ما انتهينا إليه: تعظيم الأوامر الإلهية
كنّا وصلنا إلى الكلام عن تعظيم الأوامر الإلهية. وقلنا إن حقيقة العبادة إنما تتحقّق باستقامة قلب الإنسان؛ وإن الاستقامة أن يكون حبّ العبد لربه فوق كلّ حبّ، وتعظيمه له فوق كلّ تعظيم.
وإن من علامات تعظيم الله تعظيمَ أوامره ونواهيه ومناهجه؛ ولذلك علامات.
ومن علاماتها: ألّا يُبالغ الإنسان في الترخّص، ولا يُشدّد في مقابل ذلك؛ وألّا يحمل الأوامر الإلهية على غير الوجه الذي أُريد بها.
الشيطان يدخل من جهة طبعك
وقال إن الشيطان في علاقته بالإنسان ينظر في طبيعته ويحاول أن يتعامل معه على وفقها.
فإن وجده يميل إلى نوعٍ من التكاسل أو التفريط أو التراخي، دفعه في هذا الاتجاه. وإن وجده يميل إلى التشديد وأخذ النفس بالقوّة والحزم والعزم، حاول أن يجعله يتطرّف في الوجهة الأخرى.
ولذلك قال تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًاالبقرة: ١٤٣.
وقضية الوسطية والاتّزان كلمةٌ عظيمة القدر والقيمة؛ لكننا ربما لا ننظر إليها حقّ نظرها. فنستخدم «الوسطية» و«الاعتدال» كأسلوبٍ معتاد نتعامل به مع أيّ شيء، والكلمة تحتاج قدرًا من التعمّق في فهمها وإدراك حقيقتها.
فالإنسان لكي ينجو لا بدّ أن يكون على الصراط المستقيم؛ والصراط المستقيم هو الطريق الوسط، وهو الذي يُحقّق الاتّزان للنفس. ومتى خرج عنه اضطرب.
ما الفقه الذي نحتاجه؟
فالشيطان له أسلوبٌ في إدارة علاقته بالإنسان؛ فإن فهمتُ هذا الأسلوب استطعتُ أن أتعامل معه، وإلا فلا.
ولذلك تكلّمنا كثيرًا عن قضية الفقه: «من يُرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين» (متفق عليه). فالفقه أن يرزق الله الإنسان أن يفهم.
فماذا يفهم؟ ما الذي يحتاج الإنسان أن يفهمه؟
يحتاج أن يفهم طبيعته، والغاية من خلقه، والطريق الذي ينبغي أن يسلكه، والعقبات التي تعترضه، وأين أولياؤه وأين أعداؤه — فيسير حينئذٍ بشكلٍ فعّالٍ آمن.
وهذا إنما يتمّ بأن يفقه الإنسان الكتاب. ولذلك نجد في القرآن دائمًا الكلام حول التعقّل والتفكّر والتدبّر: لِأُولِي الْأَلْبَابِ، أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ.
بأيّ نيّةٍ أمسك المصحف؟
فبأيّ طريقٍ أصل إلى ذلك؟ أنا أُمسك المصحف لأقرأ — ثم ماذا؟ متى أستطيع أن أستفيد من القرآن؟
لا بدّ من أمرين:
الأول: إدراكي لمن يُنسب هذا القرآن. فهذا كلام مَن؟ فعلى قدر عظمة المنسوب إليه تكون عظمة الكلام.
الثاني: أن أعرف عمّا أبحث فيه.
فإن كانت عندي مشكلة وأعتقد أن علاجها في القرآن، وتعاملتُ معه على أنه سيُخرج لي الحلّ — وجدتُ ذلك. قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَالإسراء: ٨٢.
وإن كنتُ أبحث عن الهداية في ظلّ وضعٍ مضطرب: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌفصلت: ٤٤.
وإن كان في قلبي قدرٌ من القسوة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَيونس: ٥٧.
فإن قرأتُ لأجد علاج المشكلة، وجدتُ — وشعرتُ حينئذٍ (وحينئذٍ فقط) بقيمة ما أقرأ.
