مقدمة: أين وصلنا؟
بسم الله الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد:
فقد وصلنا إلى قضية التعريف بربنا سبحانه وتعالى، وقد بدأ المصنف رحمه الله رحلة المعرفة بقوله: «إثباتُه ذاتَ الربِّ جلَّ وعلا، وأسماءَه الحسنى، وصفاتِه العُلا». فالشيء الذي نتكلم عنه لا بد أن نعرفه أولًا قبل أن نقبله.
وقد تكلمنا المرة الماضية عن الفرق بين الحقيقة والوهم؛ فإن الإنسان قد يتخيل أشياء ويعتقد أنها حقائق، وهي في نفس الأمر غير موجودة. ولذلك كان أول ما يبدأ به المصنف قولَه «إثباتُه ذاتَ الربِّ»؛ لأن هذا يعكس أننا نتكلم عن حقيقةٍ قائمة، لا عن وهمٍ متخيَّل.
الحسنى والعُلا
وهذه الذات العظيمة متصفة بالصفات. فما معنى «الأسماء الحسنى»؟ معناه أنها لا تحمل إلا المعاني الحسنى الجميلة، فلا يتطرّق إلى شيء منها نقصٌ ولا عيبٌ ولا خللٌ بوجهٍ من الوجوه. وأما «الصفات العُلا» فهي التي على أعلى قدرٍ من الجلال والجمال والعظمة والرفعة.
الذوات تتمايز بالصفات
والذوات إنما تتميّز بصفاتها. فنحن البشر من حيث أصل التركيب شيء واحد؛ فما الذي يميّز إنسانًا عن إنسان؟ إنها الخلال والصفات التي يتصف بها. وهذا هو المجال الذي تقع فيه المجاهدة ويقع فيه الابتلاء. وقد قيل:
الناسُ من جهةِ التِّمثالِ أكفاءُ *** أبوهمُ آدمٌ والأُمُّ حوَّاءُ
فالناس في أصل الخلقة شيء واحد، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءًالنساء: ١. فالأصل أننا مخلوقون من نفسٍ واحدة، ومخاطَبون بكتابٍ واحد، وسنُرَدّ جميعًا إلى مرجعٍ واحد؛ فلم يبقَ للتفاضل بين العباد إلا ما اكتسبوه من الصفات.
كلمة «الرب»: ألصق الكلمات بالقلوب
وأول وصفٍ ذكره المصنف رحمه الله هو كلمة «الرب»، وقد تكلمنا عليها مرارًا حين كنا نتحدث عن فاتحة الكتاب. وإنما بدأ بها ليبسط الطريق بين الإنسان وربه سبحانه وتعالى؛ فهي ألصق الكلمات بنا وأقربها إلى قلوب الناس جميعًا.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَالبقرة: ٢١. وكان المخاطَبون عربًا يدركون دلالة الكلمة ومعناها؛ ونحن قد لا نعرف من معناها اللغوي شيئًا، ومع ذلك فإن الأثر المترتب على هذه المعرفة موجودٌ فينا بالفطرة: فالإنسان إذا ضاقت به الأمور، أو نزلت به شدة، أو أحاطت به المخاوف وتوجّسات المستقبل، قال: «يا رب» — وهو ربما لا يحسن تفسير ما يقول.
وهذا من نعمة الله علينا: أن المعاني الأساسية التي نحتاجها ضرورةً قدّرها في القلوب، فلم يجعلها متوقفة على علمٍ أو دراسةٍ أو بحث. وكلمة «يا رب» يشترك فيها كل الناس، لكن إحساسنا بها يزداد بقدر إحساسنا بالحاجة. ولذلك تجد الدعاء قد يصير عادةً روتينية، لكنه يختلف اختلافًا تامًّا حين يضغط على الإنسان أمرٌ يشتد به؛ فيختلف شكل الدعاء، ويختلف شكل السجود، ويختلف الحضور كله.
«أمّن يجيب المضطر»: خطابٌ للمشركين
قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِالنمل: ٦٢. ومن المخاطَب هنا؟ إنه خطابٌ للمشركين لا للمسلمين؛ يذكّرهم الله سبحانه وتعالى بحقه وفضله وكرمه وقدرته ونعمته، ويحتجّ عليهم بأن الذي يجيبهم في الشدة هو الذي ينبغي أن يُلازَم في كل وقت.
وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم حُصينًا — والد عمران بن حصين رضي الله عنه — قبل إسلامه: «كم إلهًا تعبد؟» قال: سبعة؛ ستةً في الأرض وواحدًا في السماء. قال: «فأيُّهم تعدُّ لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء (رواه الترمذي). فحقيقة المعبود عندهم هو الله سبحانه وتعالى، لكن الوهم دخل من باب الوساطة، كما قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰالزمر: ٣.
الشرك في صورة الوساطة
فهم يعلمون أن القدرة الحقيقية والتأثير الحقيقي بيد الله وحده، لكنهم يقولون: نحن مدنَّسون بالخطايا، فلا يليق بنا أن نتوجّه إليه مباشرة؛ فنتخذ وسائط من الأطهار الذين لهم عنده مكانة، يحملون حاجاتنا وطلباتنا إليه. وهذا هو الخلل الذي يقع فيه أكثر الناس؛ فإن التوجّه المباشر إلى الله ليس هو السائد في تاريخ البشرية، بل السائد هو الشرك، وأغلب صوره صورةُ الوساطة.
ولذلك جاء الجواب الإلهي في غاية اللطف والدقة؛ فكل سؤالٍ وَرَد في كتاب الله كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الواسطة في نقل جوابه، ويأتي الأمر بـ«قل»: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌالبقرة: ٢١٧، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌالبقرة: ٢٢٠، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًىالبقرة: ٢٢٢، وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَالبقرة: ٢١٩.
فلما جاء السؤال عن الله نفسه، سقطت «قل»: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَالبقرة: ١٨٦. فتولّى سبحانه الجواب بنفسه، تأكيدًا لمعنى انتفاء الواسطة بين العبد وبين ربه.
الأصنام رموزٌ لا معبوداتٌ لذاتها
وهذه الأصنام التي كانوا يعبدونها لم يكن أحدٌ يعتقد أن الحجر نفسه هو الربّ؛ فما كان القوم من الحمق بهذه الدرجة. وإنما كان الحجر عندهم رمزًا لقوةٍ معينة يعتقدون أنها تحلّ فيه أو تتصل به. ولذلك كان الرجل منهم يسافر فينزل في الطريق فيتخذ أحجارًا يجعل عليها قِدره ويتخذ رابعًا يعبده؛ فلو كان يعتقد أنه الرب حقيقةً ما فعل ذلك.
وهذا ما بيّنه الله بقوله على لسان يوسف عليه السلام: مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍيوسف: ٤٠. فهي أسماءٌ لا حقائق تحتها، وهم أنفسهم يعلمون ذلك؛ ولذلك يتجاوزونها في لحظات الشدة.
البحر والبرّ: متى تسقط الأوهام؟
قال تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَالعنكبوت: ٦٥، وقال: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًاالإسراء: ٦٧.
وتأمّل دقة كلمة ضَلَّ؛ فالضلال هو التوهان والضياع. فهو لم يقل إنهم تركوهم، بل إن هذه الأسماء سقطت من أذهانهم أصلًا فلم تخطر لهم على بال. فالوهم إنما يعيش في وقت السَّعة والفراغ؛ فأما في لحظة الاضطرار الحقيقي فلا وقتَ للتكلّف، فيقول القلب: يا الله، على طول.
فما الفرق بين البرّ والبحر إذًا؟ إن البحر موضعُ إحساسٍ بالضعف والخطر؛ فالمركب كائنٌ هشّ في مواجهته. وقد كتب معاوية رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه يستأذنه في ركوب البحر لغزو الروم، فسأله عمر أن يصف له البحر، فكان مما وُصف به أنه دودةٌ على عود: الخشب على الماء والإنسان عليه. فحتى الناجي منه يبقى في هلعٍ وخوف.
ثم جاء التنبيه على أن البرّ ليس بأمان في نفسه، وإنما هو موضعٌ لا يخطر الخطر فيه ببال: أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًاالإسراء: ٦٨–٦٩. فالخطر قائمٌ في الحالين، وإنما اختلف إحساسنا به.
