسكن أرضًا فيها قاتلُ أبي الحكم».
وقفة: القتال حتى آخر لحظة
ولاحظ أن عكرمة وصفوان وسهيلًا قاتلوا يوم الفتح حتى آخر لحظة — مع علمهم أن ذلك غير مُجدٍ.
فهو انعكاسٌ لوضعٍ نفسيّ: أن نفعل شيئًا ولو لم يكن مُجديًا؛ إذ لا بدّ أن نُظهر شيئًا.
أمّ حكيم
وامرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام — أي أن أباها الحارث هو أخو أبي جهل، وخالها خالد بن الوليد.
هند بنت عتبة
ما الذي كان بينها وبين النبي ﷺ؟
فقد فقدت هند في بدر أباها وعمّها وأخاها دفعةً واحدة: عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة — قُتلوا في المبارزة على يد حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم.
فأرادت أن تنتقم؛ فكان ثأرها من حمزة رضي الله عنه، واستأجرت وحشيًّا لذلك.
وقد مثّلت به تمثيلًا كان له عظيم الوقع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الموقف الأصعب
وقد كان يوم أُحد أصعب المواقف: فقد أُصيب صلى الله عليه وسلم في وجهه، ودخلت حلقتان من المِغفر في وجنته، وسقط في حفرةٍ حفرها أبو عامر الفاسق.
ثم جاء ليرى حمزة على تلك الحال.
فقال: «لئن أظهرني الله على قريشٍ لأُمثّلنّ بسبعين رجلًا منهم».
فأنزل الله: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِالنحل: ١٢٦–١٢٧.
وقال صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: «كيف يُفلح قومٌ شجّوا وجه نبيّهم؟»
فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَآل عمران: ١٢٨.
وقفة: «ليس لك من الأمر شيء»
فتأمّل: هو في أصعب موقفٍ نفسيّ يمكن أن يمرّ به إنسان؛ ومع ذلك يُخاطَب بهذا.
فالأمر لله وحده يقضي في عباده بما يشاء.
وقوله: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ — أي أنهم يستحقّون العقوبة فعلًا؛ لكنّ الأمر في النهاية لله.
لحظة التحوّل عند هند
فكيف تحوّلت هند من امرأةٍ تفعل ما فعلت إلى امرأةٍ تقول: «ما على الأرض أهلُ خباءٍ أحبَّ إليّ أن يعزّوا من أهل خبائك»؟
ليلة الفتح
فقد رأت في تلك الليلة ما لم تتوقّع.
فقد دخل هؤلاء الناس مكة نهارًا؛ فوجدتهم في الليل حول بيت الله قيامًا وصلاةً وركوعًا وسجودًا وتعظيمًا.
وهي في أصلها من قومٍ يُعظّمون البيت؛ فرأت من هؤلاء تعظيمًا يفوق تعظيمهم.
وأمرٌ ثانٍ: ليسوا كالملوك
قال تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَالنمل: ٣٤.
وأما هو صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تثريب عليكم اليوم؛ اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وقد دخل مكة مُطأطئًا رأسه حتى كاد يمسّ رحله — تواضعًا لله.
فالصورة إذًا ثنائية لا ثالث لها: إما دينٌ وإما دنيا.
شاهد: عديّ بن حاتم
ونظيره ما وقع لعديّ بن حاتم رضي الله عنه؛ فقد دخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى إليه وسادةً وجلس هو على الأرض.
فقال في نفسه: ما هذا بأمر مَلِك.
فقد كان يتوقّع مجلسًا فيه بهرجٌ وحاشيةٌ وحُجّاب؛ فوجد بيتًا فيه امرأةٌ وصبية، ووجده يُلاطف من حوله.
فأول ما وقع في قلبه: أن هذه ليست دنيا.
الخلاصة الأولى: أثر الإيمان
فهذا التحوّل العظيم يدلّ على أن الإيمان إذا وقر في القلب بدّل الإنسان تبديلًا تامًّا: في الأفكار والرؤية والمشاعر والسلوك.
قال تعالى: عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌالممتحنة: ٧.
ومن هنا: معيار حقيقة الدين
فإن أردنا معيارًا لحقيقة التديّن الفعلي، فهو: مستوى التغيّر الذي يعتري شخصية الإنسان بعد أن يمنّ الله عليه.
