جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

اذكروا الله ذكراً كثيراً

نصّ المصنّف

قال رحمه الله: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًاالأحزاب: ٤١، وقال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِالأحزاب: ٣٥، وقال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًاالبقرة: ٢٠٠.

فقيّد الأمر بالذكر بالكثرة والشدّة؛ لشدّة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفةَ عين. فأيُّ لحظةٍ خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه لا له، وكان خُسرانه فيها أعظمَ مما ربح في غفلته عن الله عز وجل. قال بعض العارفين: لو أقبل عبدٌ على الله تعالى كذا وكذا سنة ثم أعرض عنه لحظة، لكان ما فاته أعظمَ مما حصّله.

وعن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلام ابن آدم كلُّه عليه لا له، إلا أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو ذكرًا لله عز وجل».

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الأعمال أحبُّ إلى الله عز وجل؟ قال: «أن تموت ولسانك رَطْبٌ من ذكر الله عز وجل».

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لكلّ شيءٍ جِلاء، وإنّ جلاء القلوب ذِكر الله عز وجل.

ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر؛ فإنه يجلوه حتى يَدَعه كالمرآة البيضاء. فإذا تُرك الذكر صدئ، فإذا ذكر جلاه. ويصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.

فمن كانت الغفلة أغلبَ أوقاته كان الصدأ متراكمًا على قلبه، وصداه بحسب غفلته. وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحقّ في صورة الباطل؛ لأنه لمّا تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسودّ وركبه الرَّان، فسد تصوّره وإدراكه، فلا يقبل حقًّا ولا يُنكر باطلًا؛ وهذا أعظم عقوبات القلب.

وأصل ذلك من الغفلة واتّباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويُعميان بصره. قال الله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًاالكهف: ٢٨.

فإذا أراد العبد أن يقتدي برجلٍ فلينظر: هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟

لماذا الذكر أوّلًا؟ لأنه العصمة

بدأ المصنّف رحمه الله بالحديث عن أهمية الذكر وحاجة الإنسان إليه، وبنى كلامه على أن الذكر هو العصمة من الشيطان — وقد ذكرنا في المرة الماضية أنه جعلها بصيغة الحصر: لا عصمةَ إلا بالذكر. ولو لم يكن للذكر فضيلةٌ إلا هذه لكفت.

ولماذا؟ لأننا تكلمنا كثيرًا عن خطر الشيطان، واتفقنا على أنه أخطر ما يتهدّد الإنسان، وأن ما يعترضه من الزلّات والوساوس والأفكار السيئة والاضطراب النفسي إنما مصدره ضغطُ الشيطان؛ والعلاج الوحيد الذي يحفظ الله به الإنسان منه هو التحصّن بالذكر. فمن كان في أكثر يومه في عصمةٍ من كيد الشيطان كان في حالة أمنٍ من معصية الله والتقصير في حقّه.

ولذلك ذكرنا قصة الرجل الكبير في السنّ الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن شرائع الإسلام قد كثُرت عليّ، وقد كبِرت سنّي وضعُفت قوّتي، فأخبرني بأمرٍ أتشبّث به. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال لسانك رَطْبًا من ذكر الله» (رواه الترمذي). ومعنى «رَطْبًا» الترويةُ المستمرّة، كالزرعة التي يتعهّدها صاحبها بالسقي كلما احتاجت.

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الذكر معيارَ التفرقة بين الأحياء والأموات فقال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحيّ والميت» (متفق عليه).

لماذا قُيِّد الذكر بالكثرة دون سائر العبادات؟

الملاحَظ أن سائر العبادات دعانا الله إليها ورضي منّا بالنصيب فيها، أما الذكر فلم يرضَ لنا فيه سبحانه إلا الكثرة؛ لأن الكثرة هي المؤثّرة المثمرة. فما من إنسانٍ يخلو من الذكر بالكلّية، لكن الذكر الذي تترتّب عليه هذه المعاني هو الذكر الكثيف الذي يشغل جزءًا كبيرًا من الوقت.