أما إن قرأتُ قراءةً سرديّة بلا إدراكٍ لهذا العمق، أو في حالة فراغٍ نفسي، فأنا أقرأ قراءة شخصٍ لا يريد شيئًا؛ فلن أخرج بشيء، لأني أصلًا لا أدور على شيء.
وكلّ إنسانٍ لا بدّ أنه يعيش قضيةً أو همًّا يشغله؛ فليس ثمّة إنسانٌ فارغ. وهذه الحاجة تبحث عن حلّ. فإن جعلتُ المصحف تعويذةً أو تميمة، فلن أجد ذلك لا في كتاب الله ولا عند رسوله صلى الله عليه وسلم.
نقد الأسلوب التلقيني
ونحن اعتدنا الأسلوب التلقيني. فما معيار المعرفة عندنا؟ مقدار ما تحصّل لديّ من معلومات، أو مقدار قدرتي على السرد والإلقاء.
وهذا حسن — ثم ماذا؟ لا يرتقي إنسانٌ بقدرٍ من المحفوظات فحسب؛ لا بدّ أن يُترجَم الكلام فينتفع به.
فالأسلوب الذي اتّبعناه هو الذي أدّى إلى هذه النتيجة. ونحن لا ندري: نعمل ماذا؟ ولماذا؟
لماذا اخترنا هذا الكتاب بالذات؟
فأنا حين أُمسك كتابًا ينبغي أن أعرف ماذا أريد منه. والكتب كثيرة؛ فلو كنتُ عاقلًا لاخترتُ «الوابل الصيّب» لعلّةٍ معيّنة.
فلماذا هذا الكتاب دون غيره من كتب الذكر الكثيرة؟ لأنه يتكلّم عن أعظم مضمون: اتصال الإنسان بالله. ومعنى الذكر أن يكون الله في ذاكرة العبد.
وهو يريد أن يُوصل لنا أن الذكر أمرٌ عظيم الخطر، عظيم الأهمية، ضروريّ لنا. فإذا فهمنا ذلك تعلّقنا به؛ فالإنسان إنما يتعلّق بالشيء على مقدار إحساسه بأهميته وضرورته له.
فإن لم يكن الاختيار مبنيًّا على تفكيرٍ مُصدَّق، صار أيّ كتابٍ كأيّ كتاب؛ ولا فرق حينئذٍ بين «الوابل الصيّب» وبين كتابٍ في الطبخ أو الحلويات — وكلّها كتبٌ يُنتفع بها!
خلاصة تجربة
والعلماء إنما يحاولون أن يفهموا الدين ليعيشوه؛ فإذا وصلوا إلى شيءٍ حاولوا أن يُوصلوه إلينا.
وهذا الكتاب من أواخر ما كتب ابن القيم رحمه الله؛ ولذلك أعتقد أن له أهميةً كبيرة. فالإنسان بعد أن ينتهي نضجُه، ويأخذ تجربته، ثم يُعطينا خلاصتها — هذا شيءٌ ينبغي أن نُدرك قيمته.
فبعد عراكٍ طويلٍ في الحياة، وفي مجالاتٍ متعدّدة: في الصراع مع النفس، وفي ضبط المناهج والاتجاهات والأفكار — يصل إلى خلاصةٍ مهمّة. فأن ينتهي بعد كلّ تلك الكتابات إلى الكلام عن الذكر، معناه أنه وصل إلى أن أهمّ شيءٍ هو مقدار تفاعل الإنسان مع ربه.
المتن: لماذا شُرعت الصلاة؟
قال رحمه الله: فإن الله عز وجل شرع الصلوات الخمس إقامةً لذكره، واستعمالًا للقلب والجوارح واللسان في العبودية؛ وأعطى كلًّا منها قسطه من العبودية التي هي المقصود بخلق العبد. فوُضعت الصلاة على أكمل مراتب العبودية.
