الخطبة الأولى
بدأنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب، وكنا قد ختمنا الجزء الأخير بذكر قصة اسم “الإسلام” بعد أن بُعث النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة. وبعد ذلك بدأنا نتكلم عن باب توبة السابقين، أي من الأمم السابقة ومن بني إسرائيل، قبل أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا المرة الفائتة قصة الملك الذي بنى قصرًا عظيمًا، والنهارده إن شاء الله في قصة أخرى.
ولسنا نحكي كل قصص الكتاب، ذلك أن القصة إذا سقطت شبهتها فقد تحقق الهدف من سردها؛ لكن كما قلنا، المقصود هو المعاني والأسرار والحِكَم التي في القصة. وقررنا أننا نبحث عن سرّ التوبة، السرّ الموجود في قلب الإنسان الذي من أجله يمنّ الله عليه ويكلؤه ويأخذ بيده. فالكِنّية فيها من الهداية والتوبة والتقرّب من الله سبحانه وتعالى ما لا يكون خُضوعًا عابرًا، وإنما تُبنى على استحقاق. قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُالقصص: ٦٨، فالاصطفاء لا يُعطيه الله سبحانه وتعالى إلا لمن هو أهل له.
قصة الملك الذي بنى قصرًا
ذكرنا المرة الفائتة قصة الملك الذي بنى قصرًا كبيرًا رآه عظيمًا جدًا، فعزم أهل مملكته على اختلاف طبقاتهم، وطلب من حاشيته أن يسألوا كل خارج من عنده: أوجدت في القصر عيبًا أم لا؟ وكان كل من دخل ينبهر بما رأى، فما شهد أحد بعيب، حتى جاء شباب فقالوا: نحن رأينا عيبين. فغضب الملك حين علم أن أحدًا وجد عيبًا، فأمر بإحضارهم، وسألهم: ما العيبان؟ فقالوا: إن هذا القصر سيَخرَب، وإن صاحبه سيموت.
فسألهم: هل هناك ما لا يَخرَب وصاحبه لا يموت؟ قالوا: نعم، الجنة. فرفعوا بذلك سقف تفكيره إلى ما كان بعيدًا عن مدركاته، ونقلوه من أفق الدنيا الذي كان يحصر فيه غاية وجوده إلى أفقٍ أبعد، فسأل عن الآخرة حتى بدأ يستجيب، فآمن، واعتزل الحياة التي كان عليها. وقد سبق أن تساءلنا: كيف يقبل إنسان في مثل هذا السلطان والجاه أن يتنازل عن كل ذلك لحظيًّا لمجرد كلامٍ سمعه؟ وذكرنا أن ذلك يتوقف على أمرين: أن يكون المتكلم صادقًا متفاعلًا وجدانيًّا بما يقول حتى يقع كلامه موقعه، وأن يكون المستمع من أهل الاستحقاق لهذا الحق.
وقد كانت هذه القصة تُروى لعمر بن عبد العزيز رحمه الله، وكان راويها هو عون بن عبد الله بن عتبة، فلما سمعها عمر أحسّ أنه شريك في هذه الأمانة، وأن مسؤوليتها عظيمة، فذهب إلى مسلمة بن عبد الملك ـ ابن عمه وأقرب الناس إليه ـ يستشيره في أمرٍ كان يهمّ فيه بأن يأخذه على نفسه، فجعل مسلمة يهدّئه ويُذكّره حتى سكن. وسكونه هذا هو ثمرة التجاوب النفسي مع الموعظة، لا مجرد الانفعال العابر.
