الآية
قال تعالى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍيونس: ٩٨.
مضمون رسالة الرسل
وقد ذكرنا في مختصر القصة أن كلّ الأمم أرسل الله إليهم رسولًا يدعوهم إلى عبادته وشكر نعمته والإسلام له.
فنوحٌ عليه السلام — أول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض — كان مضمون رسالته: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًانوح: ١٠–١٣.
فهل في هذا المضمون ما يُنفّر؟ استغفروا ربكم — فإن فعلتم فما العاقبة؟ مطرٌ ومالٌ وبنون وجنّاتٌ وأنهار. أي زيادةٌ على الموجود وبركةٌ فيما بين أيديكم.
فما الذي يُنفّر إذًا؟
قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَيوسف: ١٠٣. ومعنى وَلَوْ حَرَصْتَ: مهما بذلتَ من جهدٍ في دعوتهم فالنتيجة واحدة.
وفي نهاية قصة نوح: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌهود: ٤٠. وقال: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِالأنعام: ١١٦.
فما الذي يُبعد الإنسان عن الله؟ وما الذي يجعله لا يريد أن يُعظّم ربه حقّ تعظيمه، ولا أن يشكر نعمته — مع أن ذلك فطرته، وهو الذي يجلب له الخير في الدنيا والآخرة؟
قال تعالى: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا * إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًاالنساء: ٣٩–٤٠.
أي: ما الضرر؟ وما الخسارة التي تعود على الإنسان إذا آمن؟
ظنّ إبليس
قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَسبأ: ٢٠.
وما كان ظنّه؟ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَص: ٨٢–٨٣. فثمّة ناسٌ لا سلطان له عليهم — وهم أهل الإيمان والإخلاص؛ وأما أكثر الناس فيدخلون في دائرة سيطرته.
وهل كان ذلك بقهرٍ واقتدار؟ لا: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌسبأ: ٢١.
لماذا يُبعث الرسول من قومه؟
ومن سنّة الله في الرسل أن يبعثهم في أقوامهم؛ فلا يكونون مستوردين من مكانٍ بعيد. فالرسول شخصٌ نشأ وسط هؤلاء الناس، معروفٌ لديهم، ليس محلًّا لتهمةٍ ولا ريبة، وتاريخه شاهدٌ له. وهذه واحدة.
والثانية: أن الإنسان بطبعه يحبّ الخير لأهله ولمن نشأ بينهم؛ فهم واثقون أنه يريد لهم الخير.
ولذلك سأل هرقلُ أبا سفيان رضي الله عنه: «كيف نسبه فيكم؟» قال: هو فينا ذو نسب. فقال: «كذلك الرسل تُبعث في نسب قومها» (رواه البخاري).
فالله يُرسل الرسل من طبقةٍ اجتماعية عالية؛ لئلّا يستنكف أصحاب الوجاهة أن يؤمنوا لرجلٍ من طبقةٍ متدنّية. وهذا لا يعني أن استنكافهم عذر؛ فالحجّة قائمةٌ بالآيات والدلائل ومضمون الرسالة. وإنما هو من رفع الموانع.
ومع ذلك اعترضوا
ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أعلى نسبٍ في قريش، لم يُعجبهم! فقالوا: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍالزخرف: ٣١ — أي رجلٍ من مكة أو الطائف ذي مالٍ ووجاهةٍ اقتصادية.
فردّ الله عليهم: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَالزخرف: ٣٢.
فأنتم لا تملكون حتى قسمة معايشكم في الدنيا؛ أفتقسمون رحمة الله؟!
«فأمطر علينا حجارة من السماء»
ثم انظر إلى ردّ فعلهم: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍالأنفال: ٣٢.
وكان الطبيعي — لو كان في القلب خير — أن يقولوا: يا ربّ، إن كان هذا هو الحقّ فاهدنا إليه واشرح صدورنا له. أما أن يقول: إن كان حقًّا فأهلكنا! فهذا شيءٌ يحتاج إلى وقفة.