معاني كلمة «الرب»
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بتدبّر القرآن، والتدبّر فرعٌ عن الفهم، وقد جعله عربيًّا لنعقله: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَالزمر: ٢٨. فإذا ذكرنا «الرب» فماذا نذكر؟
نذكر المِلْك: فهو المالك الذي كل شيء مملوكٌ له، وكل شيء مرجعه إليه، وكل شيء أصله ومصدره منه. ونذكر السيادة: فهو صاحب السلطان سبحانه. ونذكر التدبير: فهو الذي يصرّف هذا الكون. ونذكر الإصلاح: فإن تدبيره لهذه الحياة تدبيرُ إصلاحٍ ونفع، بعيدًا عن كل معنى من معاني الإساءة. ونذكر التربية: وهي أن يمدّ الله الإنسان بنعمه على وجهٍ متتابع، فيرقّيه من حالٍ إلى حال بصورة متدرّجة.
ما يترتّب على هذه المعاني
فإذا كان كل شيءٍ مملوكًا لله، فأنا نفسي قبل كل شيء مملوكٌ له؛ فحياة الإنسان نفسها ملكٌ لله، والإنسان مؤتمنٌ عليها. وكل ما بيدك فهو أمانة استخلفك الله عليها؛ ومن ثمّ فحرية التصرف المطلقة لله لا للإنسان. أعطاك حياةً ونفخ فيك من روحه، وأعطاك صحةً، وأعطاك علمًا، وأعطاك عقلًا وفكرًا وإدراكًا — فأنت مؤتمنٌ على هذا كله لا مالكٌ له. والفرق بين من يتصرّف باعتباره مالكًا ومن يتصرّف باعتباره مؤتمَنًا فرقٌ يصنع طريقين مختلفين تمامًا في الحياة.
وإذا اعتقدت التدبير الإلهي، أدركتَ أن هذا الكون كلَّه — من أضخم شيءٍ فيه إلى أدقّه — لا يتحرّك شيءٌ منه إلا بإذن الله: الأجرام السماوية والنجوم والكواكب والهواء والبشر على اختلاف مراتبهم، بل حركة الأحشاء في جوفك التي لا تدري عنها شيئًا، والتي تجري بهذه الدقة والتناسق — الله سبحانه هو الذي يدبّرها ويحرّكها ويصرّفها. وهذا التدبير كلّه إصلاحيّ، ينتهي في غايته إلى الخير والمصلحة.
التربية: عامّة وخاصّة
والتربية الإلهية حسّية ومعنوية. فمن الحسّية قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍالزمر: ٦؛ فهذه التنقّلات تربيةٌ قبل أن يخرج الإنسان إلى الدنيا، ثم يرقّيه الله بأسباب النعم شيئًا بعد شيء. وهذه تربيةٌ عامة لكل الخلق، ولذلك قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَالفاتحة: ٢.
ثم يختصّ الله من عباده من شاء بتربيةٍ أخرى، هي تربية الإيمان والهداية، قال تعالى: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِالأنعام: ١٢٢. فالله هو الذي يمنح الإيمان، وهو الذي يرقّي الإنسان ويرفع درجاته خطوةً بعد خطوة؛ وهذا كله من خلقه وفعله وصنعه سبحانه.
كيف نحوّل المعرفة إلى إيمان؟
ولو أننا أدركنا معنى «رب العالمين» حقًّا وآمنّا به، لتغيّرت حياتنا تغيّرًا كبيرًا. لكن المشكلة الحقيقية: كيف ننقل هذا الكلام من دائرة المعلومات إلى دائرة الإيمان؟ فكثيرًا ما نتحدث عن الفرق بين أن أعرف وبين أن أومن، وأحيانًا يلتبس علينا الأمران، فنظن أننا آمنّا لمجرد أننا عرفنا. وليس كذلك؛ وإنما نحن حين نعرف نضع أقدامنا على أول الطريق.
فهذه المعاني لكي تتحوّل إلى إيمان لا بد أن تدخل القلب. والسؤال الأول: كم تحتاج هذه المعاني من التأمل والتكرار والترداد حتى تستقرّ في القلب، فتكون حاضرةً قريبةً أستدعيها متى احتجتها؟ أن تكون في عمق القلب وممتدةً في الوقت نفسه إلى السطح، فإذا شددتُها جاءت معي. أما إذا كان ما بنيناه غير كافٍ، فسنجد أنفسنا عند الحاجة نتخبّط ونحفر ولا نجد شيئًا. وهذه هي نقطة التباين بين الناس.
