جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

توبة يهودي محسن وإسلامه

الخطبة الأولى

بسم الله، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. نفتتح اليوم الكلام في الباب الأخير الذي كنا قد وعدنا به. وقبل أن نبدأ، أذكّر بأن ربنا سبحانه وتعالى جبل الإنسان على أن له درجة حرارة بدنية معتدلة، فإذا تجاوزها سقم بدنه واضطربت وظائفه، وأراد سبحانه وتعالى للإنسان أيضًا أن يكون على قدر عالٍ من حرارة الإيمان، فإذا انخفضت هذه الحرارة عن المستوى الذي اقتضاه الله للإنسان فسد حاله واضطرب. والمفروض أن تكون حرارة الإيمان مرتفعة وحرارة البدن في حدها المعتدل، لكن ربما كان الأمر على عكس ذلك: حرارة الإيمان تفتر يومًا بعد يوم، وإذا ارتفعت حرارة البدن كان في ذلك تذكير وتنبيه.

موضع هذا الباب من الكتاب

قلنا إن الكتاب ينقسم على أبواب: الباب الأول يتكلم عن توبة آدم عليه السلام وتوبة الأنبياء، توبة داود عليه السلام، توبة يونس عليه السلام، واستغفار نوح عليه السلام مما طلبه من ربه في حق ابنه. ثم تكلمنا عن توبة من ورد ذكر توبتهم من الأمم السابقة، من بني إسرائيل، سواء منهم من كان على معصية فتاب، أو من كان مخالفًا لهم في الدين أصلًا. ثم بدأنا الباب الأكبر والأساس في الكتاب: توبة أهل المعاصي والكبائر في هذه الأمة، ثم توبة أهل الشرك ممن يخالطون المسلمين. والباب الذي نتحدث فيه اليوم هو باب من منّ الله عليهم بالتوبة وهم لم يكونوا أصلًا في عداد المسلمين، وهؤلاء يسمّيهم العلماء “أمة الدعوة”، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى الناس كافة، فدائرة المخاطَبين برسالته هم كل الناس على اختلاف أماكنهم وامتداد أزمنتهم، بخلاف الرسل السابقين الذين كانت رسالتهم خاصة بقوم بعينهم ومؤقتة بزمن معين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة».

مدار المحبة عند الله: الإيمان

روى عياض بن حمار رضي الله عنه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب». فمدار المحبة والمقت عند الله سبحانه وتعالى هو الإيمان، فأهل الأرض من العرب والعجم استحقوا المقت بسبب الشرك، وهؤلاء الذين بقوا من أهل الكتاب على التوحيد استثناهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المقت. وقد قال تعالى في آخر سورة الفرقان: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًاالفرقان: ٧٧، أي إن الناس لا وزن لهم عند ربهم إلا بشيء واحد هو الإيمان والدعاء والتضرع إليه. وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَالأنفال: ٣٣. فطالما بقي الاستغفار والدعاء والتضرع إلى الله فالعذاب مرفوع، وهذا هو سر التوبة الذي يدور عليه الكتاب كله: أنها لازمة لكل إنسان في كل وقت، لا مرحلة يمر بها ثم ينتهي أمرها.

توبة الأنبياء ومراتب الناس

وقد يُسأل: كيف تُنسب التوبة إلى الأنبياء وهم معصومون؟ والجواب أن توبتهم من قبيل الخِرَق أو ترك الأولى، لا من قبيل الذنب أو المعصية، وإنما سُمّيت توبة لأن الناس مراتب ودرجات، ولا يُحاسَب كل إنسان كما يُحاسَب غيره. وقد قال أهل العلم: “حسنات الأبرار سيئات المقربين”، والمقصود أن الناس تتفاوت درجاتهم، فيُقبل من بعضهم ما لا يُتسامح فيه مع من هو أعلى منه منزلة، إذ كل رفعة يمنّ الله بها على عبد تقتضي مسؤولية واستحقاقًا يليق بها.