فما الشيء الصعب في هذه الرسالة الذي يجعل الإنسان يُفضّل الموت على قبولها؟ فالدين الذي رفضته قريش هو نفسه الدين الذي نحن عليه اليوم ونؤمن به. فأين الأزمة؟
«جعلوا أصابعهم في آذانهم»
ونظيره ما حكاه الله عن قوم نوح: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًانوح: ٧.
فتأمّل: لِتَغْفِرَ لَهُمْ — فهو إنما يدعوهم ليُدخلهم في رحمة الله والمغفرة. فماذا فعلوا؟ وضعوا أصابعهم في آذانهم!
ثم زادوا: وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ — أي غطّوا وجوههم بثيابهم. فلماذا؟ وقد سدّوا آذانهم فانقطع الصوت. لكنه حتى منظره لا يُريحهم!
«كأنهم حُمُرٌ مستنفرة»
وقال في أهل مكة: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍالمدثر: ٤٩–٥١.
فشبّههم بقطيعٍ من الحُمُر الوحشية طلع عليها أسد فتفرّقت في كلّ اتجاه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يخرج ليتلو عليهم كلام الله الذي فيه كلّ الخير، فيطيرون منه.
ووقفة: هل نحن بهذه الصورة فعلًا؟ بل الحُمُر أحسن حالًا! لماذا؟ لأنها تفرّ من خطرٍ حقيقي؛ فقد هداها الله هدايةً فطرية تعرف بها مواطن الخطر ومواطن النفع: الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰطه: ٥٠، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰالأعلى: ٣.
فهي لو وقفت للأسد هلكت فعلًا. أما هؤلاء فلو وقفوا يسمعون فماذا يحدث لهم؟ لا شيء؛ بل خيرٌ محض.
فالإنسان إذا بعُد عن الفطرة وعن هداية الله انتقل من مقام وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ إلى ما دون ذلك؛ فيصير غيره أكثر إدراكًا للمصلحة منه.
قوم يونس: الأمّة الوحيدة
ثم إن يونس عليه السلام أنذر قومه بالعذاب ومضى. فلمّا بدأت تظهر مقدّمات العذاب اضطربوا، وحاولوا أن يدفعوه عن أنفسهم.
فبحثوا عن النبي فلم يجدوه. فخرجوا إلى الصحراء: الرجال والنساء والصغار والدوابّ — البلد كلّها. وفرّقوا بين كلّ والدةٍ وولدها، وبدأوا يتضرّعون إلى الله ويبتهلون ويبكون. فكشف الله عنهم.
فتأمّل: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ — وهذه صيغةٌ تُطلق في مقام التمنّي؛ أي أن الله يريد بالناس الخير والرحمة، ويودّ لو أنهم فعلوا ذلك فينفعهم إيمانهم. لكن للأسف: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ — هم الوحيدون الذين استجابوا.
ومقدّمات الهلاك مرّت على كلّ الأمم! فلماذا لم يرجعوا حتى في هذه المرحلة؟
الفرق: الصدق
وقوم فرعون كانوا يطلبون من موسى عليه السلام كلّما نزلت بهم مصيبة أن يدعو الله ليكشفها عنهم، ويَعِدون أن يؤمنوا؛ فإذا كُشفت عنهم نقضوا العهد.
ونحن نفعل هذا كثيرًا: يقع الإنسان تحت ضغطٍ — مالي أو صحّي أو اجتماعي — فيُصلّي ويقول: يا ربّ. فإذا انفرجت الأزمة عاد إلى ما كان. ثم إذا وقع بعد يومين في مثلها أعاد الكرّة.
أما قوم يونس فلم يكن الأمر عندهم مجرّد رفعٍ للعذاب؛ بل كانوا صادقين حقًّا في أنهم آمنوا. فلذلك كشف الله عنهم.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَالتوبة: ١١٩، وقال في خواتيم المائدة: هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْالمائدة: ١١٩.
