استعادة القصة
كنّا في المرة الماضية نتكلّم عن قصة أصحاب الغار — وهي قصةٌ معروفة أوردها النبي صلى الله عليه وسلم لنتعلّم منها كيف يخرج الإنسان من المضائق والشدائد، وما الأشياء التي يرحم الله بها الإنسان.
وخلاصتها: أن ثلاثةً كانوا يمشون فأصابهم مطرٌ شديد، فاحتاجوا أن يأووا إلى غارٍ ليحتموا به. فما إن دخلوا حتى انحدرت صخرةٌ فسدّت عليهم مدخل الغار.
فقالوا: لا يُنجينا من هذا إلا أن نتوسّل إلى الله بخير أعمالنا؛ عسى أن يكشف عنا ويفرّج.
وقفة: قد يسوق الإنسان نفسه إلى الهلاك
وتأمّل: هم إنما دخلوا الغار هربًا من المطر — أي طلبًا للنجاة. ولو ظلّوا يمشون في المطر لكان أهون بكثير مما وقعوا فيه.
فالإنسان ربما سلك مسلكًا يظنّ أنه يُحقّق به مصلحته أو يدفع به عن نفسه شرًّا، فيكون هو نفسه سبب البلاء.
ولذلك كان مهمًّا جدًّا أن يرجع الإنسان إلى الله في كلّ خطوة، وأن يستخير ربه في كلّ عمل. فإن الإنسان إذا لم يكن الله هو المدبّر له، فغالبًا ما يورده عقلُه موارد الهلكة.
التوفيق والخذلان
وقد قال ابن القيم رحمه الله: التوفيق ألّا يَكِلك الله إلى نفسك، والخذلان أن يَكِلك الله إلى نفسك.
فالعبد الموفَّق هو الذي يُسدّده الله ويُرشده ويتولّى توجيهه. والعبد المخذول هو الذي يتركه الله مع نفسه يتصرّف.
فأين الفارق؟ في شيءٍ واحد: هل الإنسان يرجع إلى ربه؟ وهل يُقدّم ثقته بالله على ثقته بنفسه؟
وقد ذكرنا قبل ذلك: من توكّل على عقله ضلّ، ومن توكّل على ماله قلّ، ومن توكّل على جاهه ذلّ؛ ومن توكّل على الله فلا ضلّ ولا قلّ ولا ذلّ.
هم كانوا يعرفون المخرج
ولاحظ نقطةً مهمّة: أنهم لمّا انطبقت الصخرة كان عندهم حلّ؛ كانوا يعرفون المخرج. فما إن وقعت المصيبة حتى قال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا صالحة عملتموها لله فادعوا الله بها.
فهل هذا في إطار حلولنا نحن؟ هل نُدرك أن المخرج من الشدّة والمحنة والأزمة هو الالتجاء إلى الله والتضرّع إليه؟
الخيرات السابقة تُنقذ في الشدائد
وأهمّ ما يُعلّمنا إيّاه النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الحديث: أن سوابق الخيرات تُنقذ الإنسان في الشدائد والمحن.
قال تعالى في يونس عليه السلام: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَالصافات: ١٤٣–١٤٤. فهذه العبادة السابقة.
ثم الاستغفار عند الزلل: فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَالأنبياء: ٨٧–٨٨.
ووَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ — فالأمر ليس خاصًّا بيونس عليه السلام.
وجاء: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة» (رواه الترمذي).
أيّ الأعمال ذكروا؟
فبدأ كلٌّ منهم يرجع إلى أرشيفه يستخرج عملًا يتوسّل به.
ولاحظ ما ذكروه: لم يذكر أحدٌ منهم صدقةً ولا صيامًا ولا اعتمارًا ولا قراءةً للقرآن، ولم يقل أحدٌ إنه كان يُكثر الصلاة.
وإنما ذكر واحدٌ برّ الوالدين، وذكر الثاني التعفّف عن الحرام، وذكر الثالث الإحسان وحفظ الحقوق.
فهذه كلّها أعمالٌ متعدّية ذات صورةٍ اجتماعية.
