أين نحن من الموضوع؟
نحن منذ أسبوعين نتحدّث في قصة توبة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، ونستهدف أن نخرج منها بما يتعلّق بـخريطة التوبة.
وأصل الموضوع أننا ننتقي قصصًا ممّا ذكره ابن قدامة رحمه الله في «كتاب التوابين»؛ وقد جمع فيه مجموعةً من القصص: منها ما يتعلّق بمن قبل أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يتعلّق بهذه الأمّة.
التوبة قسمان
توبةٌ إلى الإسلام: أن يكون الإنسان على غير الإيمان، وعلى غير معرفةٍ بالله سبحانه، وعلى صورةٍ من صور الشرك؛ ثم يمنّ الله عليه فينتقل إلى الإسلام. وبالتالي فكلّ صور إسلام الصحابة تدخل في هذا الباب.
وتوبةٌ في الإسلام: أن يكون الإنسان قد منّ الله عليه بالإسلام أو بالانتساب إلى الدين، لكنه بعيدٌ عن تحقيق حقيقة الدين والقرب الحقيقي من الله، أو مقيمٌ على معاصٍ تُبعده وتحجزه وتجعله في حوزة الشيطان؛ فيمنّ الله عليه وينتشله برحمته، فينتقل إلى دائرة الطاعة وامتثال أمر الله ومحاولة القرب منه وتلمّس مراضيه.
وقد قلنا إن التوبة وظيفةٌ دائمة للإنسان المسلم؛ فلا يوجد أحدٌ منّا لا يُلمّ بمعصيةٍ أو تعتريه غفلةٌ أو يؤدّي الطاعة على غير الوجه المطلوب. فكلّنا يسهو في الصلاة، وما نؤدّي العبادة قطعًا بصورةٍ مرضيةٍ عند الله. ولذلك نحن محتاجون على طول إلى تجديد التوبة وكثرة الاستغفار.
لماذا نتلمّس هذه القصص؟
لأمرين: أن نتلمّس الأشياء التي يمكن أن تُقرّبنا من الله، والعقبات التي تقف بين الإنسان وبين القرب منه.
والأمر الثاني: أن كلّ إنسانٍ يمنّ الله عليه فيتوب — وراء كلّ توبةٍ سرّ؛ شيءٌ موجودٌ في قلب الإنسان بسببه رحمه الله ومنّ عليه. فنحن نحاول أن نتلمّس هذه الأشياء لعلّنا نُحصّل منها ما ييسّر لنا رحمة الله.
الإطار المحيط بالقصة
وقد تكلّمنا في المرة الماضية عن الخلفيات والدائرة الواسعة المحيطة بالموضوع. فأنا لا أستطيع أن أستفيد من تجربةٍ معيّنة إلا إذا أدركتُ ملابساتها والإطار المحيط بها.
ولا أعرف قيمة قصة التوبة هذه إلا إذا عرفتُ الصعوبات والمشاقّ التي كانت في طريقها. ولا نُدرك عظمة الخير والهداية التي قدّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس إذا لم نعرف حجم العقبات التي كانت تواجهه صلى الله عليه وسلم.
فعكرمة رضي الله عنه — بواقع انتسابه إلى بني مخزوم، وبنوّته لأبي جهل — كان في موقع العداء الدائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللإسلام. ثم بمقتل أبي جهل في بدر ترسّخ هذا العداء بصورةٍ يصعب اقتلاعها.
فصارت القضية صعبة: بمقتضى الحميّة والعصبية والتعظيم للآباء، لا أستطيع أن أترك هذا المعسكر — حتى لو كنتُ أرى أنه ليس على صواب، وحتى لو تبيّن لي كلّ يومٍ أن فيه أخطاءً وخطايا ومشاكل.
حميّة الجاهلية
ولمّا ذكر الله قصة الحديبية في سورة الفتح قال: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِالفتح: ٢٦.
فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم معتمرًا. وكان المستقرّ عند العرب أنه لا ينبغي لمن أحرم قاصدًا بيت الله أن يُصدّ عنه. وكانوا يُعظّمون الحرم تعظيمًا شديدًا، حتى إن الرجل ليلقى قاتلَ أبيه في الحرم فلا يُهيجه — مع أنه في خارجه يدور عليه؛ فيمرّ بجانبه فلا يُكلّمه ولا يتعرّض له، وإنما ينتظره حتى يخرج.
فكون قريش تتجرّأ فتمنع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم مُحرمون من دخول مكة، وتردّهم — هذا في العرف العربي نقيصةٌ على قريش لا على المسلمين. ولذلك قال عمر رضي الله عنه ما معناه: لا يتحدّث الناس أن محمدًا أُعطي الدنيّة في دينه.
فالمشكلة إذًا في نفوسهم: الأنَفة والاستكبار والعزّة بالإثم. فحتى حين قبلوا الصلح كان على وفق شروطٍ يُملونها: أن يرجعوا هذا العام، وأن يعودوا في العام القابل فيقيموا ثلاثة أيام، وأن يدخلوا بالسيوف في أغمادها.
«بطرًا ورئاء الناس»
وكذلك في بدر قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِالأنفال: ٤٧.
فالنفسية التي خرجت بها قريش إلى بدر: البطر وهو الكِبر، والرياء وهو التظاهر بأنهم أصحاب قوّةٍ وهيمنةٍ وسيطرة، وأنه لا أحد يقدر أن يقف أمامهم.
فهذا هو الجوّ الذي يُبعد الإنسان عن الدين، ويجعله يرفض الحقّ لأيّ سبب.
ما حقيقة الكبر؟
قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كِبر». فقال رجل: إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. فقال: «إن الله جميلٌ يحبّ الجمال؛ الكِبر بَطَرُ الحقّ وغَمْطُ الناس» (رواه مسلم).
والكِبر عكس طبيعة الإنسان. فطبيعة الإنسان — وقد خُلق من الطين — أن يكون متواضعًا؛ فالطين شيءٌ لاصقٌ بالأرض. فحين يرتفع الإنسان ينتقل عن صفته ويفعل ما يُخالف طبيعته.
ولذلك كان أدنى مقدارٍ من التكبّر يُدمّر الإنسان: «مثقال ذرّة» — أي شيءٌ لا ينبغي أن يوجد أصلًا.
الطبيعة الآدمية والطبيعة الإبليسية
وقد تكلّمنا مرارًا أننا نتحرّك بين طبيعتين: الطبيعة الآدمية والطبيعة الإبليسية؛ لكلٍّ منهما صفاتٌ وأخلاق. فما دام الإنسان آدميًّا فهو أقرب إلى النجاة، وحين ينتقل إلى الإبليسية فهو أقرب إلى الهلاك.
ومن ألصق صفات الشيطان: التكبّر — أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَالبقرة: ٣٤.
وقفة: سؤال الصحابي
ولماذا سأل الصحابي ذلك السؤال؟ لأنه خطر في ذهنه أن اهتمام الإنسان بحسن مظهره قد يكون نوعًا من التكبّر؛ إذ يُستخدم أحيانًا آلةً للتكبّر. ولذلك عُدّت المَخِيلة — أي الخُيَلاء — من الكبائر.
فأجابه صلى الله عليه وسلم: أن التجمّل شيءٌ مستحسنٌ لا مسترذَل؛ «إن الله جميلٌ يحبّ الجمال»، وأنه سبحانه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «كُلْ ما شئتَ والبَسْ ما شئتَ، ما أخطأتك اثنتان: سرفٌ أو مَخِيلة» (رواه أحمد والنسائي). فالإسراف تجاوز الحدّ في المباح، والمخيلة هي الخيلاء والتكبّر؛ فما عدا ذلك فكُلْ ما شئتَ والبس ما شئت.
أين يظهر الكِبر إذًا؟
فحقيقة الكبر: «بَطَرُ الحقّ وغَمْطُ الناس» — أي ردُّ الحقّ، واحتقارُ الناس وانتقاصُهم.
فقد لا يظهر الكِبر في المنظر والشكل، ويظهر في احتقار الناس وازدرائهم، وفي ردّ الحقّ وعدم قبوله.