فإن الله سبحانه خلق هذا الآدمي واختاره من بين سائر البريّة، وجعل قلبه محلّ كنوزه من الإيمان والتوحيد والإخلاص والمحبة والحياء والتعظيم والمراقبة؛ وجعل ثوابه إذا قدِم عليه أكملَ الثواب وأفضله، وهو النظر إلى وجهه والفوز برضوانه ومجاورته في جنّته.
وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوّه إبليس لا يفتُر عنه؛ فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه، فتميل نفسه معه لأنه يدخل عليها بما تُحبّ. فيتّفق هو ونفسُه وهواه على العبد — ثلاثةٌ مسلَّطون آمرون — فيبعثون الجوارح في قضاء أوطارهم؛ والجوارح آلةٌ منقادة لا يمكنها إلا الانبعاث. فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمّموا. وهذا مُقتضٍ لهلاك العبد.
القلب محلّ الكنوز
فتأمّل: «وجعل قلبه محلّ كنوزه». فالمستهدف بالأساس هو القلب، والجوارح تابعة.
ولاحظ اللفظ: لم يقل «محلّ الإيمان» بل «محلّ الكنوز». والكنوز هي الأشياء ذات القيمة العالية التي تتعلّق بها النفوس.
ونحن حين نسمع «كنوز» يتبادر إلى أذهاننا الذهب والياقوت والمرجان! فهو يقول: لا؛ الكنوز الحقيقية هي هذه المعاني، ومكانها قلب الإنسان.
الغنى غنى النفس
ولذلك يتكلّم الإسلام عن الغنى فيقول صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس» (متفق عليه).
فالغنى شعور الإنسان بالاستغناء. وفي المقابل: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهبٍ لأحبّ أن يكون له واديان» (متفق عليه).
وتخيّل: واديان من ذهب — أي جبلان متباعدان والمساحة بينهما كلّها ذهب! ثم مع ذلك يبقى قلقًا، فيتمنّى ثالثًا.
فمتى يستغني الإنسان؟ حين يشعر داخليًّا أن كثيرًا ممّا أمامه لا يحتاجه ولا يتطلّع إليه. ولا أصل إلى شعور الاستغناء إلا إذا استشعرتُ أن عندي ما يُغنيني.
وهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم: كان يستغني بعلاقته بربه وبالإيمان والعبادة، فكانت الدنيا في مقابل ذلك قزمًا.
لا علاج في الفراغ
ونحن نُحسّ أن هذا ليس صحيحًا، لكننا لا نعرف كيف نُعالجه. والسبب: أن النفس لا تبقى فارغة أبدًا.
فأيّ مشكلةٍ قلبية أريد علاجها لا بدّ أن أُعالجها بإعادة التوجيه: شيءٌ يشغلني عن شيء، وشيءٌ يُزهّدني في شيء، وشيءٌ يُنسيني شيئًا.
وما يجعل الإنسان يستقرّ حقًّا هو علاقته بالله؛ فعلى أساسها تنتظم بقيّة العلاقات.
«ولا يُعطي الدين إلا لمن أحبّ»
فكيف يستغني الإنسان؟ حين يُدرك أنه ليس محرومًا؛ بل بالعكس — أعطاه الله أكثر ممّا أعطى غيره.
وقد رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ما معناه: إن الله يُعطي الدنيا من يُحبّ ومن لا يُحبّ، ولا يُعطي الدين إلا لمن أحبّ.
قال تعالى: كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًاالإسراء: ٢٠.
فإعطاء الدين هو الدالّ على محبّة الله للعبد. فهل ننظر إليه كذلك؟ أم أن الميزان عندنا هو العطاء الدنيوي؟
فالإنسان دائمًا يستعظم ما بعُد عنه، ويستهين بما بين يديه. فإن كان الله قد اختصّنا بشيءٍ ومنّ به علينا، صار عندنا عاديًّا! والحاجة التي أدور عليها هي التي ليست عندي.
عينان: نظرةٌ إلى أسفل ونظرةٌ إلى أعلى
ولذلك ضبط النبي صلى الله عليه وسلم اتجاه النظر، فقال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألّا تزدروا نعمة الله عليكم» (متفق عليه).