قصة الكِفْل
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الكِفْل من بني إسرائيل لا يتورّع من ذنبٍ عمله. فأتته امرأةٌ فأعطاها ستين دينارًا على أن يطأها. فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت. فقال: ما يُبكيك؟ أأكرهتُك؟ قالت: لا، ولكن هذا عملٌ لم أعمله قطّ، وإنما حملتني عليه الحاجة. فقال: تفعلين هذا ولم تفعليه قطّ! ثم قال: اذهبي، فهي لكِ. وقال: والله لا أعصي الله بعدها أبدًا. فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكِفْل» (رواه الترمذي).
وقفة: الظلم الاجتماعي
وفي هذا الحديث — كما في الذي قبله — تظهر قضية الظلم الاجتماعي وغياب روح التكافل؛ حتى يقترف بعض الناس في هذا المجتمع أن يبيع عرضه لأنه لا يجد سبيلًا آخر للاقتيات.
والمجتمع إذا وصل إلى هذه المرحلة فهذا أمرٌ صعب؛ إذ معناه أنه ليس قائمًا على التراحم والتوادّ والتكافل.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لتتبعنّ سَنَن من كان قبلكم» (متفق عليه). ونحن للأسف نقع في كثيرٍ من ذلك.
والباطن لا يعلمه إلا الله
ومع ذلك، فقد اجتمع في صدر هذه المرأة الحرَق والقلق والخشية — وهو الذي أثّر في الرجل وهزّه؛ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه «لا يتورّع من ذنبٍ عمله»؛ أي أنه لم يكن يبدو من ظاهره أن عنده خشيةً أو رقّة.
فقلوب الناس وبواطنهم لا يطّلع عليها إلا الله وحده.
الفرق بينه وبين الحديث السابق
وثمّة فرقٌ بينه وبين صاحب القصة في حديث الغار؛ فذاك تركها لمّا ذكّرته بالله وأعطاها المال. وأما هذا فقال: «والله لا أعصي الله بعدها أبدًا».
فقد كان الموقف كافيًا بالنسبة له أن يُغيّر مسار حياته كلّها — وهذا ليس بالشيء اليسير.
فالمرأة كانت أحسن حالًا منه، وكانت معذورةً فيما اضطُرّت إليه؛ وأما هو فلا يتورّع. ومع ذلك هزّه الموقف فقرّر أن يُقلع.
ثم مات من ليلته — فقُبض عليها. وهذا من إكرام الله له.
ولماذا كُتب على بابه؟
وهذا من عظيم رحمة الله بالإنسان.
فهذا الرجل الموقف الذي وقع بينه وبين المرأة لا يعلمه أحد؛ وصورته الاجتماعية عند الناس صورةُ رجل سوء. فلو مات لبقيت سيرته في الناس سيّئة، ولذكروه دائمًا بما كان عليه.
لكن لمّا كان صادقًا في توبته، أراد الله أن يُعلم الناس بهذه الحقيقة؛ فتبقى سيرته بينهم حسنة رغم ماضيه.
الخلاصة الأولى: نقاطٌ منيرة
فالذي نريد أن نخرج به: أن الإنسان محتاجٌ أن تكون في حياته نقاطٌ منيرة ومواقفُ مضيئة يستمطر بها رحمة الله؛ فيرحمه الله ويُكرمه ويُخرجه من الضوائق والشدائد والكُرَب.
وأن بين الناس وبين ربهم أمورًا لا يعلمها إلا هو. فنحن نحكم على ظاهر الناس كما أمرنا الله؛ وأما حقيقة ما في القلوب فيعلمها الله.
ولذلك تحصل تحوّلاتٌ قد لا تكون مفهومةً لنا — كما في قصة قاتل المئة؛ فثمّة شيءٌ في الداخل يتحرّك باتجاه الله.
الخلاصة الثانية: البُعد الجماعي
والثلاثة كانوا في الغار؛ فهل كفاهم وجود الرجل الصالح فيهم؟ لم يحصل ذلك. وإنما لم تنفرج الصخرة إلا بعد أن أورد كلٌّ منهم قربانه.
فانفرجت خطوةً خطوة: انزاحت جزءًا، ثم جزءًا، ثم خرجوا.
فوجود واحدٍ صالح أو اثنين من الثلاثة لم يكن كافيًا. وهذا يعني أن المجموعة تُعامَل بحسب حالها الأغلب.