والاثنان مرتبطان؛ فأنا أحيانًا لا أقبل الحقّ لأنه جاءني من جهةٍ أرى أني أعلى منها. فلو قبلتُ الكلام من فلانٍ لجعلتُه فوقي، ولجعلتُه أفهم مني أو أهدى.
وقد قال تعالى: وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَاالأنعام: ٥٣. أي: لو كان هذا الدين شيئًا حسنًا لكان لنا نحن؛ أفيُعقل أن يُشرح صدرُ هؤلاء ونُترك نحن؟!
فهذه العلّة إن أصابت إنسانًا أوردته موارد الهلكة. وإن عافاه الله منها فتلك علامة إرادة الخير به. فإن وجد الإنسان في نفسه شيئًا منها فليُحاول أن يتخلّص منه.
أن يعرف الإنسان نفسه
ولذلك من المهمّ جدًّا أن يتعرّف الإنسان على نفسه: أين نقاط القوّة وأين نقاط الضعف، ومن أين يُؤتى.
وقد ذكرنا قبل ذلك قول أبي الدرداء رضي الله عنه: «من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان من أين تأتيه».
فليس الإنسان كلّه خرقًا؛ بل عند كلّ أحدٍ موضعٌ قويّ وموضعٌ هشّ. والشيطان يتحسّس الإنسان ليعرف أين الموضع الضعيف فيأتيه منه.
ولو كان عندنا نصف التركيز والخبرة والدراية الموجودة عند الشيطان لكنّا في حالٍ أفضل بكثير.
الحديبية: من الضيق إلى الفتح
ومن بعثته صلى الله عليه وسلم إلى أن دخل مكة إحدى وعشرون سنة، كلّها عداءٌ على أشدّ ما يكون.
وقد كان الزهري رحمه الله يقول ما معناه: إنه بعد الحديبية أمِن الناس بعضهم بعضًا، وسار بعضهم في بعض، فما تكلّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه.
فقد انتشر السلام في الجزيرة وبدأ الناس يتقاربون. وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على إجراء هذه المصالحة.
وكانت الوثيقة مجحفةً للغاية، وكان الصحابة أشدّ ما يكونون ضيقًا منها؛ حتى قال عمر رضي الله عنه: أنُعطي الدنيّة في ديننا؟ ثم قال الله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًاالفتح: ١.
فقد كانوا مشتاقين إلى البيت، ممنوعين منه سنين طويلة، وقد حدّثوا أنفسهم أنهم سيطوفون به. ثم يرجعون على أن يعودوا العام القابل، وأن مَن جاء منهم مسلمًا يُردّ، ومن ارتدّ إليهم لا يُردّ — بلا تكافؤ في الاشتراطات.
مشورة أمّ سلمة
ولذلك لمّا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يَحِلّوا من عمرتهم — أن ينحروا ويحلقوا — لم يقم أحد. والصحابة إنما كانوا ينتظرون أن يُحدث الله في أمرهم شيئًا؛ فهم يظنّون أن الوحي سينزل بشيء.
فدخل صلى الله عليه وسلم على أمّ سلمة رضي الله عنها مغتمًّا فأخبرها. فقالت: يا رسول الله، أتحبّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلّم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك فيحلقك.
ففعل. فلمّا رأوه قد فعل، قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
فتأمّل: فكرة الشورى، والمشورة تأتي من حيث لا تحتسب. وأمّ سلمة رضي الله عنها بماذا أشارت؟ بأنه إذا فعل تبعوه؛ فلا حاجة إلى أن يتكلّم أو يُقنع.
ثم نزلت سورة الفتح، فسمّى الله ذلك فتحًا؛ فطابت نفوسهم واطمأنّوا — وهم راجعون بالمنظر نفسه وبالشروط نفسها. ثم ظهر معنى ما أخبر به الله بعد سنتين.
بعد الفتح: من لم يُسلم
فلمّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وقَبِل أبو سفيان زعيمُ مكة ورجالاتُها التسليمَ — بقي نفرٌ لم يقبلوا؛ منهم عكرمة وصفوان بن أميّة.