فدنيويًّا: انظر إلى من هو دونك. وأما في الدين فانظر إلى من هو فوقك.
فإن نظرتَ في الدنيا إلى أسفل شعرتَ أن الله آثرك وفضّلك فقلت: الحمد لله. وإن نظرتَ في الدين إلى أعلى شعرتَ أنك مُقصِّرٌ كثيرًا في حقّ الله، فسعيتَ لتُحسن.
ولو عكستَ لانعكس الأمر: تنظر في الدين إلى من هو دونك فتنتفخ وتقول: أنا بخير. وتنظر في الدنيا إلى من هو فوقك فتحزن وتضيق.
وأُمر بغضّ البصر
قال تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰطه: ١٣١.
ومفهوم غضّ البصر عندنا محصورٌ في بابٍ واحد — وهذا قصور. فالنظر له أثر؛ ولا يقولنّ أحد: أنا أقوى من التأثّر. فمن ادّعى أنه يُحدّق ولا يتأثّر فهو واهمٌ أو مغرور.
الشهوة والغضب والغفلة
فهذه المداخل الثلاثة أشياء داخلية في تكوين الإنسان، ليست شيئًا يُركَّب عليه من الخارج. ولذلك قال: «من نفسه وطبعه».
الغضب: فيه ميل الإنسان إلى أن ينتصر ويعلو، ويشعر بنشوةٍ نفسية.
الشهوة: شيءٌ يجذب الإنسان إلى أسفل.
الغفلة: أن ينقطع تركيز الإنسان فجأةً كأن الشاشة أظلمت. فقد كان ماشيًا وقد نظّم نفسه، ثم انقطع فجأةً وانشغل بأيّ شيء. والمشكلة أنه بعد الانقطاع يستمرّ ماشيًا لكنّ ذهنه ليس معه.
ومن أوضح أمثلتها: أن تنتهي من يوم عملٍ طويل فتأتي منهكًا، تأكل وتنتظر النوم — فماذا تفعل؟ تفتح التلفاز فتُشاهد أيّ شيء بلا انتباه. فهذا حلّ للفراغ لا للبناء.
الشيطان لا يأخذ إجازة
ولاحظ: «لا يفتُر عنه». فهو لا يستريح ولا يأخذ إجازات، ولا يعمل على منطقةٍ يتناوب فيها؛ بل يشتغل على عميلٍ واحدٍ فقط. ولذلك سُمّي «القرين» — من الاقتران والملازمة.
وهذا يعني أنّ مشكلتنا ليست أن نقع، وإنما أن نقع في الخطأ نفسه مرّةً بعد مرّة دون أن نفهم كيف يحدث. فالمطلوب أن أعرف من أين يدخل عليّ، وأن أعرف أنّ طبيعتي تميل إلى جهةٍ معيّنة، فأتحرّز.
المتن: الجند الآخر
قال رحمه الله: فاقتضت رحمة ربّه العزيز الرحيم به أن أعانه بجندٍ آخر وأمدّه بمددٍ آخر يُقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه.
فأرسل إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه كتابه، وأيّده بملَكٍ كريم يُقابل عدوّه الشيطان؛ فإذا أمره الشيطان بأمرٍ أمره الملَك بأمر ربه، وبيّن له ما في طاعة العدوّ من الهلاك. فهذا يُلمّ به مرّة وهذا مرّة؛ والمنصور من نصره الله، والمحفوظ من حفظه الله.
وجعل له في مقابل النفس الأمّارة نفسًا مطمئنّة؛ فإذا أمرته الأمّارة بالسوء نهته عنه المطمئنّة، وإذا نهته الأمّارة عن الخير أمرته به المطمئنّة. فهو يُطيع هذه مرّةً وهذه مرّة، وهو مع الغالب عليه منهما؛ وربما قهرت إحداهما الأخرى بالكلّية قهرًا لا تقوم معه أبدًا.
