الخطبة الأولى
ما زلنا في باب توبة السابقين من الأمم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ومدار بحثنا كله هو سرّ التوبة: تلك الحقيقة الكامنة في قلب الإنسان التي من أجلها يمنّ الله عليه ويأخذ بيده، فالاصطفاء عند الله ليس خضوعًا عابرًا وإنما يُبنى على استحقاق، قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُالقصص: ٦٨. وقد ذكرنا في المرة الماضية قصة الملك الذي بنى قصرًا عظيمًا فرفع الشباب سقف تفكيره حين نبّهوه إلى فناء الدنيا وبقاء الجنة، وقصة خليفة بني إسرائيل الذي فرّ من سلطانه خشية الظلم فعمل بيده حتى مات، واليوم ننتقل إلى قصة أخرى من هذا الباب: قصة ذي الكِفل والملك الجبار.
قصة ذي الكفل والملك كنعان
يُروى أن ذا الكِفل هذا كان رجلًا صالحًا -وهو غير ذي الكفل المذكور في القرآن على قول بعض أهل العلم- عاصر ملكًا جبارًا اسمه “كنعان”، لا يُطاق في زمانه لظلمه وطغيانه، وكان ذو الكِفل يعبد الله سرًّا منه ويكتم إيمانه وهو في مملكته، لم يُفسد على الملك أمرًا ولم يُحدث فتنة، وإنما كان مجرد عدم قبوله لدعوى الملك الألوهية يُعدّ في نظر الحاشية إفسادًا. فقيل للملك: إن في مملكتك رجلًا يفسد عليك أمرك ويدعو الناس إلى غير عبادتك، فبعث إليه ليقتله.
فلما دخل عليه قال له الملك: ما هذا الذي بلغني عنك أنك تعبد غيري؟ فقال ذو الكِفل: اسمع مني وتفهّم ولا تغضب، فإن الغضب عدوّ النفس يحول بينها وبين الحق ويدعوها إلى هواها، وينبغي لمن قدر ألا يغضب فإنه قادر على ما يريد. ثم افتتح كلامه بذكر الله عز وجل والحمد له، وقال: أتزعم أنك إله؟ فإله من تملك، أم إله جميع الخلق؟ فإن كنت إله من تملك فإن لك شريكًا فيما لا تملك، وإن كنت تزعم أنك إله الخلق كلهم فمن إلهك؟
حوار العقل والفطرة
فوجد الملك نفسه أمام سؤال لم يكن قد فكّر فيه من قبل، إذ كان يظن أنه إله من حوله بمجرد أن الناس تسمع كلامه وتطيعه، فلما وُجّه إليه السؤال المباشر أدرك أنه هو نفسه مخلوق له خالق. وهذا يشبه ما جرى بين إبراهيم عليه السلام والذي حاجّه في ربه، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُالبقرة: ٢٥٨. ولما تكلم ذو الكِفل بهذا الأسلوب الهادئ المتدرج، وجّه إليه الملك أسئلة تكشف أنه لا بناء فكريًّا عنده، فبدأ ذو الكِفل يعلّمه: قال: إله السماوات والأرض، وهو خالقهما، وهذه الشمس والقمر والنجوم، فاتّق الله واحذر عقوبته، فإن أنت عبدته ووحّدته رجوتُ لك ثوابًا والخلود في جواره.
الغضب عدوّ الحكم العادل
وموعظة ذي الكِفل في التحذير من الغضب موعظة جليلة لمن بيده سلطان، لأن الغضب يُفسد على الإنسان تصوّره للحق ويجعل الهوى يسيطر عليه، قال تعالى مخاطبًا داود عليه السلام: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِص: ٢٦، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِالجاثية: ٢٣. وقد بلغ معاوية رضي الله عنه هذه الموعظة نفسها، إذ قال له أحد الصحابة الكبار: إياكم والسلطان، فإنه يغضب غضب الصبي ويبطش بطش الأسد. فأمر له معاوية بعطاء، وكان رضي الله عنه حليمًا يتقبّل مثل هذا القول.
وقع الموعظة على قلب لم يألف مثلها
ولم تكن هذه المعاني التي ذكرها ذو الكِفل جديدة على من عاش على الفطرة، فقد أخذ الله الميثاق على بني آدم في عالم الذرّ، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰالأعراف: ١٧٢، فهذا المعنى مستقر في أعماق كل إنسان، وإنما يحتاج إلى من يُحييه ويوقظه. وقد بيّن القرآن أن مثل هذه القسوة تصيب القلوب حين يطول عليها الأمد بعيدًا عن الذكر، قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَالحديد: ١٦، والحل بعدها في الآية التالية: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاالحديد: ١٧، فكما يُحيي الله الأرض الميتة، يُحيي القلوب بذكره وكلامه.
الملك يفزع ويسأل عن سبيل النجاة
فذكر ذو الكِفل للملك صفة الجنة، دار الخلود التي أعدّها الله لأوليائه، وصفة النار وعذابها لمن كفر وعصى، ورقّ قلب الملك وبكى، فقال: إن أنا آمنت بالله فما لي؟ قال: الجنة. قال: فما لي بذلك؟ قال: أنا لك الكفيل، وأكتب لك على الله تبارك وتعالى كتابًا، فإن أتيتَه تقاضيتَه بما في كتابك فوفّى لك، فإنه قادر وفيّ ويزيدك. ففكّر الملك في ذلك، فأراد الله به الخير، فقال: اكتب لي على الله عز وجل كتابًا. فكتب: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب كتبه فلان -أي ذو الكِفل- على الله تعالى لفلان الملك، حفيظًا منه بالله تبارك وتعالى، إن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، ولكن أنا على الله عز وجل بكفالة فلان: إن تاب ورجع وعمل صالحًا أن يُدخله الجنة ويُبوّئه منها حيث يشاء، وإن له على الله ألا يضيّع أجره وأن يُجيره من عذابه، فإنه رحيم بالمؤمنين، واسع الرحمة، سبقت رحمته غضبه.” ثم ختم الكتاب ودفعه إليه.
خاتمة: بداية التحول
هذا الكتاب كان بداية تحول هذا الملك الجبار، ونقف عنده لنكمل خبر أثره في اللقاء القادم إن شاء الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحيي قلوبنا بذكره، وأن يجنّبنا الغضب إذا حكمنا أو تكلمنا، وأن يرزقنا لينًا في القول يبلغ به الحق قلوب من حولنا كما بلغ قلب هذا الملك. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.