الصلاة: معيار الحضور
خذ مثالًا عمليًّا: نحن نصلّي — أو بدأنا نصلّي — فهل نعرف أن هذه الصلاة كانت جيدة أو غير جيدة؟ وما المعيار الذي أقيّم به صلاتي؟ نحن نتحدث عن شيءٍ اسمه الخشوع، وهو حالةٌ من التأثر القلبي أثناء الصلاة؛ فكيف يأتي؟ وهل يأتي بسهولة؟ وهل الطريق إليه ممهَّد؟
أول ما ينبغي: أن أعرف قيمة الصلاة نفسها ومدى ضرورتها لي، حتى أستشعر أهميتها. ثم إن الصلاة مناجاة: جملُ كلامٍ أقولها بين يدي ربي؛ فلا بد من قدرٍ من المعرفة بمن أوجّه إليه الخطاب، ولا بد من فهم معاني الجمل التي أقولها.
ويُذكر عن بعض السلف أنه قام يردّد سورة «ألهاكم التكاثر» حتى طلع الفجر. والسؤال: نحن جميعًا نحفظ هذه السورة، والرجل بدأها بعد المغرب فظلّ فيها إلى الفجر — فما الذي كان يدور في قلبه طوال هذا الوقت؟ ما الذي كان يفتح له من المعاني حتى لا ينتهي منها؟ فالفرق ليس في النصّ، وإنما في التفاعل معه. وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا.
وأنت تعرف حالك: تدخل الصلاة عازمًا على التركيز، ثم لا تدري إلا وأنت تسلّم ولا تذكر شيئًا مما مرّ. بل قد يشتبه على الإنسان عددُ ركعاته وسجداته، ويقع السهو على الإمام فلا يجد من ينبّهه لأن الجميع كانوا غائبين.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد ينصرف من صلاته وليس له منها إلا ما عقل منها؛ فمنهم من يُكتب له نصفُها، ومنهم ثلثها، ومنهم ربعها، حتى يبلغ العشر. فالصلاة لها وظيفة ودور وتأثير في بناء الإيمان وزيادة التقوى وإبعاد الإنسان عن مكائد الشيطان؛ ولذلك يحرص الشيطان على إفسادها، ويأتي العبدَ فيها فيذكّره بما لم يكن على باله، حتى لا يدري كم صلّى.
«فاتخذوه عدوًّا»
ولذلك شدّد القرآن في التنبيه على عداوة الشيطان وذكر لها وجوهًا وصورًا وممارسات عديدة. قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِفاطر: ٦. وتأمّل: قوله إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ كافٍ في الاحتراس؛ فإن العاقل إذا علم أن فلانًا عدوٌّ له حذر منه. لكن لغفلتنا احتجنا إلى الزيادة: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا؛ أي انتبهوا وعاملوه معاملة العدوّ فعلًا.
شرط التذكّر: قلبٌ حاضر
قال تعالى: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌق: ٣٧. فالقرآن تذكرةٌ وموعظةٌ ومؤثّرٌ لمن كان له قلبٌ حيّ، فهذا يتجاوب سريعًا. فإن كانت حياة القلب ضعيفة، فالطريق الثاني: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ؛ أي قدرٌ من الإصغاء والتركيز مع حضورٍ للذهن وصرفٍ للشواغل. فالقرآن صالحٌ للتأثير في نفسه، وإنما المطلوب منّا: إمّا حياة القلب، وإمّا العمل على إيجاد هذه الحياة بالإصغاء والإنصات وتفريغ القلب.
الجلال والإكرام
ثم إن الجملة التي بعد ذكر «الربّ» هي ذكر الإجلال. فإذا أدركتُ ما تحويه كلمة «الرب» من المعاني العظيمة، لزم أن يترتّب عليها شدة التعظيم لله سبحانه وتعالى؛ فالإيمان بالربوبية يورث الإجلال لمقام الله.
ثم يترتّب على الإجلال أثرٌ آخر، قال تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِالرحمن: ٧٨. فالإجلال يصعد من العبد، والإكرام ينزل من الرب؛ فحصولُ العبد على الكرامة والتكريم من الله متوقّفٌ على مقدار ما يتحقق به من إجلال مقام الله.