وقد ذكرنا قبل ذلك الفرق بين الحساب الدنيوي — وهو مبنيٌّ على الجماعية؛ والحساب الأخروي — وهو مبنيٌّ على الفردية.
حديث التاجر المتجاوِز
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتى الله بعبدٍ من عباده آتاه الله مالًا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ — ولا يكتمون الله حديثًا — قال: يا ربّ، آتيتني مالك فكنتُ أُبايع الناس، وكان من خُلقي الجواز؛ فكنتُ أتيسّر على الموسر وأُنظر المعسر. فقال الله: أنا أحقّ بذا منك؛ تجاوزوا عن عبدي» (متفق عليه).
وقفة: «آتيتني مالك»
ولاحظ: نسب المال إلى الله — «مالك». وهذا مهمّ؛ فله أثرٌ في طريقة التعامل معه.
فلو كان المال من مكتسباتي الشخصية فلي أن أتحكّم فيه بما أشاء. أما إن كان من فضل الله فثمّة قدرٌ من المراعاة.
وقارن بقول قارون: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيالقصص: ٧٨.
وفي روايةٍ: «كان رجلٌ يُداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلّ الله أن يتجاوز عنّا. فتجاوز الله عنه».
فهو كان يعمل بدليلٍ في ذهنه: أنه سيلقى الله مثقلًا بالذنوب؛ فهو يتجاوز ويعفو ويُسامح رجاءَ أن يُعامله الله بالمثل.
القانون: كما تُعامل تُعامَل
فحال الله مع العبد كحال العبد مع عباد الله.
قال تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُالرحمن: ٦٠. وقال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (رواه أبو داود والترمذي).
وقال في الحديث القدسي: «أنا عند ظنّ عبدي بي؛ فليظنّ بي ما شاء» (متفق عليه).
فمن تعامل بالمسامحة عامله الله بالمسامحة، ومن تعامل بالمحاقّة بالمليم عامله الله بالمحاقّة — ونحن لا نحتمل ذلك.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من نُوقش الحساب عُذّب». فقالت عائشة رضي الله عنها: أليس يقول الله: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًاالانشقاق: ٨؟ قال: «إنما ذلك العرض» (متفق عليه).
حديث البطاقة
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سيُخلّص رجلًا من أمّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كلّ سجلٍّ مثل مدّ البصر. ثم يقول: أتُنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا ربّ. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة؛ فإنه لا ظلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك. فيقول: يا ربّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم. فتوضع السجلات في كفّةٍ والبطاقة في كفّة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة؛ فلا يثقل مع اسم الله شيء» (رواه الترمذي).
لماذا يستحقّ هذا العرض؟
والأصل أن معاملة الله لمن يريد به الخير هي الستر.
ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن الله يُدني العبد المؤمن ويضع عليه كنفه ويستره، ويُقرّره بذنوبه: «أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟» حتى إذا قرّره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: «سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (متفق عليه).
وأما أهل الهلكة فكما قال تعالى: وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَهود: ١٨.
فهذا الرجل يُخلَّص — أي يُفرَد عن الناس ويُبيَّن وحده على رؤوس الخلائق. فهو موقفٌ عصيب.
البطاقة ليست لفظًا
وسؤال: أليست هذه البطاقة مع كلّ مسلم؟ فلماذا خُصّ بها هذا؟
والجواب: أن هذه الشهادة إنما سيقت وقيلت في موقفٍ من مواقف التعظيم والإجلال والإخلاص الذي استحقّت به أن ترجح بتلك السجلات.
فليست مجرّد كلمةٍ لفظية؛ وإلا لكان كثيرٌ من المعذَّبين معهم بطاقات.
كلام ابن القيم: الصورة والحقيقة
قال رحمه الله: وقد يُقارن الكبيرةَ من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر؛ وقد يُقارن الصغيرةَ من قلّة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رُتبها.
وهذا أمرٌ مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدرٌ زائد على مجرّد الفعل؛ والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره.
وأيضًا فإنه يُعفى للمحبّ ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يُعفى لغيره، ويُسامح بما لا يُسامح به غيره.