فخرج صفوان، وخرج عكرمة قاصدًا اليمن. وهم يعلمون أن المقاومة غير مُجدية، لكنه انعكاسٌ لوضعٍ نفسيّ معيّن: أن نعمل شيئًا ولو لم يكن مُجديًا؛ لا بدّ أن نُظهر شيئًا.
أمّ حكيم تلحق به
فتحرّك عكرمة صوب اليمن. وأرادت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام — وأبوها عمّ أبي جهل — أن تردّه. فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هند وسائر نساء قريش فبايعنه على الإسلام، وسألته أن يُعطي عكرمة أمانًا يستطيع به أن يرجع إلى مكة. فقال: «هو آمن».
فتبعته حتى أدركته على ساحل تِهامة حيث يهمّ بركوب السفينة.
وتأمّل هذا المشهد: امرأةٌ تخرج وحدها تقطع هذه المسافة وراء زوجها — من حبٍّ وحرصٍ وخوفٍ على مصيره ومآله ومستقبله.
مشهد السفينة: «أخلِصْ»
وكان قد ركب السفينة، فقال له ربّان السفينة: أخلِصْ. — وهذا عرفٌ عندهم في البحر.
فقال: وما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله.
فقال: ما هربتُ إلا من هذه! — أي: تركتُ مكة والدنيا كلّها من أجل هذه الكلمة، ثم أجدها في انتظاري هنا.
وهذا يذكّرنا بالتناقض الذي وصفه الله في عقليات المشركين: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَالعنكبوت: ٦٥.
فهم يرون أنهم في البحر يستشعرون الخطر، وأنه لن يُنجيهم منه إلا الله؛ فيُخلصون له ويوحّدونه ويدعونه وحده. فإذا نزلوا إلى البرّ عادوا.
وقال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْالإسراء: ٦٧–٦٩.
فالمنطق: أنتم تظنّون أن البحر هو الخطر وأن البرّ أمان. فمن الذي يملك البحر؟ هو نفسه الذي يملك البرّ. فإن كان هو إلهًا في البحر فهو إلهٌ في البرّ.
«جئتك من عند أفضل الناس»
فأدركته أمّ حكيم وأخبرته أنها قد أخذت له أمانًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتأمّل كيف قالت: يا ابن عمّ، جئتك من عند أفضل الناس وأبرّ الناس وخير الناس؛ لا تُهلك نفسك، فإني قد استأمنتُ لك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلاحظ: قبل أن تقول له إنها أخذت له أمانًا، بدأت تُعدّد له هذه الأوصاف.
ولماذا؟ لأن هذه الأوصاف موجودةٌ وحقيقية، لكنّ العداوة والشحناء والضغينة تكون غشاوةً على عين الإنسان؛ فهو يرى، ولو فتح عينيه لأبصر — لكنّ ثمّة ما يُغشّي بصره.
وتأمّل الأوصاف الثلاثة: «أفضل الناس» في الصفة الشخصية، و«أبرّ الناس» في الصلة، و«خير الناس» في الإحسان.
وهذه هي الأشياء التي تُؤثّر في الناس: الصدق، والإحسان، والبرّ، والكرم، والصفح، والعقل.
دور أمّ حكيم في المعالجة
فبدأت بصفاته، ثم بالأمان الذي أعطاه.
فأول ما وقف في السفينة قيل له: قل لا إله إلا الله — وهذه أول هزّةٍ في معتقده. ثم الصفات. ثم الأمان والإحسان.
استقبال النبي صلى الله عليه وسلم
فلمّا رجع، استقبله النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه فرحًا حتى سقط رداؤه عن كتفه.
وتأمّل: ما الأثر الطبيعي لمن له هذا التاريخ الطويل من العداء حين يأتي؟ أقلّ واجبٍ في طبيعة الإنسان أن يُقابَل بجفاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم قام يُكرمه ويُصرّح بفرحه بأن الله أقبل به إلى الإسلام.
وقال له: «مرحبًا بالراكب المهاجر».
