جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

ولتنظر نفس ما قدمت لغد

الخطبة الأولى

ما زلنا نتكلم في التوبة، ونحن كل مرة نعيد على أنفسنا الغرض من اجتماعنا: أن نرتقي في علاقتنا بربنا سبحانه وتعالى، لأن الإنسان إن لم يكن واضحًا لديه ما يريد، ولم يكن أمامه هدف يسعى إليه، تاه في مشاغل الحياة، ذات معنى كانت أو بلا معنى. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَالحشر: ١٨.

“الغد” هنا هو يوم لقاء الله سبحانه وتعالى، فإذا أردنا أن نطبّق هذا الجزء من الآية فعلًا، فلا بد أن نُدرك أولًا معنى هذا الغد: ما صفته، وما أهميته لمستقبل حياتنا. وقد جعل الله سبحانه وتعالى مراجعة الإنسان لنفسه محصورة بين أمرين من التقوى: تقوى تحمله على المراجعة، فيكتشف تقصيره، فتحمله هذه المعرفة على مزيدٍ من التقوى. ولذلك خاطب الله بهذه الآية المؤمنين تحديدًا، الذين آمنوا بالله وباليوم الآخر ولقاء الله، لا كل الناس؛ فنحن نحتاج أن نراجع: هل نحن حقًّا من أهل هذا الخطاب، أم أننا ابتعدنا مسافة بعيدة عن حقيقة الإيمان دون أن نشعر؟

سرّ التوبة والهداية

نحن هنا لهدف واحد: أن نبحث عن سرّ التوى، أي سرّ ما يجعل الإنسان مستحقًّا أن يُدخله الله في دائرة رحمته وهدايته. وقد ضرب الله لنا مثالًا في شأن أسرى بدر، حين خاطب الله المشركين الذين كانوا في أشد صور العداء له ولرسوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌالأنفال: ٧٠، فمدار الأمر إذن على ما في القلب، لا على الحال الظاهرة، فإذا علم الله في القلب خيرًا آتاه خيرًا. وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِالذاريات: ٥٦؛ والعبادة أصلها الخضوع والتسليم، فمن أراد أن يكون عبدًا حقًّا مهّد الطريق لنزول هذا الخير في قلبه.

ذنب المؤمن وذنب المصرّ

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمن إلا وله ذنب يعاوده الفَينة بعد الفَينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه، إن المؤمن خُلق مفتَّنًا توّابًا نسّيًا، إذا ذُكِّر ذَكَر». فالإيمان لا يُخرج الإنسان من طبيعته البشرية الضعيفة، وإنما الفرق بين المؤمن وغيره أنه إذا فتنه الشيطان أسرع بالتوبة، وإذا ذُكِّر ذَكَر ولم يستكبر. قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَالنور: ٣١، وقال: وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَالحجرات: ١١، فالناس صنفان: تائب رجع، ومصرٌّ ظالمٌ لنفسه بإصراره.

الأمانة والتوبة

قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًاالأحزاب: ٧٢، وهذه الأمانة هي الإيمان الذي حمله الإنسان دون سائر المخلوقات، فمنهم من وفّى بها ومنهم من خان، قال تعالى: لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًاالأحزاب: ٧٣، فذكر سبحانه العذاب لمن ضيّع الأمانة، والتوبة والرحمة لمن آمن. ومن غير التوبة لا نجاة، قال تعالى في شأن الثلاثة الذين خُلّفوا: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُالتوبة: ١١٨، وقال: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِالشورى: ٢٥. فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهيّئ أسباب التوبة، وهو الذي يتقبّلها ويرفع عن الإنسان كاهله من الأوزار، قال تعالى: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَالشرح: ٢-٣.

من يستحق الهداية؟ قصة عمر وأبي جهل

السؤال الأخير: مَن الذي يستحق أن يُوفَّق للتوبة؟ روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه فقال: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام»، فاختار الله عمر بن الخطاب، وتحوّل الآخر إلى ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بفرعون هذه الأمة. ولم يكن هذا الاختيار عشوائيًّا؛ فقد كان الرجلان يتمتّعان بقوة عزيمة وتأثير كبير في قومهما، إذ لم يكن أبو جهل أعلى زعماء قريش نسبًا، لكنه كان قادرًا بحيلته ودهائه على أن يقود كل الزعماء الكبار ويجعلهم في خدمة حربه ضد الإسلام. فربنا سبحانه وتعالى اختار عمر رضي الله عنه، فأعزّ به الإسلام، وترك أبا جهل على ما اختاره لنفسه.

الظاهر والباطن

ويجب أن نعلم أن وراء الظاهر باطنًا لا يعلمه إلا الله؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»، فالتحول الكبير قد يقع في آخر لحظة، والعبرة بالخواتيم. وذلك أن باطن الإنسان قد يكون على خلاف ظاهره تمامًا؛ فقد جاء في الحديث أن امرأة عُذّبت في هرّةٍ سجنتها حتى ماتت جوعًا، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فدخلت بذلك النار. وفي المقابل، ذُكرت بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل رأت كلبًا يلهث من العطش عند بئر، فنزعت خُفّها فسقته، فغفر الله لها بذلك ودخلت الجنة. فالمظهر الواحد قد يخفي وراءه قلبين مختلفين تمام الاختلاف: قلبًا قاسيًا يُعذَّب بسببه صاحبه، وقلبًا فيه رقة ورحمة تنجيه، وذلك من أثر حكمة الله سبحانه وتعالى في تعامله مع خلقه.

خاتمة

هذه هي الخلاصة: أننا جميعًا محتاجون إلى التوبة على الدوام، لا مرة واحدة، وأن التوبة نعمة يُوفّق الله لها من يستحقها ممن في قلبه خير، وإن كنا لا ندري من هو. فلنغرس في أنفسنا معاني الصدق والرحمة، فلعل الله يطّلع منا على خير يجعله سببًا لرحمته. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.