وجعل له في مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمّارة نورًا وبصيرةً وعقلًا يردّه عن الذهاب مع الهوى؛ فكلّما أراد أن يذهب مع الهوى ناداه العقل والبصيرة والنور: الحذرَ الحذر! فإن المهلَك والمتالف بين يديك، وأنت صيدُ الحرامية وخُطّافي الطريق إن سرتَ خلف هذا الدليل.
لمّة الشيطان ولمّة الملَك
وهذا الملَك عمرنا ما نذكره! فنحن دائمًا نتكلّم عن إبليس — لأننا نعتذر به في مواطن الزلل. أما في مواطن الخير والطاعة والتوفيق فلا نذكر إلا أنفسنا؛ ولا نتذكّر أن الله هو الذي وجّهنا وأيّدنا وأمدّنا بهذا الملَك.
وقد جاء: «إن للشيطان لَمّةً بابن آدم، وللملَك لَمّة؛ فأما لَمّة الشيطان فإيعادٌ بالشرّ وتكذيبٌ بالحقّ، وأما لَمّة الملَك فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقّ» (رواه الترمذي).
فالإنسان واقفٌ في الوسط بين نداءين؛ وهو في النهاية مجرّد مستجيب — تأتيه رسائل ونداءات، فيتجاوب مع هذا أو مع ذاك. والذي يستجيب له أكثر هو الذي ينتصر في النهاية.
النفس: أمّارة ولوّامة ومطمئنّة
وقد يُقال: النفس أحيانًا أمّارة، وأحيانًا لوّامة، وأحيانًا مطمئنّة.
فاللوّامة تلوم على الشرّ وتسعى لإصلاحه بالخير. فإذا استقرّ الإنسان في مواطن الخير صارت نفسه مطمئنّة، فاستحقّت أن تُخاطَب: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةًالفجر: ٢٧–٢٨.
لكنّ الاطمئنان يعني الاستقرار؛ والاستقرار يحتاج جهدًا. فالاطمئنان ثمرةُ مجاهدةٍ طويلة.
آفة الاستعجال
وأكبر مشاكلنا أننا مستعجلون في كلّ شيء. والاستعجال مُنافٍ للنجاح؛ حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم جعله مانعًا من أثر الدعاء فقال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل؛ يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي» (متفق عليه) — فيستحسر ويدع الدعاء.
ومعنى ذلك أن الإجابة كانت نازلة! فمن انتظر ساعتين ثم يئس قبل ربع ساعةٍ من الموعد — ماذا استفاد؟
و«يستحسر» أي ييأس. واليأس أمرٌ خطير؛ قال تعالى: وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَيوسف: ٨٧، وقال: وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَالحجر: ٥٦.
العبرة بكمال النهايات
فالعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات. فالإنسان مع التراكم والصبر والاستمرار يُعينه الله على ما يريد إن كان صادقًا في إرادته — لكن على المدى.
فإن أردتَ أن تُقيّم نفسك وأنت في الطريق، فقيّمها بعد مساحةٍ زمنية كبيرة. فرغم أننا مقصّرون، إن رجعتَ بنفسك ثلاث سنوات لوجدتَ فرقًا.
ومتى تقع المشكلة الحقيقية؟ حين يُقرّر الإنسان أنه لا يساوي شيئًا فيستسلم. فالغريق إنما يغرق غالبًا حين يشعر أن قدرته على المقاومة ضعُفت وأن الموج أقوى منه، فيُقرّر أن يستسلم ليستريح.
العقل والنور والبصيرة
والهوى هو الشهوات التي تهوي بالإنسان — أي تُسقطه. والإنسان يتّبعها لأنه يشتهيها لا لأنه مقتنعٌ بها.
فما الذي يوقفه؟ تعقّله وإدراكه أنه يُدمّر نفسه: عقلٌ ونورٌ وبصيرة.
والعقل آلة؛ فما النور والبصيرة؟ هما ما يمدّ الله به الإنسان: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِالأنعام: ١٢٢، وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍالنور: ٤٠.
والفرق بين البصر والبصيرة: أن البصر يرى المحسوسات، والبصيرة تتعلّق بالمعاني وبعالم ما وراء المحسوس.