بنو إسرائيل: ورأوا الآيات فما نفعت
قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍالبقرة: ٦٣، وقال: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْالأعراف: ١٧١.
فالجبل مائلٌ فوق رؤوسهم كأنه سحابة، وهم واقفون تحته يظنّون أنه واقعٌ بهم. فما كان جوابهم؟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاالبقرة: ٩٣!
وقد جاوزوا البحر ورأوه ينفلق طرقًا يابسة والماء كالجبال، ورأوا فرعون وجنوده يُغرقون. ثم ماذا؟ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌالأعراف: ١٣٨ — بمجرّد أن جاوزوا البحر!
ثم كان العجل: فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَطه: ٨٨ — أي أن موسى نسي وضلّ الطريق، ونحن الذين اهتدينا!
«ولنُذيقنّهم من العذاب الأدنى»
فالله يبعث إلينا رسائل، ويمدّنا بنعمٍ كثيرة، والمفروض أن نشكره؛ فشكر النعم هو الذي يحفظها.
ونحن — لأننا كثيرًا ما نغفل ولا نُحسن أن نستر أنفسنا ولا أن نقول الحمد لله — نحتاج إلى تنبيه: وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَالسجدة: ٢١.
فمن الناس من يستجيب فيرحمه الله كما رحم قوم يونس، ومنهم من يُصرّ على ما هو عليه — وهذا هو الخطر.
قصة يونس والراعي
يقول الحسن البصري رحمه الله: إن يونس عليه السلام بعد أن أنجاه الله من بطن الحوت رجع، فمرّ براعٍ من رعاة قومه وهو في البرّية يرعى غنمًا.
فقال يونس للراعي: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا من قوم يونس بن متّى. قال: فما فعل يونس؟ قال: ما ندري ما حلّ به، غير أنه كان خير الناس وأصدق الناس؛ أخبرنا عن العذاب فجاء على ما قال، فتُبنا إلى الله فرحمنا. فنحن نطلب يونس ولا ندري أين هو، ولا نسمع له بذكر.
قال يونس: هل عندك من لبن؟ قال: لا، والذي أكرم يونس، ما أمطرت السماء ولا أعشبت الأرض منذ فارقنا يونس.
قال: ألا أراكم تحلفون بإله يونس! قال: نعم؛ ومن حلف عندنا بغير إله يونس فعل به كذا وكذا.
قال يونس: ومتى استحدثتم ذلك؟ قال: لمّا كشف الله عنّا العذاب.
قال: ائتني بنعجة. فأتاه بنعجةٍ لا لبن فيها. فمسح بيده على ضرعها ثم قال: ادُرِّي بإذن الله. فدرَّت، فاحتلبها يونس فشرب وشرب الراعي.
فقال الراعي: إن كان يونس حيًّا فأنت هو! قال: فأنا هو؛ فأتِ قومك فأقرئهم مني السلام.
قال: إن الملك قال: من أتاني فأعلمني أنه رأى يونس وجاءني على ذلك ببرهان، خلعتُ له مُلكي وجعلته مكاني. وأنا أخاف أن يُقال لي: إنما قلتَ هذا لتُحوّل المُلك إليك وطمعتَ فيه وكذبت؛ وليس أحدٌ منّا يكذب اليوم كذبةً إلا قتلوه.
فقال يونس: تشهد لك الشاة التي شربنا منها — وكان مستندًا إلى صخرة — ثم قال للصخرة: اشهدي له.
فانطلق الراعي فأخبرهم فكذّبوه. فلمّا شهدت له الصخرة والشاة اجتمعوا وبكوا على ذكر يونس ولم يروه، وقالوا للراعي: أنت خيرنا وسيّدنا حين رأيتَ يونس. فملّكوه عليهم وقالوا: لا ينبغي أن يكون فينا أحدٌ أرفع منك، ولا نعصي لك أمرًا بعدما رأيتَ رسول الله. فكان ذلك آخر العهد بيونس، وملَكهم الراعي أربعين سنة.
