الخطبة الأولى
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أنهينا الجزء الأخير من هذا الباب الذي نتحدث فيه عمّن منّ الله عليهم بالدخول في الإسلام، ولا نذكر كل قصص الكتاب، وإنما ننتقل إلى ما فيه حاجة إلى الشرح، إذ المقصود المعاني لا استقصاء القصص. واليوم نتوقف عند قصتين. وقبل أن نبدأهما، أذكّر بأن حياة الإنسان ليست ملكًا خالصًا له يعيشها كما يشاء، بل هي وديعة من الله سبحانه وتعالى، والمفروض أن تُعاش على الصورة التي يرضاها، قال تعالى على لسان كل مسلم: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَالأنعام: ١٦٢-١٦٣.
قصة الملك الذي بنى قصرًا وعزم أهل مدينته
يروي عون بن عبد الله بن عتبة أنه حدّث عمر بن عبد العزيز رحمه الله بحديث ملك ممّن كان قبلنا، بنى قصرًا فتأنّق في بنائه، ثم صنع طعامًا ودعا الناس إليه، وأقعد على أبوابه من يسأل كل خارج: هل رأيتم فيه عيبًا؟ فكان الناس كلهم يقولون: لا، حتى جاء شباب في آخر الناس، فسُئلوا فقالوا: رأينا عيبين. فحبسوهم، ودخل من سألهم على الملك، فأخبروه أن قومًا ذكروا أنهم رأوا عيبًا. فقال: ما كنت أرضى بواحد، فأتوني بهم. فلما دخلوا عليه سألهم: ما العيبان؟ فقالوا: إن هذا القصر سيَخرب، وإن صاحبه سيموت.
فسألهم الملك: وهل تعلمون دارًا لا تَخرب، ولا يموت صاحبها؟ قالوا: نعم، دار الآخرة. فكانت هذه الدار غائبة تمامًا عن مدركاته، إذ لم يكن يتصور غاية للحياة إلا في حدود هذه الدنيا التي يملكها ويتلذذ بها. فلما ذكروا له الآخرة والجنة والنار، استجاب قلبه، فآمن. لكنه لم يستطع أن يُعلن ذلك فورًا، لأن أهل مملكته لن يقبلوا منه أن يترك السلطان فجأة فتضطرب أحوالهم، فأخذ يلقى هؤلاء المؤمنين سرًّا بالليل، وبقي معهم على هذه الحال زمنًا.
من الإيمان السرّي إلى الإعلان
ثم قال لهم ذات يوم: السلام عليكم، لست منكم بعد اليوم. فسألوه: هل رأيت منّا شيئًا يكرهك؟ فقال: لا، ولكنكم تعرفونني وتُكرمونني لأني كنت ملكًا، وأنا أريد أن أتعامل مع الناس وأنا مجرد إنسان عادي لا يعرفونني. فترك ملكه وعاش بينهم كواحد منهم، لا يريد أن يُميَّز عليهم بجاه الملك السابق. فلما حكى عون بن عبد الله هذه القصة لعمر بن عبد العزيز، تأثر بها تأثرًا بالغًا، حتى ذهب إلى مسلمة بن عبد الملك -ابن عمه وأقرب الناس إليه- يستشيره فيما يجول بخاطره من التنازل عن الخلافة، وقال له: أرأيت رجلًا حمل مالًا لا يُطيق فَفَرّ إلى ربه عز وجل، هل ترى عليه في ذلك بأسًا؟
فقال له مسلمة: اتّق الله يا أمير المؤمنين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فوالله لئن فعلت لا يزالون يختلفون فيها بأسًا. فأعاد عمر السؤال مرارًا، وجعل مسلمة يهدّئه حتى سكن. وهذا السكون لم يكن تراجعًا عن التأثر، وإنما كان انتقالًا من الانفعال العابر إلى تحمّل هذه الأمانة العظيمة بجدّية وحساب. وهذا هو أثر الموعظة الحقّة: أن الإنسان حين يسمع خبرًا يحمله على نفسه لا يتجاوزه، كما فعل عمر بن عبد العزيز.