فعلى مقدار ما أتغيّر نفسيًّا وفكريًّا ووجدانيًّا وسلوكيًّا — على مقدار ما تأثّرتُ بهذا الدين تأثّرًا حقيقيًّا.
فأين المشكلة عندنا؟
فإن لم نتجاوب التجاوب الذي كان يتجاوبه الصحابة، فثمّة مشكلة.
فـمصدر التأثير واحد — القرآن لم يعتره نقصٌ ولا ضعف.
ونموذج القدوة قائم — لكلّ من أراد أن يُطالع أخباره وأحواله.
فالمشكلة إذًا في الاستقبال: أسلوب تجاوبنا وتلقّينا يحتاج أن يتغيّر.
ومشكلةٌ ثانية: الإدراك
وثمّة مشكلةٌ أخرى تتعلّق بـالإدراك:
هل الصورة التي عقلناها عن الدين تُطابق صورته الفعلية التي أنزلها الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم؟
«كان خُلقه القرآن»
سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألستَ تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خُلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن (رواه مسلم).
وفي هذا أمران عظيمان:
الأول: أن القرآن إنما نزل ليتمثّل في صورة.
الثاني — وهو المهمّ جدًّا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التفسير التطبيقي للقرآن.
وقفة: فلماذا نختلف؟
فنحن نختلف في فهم دلالات النصوص وتطبيقاتها — ولماذا؟ وعندنا النموذج التطبيقي!
فكيف تُطبَّق هذه الآية؟ وكيف يُتعامل بها في المواقف المختلفة؟ الجواب موجود.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو دفتر التطبيق، والقرآن هو النصّ.
مأزق الخوارج
وهذا هو مأزق الخوارج: أنهم عزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن والقرآن.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم فيهم: «يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم» (متفق عليه).
فالصحابة كانوا يفهمون القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرون تطبيقه فيه.
ومشكلةٌ ثانية عندهم: العُجب
قال صلى الله عليه وسلم فيهم: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم؛ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميّة» (متفق عليه).
فمشكلتهم أمران: عزل النموذج النبوي، والغرور بسبب التعبّد العالي.
«كلمة حقٍّ أُريد بها باطل»
ولذلك لمّا رفعوا شعار «لا حكم إلا لله»، قال عليٌّ رضي الله عنه: كلمة حقٍّ أُريد بها باطل.
فالكلمة في ذاتها صحيحة؛ لكنّ الحاكمين — بأيّ شيءٍ سيحكمون؟ بحكم الله وكتاب الله.
فلا بدّ من مَرجع، ولا بدّ من حاكمٍ يحكم به.
ولذلك جاءت حيلة المصحف
وقد جاء أحدهم بالمصحف وجعل يقول: يا مصحف، احكم بيننا!
فقال له عليٌّ رضي الله عنه: إنما هو مِدادٌ وورق؛ وإنما يتكلّم به الرجال.
فالمشكلة في القلب
فمشكلتنا في موضعين:
الأول: ألّا نأخذ الدين من مصدره الأصلي الصافي.
الثاني: ألّا نفتح مسامّ القلب — فالقلب محلّ التفقّه والتعقّل والتأثّر.
ونحن نُمارس «الفلترة»
فنحن نفتح القلب بمقدارٍ معيّن؛ فيدخل بمقدار ما فتحنا.
فلو تركتُ نفسي تتجاوب مع نور الله بلا قيودٍ ولا حساباتٍ شخصية، لمشت في المحلّ الصحيح.
ولكانت عندي ثقةٌ أني إن صرتُ في ركاب رسول الله وأصحابه فلن أنتقل إلا من خيرٍ إلى خير.
أزمةٌ أخرى: تعدّد الصور المعروضة
وثمّة أزمةٌ كبرى: أن عندنا نماذج وصورًا متعدّدة معروضة للدين، بينها قدرٌ من التباين.
وكلٌّ من أصحابها يرى أنها صورة الحقّ المطلق.
فماذا يفعل من يرى ذلك؟ كيف يعرف الأصحّ؟
الجواب: الاتصال بالمصدر
فعلى مقدار ما نُعطي من الاتصال بالقرآن، وبصورة النبي صلى الله عليه وسلم، وبصورة الصحابة — على مقدار ما نقدر أن نعيش الدين، وأن نمتلك المعايير التي نُقيّم بها الأفكار والطروحات والمذاهب.