الوقفة الأولى: لو حصل ربع هذا من قبل!
فانظر: كلّ هذا التغيّر — لو حصل نصفه أو ربعه قبل الإنذار ما وقع ما وقع.
الوقفة الثانية: إيمانٌ بلا علم
والناس آمنوا — وهذا شيءٌ جميل — وهم يدورون على رسولهم ليستدركوا ما فاتهم ويتعلّموا، فلم يجدوه. فماذا حدث؟ وقعت مشاكل.
فقد أرادوا أن يُعوّضوا ما فاتهم، وألّا يعصوا الله أبدًا. فوضعوا أحكامًا من عند أنفسهم: من حلف بغير الله نُزع لسانه، ومن كذب كذبةً قُتل!
وأين هذا من الدين؟ فمن حلف بغير الله فليقل: لا إله إلا الله، وليستغفر — وانتهى الأمر. ومن كذب فليستغفر الله وليتب إليه.
فالنيّة طيّبة والقصد حسن؛ لكن كم من مريدٍ للخير لا يبلغه! فهم يمشون بغير هدي النبوّة، فلا بدّ أن يُحدثوا مشكلة.
ومن هنا تظهر قيمة العلم والفهم، وأهمية وجود العلماء في أيّ أمّة؛ لأنهم هم الذين يُعلّمون الناس الدين بصورته المعتدلة التي تُمثّل الوسطية: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًاالبقرة: ١٤٣.
فالناس دائمًا بين إفراطٍ وتفريط: كنّا مفرّطين تمامًا، فلنصر متشدّدين تمامًا!
الوقفة الثالثة: رحمة الشريعة
ومن هنا تظهر عظمة نعمة الله علينا بهدي النبوّة؛ فإن فيه الرحمة:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَالأنبياء: ١٠٧.
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْآل عمران: ١٥٩.
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌالتوبة: ١٢٨.
ووصف الله نفسه سبحانه: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًاالأحزاب: ٤٣.
ثم تأمّل إرادة الله بالإنسان: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًاالنساء: ٢٦–٢٨.
وقال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَالمائدة: ٦.
وقفة: إيمان فرعون
وقد كان أسهل على فرعون وهو يغرق أن يقول: آمنتُ بالله. لكنه قال: آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَيونس: ٩٠.
وكأنه لم يكن يعرف أن يقول «آمنتُ بالله»، أو خشي أن يُخطئ الاسم فلا يبقى وقت! فلجأ إلى تحديدٍ بالنسبة إلى القوم الذين يعرفهم. ولكن: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَيونس: ٩١.
وقفة: لماذا يُعظّمون من رآه؟
ثم انظر: الملك يقول: من جاءني ببرهان أنه رأى يونس خلعتُ له مُلكي! فمجرّد رؤيته تُساوي المُلك.
ولماذا؟ من شدّة إحساسهم بأنهم أخطأوا في حقّه، ولأنهم بدأوا يعرفون قيمة ما فرّطوا فيه.
وكثيرٌ من الأشياء لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تذهب. قال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري). و«المغبون» هو الذي معه شيءٌ غالٍ جدًّا فيبيعه بثمنٍ بخس. فالعمر والصحة يُفرّط فيهما الإنسان، ثم يندم بعد أن تزول الصحة ويضيع الوقت.
«ربّ ارجعون»
قال تعالى: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّاالمؤمنون: ٩٩–١٠٠.
وقال: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُفاطر: ٣٧.
وقال: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَالأنعام: ٢٧–٢٨.
فالمشكلة لم تكن أنه لا يعرف؛ بل كان يعرف أن هذا حرام ويقول: لكني أريده. فلو رُدّ ورأى الشيء نفسه لفعل الشيء نفسه.