ولماذا سمّاه مهاجرًا؟ وهو إنما كان هاربًا من مكة! فسمّى عودَه من ساحل تِهامة متوجّهًا إلى مكة هجرة — لأنه رحل عن الموطن الذي كان فيه إلى مكة ليصير مسلمًا. وهذا نوعٌ من التطييب والتطمين لقلب عكرمة رضي الله عنه؛ لأن الهجرة من أعظم الأعمال.
«سلني»
ثم قال له: سلني. فسأل أن يستغفر له كلّ عداوةٍ عاداها، وكلّ مسيرٍ ساره في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدّ عن سبيل الله، وكلّ كلمةٍ قالها. فدعا له صلى الله عليه وسلم.
ثم عزم رضي الله عنه ألّا يدع نفقةً أنفقها في الصدّ عن سبيل الله إلا أنفق ضعفها في سبيل الله، ولا قتالًا قاتله إلا قاتل ضعفه — ليُكفّر ما مضى.
ومع أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، إلا أنه أراد أن يُشعر نفسه بذلك ويطمئنّ.
هل يمكن أن تحدث هذه النقلة؟
فكم هي المسافة بين المشهدين؟ كان في السفينة، وبعد قليلٍ صار هنا. نقلةٌ بعيدةٌ كبيرةٌ جدًّا.
فهل يمكن أن تحصل؟ نعم. فقلب الإنسان يتغيّر؛ لكنّ ثمّة أشياء تدفعه، وأشياء تُهيّئه، ومقدّماتٍ له، وضرائم تُضايقه، وحساباتٍ نفسية يُعاني منها، وغشاوةً على البصر تُحاول أن تُزيلها، وتعاوُنًا يتكفّل به قلبك.
فالموضوع ليس مجرّد معلوماتٍ أو معرفة أو إدراكٍ أن هذا حقّ؛ بل ثمّة شيءٌ اسمه معالجةٌ نفسية. فعند الإنسان أشياء تمنعه أو تُبعده أو تصدّه، وحساباتٌ قد تكون خاطئة، وموانع نفسية تحتاج إلى إزالة.
ولذلك نحن نتكلّم هنا عن أفعالٍ فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ليُزيل هذه الموانع. وهو جهدٌ حقيقي، ليس مجرّد كلماتٍ تُلقى؛ فالإنسان قطع طريقًا طويلًا، ولن يُمسح بسهولة.
ولذلك نقول في قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةًالممتحنة: ٧ — إن هذا معنًى كبيرٌ جدًّا لا نُدركه ونحن نقرؤه، إلا إذا كنّا مُدركين شيئًا من خلفياته: إلى أيّ مستوًى وصل هذا العداء وترسّخ.
اليرموك
فلمّا كان يوم اليرموك — في خلافة عمر رضي الله عنه — تقدّم عكرمة للقتال، فقال له خالد: لا تفعل؛ فإن مُصابك على المسلمين شديد.
فقال: دعني يا خالد؛ فإنه كانت لك سابقةٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا وأبي كنّا من أشدّ الناس عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قاتل قتالًا شديدًا حتى قُتل. فوُجد به بضعٌ وسبعون ما بين طعنةٍ وضربةٍ ورمية.
نهيٌ عن سبّ أبيه
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل أن يأتي عكرمة فقال: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبّوا أباه؛ فإن سبّ الميّت يؤذي الحيّ ولا يبلغ الميّت».
وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: «لا تسبّوا الأموات؛ فإنهم قد أفضَوا إلى ما قدّموا».
ولمّا قال بعضهم — حين رآه — «هذا ابن عدوّ الله»، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا فقال: «ما بال أقوامٍ يؤذون الأحياء بسبّ الأموات؟ ألا لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات».
وقال: «الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا» (متفق عليه). وقال: «لا تؤذوا مسلمًا بكافر».
وقفة: أنُسكت عن بيان الحقّ؟
فقد يُقال: أنترك بيان ما ينبغي أن يعلمه الناس مراعاةً لشعور واحد؟
والجواب: أن الكلام صحيحٌ في نفسه — أبو جهل كان كذلك، وهذا مكتوبٌ ومعلوم. لكنّ الفكرة أن يُراعى الشخص الحاضر: فلو تجنّبنا ذلك في حضرته أحسنّا إليه، وطيّبنا قلبه، ولم نخسر شيئًا.