ولماذا يُمدح العقل؟ لأنه يقود الإنسان إلى فعل الأصلح. و«العقل» من العِقال الذي يربط ويوقف؛ فهو يحجز الإنسان حين يهمّ بقرارٍ مُهلك، ويجعله يزن الأمور فيختار الأصوب.
فكلّما خفّ عقل الإنسان كان أعرض للمهالك. ولذلك من عظمة الدين أنه يبني للإنسان عقلًا؛ يُعطيه منطقًا وإدراكًا ورؤية.
المتن: يعرف الطريق ويأبى إلا سلوكها
قال رحمه الله: فهو يُطيع الناصح مرّةً فيُبيّن له رشده ونصحه، ويمشي خلف دليل الهوى مرّةً فيقطع عليه الطريق ويأخذ ماله وتُسلَب ثيابه؛ فيقول: تُرى من أين أُوتيت؟
والعجب أنه يعلم من أين أُوتي، ويعرف الطريق التي قُطع عليه فيها وأُخذ منها، ويأبى إلا سلوكها؛ لأن دليلها قد تمكّن منه وتحكّم فيه وقوي عليه.
ولو أضعفه بمخالفته له، وزجره إذا دعاه، ومحاربته إذا أراد أخذه — لم يتمكّن منه. ولكنّه هو الذي مكّنه من نفسه، وهو الذي أعطاه يده؛ فهو من نفسه يضع يده في يد عدوّه فيأسره، ثم يسومه سوء العذاب فيستغيث فلا يُغاث. فهكذا يستأسر للشيطان والهوى ولنفسه الأمّارة، ثم يطلب الخلاص فيُعجزه ذلك.
المتن: العُدد والحصون والمرابطة
فلمّا ابتُلي العبد بما ابتُلي به أُعين بالعساكر والعُدد والحصون، وقيل له: قاتِل عدوّك وجاهده؛ فهذه الجُنن خُذ منها ما شئت، وهذه العُدد الْبَس منها ما شئت، وهذه الحصون تحصّن بأيّها شئت، ورابِط إلى الموت؛ فالأمر قريب، ومدّة المرابطة يسيرةٌ جدًّا.
فكأنك بالمالك الأعظم قد أرسل إليك رسله فنقلوك إلى داره، واسترحتَ من هذا الجهد، وفُرّق بينك وبين عدوّك، وأُطلقتَ في دار الكرامة تتقلّب فيها كيف شئت.
وسُجن عدوّك في أضيق الحبوس وأنت تراه؛ فالسجن الذي كان يريد أن يُودعك فيه — وهو النار — قد أُدخله وأُغلقت عليه أبوابه، وأيِس من الخروج والفرَج. وأنت فيما اشتهت نفسُك وقرّت به عينُك، جزاءً على صبرك في تلك المدّة اليسيرة ولزومك للرباط؛ وما كانت إلا ساعةً ثم انقضت.
فإن ضعُفت النفس عن ملاحظة قِصَر الوقت وسرعة انقضائه فليتدبّر قوله عز وجل: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍالأحقاف: ٣٥.
أعجب ما قيل في الموت
وهذا من أعجب ما تقرأ في وصف الموت: «فكأنك بالمالك الأعظم قد أرسل إليك رسله فنقلوك إلى داره» — والرسل هنا ملائكة الموت.
فهو استدعاءٌ إلى محلّ القرب. ولذلك يتصوّر المؤمن حين تأتيه منيّته أن يُحبّ لقاء الله؛ لأنه لا يُركّز في الموت، وإنما يُركّز فيما بعده.
سؤال عائشة رضي الله عنها
قال صلى الله عليه وسلم: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أكراهيةُ الموت؟ فكلّنا نكره الموت. فقال: «ليس كذلك؛ ولكنّ المؤمن إذا بُشّر برحمة الله ورضوانه وجنّته أحبّ لقاء الله فأحبّ الله لقاءه؛ وإن الكافر إذا بُشّر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه» (متفق عليه).