حادثة الإفك ووقفة أبي بكر وحاطب

ومن مواضع هذا التفاوت في المسؤولية حادثة الإفك: حين تكلم رأس المنافقين في عرض النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه وأبيها الصديق، وأسرع بعض من كان يُحسن إليه أبو بكر رضي الله عنه، ومنهم مسطح، بترديد هذا الكلام. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌالنور: ١١، وقال: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌالنور: ١٥. فحلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح بعدها، فأنزل الله: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌالنور: ٢٢، فرجع أبو بكر رضي الله عنه إلى نفقته على مسطح وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. وقال تعالى في السياق نفسه: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَالنحل: ١٢٦.

باب الرجاء: آية الزمر

وهذا الباب كله من ابن القيم رحمه الله يفتح لنا بابًا للرجاء في رحمة الله سبحانه وتعالى، وأن أي إنسان يمكن أن يقع منه الخطأ، وأن باب ربه سبحانه وتعالى مفتوح دائمًا، قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُالزمر: ٥٣-٥٤. فآية الزمر الأولى تفتح باب الرجاء والأمل في رحمة الله، وبعدها الإنابة، وهي رجوع القلب إلى الله، ثم بعد الرجوع يأتي الإحسان في العمل: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْالزمر: ٥٥.

قصة الرجل الكريم والحاكم والرجل اليهودي

وأختم بقصة رجل صالح كان يُعرف بإكرام الفقراء والضيوف، فنزل عليه ضيوف ولم يكن عنده ما يُكرمهم به، فمضى إلى الحاكم يطلب منه شيئًا يستعين به على ضيافتهم فلم يُعطه. فمضى إلى رجل يهودي، فبعث إليه اليهودي ما يحتاجه من الطعام، بل اشترى بنفسه ما يلزم وحمله إلى بيت الرجل حتى يطمئن على الأضياف، مبالغةً في الإحسان. فلما نام الحاكم تلك الليلة رأى في منامه كأنه على باب قصر من لؤلؤة حمراء، فهمّ أن يدخله فمُنع، وقيل له: إن هذا كان لك، فدُفع إلى فلان اليهودي. فلما أصبح مضى الحاكم إلى صاحب البيت فسأله عن خبر تلك الليلة، فأخبره أنه استعان بالرجل اليهودي فأجابه.

فاستحضر الحاكم اليهودي وقال له: لك قصر في الجنة، أبيعه مني بعشرة آلاف درهم! فظن اليهودي أنه يهزأ به فأبى، فزاده الحاكم في الثمن، فتعجب اليهودي وسأله عن حقيقة الأمر، فقصّ عليه الحاكم رؤياه. فلما سمع اليهودي القصة، عرَض عليه الحاكم الإسلام، فأسلم على الفور.

أثر الإحسان في القلب

وهذا الرجل اليهودي إنما وصله هذا الخير لأنه كان في خُلقه أهلًا للكرم والإحسان، فربنا سبحانه وتعالى له أسرار في قلوب عباده، يسوق الهداية لمن يستحقها، ويثير كوامن الخير في نفس الإنسان ليقربه منه. وليس عطاء الله عشوائيًّا، وإنما هناك في القلب ما يجعله مستحقًّا لأن يمنّ الله عليه بهذا الخير. وليحذر الإنسان من التعميم في الأحكام على أهل ملة بعينها، فقد قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًاآل عمران: ٧٥، فأهل الكتاب ليسوا على وضع واحد ولا حكم واحد، والناس متباينون، لكل واحد حاله.

خاتمة

وأختم بأن ربنا سبحانه وتعالى يقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَالأنفال: ٢٤، فقلب الإنسان بيد الله وحده، يقلّبه كيف يشاء. فلنحذر أن نُصرّ على إعراضنا، ولنغتنم كل فرصة يفتحها الله لنا للرجوع إليه، فإن الفرص لا تدوم، وربنا سبحانه وتعالى بيده وحده هداية القلوب. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.