ولو ضاق أحدٌ من ذلك فليتنبّه: لعلّ في قلبه بقيّةً من الجاهلية! فمن علامة كمال الإيمان أن يتبرّأ الإنسان من هذه العصبيّات.
«الناس معادن»
وهذا الحديث إشارةٌ إلى أن ثمّة بنيةً أصلية في الإنسان. فإذا كان صاحب أخلاقٍ فاضلةٍ وخلالٍ حسنة قبل أن يعرف الإسلام، فسيبقى كذلك حين ينتقل إلى الإسلام — بل أعلى. لكن بشرط: «إذا فَقُهوا» — أي إذا فهموا الإسلام فهمًا جيدًا.
فالشخصيات التي تتّسم بالصفات الحسنة والمروءة والإحسان، إذا منّ الله عليها بالإسلام كانت أعظم حالًا وشأنًا فيه.
وشاهدُه ما قالته خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه الوحي وقال: «لقد خشيتُ على نفسي». فقالت: «كلّا والله، لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحقّ» (متفق عليه).
فاختيار الله سبحانه لا يكون عشوائيًّا؛ وإنما يُبنى على أرضيّةٍ من الاستحقاق.
«ألا وإن البذاء لؤم»
وفي روايةٍ أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن سبّ آباء المشركين، وقال: «إنه لا يخلُص إليهم ما تقولون، فتؤذون الأحياء؛ ألا وإن البذاء لؤم».
فالميّت لا يُحسّ بهذا الكلام؛ وإنما الذي يتأذّى هم هؤلاء الأحياء ممّن أسلموا.
وقوله «ألا وإن البذاء لؤم» فيه معنى دقيق: أن بعض الناس إنما يحملهم على السبّ الرغبةُ في السبّ نفسها. فلساني يحبّ أن يتكلّم بهذا، فأدور على من يجوز لي شتمه!
فالإنسان قد يريد أن ينتقل من دائرة خُلقٍ معيّن إلى دائرة الإسلام، لكنه يريد أن يحتفظ في حياته بمساحةٍ للسبّ — فيبحث عن «إطارٍ للشتيمة المباحة»! فيقول: أنا لا أشتم أحدًا من المسلمين، لكن هؤلاء يجوز.
فهذا نوعٌ من الالتفاف؛ فالمشكلة أصلًا في اللسان لا في المسبوب.
المحوران: عظمة الدين وعظمة النموذج
وعندنا في الدين محوران أساسيان:
الأول: عظمة الدين نفسه ورقيّه — كمبادئ وأخلاقٍ ومعتقداتٍ وسلوكٍ ومنهاج.
الثاني: عظمة النموذج المتمثّل للدين.
وهما لازمان معًا؛ فالدين لا يتحرّك وحده بغير يدين ورجلين، بل لا بدّ أن يتمثّل في صورة شخصٍ يعيشه فيراه الناس فيه.
فثمّة شريحةٌ — يمكن أن نُسمّيها تجاوزًا نخبةً أو صفوة — تتعامل مع المنهج كمنهج، ومع الفكر كفكر، ومع الرؤية كرؤية؛ فتتأمّل فيها فتهتدي. وهذه في العادة شريحةٌ قليلة.
لكنّ معظم الناس يحتاجون إلى نماذج حيّة: سلوكٍ وتعاملٍ ومعالجةٍ للفكر والنفسية. فإن لم يتمثّل الدين في صورةٍ تُطبّقه، لم يؤثّر بشكلٍ عامّ أو اجتماعي، وبقي حبيس دوائر فكريةٍ ونخبوية لا ينتشر في مجتمع.
والدين غالبًا يبدأ هكذا: تقتنع به صفوةٌ كمنهج وتحاول أن تُطبّقه، فينتشر. فإن لم يوجد هؤلاء لم ينتشر.