قصة خليفة بني إسرائيل الهارب
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل استخلفوا خليفةً عليهم بعد موسى عليه السلام، فقام يصلي من الليل فوق بيت المقدس، فذكر أمورًا كان يصنعها، فخرج فتدلّى بحبل، فأصبح الحبل معلَّقًا في المسجد وقد ذهب، فانطلق حتى أتى قومًا على شاطئ البحر بديار مصر، فوجدهم يصنعون اللِّبن، فسألهم كيف يأخذون هذا اللِّبن فأخبروه، فلبِن معهم، وكان يأكل من عمل يديه، فإذا كان حين الصلاة تطهّر فصلّى، فرُفع ذلك للعمال إلى قهرمانهم: إن فينا رجلًا يفعل كذا وكذا. فأرسل إليه فأبى أن يأتيه ثلاث مرات، ثم إنه جاءه بنفسه يسير على دابته، فلما رآه فرّ فاتّبعه فسبقه، فقال: انظرني أكلمك. فقام حتى كلّمه فأخبره خبره، وأنه فرّ من رهبة ربه عز وجل. قال: إني لأظنّ أني لاحق بك. فلحقه، فعبَدا الله عز وجل حتى ماتا برَمْلة مصر». قال عبد الله بن مسعود: لو كنت ثمّ لأحببت أن أهتدي إلى قبرهما لِما وُصف لي من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي وصف.
وهذا الرجل الذي استُخلف على بني إسرائيل تذكّر في خلوته وهو يصلي بالليل تاريخه الماضي، وأنه ربما كان مثقلًا بكثير من الذنوب، ثم تلبّس بسلطان صار به يظلم ويتعدّى، فقرر ألا يتحمّل ذلك، فنزع الحبل من الحيطة وترك السلطان كله وهرب. فانتقل من بيت المقدس حتى وصل مصر، فوجد قومًا يصنعون اللِّبن فعمل معهم، وكان يأكل من عمل يده، وكان إذا حان وقت الصلاة تطهّر وصلّى بينهم، فبدا سلوكه غريبًا عن أهل الصنعة فرُفع أمره إلى رئيسهم، الذي طلبه ثلاث مرات فأبى، لأن من طبيعة الإنسان المدرك لحقيقة الإيمان ألا يحبّ أن يُعرف بين الناس بالصلاح، كما في الحديث: «إن الله تعالى يحب العبد التقيّ الغنيّ الخفيّ». فلما ألحّ عليه القهرمان بنفسه، وأخبره الرجل خبره، أدرك القهرمان صدقه فتأثّر بما سمع، فلحق به وعبَدا الله معًا حتى ماتا.
والموضع المهم هنا: أين يكون محل التأثر أو التجاوب حين تمر بنا حادثة كهذه؟ إنه حين نُسقط ما نسمعه على أنفسنا لا على غيرنا. فالإنسان حين يمر عليه خبر أو موعظة، وأعادها إلى نفسه بدل أن يتجاوزها كما يفعل أكثرنا، فذلك ربما يكون بداية تغييرٍ حقيقي، مثلما فعل عمر بن عبد العزيز حين سمع قصة الملك فحملها على نفسه.
قصة ذي الكِفل والملك الظالم
القصة الأخيرة التي نبدأ بها اليوم قصة ذي الكِفل، وقد اختلف العلماء هل هو ذو الكِفل المذكور في القرآن أم غيره، والمشهور أنه رجل صالح عاصر ملكًا جبارًا اسمه “كَنْعان” لا يُطاق في زمانه لظلمه وطغيانه، وكان ذو الكِفل يعبد الله سرًّا منه ويكتم إيمانه وهو في مملكته. فقيل للملك: إن في مملكتك رجلًا يفسد عليك أمرك ويدعو الناس إلى غير عبادتك، فأرسل إليه ليقتله. فلما دخل عليه قال له الملك: ما هذا الذي بلغني عنك أنك تعبد غيري؟ فقال ذو الكِفل: اسمع مني وتفهّم ولا تغضب، فإن الغضب عدوّ النفس يحول بينها وبين الحق ويدعوها إلى هواها، وينبغي لمن قدر ألا يغضب فإنه قادر على ما يريد.
هذا موضع نقف عنده إن شاء الله في اللقاء القادم، فما زلنا في بداية القصة، والحاجة أن ندرك أن الإنسان قبل أن يميّز بين الحق والباطل عليه أولًا أن يسمع، ثم يتفهّم، ثم لا يغضب، لأن الغضب يفسد على الإنسان تصوّره للحق ويجعل الهوى يسيطر عليه، كما قال تعالى لداود عليه السلام: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِص: ٢٦.
الخاتمة
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا سرّ التوبة، وأن يجعلنا ممن يسمع القول فيتّبع أحسنه، وأن يهدينا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.