وربما اكتشفنا أن بعض ما اعتبرناه مسلَّمات ليس كذلك؛ وإنما هي رؤًى ونظر، وكثيرٌ منها متأثّرٌ بإحداثيّات زمانٍ ومكانٍ وأحوال.
والدين أوسع
والدين قيمةٌ عظمى واسعةٌ جدًّا؛ ونحن نحتاج أن نتّسع لها.
فإن لم يكن عندنا قدر الاتّساع الذي يُمكّننا من استيعابها لم نستوعبها.
مأساتنا: ضيق الوعاء
وقد قال صلى الله عليه وسلم في أشراط الساعة: «أن يُنتزع العلم» — وفي معناه ما نُعانيه.
فمأساتنا أن ثقافتنا وتفكيرنا وبيئتنا والضيق الفكري والنفسي الذي نعيشه — كلّ ذلك يجعل الصورة الطبيعية أننا ضيّقون عن استيعاب الإسلام.
فماذا نفعل؟ نُقلّص الدين ليدخل في هذا القالب الضيّق!
وهذا ظلمٌ للحقيقة وللدين.
الاختلاف المسموح به
قال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًاالنساء: ٥٩.
فلو لم يكن في الردّ إلى الله والرسول حسمٌ لما كان للردّ معنى.
وقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواآل عمران: ١٠٣.
وقال: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْالأنفال: ٦٢–٦٣.
لكن: بقيّةٌ من الاختلاف مسموحة
ومع ذلك فقد أراد الله أن تكون ثمّة منزلةٌ من الاختلاف الاجتهادي مسموحٌ بها.
شاهد: بنو قريظة
فقد قال صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «لا يُصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة».
فأدركهم العصر في الطريق. فقال بعضهم: لا نُصلّي حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نُصلّي؛ لم يُرد منّا ذلك.
فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعنّف واحدًا منهم (متفق عليه).
وقفة: لماذا لم يفصل؟
فقد كان يمكنه أن يقول: هذا هو الصواب وأولئك مجتهدون.
فلماذا سكت؟
ليُبيّن أن الاجتهاد — ما دام ناشئًا عن تلمّس مرضاة الله لا عن هوًى — فلا مشكلة فيه.
وأن نفوسنا ينبغي أن تتّسع لذلك.
ولأنها واقعة عين لا تتكرّر؛ فلو كانت ستتكرّر لبيّن الحكم.
وقفة: أصل المشكلة كان التباطؤ
وثمّة ملحظٌ دقيق: أن المشكلة أصلًا نشأت من التباطؤ.
فلو تحرّك الجميع ساعة الأمر لما وقع الخلاف أصلًا؛ إذ كانوا سيصلون قبل العصر.
فالتباطؤ هو الذي أوجد المشكلة.
قاعدة عمر بن عبد العزيز
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: ما أحدث الناس من قضاءٍ بقدر ما أحدثوا من فجور.
فكثيرٌ من المشكلات التي نُعانيها — مالية واقتصادية واجتماعية — إنما نشأت بسبب مخالفتنا للمنهج.
فلو مشينا على المنهج لما وُجد كثيرٌ منها أصلًا.
شاهدٌ قرآني
ونظيره ما في قصة موسى مع فتاه: فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًاالكهف: ٦٢.
فتأمّل: لمّا جاوزا — أي لمّا تجاوز الحدّ الذي حدّه الله له، بدأ يُحسّ بالتعب.
وقبل ذلك لم يكن يشعر بأيّ مشقّة.
فحين نتجاوز الحدود تقع المشكلة.
وشاهدٌ آخر: التيمّم
وخرج رجلان من الصحابة في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء؛ فتيمّما صعيدًا طيّبًا فصلّيا.
ثم وجدا الماء في الوقت. فأعاد أحدهما الصلاة ولم يُعد الآخر.
فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك.
فقال للذي لم يُعد: «أصبتَ السنّة وأجزأتك صلاتك».
وقال للذي أعاد: «لك الأجر مرّتين» (رواه أبو داود).
