جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

تابع توبة ملك بني إسرائيل

الخطبة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كنا قد وقفنا عند قصة الملك الجبار “كنعان” في زمن بني إسرائيل، والعبد الصالح ذي الكِفل الذي كان يعبد الله سرًّا ويكتم إيمانه في مملكة هذا الملك، حتى وشى به من زعم أن مجرد وجوده وإيمانه يهدد سلطان الملك، فأمر بقتله، فلما أُحضر بين يديه قال له ذو الكِفل: اسمع مني وتفهّم ولا تغضب، فإن الغضب عدو النفس يحول بينها وبين الحق.

تهيئة القلب قبل تلقي الحق

وهذه الكلمات الأولى من ذي الكِفل لم تكن عابرة، بل كانت تمهيدًا ضروريًّا لمن سيتلقى كلامًا يغيّر حياته. ونظير هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة الطعام»، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يُقبل الإنسان على الصلاة وهو جائع مشغول الذهن بالطعام، أو وهو يدافع الأخبثين، لأن العبادة تحتاج صفاء ذهن وحضور قلب، لا مجرد إيقاع الحركات. فكذلك تلقي الحق: يحتاج الإنسان أن يُهيّئ نفسه، لا أن يستقبله وهو مشغول القلب بغيره، أو معلَّقًا بشيء يخشى أن يُسلبه إياه هذا الحق.

ولذلك فرّق ذو الكِفل بين “اسمع” و”تفهّم”، فالفهم وحده قد يكون سطحيًّا، أما التفهّم فيقتضي بذل جهد في استيعاب الكلام وتقليبه، كما يُقال في اللغة: “تفعّل” للدلالة على التكلّف وبذل الجهد لاكتساب الشيء. وأما النهي عن الغضب، فلأن الإنسان أحيانًا يرفض الحق لا لعيب فيه، بل لأنه يتوقع إلى أين سيصل به هذا الكلام، فيقطعه في منتصفه خشية أن يُلزمه بترك ما تعلّق به قلبه.

حقيقة الإيمان: التسليم الكامل

وهذا يقودنا إلى معنى جوهري: أن معيار الإيمان هو القبول والتسليم لكل ما يأمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا انتقاء ما يوافق الهوى وردّ ما يخالفه. قال تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاالنور: ٥١. فبعد “سمعنا وأطعنا” يخضع الإنسان لما جاء به الأمر، وإن وقع بعد ذلك في تقصير أو ضعف أو غلبة هوى، فذلك أمر يُعالَج بالتوبة، لكن ما لا يصح هو رفض الأمر من أصله بحجة الصعوبة.

ومن هنا نفهم قصة آدم عليه السلام حين أُمر ألا يقرب الشجرة، فلم يكن رفضًا للأمر، بل استزلّه الشيطان: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰطه: ١٢٠، مع أن الله تعالى كان قد كفاه كل حاجته: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰطه: ١١٨–١١٩. فأكل آدم وزوجه من الشجرة: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰطه: ١٢١–١٢٢، وقالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَالأعراف: ٢٣. فآدم عليه السلام لم يعتذر بأنه لا يعلم، بل اعترف وتاب، فتلقّاه ربه بالمغفرة، وهذا هو الفارق بين المؤمن الذي يعصي ثم يتوب، وبين المُصِرّ الذي يبرر ويكابر.

النكتة السوداء على القلب

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أثر الذنوب على القلب، فقال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقل قلبه، وإن عاد زِيد فيها حتى تعلو قلبه، فذلك الرَّان الذي ذكره الله»، قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَالمطففين: ١٤. فقلب المؤمن التائب يبقى صافيًا يُشرق فيه نور الهداية وإن أخطأ بين الحين والحين ثم تاب، أما القلب المُصِرّ فتتكاثر عليه النقاط السوداء حتى يُغلق تمامًا، وهذا حال من قال الله فيهم: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌالبقرة: ٨٨، فهم يتمدحون بإغلاق قلوبهم عن الحق وكأن ذلك عذر لهم.

سيد الاستغفار

وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أعظم صيغة يتقرب بها العبد من ربه بعد الذنب، وهي سيد الاستغفار، إذ قال: «اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». ففيه إقرار بالربوبية، وإقرار بالعبودية، والتزام بالعهد على قدر الاستطاعة لا فوقها، واعتراف بالنعمة من الله والذنب من النفس، ثم استرحام لا يعرف بابًا سوى باب الله سبحانه وتعالى. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا يرجونّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه».

حُسن الظن بالله

وممّا يُعين القلب على الثبات والتوبة أن يُحسن الإنسان الظن بربه في كل حال، قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظنّ عبدي بي». وفي المقابل، جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد شيخًا كبيرًا مريضًا فقال له: «لا بأس، طَهور إن شاء الله»، فقال الرجل: بل هي حُمّى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم إذًا». فكان كما ظنّ بربه، وهذا تحذير من سوء الظن بالله في كل ما ينزل بالإنسان من الأقدار، إذ قال تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِالفتح: ٦. وكلما حسُن ظن الإنسان بربه استقام فكره وفعله، ولقي الجزاء الحسن، تمامًا كما تجلّى ذلك في قول يوسف عليه السلام بعد رحلة عمره كلها: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُيوسف: ١٠٠، فاللطف هو رحمة الله الخفية التي توصل الإنسان إلى الخير من حيث لا يشعر، كما في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، حيث كانت وراء كل حادثة ظاهرها الشدة حكمة خفية ورحمة.

القرآن شفاء

وختامًا نذكّر أن القرآن الذي بين أيدينا هو شفاء لما في الصدور من هذه الأمراض القلبية، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَيونس: ٥٧، وقال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌفصلت: ٤٤.

خاتمة

وقد رأينا كيف كان تدرّج ذي الكِفل مع الملك -من التهيئة، إلى طلب التفهّم، إلى التحذير من الغضب- طريقًا لفتح قلب مغلق. ونكمل قصة هذا الملك وما آل إليه أمره في اللقاء القادم إن شاء الله. أسأل الله أن يرزقنا قلبًا سليمًا، وحسن ظن به في كل حال. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.