وهذه طريقتها رضي الله عنها: تُحلّل ما تسمعه وتتفكّر فيه ثم تسأل. فمعنى سؤالها: لا أحد يحبّ أن يموت؛ فالموت مفارقةٌ للأهل، وفيه كربٌ وشدّة. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول عند موته: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» (رواه البخاري).
فالجواب: أنّ المكروه ليس الموت في ذاته، وإنما المحبوب هو لقاء الله؛ والموت مجرّد وسيلةٍ إليه — هو القاطرة التي تنقله.
استطراد: ماذا يقول خطيب الجمعة؟
وقد كنتُ انتقدتُ في خطبةٍ سابقة الخطباء الذين يُكثرون الكلام عن الموت. وتعرف لماذا؟
لأني إن تكلّمتُ عن الموت أبكيتُ البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر. فأيّ أحدٍ أقول له: أنت ستموت، وجسدك سيبلى، وستُفارق الأحبّة، وتُنزع منك الأسباب — سيتأثّر ويبكي طبعًا.
لكنّ هذه حقيقةٌ مشتركة بين الناس جميعًا؛ يشترك فيها المؤمن بالبعث والكافر به. فليست هذه رسالةً إيمانية.
فالمفروض أن يتكلّم الخطيب عن الإيمان والتوحيد وتعظيم الله والدار الآخرة؛ أما الموت فحاجةٌ مشتركة تُزعج الناس جميعًا.
ويُقال: «الخطبة نصفُ عياط»! وأنا أقول: ليست هذه هي الوظيفة، وليست هي الرسالة. فما الذي تغيّر في الإنسان بعد أن بكى ساعة؟ يخرج من الجامع فيقف عند بائع البطيخ ويُركّز في البطيخة — فلم يحدث شيء.
وقد قال لي أحدهم كنصيحة: إذا أردتَ أن تُبكي الناس فتكلّم عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت: ولماذا أتكلّم عن وفاته؟ أَولى أن أتكلّم عن حياته؛ فالقدوة كانت في مساحة الحياة الطويلة تلك. لكنهم يريدون البكاء، فأُجامل بالبكاء! ليست هذه هي الوظيفة؛ المهمّ أن ينتفعوا.
«من نُوقش الحساب عُذّب»
ومن ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «من نُوقش الحساب عُذّب». قالت عائشة رضي الله عنها: أليس يقول الله: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًاالانشقاق: ٨؟ فقال: «ليس ذاك الحساب؛ إنما ذلك العرض. ومن نُوقش الحساب يوم القيامة عُذّب» (متفق عليه).
فهي رضي الله عنها تعرض السنّة على القرآن؛ لا اعتراضًا، بل استيضاحًا. وكذلك سؤالها الآخر لمّا سألتها امرأة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحَرورية أنتِ؟ قالت: لستُ بحرورية، ولكني أسأل (متفق عليه). فهي مجرّد سؤال.
والفرق بين العَرْض والمناقشة: أن العرض أن تُعرض على الإنسان أعماله فيُقرّ بها؛ وأما المناقشة فأن يُسأل عن كلّ جزئيةٍ صغيرة — فمن نُوقش هكذا لن ينجو.
فمن ظنّ أن أعماله ستُنجيه فهو لم يفهم شيئًا. وإنما الأعمال علامةٌ على أنّي كنتُ أحاول أن أكون صالحًا ومتشبّثًا بذلك؛ وهي حالةٌ قلبية: أن يتمنّى الإنسان دائمًا ويُحاول ويُكافح أن يقترب، ولا يستسلم لتيئيس الشيطان ولا لضعف النفس؛ فكلّما وقع قام واستدرك وحاول أن يُصلح.
خاتمة: قِصَر المدّة
وقد ختم رحمه الله بالآيات التي تُصوّر قِصَر هذه المدّة:
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍالأحقاف: ٣٥.
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَاالنازعات: ٤٦.
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَالمؤمنون: ١١٢–١١٤.
يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًاطه: ١٠٢–١٠٤.