ونظيره قوله تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِالمدثر: ٥٦؛ فـ«أهل التقوى» شيءٌ يصعد من العبد، و«أهل المغفرة» شيءٌ ينزل من الرب. فعلى مقدار التقوى التي نحققها يكون مقدار المغفرة التي ننالها، وعلى مقدار الإجلال الذي نرفعه يكون مقدار الإكرام الذي ينزل إلينا.
التفكّر: طريقٌ إلى الإجلال
فكيف يضع العبدُ ربَّه في مقام الإجلال؟ إن هذا يرجع إلى قدر المعرفة. ولذلك أمرنا الله كثيرًا في القرآن بالتفكّر في خلقه، قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَالبقرة: ١٦٤.
ونحن لم نتعوّد هذا؛ لا التفكّر في عظيم خلق الله، ولا التدبّر في كلامه. تعوّدنا أن نقرأ القرآن أو نسمعه، ولم نتعوّد أن نطلق أبصارنا وأذهاننا في تأمّل خلق الله. وقد يقال: نحن في وسط هذه الكتل الخرسانية، فماذا نتفكّر فيه؟ فالجواب أن الله يسّر لنا وسائل بديلة لم تكن متاحة من قبل؛ فيمكنك أن ترى ما لم تكن تقدر على معاينته: المجرات، وخلق الجنين، وغير ذلك مما صُوّر ونُقل. وهذا من رحمة الله وفضله.
«سبحان الله»: كلمةٌ إذا فُهمت
وأذكر شيخًا فاضلًا رحمه الله كان يجلس الساعة والساعة إلا ربعًا لا يزيد على أن يشير إلى شيءٍ من خلق الله ويقول: سبحان الله. وقد لا أفهم في حينها ما يشير إليه، لكن مع تكرار الكلمة على مدى الأسابيع كنت أجد في نفسي إحساسًا متزايدًا بعظمة الله وقدسه، وإن لم أستطع ترجمته بالكلام.
و«سبحان» كلمة تنزيه؛ فكلما قلتُها فالمفترض أن يستحضر القلب معنى الجلال والعظمة، وتنزيه الله وتعاليه عن كل نقصٍ في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أخباره أو أحكامه أو شرائعه. ولذلك أُمرنا أن نقولها في كل ركوعٍ وكل سجود: «سبحان ربي العظيم»، «سبحان ربي الأعلى». فلا أخرج من ركوعٍ ولا سجودٍ إلا وقد قلتها مرةً على الأقل؛ وليست العبرة بالكثرة، فالمرة الواحدة إذا كانت مؤثّرة حقّقت المقصود.
الخلاصة: العمق لا الاتساع
خلاصة ما قلناه: أننا نريد أن نقترب من هذه المعرفة، والله قد أتاح لنا أدواتها، لكنها تحتاج من الإنسان أن يمارسها، وأن يجعل لها مساحةً من فكره ووقته. فأيّ شيءٍ لا تكون له مساحة في البرنامج لا يتحقق. ولو كان الجزء صغيرًا فلا بأس؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ» (متفق عليه). فالشيء الصغير المستمر يوصل إلى نتيجة، بشرط أن يكون موجودًا في البرنامج.
ولذلك ليس الإنسان محتاجًا إلى قدرٍ كبير من الاتساع المعرفي بقدر ما هو محتاج إلى العمق المعرفي؛ فقد يحفظ المرء سورةً أو سورتين من قصار السور، فإن حاول أن يعيشهما حقًّا كفتاه لتغيير حياته.
وأخشى ما أخشاه أن نخرج من هذا المجلس فيعود كلٌّ منا إلى ما كان فيه قبل أن يأتي، تمامًا كما كان؛ فتُغلَق الحلقة ولا يتغيّر شيء. فلا بد أن نكسر هذه الحلقة. ونحن نعيش في عالمين: عالمٍ هنا نتذكّر فيه ونتواصل، وعالمٍ في الخارج؛ والمطلوب أن نقرّب بينهما. فأقلّ ما ينبغي: أن يشغلني في طريق العودة سؤالٌ واحد: ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا بد أن يُعمل شيء. فالدين حقيقةٌ تُعاش، ولا بد أن نبحث عن سبيلٍ يوصلنا إلى ذلك.