ولذلك كانت الجنة سرمدية والنار سرمدية؛ لأن الإنسان لو عاش أبد الآبدين في هذه الدنيا فلن يُغيّر برنامجه — إذ لو كان يريد أن يُغيّر لغيّر؛ فالفرص كثيرة، وما من أحدٍ يخرج من الدنيا مصدومًا لأنه لم تُتح له فرصة.
المعجزة والكرامة والإهانة
وقصة الشاة التي درّت بيد يونس عليه السلام لها نظير: قصة إسلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
فقد كان غلامًا يرعى غنمًا، فمرّ به النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، فقالا: هل من لبن؟ فقال: إني مؤتمَن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل من شاةٍ لم يَنْزُ عليها الفحل؟» فأتاه بشاةٍ حائل، فمسح ضرعها ودعا، فدرَّت؛ فشرب وشرب أبو بكر وشرب ابن مسعود. ثم قال ابن مسعود: علّمني من هذا القول. فقال صلى الله عليه وسلم: «إنك غلامٌ معلَّم» (رواه البخاري بنحوه).
فأول ما نبّهه أن هذا رجلٌ غير طبيعي — رجلٌ فيه بركة.
هل يقع مثل هذا اليوم؟
فسؤال: الشاة تدرّ والصخرة تشهد — هل هذا شيءٌ يمكن أن يحدث؟ وإن كان قد حدث قديمًا، فهل يمكن أن يحدث اليوم أو يقع شبهه؟
وثمّة فرقٌ بين المنطقية والعقلانية، وبين إنكار الإنسان لقدرة الله. فالله سبحانه قد يُعطي عبده المؤمن القريب منه إمدادًا فوق العادة وفوق الصورة الطبيعية التي تجري بها الأسباب. وهذا ممكنٌ وواقع؛ لكن متى؟ لمن يستحقّه، وقت ما يحتاجه.
وعندنا في الدين ثلاثة ألفاظ:
المعجزة: ما يُجريه الله على يد الأنبياء لإثبات نبوّتهم ودعمهم. كقوله: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَالأنبياء: ٦٩.
الكرامة: ما يُجريه الله لعباده الصالحين حين يحتاجون إليه.
الإهانة: ما يُجريه الله على يد المُبطل فيفضحه.
أمثلة على الكرامة
أبو مسلم الخولاني رحمه الله — وهو من التابعين — لمّا ظهرت الردّة في اليمن أُلقي في النار فخرج سالمًا. فلمّا رآه عمر رضي الله عنه قال: الحمد لله الذي أراني في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الرحمن.
وابن تيمية رحمه الله في مناظرته لبعض الطوائف الذين كانوا يُظهرون دخول النار: فبيّن لهم أنهم يستعملون موادّ وحِيَلًا، وأنه إن غُسّلوا بالخلّ وغيره لم يستطيعوا. ثم قال: أنا وهم ندخل النار، وأعتقد أن من كان على دين الخليل عليه السلام فإن الله يُنجيه من النار كما نجّى إبراهيم — ثقةً منه بالله؛ لأنه يدعو إلى توحيد الله وهم على حالٍ فيها شرك.
وعقبة بن نافع رضي الله عنه لمّا أراد تأسيس القيروان — وكانت الغابة هناك مليئةً بالسباع والهوامّ والحيّات — وقف فقال: أيتها الوحوش والهوامّ، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارحلوا عنّا؛ فإنّا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه. فرحلت بأولادها.
وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رَكِب مركبًا فانكسرت، فخرج إلى جزيرة فإذا بأسد. فقال: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل الأسد يهمهم ويمشي معه حتى أخرجه إلى الطريق، ثم رجع.
«يا ساريةُ، الجبلَ»
وأشهر من ذلك ما وقع لعمر رضي الله عنه؛ فقد كان يخطب الجمعة، فقال في أثناء خطبته: يا ساريةُ، الجبلَ الجبلَ! من استرعى الذئب فقد ظلم — ثم أكمل خطبته.