شرح: الأشياء تشتبه ظاهرًا وتختلف باطنًا
فرجلٌ أذنب ذنبًا لغلبة الهوى أو ضعف الصبر، ثم ندم وأراد أن يتوب — هذه صورة.
ورجلٌ أذنب الذنب نفسه بمحضرٍ من الناس، لا يستحيي أن يعصي الله في العلن — هذه صورةٌ أخرى.
ورجلٌ يتفاخر بالذنب ويُقبل به على الناس — وهذه أشدّ.
فالصورة الظاهرة واحدة، والحقيقة الباطنة مختلفة.
مثال القُلّتين
وأما المعنى الثاني — أن صاحب الإحسان له رصيد — فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قُلّتين لم يحمل الخبث» (رواه أبو داود والترمذي).
وسياقه أنه سُئل عن البئر تَرِده السباع والذئاب والنمور فتلغ فيه. ومعنى أنها تصل إلى الماء وتشرب منه مباشرةً: أن الماء كثيرٌ مرتفع — فالذئب لا يُدلّي دلوًا!
فالنجاسة اليسيرة إذا وقعت في ماءٍ كثير لم تؤثّر فيه.
فكذلك الإنسان: إن كان عنده خيرٌ كثير وبرٌّ وتقوى، فالهفوة لا تؤثّر فيه ولا تُحوّل قلبًا طاهرًا عن طهارته.
نور «لا إله إلا الله»
قال رحمه الله: واعلم أن «لا إله إلا الله» تُبدّد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوّة ذلك الشعاع وضعفه؛ فلها نور، وتتفاوت أهلُها في ذلك النور قوّةً وضعفًا لا يُحصيه إلا الله.
فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدرّي، ومنهم من نورها كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علمًا وعملًا ومعرفةً وحالًا.
وكلّما عظم نور هذه الكلمة واشتدّ أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوّته وشدّته؛ حتى إنه ربما وصل إلى حالٍ لا يُصادف معها شبهةً ولا شهوةً ولا ذنبًا إلا أحرقه.
وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يُشرك بالله شيئًا. فسماء إيمانه قد حُرست بالنجوم من كلّ سارقٍ لحسناته؛ فلا ينال منها سارقٌ إلا على غِرّةٍ وغفلةٍ لا بدّ منها للبشر. فإذا استيقظ وعلم ما سُرق منه استنقذه من سارقه، أو حصّل أضعافه بكسبه.
فهو هكذا أبدًا مع لصوص الجنّ والإنس؛ ليس كمن فتح لهم خزانته.
ما التوحيد؟
قال: وليس التوحيد مجرّد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله ربّ كلّ شيءٍ ومليكه — كما كان عبّاد الأصنام مُقرّين بذلك وهم مشركون.
بل التوحيد يتضمّن من محبّة الله والخضوع له والذلّ وكمال الانقياد وطاعته وإخلاص العبادة له وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحبّ والبغض — ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها.
ما الذي أثقل البطاقة؟
قال: وتأمّل حديث البطاقة التي تُوضع في كفّةٍ ويُقابلها تسعةٌ وتسعون سجلًّا، كلّ سجلٍّ منها مثل مدّ البصر؛ فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يُعذَّب.
ومعلومٌ أن كلّ موحّدٍ له مثل هذه البطاقة، وكثيرٌ منهم يدخل النار بذنوبه. ولكنّ السرّ الذي ثقّل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجلها السجلات — هو ما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات.
قاتل المئة والبغيّ
وتأمّل ما قام بقلب قاتل المئة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق — أي عند الموت — عن السير إلى القرية، وحملته وهو في تلك الحال على أن جعل ينوء بصدره.
ولا جرم أن أُلحق بالقرية الصالحة وجُعل من أهلها.
وقريبٌ من هذا ما قام بقلب البغيّ التي رأت ذلك الكلب وقد اشتدّ به العطش يأكل الثرى. فقام بقلبها ذلك الوقت — مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من تُرائي بعملها — ما حملها على أن غرّرت بنفسها فنزلت البئر، وملأت خفّها ماءً، ولم تُعبأ بتعرّضها للتلف، وحملت خفّها بفيها حتى رقيت من البئر، ثم سقت هذا المخلوق — الكلب الذي جرت عادة الناس بضربه — وأمسكت له الخفّ بيدها حتى شرب، من غير أن ترجو منه جزاءً ولا شكورًا.
فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدّم منها من البغاء، فغُفر لها.
فهكذا الأعمال والعمّال عند الله. والغافل في غفلةٍ من هذا الإكسير الذي إذا وُضع منه مثقال ذرّةٍ على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبًا.
دواوين الظلم الثلاثة
قال رحمه الله: والظلم عند الله يوم القيامة له دواوين ثلاثة:
ديوانٌ لا يغفر الله منه شيئًا — وهو الشرك؛ فإن الله لا يغفر أن يُشرك به.
وديوانٌ لا يترك الله منه شيئًا — وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا؛ فإن الله يستوفيه كلّه.
وديوانٌ لا يعبأ الله به — وهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه. فإن هذا الديوان أخفّ الدواوين وأسرعها محوًا؛ فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفّرة ونحو ذلك.
بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد؛ وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم.
ولمّا كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة، حُرّمت الجنة على أهله؛ فلا تدخلها نفسٌ مشركة. وإنما يدخلها أهل التوحيد؛ فإن التوحيد مفتاح بابها.
المفتاح وأسنانه
فمن لم يكن معه مفتاحٌ لم يُفتح له الباب. وكذلك المفتاح إن لم تكن له أسنانٌ لم يُمكن الفتح به.
وأسنان المفتاح هي الأعمال الصالحة: الصلاة، والصيام، والأمر بالخير — وألّا يعمل مفاسد ومنكرات.
عودةٌ إلى الغار: «ابتغاء وجهك»
وتأمّل ألفاظ الثلاثة في الغار:
قال الأول — صاحب برّ الوالدين: «اللهم إن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه» — ففُرجت فرجةً لا يستطيعون الخروج منها.
ثم قال الثاني — صاحب التعفّف عن الحرام — مثل ذلك، ففُرجت أكثر.
ثم قال الثالث — الذي حفظ للأجير حقّه وثمّره حتى أعطاه إيّاه غير منقوص — مثل ذلك، ففرّج الله عنهم فخرجوا يمشون (متفق عليه).
فالمدار على كلمة: «ابتغاء وجهك» — أي إخلاص الإنسان لله. فهم عملوا هذه الأعمال ولم يستهدفوا بها إلا رضا الله وحده.
وفي المقابل: أول من تُسعَّر بهم النار
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهد؛ فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلتَ لأن يُقال: جريء. فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجلٌ تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن؛ فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلّمتُ العلم وعلّمتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلّمتَ العلم ليُقال: عالم، وقرأتَ القرآن ليُقال: قارئ. فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجلٌ وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه؛ فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبّ أن يُنفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلتَ ليُقال: هو جواد. فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار» (رواه مسلم).
«كذبت» في حرفين
وتأمّل: لم يُكذّبه في أنه قاتل، ولا في أنه علّم، ولا في أنه أنفق. فكلّ ذلك واقع.
وإنما التكذيب في حرفين اثنين: «فيك» و«لك». فقد ادّعى أنه عمله لله، وهذا هو الذي لم يحصل.
رواية شُفيّ الأصبحي
وفي روايةٍ أخرى: أن شُفيًّا الأصبحي دخل المدينة فإذا برجلٍ قد اجتمع الناس عليه، فقيل: هذا أبو هريرة. فدنا منه حتى قعد بين يديه وهو يُحدّث الناس. فلمّا سكت وخلا قال: أنشدُك بحقٍّ وحقّ لمّا حدّثتني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته.
فقال أبو هريرة: أفعل، لأُحدّثنّك حديثًا حدّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نشغ أبو هريرة نشغةً — أي شهق شهقةً وبكى — ثم مكث قليلًا ثم أفاق.
ثم قال: لأُحدّثنّك حديثًا حدّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وهو في هذا البيت، ما معه أحدٌ غيري وغيره. ثم نشغ نشغةً أخرى، ثم أفاق فمسح وجهه.