والذكر يختلف عن بقية العبادات في أنه يشارك الحياة ولا ينفصل عنها. فالصلاة أنقطع لأجلها، وقراءة القرآن يُفترض أن أنقطع لها؛ ومن الذكر ما هو كذلك — كمجالس الذكر التي يقصد أهلها بيتًا من بيوت الله ليذكروا الله قصدًا لا عرَضًا، فتحفّهم الملائكة وتغشاهم الرحمة وتنزل عليهم السكينة.

لكن عموم الذكر شيءٌ أتعامل به مع الحياة كلها. فأنا أستيقظ من النوم فأقول شيئًا، وأدخل الخلاء فأقول شيئًا، وأتوضّأ فأقول شيئًا، والصلاة كلها أذكار، وأُفطر فأقول شيئًا، وأنام فأقول شيئًا، وأخرج من البيت فأقول شيئًا، وأركب دابّتي فأقول شيئًا، وألقى أحدًا فأقول شيئًا، وأرى مبتلًى فأقول شيئًا، ويعرِض لي ما أقلق منه فأقول شيئًا، وأستشعر همًّا أو ضيقًا فأقول شيئًا. وهذه تُسمّى الأذكار المقيّدة — أي التي لها موضعٌ ووظيفة في كل عمل.

وهذه هي التي تجعل الحياة كلّها قابلةً لأن تُعاش بالذكر؛ فمن حافظ عليها فقد أخذ مساحةً كبيرة من يومه، ودخل بذلك في دائرة «الذكر الكثير».

الكلام قسمان لا ثلاثة

وتأمّل حديث أم حبيبة رضي الله عنها؛ فإن الخطورة فيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر كلامًا محايدًا، لا لك ولا عليك. ونحن نظن أن الكلام ثلاثة أقسام: كلامٌ لنا كقراءة القرآن والنصيحة، وكلامٌ علينا كالغيبة، وكلامٌ لا لنا ولا علينا — وهو الذي يشغل تسعين بالمئة من كلامنا، مما نقضي به الوقت أو نؤنس به أنفسنا أو نملأ به مجلسًا.

فجاء الحديث ليقول: إن القسمة ثنائية، وليس بين القسمين برزخ؛ فما لم يكن لك فهو عليك. وما الذي يكون لك؟ أيُّ توجيهٍ إلى خير، أو تحذيرٍ من شر، أو كلامٍ يُعظّم به العبد ربَّه.

حديث معاذ: أمرٌ بالاستدامة

وسأل معاذ رضي الله عنه عن أحبّ الأعمال إلى الله، فكان الجواب: «أن تموت ولسانك رطبٌ من ذكر الله». وتأمّل: المطلوب ليس «أن تموت»، فالموت ليس بيدنا ولا نعلم أجله؛ وإنما المطلوب أن تدوم على الحال حتى يوافيك الأجل عليها.

وهو نظير قوله تعالى: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَآل عمران: ١٠٢؛ فالمعنى: استديموا الإسلام وحافظوا عليه وقوُّوه، حتى إذا جاء الأجل — وهو مجهول لدينا — وجدك مستمسكًا بالحق. فتقييد الأمر بالموت دليلٌ على أنه من أعظم ما يُؤمر بالاستدامة عليه.

الجلاء والصدأ

ثم ذكر قول أبي الدرداء رضي الله عنه: «لكل شيءٍ جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله». وهذه قاعدة عامة: كل شيءٍ يعتريه الصدأ ويحتاج إلى متابعةٍ وعنايةٍ وتنظيف؛ لأن الأسباب والعوامل تتراكم عليه فتغطّيه أو تُفسده أو تمنع فائدته. فما بال القلب؟

ثم وقف ابن القيم رحمه الله يشرح المسألة ويتتبّع أصل الخلل. وهذه طريقةٌ ينبغي أن نتعلّمها؛ فالدين إنما نعالج به الحياة ونعالج به المشكلات ونتتبّع به السلبيات. فالعلماء أطباء القلوب كما أن الأطباء أطباء الأبدان. وهناك منهجيةٌ واحدة في معالجة أيّ أزمة — في الإدارة أو في الطب أو في غيرهما — نحن لا نطبّقها في أمر ديننا؛ ولذلك لا نصل إلى النتيجة. والعجيب أن يكون المرء ممتازًا منضبطًا في عمله، ثم يتعامل مع دينه بنظامٍ آخر تمامًا؛ وكأنه شخصان لا شخص واحد.