فسأله بعض الصحابة عن ذلك فلم يُجب. ثم جاء البشير بعد مدّة فقال: كنّا نُقاتل، فسمعنا صوتًا كصوت عمر يقول: يا ساريةُ الجبلَ الجبل! فاحتمينا بالجبل فنصرنا الله.
وكان العدوّ قد أراد أن يلتفّ عليهم من الخلف فيُطبق عليهم. فلمّا جعلوا الجبل في ظهورهم أمِنوا.
فما الحكمة؟ أن هؤلاء كانوا محتاجين إلى هذا التوجيه في هذا الوقت، وأن عمر رضي الله عنه كان في تمام الإحساس بالمسؤولية وتمام الصدق في خوفه على المسلمين — ولم تكن ثمّة وسائل اتصال — فتكفّل الله عنه فأجرى على لسانه كلامًا هو لا يعرفه، ووصل إلى من ينبغي أن يسمعه في الوقت الذي ينبغي.
وفي المقابل: الإهانة
ويُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل في بئرٍ فيها ماءٌ قليل فزاد ماؤها. فأراد مسيلمة أن يُري بني حنيفة أنه يفعل مثل ذلك، فتفل في بئرٍ فغارت ولم يبقَ فيها قطرة.
وكذلك مسح النبي صلى الله عليه وسلم على عين رجلٍ فصارت أقوى ممّا كانت؛ فأراد مسيلمة أن يفعل مثله فوضع يده على عين رجلٍ فعوّرها.
فهذا أيضًا أمرٌ خارقٌ للعادة — لكنه في الاتجاه المعاكس؛ علامةً على أنه مُبطل. فمن ادّعى النبوّة فلا بدّ أن يُظهر الله كذبه.
خاتمة
فخلاصة ما قلناه: أنه ليس بيننا وبين نيل رحمة الله والجزاء منه إلا أن نصدق معه؛ أننا نريد أن نرجع إليه، ونتوب، ونحرص على طاعته. فإن فعلنا ذلك أو نوينا هذه النيّة، فأكيدٌ أن الله سيمنّ علينا ويُكرمنا. وعطاء الله لا حدّ له لمن يستحقّ.
وأن الناس محتاجون دائمًا إلى أهل الدعوة وأهل العلم؛ ليفهموا حقيقة الإسلام ويعيشوا الدين بشكلٍ صحيح. فحتى لو كانت النيّة طيّبة، إذا غلب الجهلُ لم تُقَم الأمور على ميزانٍ صحيح.
ولن تستقيم الأمور إلا بميزان الله: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَالشورى: ١٧. فـالحقّ هو ما يُميّز طريق الله من غيره، والميزان هو أن تضع كلّ شيءٍ في مكانه الصحيح ووزنه الطبيعي.
فالحقّ والعدل والخير دائمًا في الوسط بين طرفين: لا التفريط والتجاوز وانتهاك الحرمات بحسن، ولا الغلوّ والشدّة على النفس بحسن؛ فهذا يؤدّي إلى الضياع، وذاك يؤدّي إلى صورةٍ لا يحتملها الإنسان فينقلب على عقبيه بعد قليل.
فنحن أمامنا فرصة: أن نكون كقوم يونس عليه السلام، أو أن نكون كغيرهم ممّن أهلكهم الله. ولكي لا نختار الصفقة الخاسرة، علينا أن نلجأ إلى الله.
وهل بيننا وبين الله وسائط؟ لا شيء؛ إنما هو أن يُقبل الإنسان على الله صادقًا فيقول: يا ربّ، ويُعاهده صدقًا أن ينيب إليه. فهذا كافٍ في أن يمنّ الله عليه ويُكرمه.
قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَيونس: ٩٩، وقال: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍالغاشية: ٢١–٢٢، وقال: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُالنور: ٥٤.
أقول قولي هذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.