وقفة: لماذا فصل هنا ولم يفصل هناك؟
لأن هذه مسألةٌ تتكرّر؛ فلا بدّ من بيان الحكم.
ولذلك قال للأول: «أصبتَ السنّة» — أي هذا هو الصواب.
فمن جاء بعد ذلك يريد أن يُعيد ليأخذ «الأجر مرّتين» فلا أجر له؛ لأنه صار مخالفًا للسنّة بعد أن عَلِمها.
خاتمة: أخلاق العلماء
قال يونس الصدفي: ما رأيتُ أعقل من الشافعي. ناظرتُه يومًا في مسألةٍ ثم افترقنا. ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتّفق في مسألة؟
وقفة: العقل الذي يُزيّن
ولاحظ أنه قال: «أعقل».
فالعقل هنا ليس مجرّد الذكاء؛ وإنما هو ما يُزيّن الإنسان — من الحلم والسعة والرحمة.
والمفروض أن الدين يزيد الإنسان عقلًا وعلمًا وفقهًا ورحمةً وسعةً وحلمًا. فهذا هو الأثر الطبيعي.
معيار التقدّم
فلنا إذًا معيارٌ نعرف به: أنا متقدّمٌ دينيًّا أم متأخّر؟
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: يا أهل القرآن، ما زرع القرآن فيكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض.
فالمطر يُحيي الأرض بعد موتها؛ وكذلك القرآن يُحيي القلوب.
فالسؤال: ماذا زرع فينا؟
الخلاصة
أولًا: نحتاج حقّين
الأول: أن نُعطي أنفسنا فرصةً أكبر للاتصال بمَعين النور — أن نتعرّف على الدين أكثر.
الثاني: أن نتجاوب مع كلّ ما يمنّ الله به علينا؛ ففي تجاوبنا معه يقع الخير.
ثانيًا: ضمانة عدم الانتكاس
فإذا أحسنّا استقبال الدين ووقع الخير في القلب — فهذه هي الضمانة الوحيدة لعدم الانتكاس.
وقد سأل هرقلُ أبا سفيان: «فهل يرتدّ أحدٌ منهم سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟» قال: لا.
فقال هرقل: «وكذلك الإيمان حين تُخالط بشاشتُه القلوب» (رواه البخاري).
وقفة: ما «البشاشة»؟
و«البشاشة» في الأصل ما يظهر في وجه الإنسان من الاستبشار.
فبشاشة الإيمان: نورٌ يدخل مسامّ القلب فيُخالطه مخالطةً تامّة.
فمن رجع عن الدين فإنه لم يصل إليه في الحقيقة؛ إذ لو وصل ما رجع.
ثالثًا: خطر الفلترة
وكثيرٌ من الناس مشكلتهم أنهم يفهمون الدين أولًا، ثم يبدأون ينظرون في أثره على أوضاعهم وظروفهم وأهوائهم؛ فإن رأوا فيه ما يُثقل عليهم أخذوا منه بالمقدار الذي يُناسبهم.
وهذا خطرٌ كبير؛ لأنه ينشأ عن سوء ظنٍّ بالله وضعف إدراك.
فالله لا يأمر إلا بالخير، ولا يأمر إلا بما فيه مصلحة العبد.
وكلّما ازداد الإنسان قربًا من الله ازداد خيرًا في أولاه وأخراه.
رابعًا: قانون التعويض
وقال صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا أبدلك الله به ما هو خيرٌ لك منه» (رواه أحمد).
لكنّ هذه القدرة على البذل مبنيّةٌ على الثقة؛ والثقة مقدارها بمقدار المعرفة.
فعلى قدر معرفة الإنسان بالله يكون مقدار ثقته به، ومقدار توكّله عليه.
وأخيرًا
فنحن ننزل ونطلع، وننزل ونطلع؛ وكلّ يومٍ يمرّ من غير أن نقترب فيه من الله فهو خسارة.
والفرص متاحة، والأمر بإذن الله ميسّر؛ وباب الله مفتوحٌ في كلّ ساعةٍ من ليلٍ أو نهار.
فالمطلوب كلمتان:
أن نُقبل على مصدر النور الصافي الذي لم يعتره غبشٌ ولا تشويه.
وأن نفتح قلوبنا بلا حواجز ولا قيودٍ بيننا وبين نور الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ سبحانك اللهم وبحمدك.