الرَّان: كيف يسودّ القلب؟

وقد ذكر الله سبحانه الرَّان، وبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه الطبقة السوداء التي تغلّف القلب الذي أصله أبيض مستنير قابلٌ للنور.

وقد شبّه الله نور الإيمان في قلب المؤمن بقوله: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍالنور: ٣٥. والزجاجة وصفٌ لقلب المؤمن؛ فهي رقيقةٌ صافيةٌ نفّاذة، وهي مع ذلك صُلبةٌ لا تلين، وتستقبل النور فتنشره ولا تحجبه. فإذا علاها الغبار وتراكم عليها اسودّت فحُجب النور.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ العبد إذا أذنب ذنبًا نُكتت في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإن تاب واستغفر صُقِل قلبه، وإن عاد زِيد فيها حتى تعلوَ قلبَه؛ فذلك الرَّان الذي ذكره الله». فالنكتة الواحدة على مسطّحٍ كبير لا تكاد تُرى، لكنها إذا تتابعت بلا جلاء غطّت المسطّح كله. فالإنسان لا يُظلم قلبه بموقفٍ أو موقفين، وإنما بزلّةٍ مُدامة واستمرارٍ على مسلك.

ثم قال صلى الله عليه وسلم في تمام الحديث: «حتى تصير القلوب على قلبين: أبيضَ مثل الصَّفا، فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض؛ والآخر أسودُ مُرْبادّ» (رواه مسلم). و«الصَّفا» هو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. فالقلب مع كثرة الجلاء يبلغ حالًا تنزلق عنه المعاصي انزلاقًا، فلا يحتاج صاحبه إلى ما كان يحتاجه من قبل من المكابدة.

وهذه هي المرتبة التي أشار إليها الحديث القدسي: «فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها» (رواه البخاري). فالعبد يجتهد في التقرّب أوّلًا بالفرائض ثم بالنوافل حتى ينال المحبة، فإذا نالها نال معها الحفظ والحماية؛ فلم يعد يكابد في حفظ جوارحه كما كان يكابد، لأن الله هو الذي يتولّى حفظها.

المرآة: أصل الخلل في التصوّر

ثم بيّن رحمه الله أثر الصدأ: «وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه». فالمرآة إن كانت سليمةً أرتك الصورة كما هي، وإن كانت معوجّةً أو مكسورةً أو رديئةً أرتك خلاف الحقيقة.

وهنا الخطر: فالإنسان لا يشعر أنه لا يرى؛ بل هو يرى صورةً بالفعل، لكنها صورة مغلوطة. فتقييمه للأشياء والأشخاص خاطئ، وهو يبني عليه ويقول: أنا أرى بعيني! فإن قلت له: ليست الصورة هكذا، لم يقتنع؛ لأنه يراها.

فما العلاج؟ ليس أن أجادله في الصورة، بل أن أعينه على جلاء المرآة. فالمشكلة في المرآة لا في المنظور إليه. ولذلك تجد الإنسان إذا صلحت علاقته بالله بدأت رؤيته تتغيّر تلقائيًّا بلا جدال: كان لا يصلّي فبدأ يصلّي، فتغيّرت مشاعره ورؤيته؛ فأحبّ من كان لا يحبّهم، ورأى ما كان يراه عاديًّا أنه غير حسن، ورأى في كلام من كان يعدّهم عاديين قسوةً وغلظة. لأنه دخل دائرة الرحمة والرقّة والنور والبصيرة.

وإلا فإن الجدال يبقى عقيمًا لا يُثمر إلا وَغَر الصدور.

البصر والبصيرة

فالقلب يُبصر كما تُبصر العين؛ والفرق أن البصر رؤية المحسوس، والبصيرة رؤية المعاني بالقلب. قال تعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِييوسف: ١٠٨.