ثم أعادها، ثم نشغ نشغةً شديدة، ثم مال خارًّا على وجهه؛ فأسندته عليّ طويلًا. ثم أفاق فحدّثه بالحديث.
وفي آخره: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسعَّر بهم النار يوم القيامة».
بكاء معاوية
قال شُفيّ: فدخلتُ على معاوية فأخبرتُه بهذا عن أبي هريرة. فقال: قد فُعل بهؤلاء هذا؟! فكيف بمن بقي من الناس؟
ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا حتى ظننّا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرّ. ثم أفاق ومسح عن وجهه وقال: صدق الله ورسوله:
مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَهود: ١٥–١٦.
ولماذا هؤلاء أولًا؟
والطبيعي في تصوّرنا أن أول من تُسعَّر بهم النار إبليس والفراعنة والأشقياء ومن افترى على الله الكذب.
فلماذا هؤلاء؟
لأن هذه الأعمال نِعَمٌ عظيمة من الله: أن يوصل الإنسانَ إلى طريق معرفته، وإلى طريق الأعمال الصالحة والقربات.
ثم هو بعد أن منّ الله عليه بذلك، لا يُعظّم ربه؛ بل يرى أن غير الله أولى بالالتفات والاهتمام والتقدير.
الخلاصة
فنحن كلّنا محتاجون:
أولًا: أن يكون بيننا وبين الله ما يستحقّه سبحانه من العبادة — بغضّ النظر عن أيّ منافع أو مصالح تعود على الإنسان.
ثانيًا: أن نُوقن أن الإحسان لا يضيع عند الله. وهذا معنًى فطريّ؛ فقد قالت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «لقد خشيتُ على نفسي»: «كلّا والله، لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحقّ» (متفق عليه).
ولاحظ: أقسمت! وليس ثمّة تعليمٌ سابق ولا وحيٌ نزل بعد. فهذا يقينٌ في فطرة الإنسان السويّ التي لم تفسد: أن المحسن لا يُضيّعه الله.
ثالثًا: أن هذا لا بدّ أن يكون شائعًا سائدًا في المجتمع؛ حتى يُخرج الله المجتمع من الضوائق.
رابعًا: أن أشياء نراها بسيطة هي عند الله كبيرة جدًّا. فالقضية ما بين الإنسان وربه، وما في داخله.
ففي قصة البغيّ: القضية كلّها الرقّة والرحمة؛ فقد أشفقت عليه ولم تكن بمشهدٍ من أحد. والكلب لا يُحدّث الناس بإحسانها إليه!
الدوائر الثلاث للعمل
فأخطر ما يُخرج الإنسان من دائرة الإيمان: الشرك — أن ينظر إلى غير الله، أو يعتمد على غير الله، أو يُعظّم غير الله فوق تعظيمه لله.
والمرتبة الثانية التي ينبغي أن نتجنّبها: ظلم العباد؛ فالله لا يُسامح في حقّه.
ومن أخطر ذلك اللسان — لأننا لا نُحسّه ولا نعدّه. فالخوض في أعراض الناس شيءٌ لا يُسجَّل عندنا؛ بخلاف الأمور المادّية التي نُحصيها ونتذكّرها.
وأما الثالثة — أن يُذنب الإنسان فيما بينه وبين الله — فهذا أيسرها.
خاتمة: «علم عبدي أن له ربًّا»
قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: ربّ أذنبتُ ذنبًا فاغفر لي. فقال الله تبارك وتعالى: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب؛ قد غفرتُ لعبدي». ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر فقال مثل ذلك، فقال الله مثل ذلك — «اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك» (متفق عليه).
وتأمّل: «علم عبدي أن له ربًّا» — فليس له مفزعٌ إلا الله؛ لا يتوجّه إلا إليه. فربّه حاضرٌ في قلبه في كلّ وقت — حتى وهو يُذنب، حتى وهو يعصي. وكلّما أذنب رجع إليه.
فمعنى «اعمل ما شئت»: ما دام على هذه الحال من تعظيم الله واللجوء إليه، وكلّما غلبته نفسه رجع إلى الله وطلب المغفرة — فهو دائمًا في مغفرة الله.
وذلك ما دام معظّمًا لله، وما دام لا يفتات ولا يظلم ولا يتعدّى على عباد الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.