ولذلك نحن نُركّز على هذا: نُحاول أن نفكّك الحدث ونُحلّله ونتعامل مع جزئياته، ونرى كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم — كيف نقل عكرمة من هنا إلى هنا.
فَضالة بن عُمير
ونختم بتوبة فضالة بن عُمير الليثي.
فلمّا فتح الله على نبيّه صلى الله عليه وسلم مكة، وطاف بالبيت، أراد فضالة أن يقتله وهو يطوف. ومعه خنجر، فجعل يقترب منه في الطواف.
ولاحظ الفرق: هذا ليس كمن خرج إلى اليمن أو انسحب؛ هذا شيءٌ أشدّ — إنه يُدبّر اغتيالًا.
فلمّا دنا منه قال صلى الله عليه وسلم: «أفضالةُ؟» قال: نعم، فضالة يا رسول الله. قال: «ماذا كنت تُحدّث به نفسك؟» قال: لا شيء؛ كنت أذكر الله.
فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «استغفر الله». ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه.
فهو فَهِم أنه يعلم؛ ومع ذلك لم يفضحه، بل قال له: استغفر الله ممّا في نفسك. ثم وضع يده على صدره ودعا له — أي حاول أن يُساعده على إزالة ما في نفسه؛ لم يكتفِ بمجرّد التعامل.
قال فضالة: فوالله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئًا أحبّ إليّ منه.
قال: فرجعتُ إلى أهلي، فمررتُ بامرأةٍ كنت أتحدّث إليها، فقالت: هلمّ إلى الحديث. فقلت: لا. — ثم أنشد أبياتًا يذكر فيها أنه لمّا رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم وخيله يوم الفتح تُكسّر الأصنام، رأى دين الله قد أضحى بيّنًا والشركَ يغشى وجهَه الظلام.
وقفة: الشابّ الذي استأذن
ونظيره ما ذكرناه في خطبةٍ سابقة: حين أتى شابٌّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لي في الزنا.
فناداه صلى الله عليه وسلم: «ادنُ»، فدنا حتى جلس بين يديه. فقال: «أتحبّه لأمّك؟» قال: لا والله. قال: «ولا الناس يحبّونه لأمّهاتهم». ثم ذكر ابنته، ثم أخته، ثم عمّته، ثم خالته — وفي كلٍّ يقول: لا والله.
ولماذا عدّدها كلّها ولم يكتفِ بواحدة؟ لأنه أراد أن يجعله يتخيّل الموضوع بصورةٍ كبيرة، وأن يأخذ مساحةً في نفسه — وهو محتاجٌ إلى ذلك.
وتأمّل: لم يقل له ابتداءً «هذا حرام» — لأنه يعلم أنه حرام؛ فما الفائدة من إخباره بما يعلم؟ وإنما بدأ يُريه أنها صورةٌ مشوّهة اجتماعيًّا وسلوكٌ سيّئ جدًّا.
ثم ماذا فعل؟ وضع يده على صدره ودعا له: «اللهم اغفر ذنبه، وطهّر قلبه، وحصّن فرجه» (رواه أحمد). فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء.
فهذه هي الفكرة: أنت تُحاول أن تأخذ بيد شخصٍ عنده مشكلة؛ فلستَ تُرجعه إلى المشكلة، وإنما تُحاول أن تُساعده على حلّها.
خاتمة: صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة
روى البخاري عن عطاء بن يسار قال: لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن:
«يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدًا ومبشّرًا ونذيرًا، وحِرزًا للأمّيين. أنت عبدي ورسولي، سمّيتُك المتوكّل؛ ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سَخّابٍ في الأسواق، ولا يدفع بالسيّئة السيّئة، ولكن يعفو ويغفر. ولن يقبضه الله حتى يُقيم به المِلّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا».
و«حِرزًا» أي حمايةً وحفظًا.
ونُكمل إن شاء الله في المرة القادمة الكلام عن الحارث بن هشام — وهو أخو أبي جهل وعمّ زوجة عكرمة؛ ومع أنهما من رحمٍ واحدة، إلا أن الفارق بينهما في الأخلاق كان كبيرًا جدًّا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.