وقال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِالحج: ٤٦. فهم يرون الآيات فعلًا، لكن العطب في العضو الذي يترجم ما تراه العين. وقال: وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَالأعراف: ١٩٨.

الغفلة والهوى: أصل البلاء

ثم استدلّ رحمه الله بقوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًاالكهف: ٢٨؛ فجمعت الآية السببين.

أما الغفلة فنحن نستعملها في وصف من هو حاضرٌ بجسده غائبٌ بذهنه؛ يجري حوله كلامٌ خطير وهو لا يعي أن الأمر يعنيه. فالغفلة أن ينسى الإنسان ما يجب عليه، ودورَه، وغايةَ وجوده؛ فيمضي في طريقٍ لا يوصله ولا ينفعه وهو لا يدري. وقد قال سفيان الثوري رحمه الله كلمةً في هذا المعنى: الناس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا — يظنون أنهم يعيشون وهم في حكم النائمين، حتى إذا انتهى الأمر أرادوا الاستدراك ولا استدراك.

وأما الهوى فهو ميل النفس. والإنسان قد يميل إلى ما يخالف الصواب؛ فأصحاب الشجاعة يقولون: أنا أعلم أن هذا هو الصواب، لكنني أختار غيره لهوًى فيّ — وهؤلاء أقربُ إلى الرجوع. لكن أكثر الناس لا يملكون هذه الشجاعة، فيلجؤون إلى تشويه الحق وتزيين الباطل حتى يقنعوا أنفسهم أن ما يريدونه هو الصواب.

والأخطر من ذلك: أنه بعد فترةٍ يُصدّق ما اخترعه هو بنفسه، ومع التراكم يرسخ فيه، فيصعب رجوعه جدًّا. وهذا هو ما يسمّيه الله «الغَواية».

ولذلك جاء الأمر الإلهي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِالحجرات: ١. فإما أن تسير خلف الوحي، وإما أن تتقدّم أنت وتجرّ الوحي وراءك تسوّغ به ما تهواه.

وهنا قاعدةٌ عظيمة من قواعد العلماء نجهلها للأسف: استدلّ ثم اعتقد، ولا تعتقد ثم تستدلّ. أي: ابحث عن الأدلة حتى تتكوّن عندك الرؤية، ثم تبنَّ ما وصلتَ إليه. أما أن تتبنّى الرأي أولًا ثم تبحث عن دليلٍ تستند إليه، فذلك عكسُ الطريق. والحاكم على القلوب هو الله سبحانه؛ فأنت لا تدري: أاجتهد الرجل وبذل وسعه فأخطأ، أم اتّبع هواه ثم بسط عليه مظلّةً من الوحي؟

نصيبك من الآخرة يمرّ بك على نصيبك من الدنيا

ويُذكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه أوصى رجلًا فقال له ما معناه: إنّ لك نصيبًا من الدنيا ونصيبًا من الآخرة؛ فإن بدأتَ بنصيبك من الدنيا أغفلك وأضلّك عن نصيبك من الآخرة — لأن مطالب الإنسان ومطامعه لا تنتهي، فيقول: أُنهي هذا ثم ألتفت إلى ذاك، وهكذا أبدًا. وإن بدأتَ بنصيبك من الآخرة مرّ بك على نصيبك من الدنيا.

وهذا يحلّ إشكالًا كبيرًا نقع فيه: توهُّم أن الطريقين متعارضان، وأن عليّ أن أبيع أحدهما لأشتري الآخر. وليس الأمر كذلك؛ فإني إذا بدأت بالإيمان والمعرفة بالله والتزام المنهج الإلهي، مرّ بي هذا الطريق على كل احتياجاتي الدنيوية، فأخذ لي منها ما ينفعني وأبعدني عمّا يضرّني — كمن يمرّ بمغناطيسٍ فيلتقط له الحبّات النافيسة ويترك ما لا قيمة له.

أما العكس فهو فُرُطًا: تبعثُرٌ وتشتّت؛ يجرّ من هنا ويجرّ من هناك ولا يجمع شيئًا حتى ينتهي الوقت.