سرعة الاستجابة وتفاوت الناس فيها
ونسأل هنا: هل يُعقل أن يتحول إنسان في مكانة هذا الملك بمجرد كلمات؟ والجواب أن ذلك ممكن، لكنه يحتاج شرطين: أن يكون المتكلم صادقًا يعيش ما يقول، وأن يكون المستمع حريصًا معنيًّا بالحق. وقد وقع الناس تجاه هذا الحق على درجات: قال تعالى عن كفار قريش: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَالأنعام: ٣٣، وقال في فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَالنمل: ١٤. فهؤلاء أدركوا الحق يقينًا في قلوبهم، لكن الظلم والعلوّ صرفاهم عن الإذعان له.
ومن أمثلة سرعة الاستجابة سحرة فرعون، حين آمنوا فور أن تبيّن لهم الحق، رغم تهديد فرعون: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَالأعراف: ١٢٤، فقالوا: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰطه: ٧٣. وكذلك النجاشي، حين سمع من جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه آيات من سورة مريم، عرف الحق ولم يتردد ولم يحسب، وإن اضطر إلى إخفاء إيمانه عن قومه النصارى المتشددين. أما هرقل، فحين بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم برسالته: «أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين»، وتلا عليه قوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَآل عمران: ٦٤، عرف هرقل صدق النبوة، وقال لأبي سفيان: “وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم”، لكنه آثر أن يحافظ على ملكه فلم يُسلم، خشية أن يفقد سلطانه، فبقي ملكه محدودًا وتراجع مع الزمن.
وأما كسرى، فحين وصلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مزّقها استكبارًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مزّق الله ملكه»، وبالفعل قُتل كسرى على يد ابنه بعد ذلك بقليل، فلما بلغ الخبر عامله على اليمن، أسلم. فالفارق بين هؤلاء جميعًا ليس في وضوح الحق، فقد كان واضحًا عند الجميع، وإنما في موقف كل واحد منهم من هواه وعلوّه ومصلحته.
ثمن الإيمان: معاناة المهاجرين
وقد يستجيب الإنسان للحق ثم يجد في طريقه مشقة عظيمة، كما وقع لمصعب بن عمير رضي الله عنه، الذي كان من أنعم أهل مكة، فلما أسلم وهاجر عانى أشدّ العناء من الجوع والفاقة، حتى كان يُحمل من الإعياء. وكذلك أهل الصُّفّة، الذين كانوا مهاجرين لا مأوى لهم، حتى إن أحدهم كان يضع قدمه على عنق النائم بجواره من شدة الجوع يظنه في نومه شيطانًا. ومع كل هذه المعاناة، وعدهم الله بالخير في الدارين: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَالنحل: ٤١.
منهج بني إسرائيل ومنهج الصحابة
وأختم بمعنى مهم: أن الأمم إذا هلكت حوّلت الدين إلى قصص تُروى للتسلية، دون أن يُترجَم إلى عمل. وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم أمته ببني إسرائيل في هذا الخطر، فقال: «لتتبعُنّ سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه». ومما يُروى أن موسى عليه السلام وعظ بني إسرائيل موعظة بليغة “وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون”، فقال أحدهم: يا نبي الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ منشغلًا بتعظيم الواعظ لا بتنفيذ الموعظة. وقد وُعظ النبي صلى الله عليه وسلم موعظة مماثلة، فقال أصحابه: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع، فأوصنا! فطلبوا الوصية والعمل لا مجرد الثناء. وقد قال المقداد بن عمرو رضي الله عنه يوم بدر: «لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون».
خاتمة: الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة
فالمطلوب أن نتقبّل كل موعظة وكل آية بالقبول الحسن الذي يُنبت في القلب النبات الحسن، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَاإبراهيم: ٢٤-٢٥، وقال: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُفاطر: ١٠. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: «إن أخوف ما أخاف أن يُقال لي يوم القيامة: يا عويمر، أعلمتَ أم جهلت؟ فإن قلت: علمتُ، لم تبقَ آية في كتاب الله إلا أخذت بفرائضها». نسأل الله أن يجعلنا ممّن يسمع القول فيتّبع أحسنه، وأن يغرس في قلوبنا شجرة الإيمان الثابتة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.