معنى «فُرُطًا» ومعيار الاقتداء

قال رحمه الله: ومعنى «الفُرُط» قد فُسّر بالتضييع — أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رُشده وفلاحه، ضائعٌ قد فرّط فيه؛ وفُسّر بالإسراف، وفُسّر بالهلاك، وفُسّر بمخالفة الحق. وكلها أقوالٌ متقاربة.

والمقصود أن الله سبحانه نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات؛ فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك فليبعُد عنه. وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى واتّباع السنّة، وأمرُه غير مفروطٍ عليه بل هو حازمٌ في أمره، فليستمسك بغَرْزه.

فالمعيار إذًا سؤالان: هل الغالب عليه ذكرُ الله أم الغفلة؟ وهل يحكم أهواءه بالنور الإلهي، أم يتّبع أهواءه ويجرّ النور وراءه ليروّج به لها؟ فمن غلب عليه الذكر غلب عليه الحفظ والحماية من الله، ومن غلبت عليه الغفلة انفتح المجال لتأثير الدنيا فيه.

من فوائد الذكر

ثم قال رحمه الله: «ولا فرق بين الحيّ والميت إلا بالذكر»، ثم شرع في ذكر فوائده وقال: «وفي الذكر نحوٌ من مائة فائدة»، منها:

الأولى: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره.
الثانية: أنه يُرضي الرحمن عز وجل.
الثالثة: أنه يُزيل الهمّ والغمّ عن القلب.
الرابعة: أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط.
الخامسة: أنه يُقوّي القلب والبدن.
السادسة: أنه يُنوّر الوجه والقلب.
السابعة: أنه يجلب الرزق.
الثامنة: أنه يكسو الذاكرَ المهابةَ والحلاوةَ والنَّضرة.
التاسعة: أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة. وقد جعل الله لكل شيءٍ سببًا، وجعل سبب المحبة دوامَ الذكر؛ فمن أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره، فإن الدرس والمذاكرة بابُ العلم، فالذكرُ بابُ المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.
العاشرة: أنه يورثه المراقبة حتى يُدخله في باب الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه.
الحادية عشرة: أنه يورثه الإنابة، وهي الرجوع إلى الله عز وجل؛ فمتى أكثر الرجوع إليه بذكره أورثه ذلك رجوعَه بقلبه إليه في كل أحواله، فيصير الله عز وجل مَفزعَه وملجأه وملاذه ومعاذه وقبلةَ قلبه ومهربَه عند النوازل.
الثانية عشرة: أنه يورثه القربَ منه؛ فعلى قدر ذكره لله يكون قربه منه، وعلى قدر غفلته يكون بُعده عنه.
الثالثة عشرة: أنه يفتح له بابًا عظيمًا من أبواب المعرفة، وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة.
الرابعة عشرة: أنه يورثه الهيبةَ لربه عز وجل وإجلالَه، لشدّة استيلائه على قلبه وحضوره مع الله؛ بخلاف الغافل، فإن حجاب الهيبة رقيقٌ في قلبه.

ومن أعظمها: أنه يورث العبدَ ذِكرَ الله له، قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْالبقرة: ١٥٢. ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفت فضلًا وشرفًا. وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «من ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ خيرٍ منهم» (متفق عليه).

وقفة عند «الهيبة»

والهيبة استشعارُ العظمة، وهي إنما تأتي من دوام الذكر. فالغافل يضعف عنده تعظيم الله، وكلما ازدادت غفلته ضعف التعظيم أكثر، وحينئذٍ لا يبقى ما يحجزه عن انتهاك الحرمات.

فليست مشكلة الإنسان في الغالب عدمَ إدراك الحقائق، وإنما عدمُ المبالاة بآثار انتهاك الحرمات؛ لا يفرق معه، ولا يألم لذلك.

وقد جعل الحسن البصري رحمه الله الخوفَ من النفاق ميزانًا فقال: «ما خافه إلا مؤمن، وما أمِنه إلا منافق». فما دام الإنسان خائفًا على نفسه من الرياء ومن فساد النية، فتلك علامة خير؛ فإذا اطمأنّ وأمِن وارتفعت ثقته بنفسه حتى قطع بأنه ليس فيه شيء من ذلك، فتلك بداية الخطر.

ويشهد لهذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَالمؤمنون: ٦٠. قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: «لا يا بنت الصدّيق، ولكنه الذي يصوم ويتصدّق ويصلّي وهو يخاف ألا يُتقبّل منه» (رواه الترمذي).

الميزان: خوفٌ يدفع، لا خوفٌ يشلّ

لكن من الخوف ما هو طبيعي ومنه ما هو مَرَضي؛ فأيّ شيءٍ تجاوز حدّه الطبيعي صار مشكلة. فالخوف إن زاد تحوّل وسوسة، وهي من عمل الشيطان لا من علامات الخير.

فالخوف المحمود هو الذي يدفع الإنسان أن يدعو ربه أن يُصلح قلبه ويرزقه الإخلاص ويتقبّل منه، مع استمراره في العمل. أما الذي يُحدث اضطرابًا وقلقًا، أو يحمله على ترك ما كان يعمل، أو يُفسد عليه حلاوة العبادة — فهذا من الغلوّ والزيادة التي يدخل منها الشيطان.

فالقضية كلّها في المقادير والموازين. ونحن نسمع كلمةً كقول الحسن «ما خافه إلا مؤمن» فيترجمها كلٌّ برؤيته وفهمه، وهنا تقع المشكلة؛ فالجملة صحيحة، لكنّ الجرعة إن زادت ضرّت — كالدواء تمامًا.

ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم قد تلقّوا من القرآن ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم صورةَ التطبيق الصحيح: الغاية في اليُسر والسماحة، من غير تنطّعٍ ولا توتّر. فالدين لا يجلب توتّرًا؛ فإن جاء التوتّر فثمّة شيءٌ من الشيطان أو من الاضطراب النفسي. والدين يجلب السكينة والطمأنينة.

الوسطية وأصل نشأة الفِرق

فإذا وجدتُ في نفسي قلقًا واضطرابًا فعندي قدرٌ من التجاوز والغلوّ يجب أن أرجع عنه؛ وإذا وجدت تفريطًا وطمأنينةً زائدة فعندي قدرٌ من التقصير. والوسطية هي القضية التي ندور عليها.

ومن هنا نشأت الفِرق: كلها صورٌ من صور الغلوّ. أراد أحدهم أن يضبط أمرًا فركّز عليه تركيزًا شديدًا حتى أفسد ما سواه. فمن أراد التركيز على العبادة وإصلاح القلب حتى صار كلامه في أعمال القلوب كلامًا خياليًّا لا يمتّ إلى الواقع بصلة. ومن أراد ألا يشتغل الناس بمدحه فتحرّك في الاتجاه المعاكس، فصنع ما يجعل الناس يزدرونه — حتى انتهى الأمر ببعضهم إلى إظهار المعاصي! فصار خرابًا في الباطن وخرابًا في الظاهر.

والأصل أن الدين قد كمُل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْالمائدة: ٣، وأن الطريق هو: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍالتوبة: ١٠٠ — اتّباعٌ لا اختراع. والإبداع إنما يكون في وسائل التبليغ والعرض، لا في أصل الدين.

خاتمة

وهذه الفوائد يتابعها المصنّف حتى يبلغ بها العشرات؛ ولعلّ فائدةً أو اثنتين تكفي إذا وقف عندها الإنسان حقًّا. فالكلام الكثير لا يُثمر كثيرًا لأنه يتبخّر سريعًا؛ وإنما يُثمر أن يُفتح للإنسان بابٌ واحد فيضع فيه ذهنه حتى يوصله.

فالمقصود أن الذكر يُنيل الإنسان ما يريد، ويضعه في دائرة القرب من الله سبحانه وتعالى ودائرة التعظيم. وحتى لا نخرج بأيدينا صِفرًا، ينبغي أن نحاول الانتفاع بهذا الكلام وتفعيله خارج المجلس؛ وأن يكون الكتاب ملازمًا لنا في الأسبوع القادم نتابعه ونراجعه.